بروكسل واستكهولم؛ رسائل سياسية وخطوات مستقبلية

عقد في أيار/ مايو 2022، وبشكل شبه متزامن، لقاءان؛ مؤتمر بروكسل السادس للدول المانحة، ولقاء استكهولم الثالث.

كان مؤتمر بروكسل السادس هذا العام، والذي يُعدّ تتمة لمؤتمرات سابقة منذ 2017 لدعم مستقبل سورية، استثنائيًا من حيث عدم دعوة روسيا، واستبعادها بسبب حربها في أوكرانيا، وبالضرورة السلطة السورية، ومنع استفادتها من أموال المساعدات بحسب ما جرت العادة في اللقاءات السابقة، إضافة إلى طرحه مبادرات أولى لإعادة الاعمار في سورية بدءًا من شمال شرق الفرات ما لم يتحقق الحل السياسي المفترض وفقًا للقرار 2254/2015 بحسب البيان الختامي للمؤتمر. ومع التأكيد على حاجة ما يزيد على 90 في المئة من السوريين إلى المساعدات، أقرّ المانحون تقديم 6.4 مليار يورو، وكانت الحصة الأكبر من الدول الأوروبية.

فيما جاء لقاء استكهولم في جولته الثالثة بدعوة من الخارجية السويدية، وبالتنسيق مع مركز أولف بالما السويدي، وتضمن جدول أعماله: الهوية السورية والعقد الاجتماعي الممكن واللامركزية ودور الرأسمال الوطني السوري في ذلك. التقاطع بين المؤتمرين هو التركيز على منطقة شمال شرق الفرات التي كانت الإدارة الأميركية قد بادرت إلى إعفائها من العقوبات الواقعة على السلطة السورية بفعل قانون “سيزر” 2020، وبدء الحديث عن الفدرالية وتجاوز مقترحات اللامركزية.

المؤشرات الأولية

على الرغم من أن لقاءي بروكسل واستكهولم لم يدخلا بعد حيز التنفيذ الفعلي والتطبيق العملي، إلا أنهما حملا مؤشرات عدة في سياق المسألة السورية، وطريقة مختلفة في التعاطي معها، أهمها:

  • بدا واضحًا من مؤتمر بروكسل تعزيز جهد المانحين في تقديم الأموال، ومنع وصولها إلى السلطة السورية. أما لقاء استكهولم فقد كان برعاية وزارة خارجية السويد، وهي الدولة التي تتسم بالحياد منذ نحو مئتي عام، لتطلب الانضمام إلى الناتو حديثًا بعد الغزو الروسي لأوكرانيا وتهديد أوروبا كلها.
  • بدء الحديث عن إمكانية المباشرة بإعادة الاعمار بدءًا من شمال شرق الفرات في حال لم يتحقق الحل السياسي العام.
  • بدء الحديث عن الفدرالية، ونموذجها المطروح للنقاش في منطقتي شمال شرق الفرات وشمال غرب سورية في إدلب، وذلك بالتزامن مع الطرح التركي لإعادة اللاجئين السوريين وتسكينهم في الشريط الشمالي السوري، في المنطقة الفاصلة بين “المنطقة الكردية السورية” وتركيا، والتي أطلقت عليها تركيا اسم “المنطقة الآمنة”.
  • بينما غُيّبت السلطة السورية، حضر الائتلاف السوري في لقاء بروكسل بصورة رمزية، لكن غاب كلاهما عن لقاء استكهولم، فيما حضره عدد من رجال الأعمال السوريين وعدد من الشخصيات السورية كباحثين ومهتمين من دون صفات سياسية رسمية، باستثناء ممثلي مجلس سورية الديمقراطي (مسد) وبعض حلفائهم السياسيين.
  • كان هناك حضور لافت للمنظمات المدنية في لقاء بروكسل، لكن النتائج لم تكن بحسب ما توخاها القائمون عليها. لكن طرحت خطوط عامة للمنطقتين، تتجاوز موضوعات الدعم الإغاثي والتعليمي الذي يمثل أساس عمل الدول المانحة للاجئين السورين في كل دول اللجوء. حيث طُرحت إمكانية البدء بمشاريع تنموية تخدم أبناء المنطقتين خاصة شمال شرق الفرات، بحسب تصريحات بعض مسؤولي المنظمات الحاضرة في بروكسل.

فهل هناك جدية للسير قدمًا في تثبيت الفدرالية في شمال شرق وشمال غرب سورية؟ وهل ثمة خطوات فعلية ستشهدها المنطقة بديلًا عن الحل السوري المستعصي لليوم؟

المسار السوري

منذ 11 عامًا والمسألة السورية تتحول من طور لآخر: من ثورة سلمية ذات شأن محلي سوري تستهدف التغيير السياسي وإسقاط النظام القائم، إلى تنامي الثورة إلى العسكرة والعنف، وانكشاف واسع للتدخلات الإقليمية متعددة الجهات، خاصة الميليشيات الإيرانية، في مقابل تنامي الفصائل الإسلامية على حساب أطياف قوى الثورة الأولى السلمية والعسكرية متمثلة بالجيش الحر. ثم ومنذ العام 2015، ومع التدخل الروسي العسكري المباشر فيها، تحولت إلى عقدة دولية جيوبولتيكية، شكلت استعصاءً دوليًا في طرق حلها، تتنازعها روسيا وحلفاؤها، على الرغم من وجود القرارات الدولية الأممية (قرار مجلس الامن 2254/2015) وإلى اليوم لم يحدث ما يوحي باقتراب الحل.

بدا واضحًا أن الاستعصاء الدولي أراد تفريغ حمولته من خلال سلال ستيفان دي مستورا، المبعوث الدولي السابق، والذي ألزم فرقاء النزاع، السلطة والمعارضة، بشروط محكمة: فرغم قبول كليهما الدخول في مفاوضات مباشرة من خلال اللجنة الدستورية، التي وُصفت بالمخيبة للآمال لليوم، إلا أنها ألزمت المعارضة السورية بتأخير سلّة الانتقال السياسي وتشكيل الحكومة الانتقالية أمام سلتي الدستورية ومحاربة الإرهاب. فيما أجبر النظام على الرضوخ للشروط الدولية ولكن برعاية روسية لطريقة الحل، مفادها مخرجات مؤتمر سوتشي التي تحاول روسيا فرض شروطه السياسية.

العنوان الأبرز للمسألة السورية في سنواتها الأخيرة هو المراوحة في المكان، فروسيا من جهتها تصرّ على الحل من بوابتها المتحكمة في الأرض السورية، والمنتصرة عسكريًا في الداخل السوري، وتملي شروطها وفقًا لذلك على كلٍ من المعارضة والسلطة معًا. في المقابل المجتمع الدولي متمسك بالحل الأممي مع مراعاة الدور الروسي الرئيسي فيه.  هذا مع بقاء منطقة شمال شرق سورية خاضعة لحكم شبه ذاتي غير رسمي بحماية أميركية، ومنطقة شمال غرب سورية مثلها تحت الحماية التركية، وهذه لليوم تخضع في ترسيم خطوط تماسها لتفاهمات أستانة المتوقفة عند الرقم 17. هذه المراوحة في الحل، قادت الإدارة الأميركية لطرح مبادرة خطوة مقابل خطوة العام 2021، التي ترجمت بالتفاهم الروسي الأميركي على آلية تقديم المساعدات عبر معبر باب الهوى الشمالي بإشراك النظام السوري، مترافقة مع مبادرات المنظمات الأممية وفي مقدمتها الاسكوا، بطرح مبادرة الحلول الاقتصادية ما دون السياسية بعنوان اقتصاد التعافي المبكر. وجميع هذه المبادرات لم تفضِ الى تقارب في طريقة الحل الممكنة، فيما أدت الحرب الروسية على أوكرانيا الجارية حاليًا إلى فشلها، وإيقاف تفاهمات خطوة مقابل خطوة. ليأتي الطرح الأميركي اليوم باستثناء شمال شرق الفرات من العقوبات والمساهمة في تحريك أموال المانحين بعيدًا عن سلطة النظام القائمة ترجمة لهذا الفشل، ما قد يؤشر للبدء بمرحلة جديدة.

تطورات المشهد الدولي وانعكاسه على المسألة السورية

منذ شباط/ فبراير الماضي، والعالم برمته مستنفر ومترقب لنتائج الحرب الروسية على أوكرانيا، فيما حلف الناتو بقيادة أميركيا والاتحاد الأوروبي باشر بفرض سلسلة من العقوبات المتتالية على روسيا، ودعم أوكرانيا عسكريًا ولوجستيًا في حربها. هذه التطورات أعادت المسألة السورية للساحة الدولية مرة أخرى، حيث الخيط السياسي الواصل بين سورية وأوكرانيا هو روسيا ونزعتها الجيوبوليتيكية في الاستحواذ والهيمنة وفرض شروطها على العالم، وخاصة أوروبا والناتو، كقطب دولي ثانٍ ومنفرد من خلال المحور الأوراسي التي تزمع تنفيذه.

بدأت عودة المسألة السورية للساحة الدولية من العواصم الأوروبية المتمثلة ببروكسل واستكهولم. حيث أوضحت الحرب الروسية على أوكرانيا مدى الخطر الذي تمثله روسيا على أوروبا واحتمالات نشوب حرب عالمية ثالثة، والأوضح هو الخطأ الغربي في علاج المسألة السورية منذ 2013، وترك الساحة السورية للاستفراد الروسي فيها، مع بقاء أميركيا كضابط إيقاع العملية السياسية، وفرضها فرض الحماية على منطقة شمال شرق الفرات والتمركز في موقع “التنف” الحدودي عسكريًا في إشارة إلى عدم انتهاء المسألة العسكرية في سورية كما تريدها روسيا. هذا مع بقاء الدور التركي مناورًا بين الروس والأميركيان في ترسيم خطوط التماس مع كل من سلطة النظام وقسد، مع محاولة دؤوبة من الأوروبيين، خاصة ألمانيا وفرنسا، للعب دور الوسيط فيها.

اليوم تنكشف الساحة العالمية عن تهديد روسي واسع لأوروبا والناتو، خاصة اذا ما تمركزت على البحار الدافئة في المتوسط وأوزوف والأسود، وما قد ينجم عنه من تطورات في الحرب الأوكرانية. فإذا كانت المواجهة الروسية الغربية محفوفة بخطر امتداد الحرب وتوسعها داخل أوروبا، عدا عن الخطر النووي، فإن السعي الأوروبي الأميركي سيكون الضغط بالعقوبات الاقتصادية، والعمل على هزيمة روسيا عسكريًا في أوكرانيا، ما يعيد إمكانية تفعيل أدوات الضغط على روسيا بدءًا من المسألة السورية. هذا ما يمكن أن يكون تفسيرًا أوليًا لطريقة بروكسل السادسة اليوم، واستحداث استكهولم، ما يعيد طرح مهمات جديدة على الوطنية السورية وفق مستجدات الواقع العالمي.

الممكن السوري اليوم

يتطلب تجاوز الاستعصاء السوري في الحل وفق 2254 إدارة سورية جديدة، مختلفة عن إدارة المعارضة الرسمية. فالمسار الواقعي للحدث السوري يعني المواجهة العسكرية المباشرة مع روسيا، وهذا ما يتفاداه الغرب. في المقابل، لم تثمر المفاوضات السياسية إلى اليوم، سواء عبر أستانا أو اللجنة الدستورية، سوى المراوحة في المكان. أما المستجدات الراهنة في الواقع العالمي فإنها تقود إلى خيارات عدة يمكن للوطنية السورية العمل في ضوئها، أهمها:

  • إن الخيارات المطروحة أوروبيًا وأميركيًا تتمثل بتفعيل نقاط الضغط على روسيا في سورية من خلال منطقتي الشمال الشرقي والشمال الغربي، والتي تعني إمكانية حدوث تقارب بين مسد والائتلاف الوطني على خلفية تفاهم تركي أميركي وتجاهل الروس. يُضاف إلى ذلك تفعيل دور الدول المانحة ورجال الأعمال السوريين للبدء بخطوات فعلية في تثبيت استقرار المنطقتين، وهذه قد تقود إلى الفدرالية إن لم تكن خطوة باتجاه التقسيم، في حال لم تُخلق مسارات سياسية جديدة بين المتحكمين في المنطقتين. فيما تخرج من المعادلة منطقة الجنوب السوري القلقة سياسيًا لليوم، والتي تشير الدلالات الأولى إلى انسحاب روسيا منها وتركها للميليشيات الإيرانية، ما ينذر بمعارك قادمة فيها ستتعدد فيها أطراف الصراع.
  • الخيار الثاني البحث في التفاوض المباشر مع الروس حول الحل السوري العام وفق مؤشرات المرحلة الحالية، وهنا يمكن للمعارضات السياسية السورية أن تؤدي دورًا ما إذا ما استفادت من مخرجات بروكسل واستكهولم، خاصة من حيث بناء تفاهمات جديدة على أرضية تحجيم النزعات الانفصالية لبعض الأطراف، وتحجيم التطرف الإسلامي لبعضها الآخر، ومن ثم الدخول في تفاوض مع الروس أنفسهم على أرضية قرارات الأمم المتحدة.

هذا يعني بالضرورة ضرورة الاستفادة من لقائي بروكسل واستكهولم في العمل على تفعيل مسارات سياسية وطنية جديدة، تأخذ بمستجدات الواقع الحالي دوليًا ومحليًا، وتتخذ من الحل السوري على أساس المواطنة واللامركزية الإدارية والديمقراطية واسترداد الدولة من سلطة العسكر القابعة في دمشق بوصلة لها، وهذا يستلزم فتج حوارات سورية جديدة على أرضية مختلفة عن تلك التي كانت وما زالت معتمدة على شرعيات سلطات الواقع الراهنة بشتى صنوفها المتباينة في الأهداف والهويات والمصالح.

الهوية الوطنية السورية اليوم في أصعب لحظاتها وامتحاناتها. لكن لا يمكن البقاء في ساحة الارتهان للقرارات الدولية من دون فعل محلي يعزز نقاط قوتها، ولا يمكن تمنية النفس بحلول كلية في المسألة السورية بطريقة سحرية. هذا يتطلب جهدًا مضاعفًا ومسؤولًا من الشخصيات الوطنية السورية الثقافية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية، بوصفهم رجال دولة لا رجال سلطة، عن طريق المشاركة الواقعية الفاعلة في ترسيم خطوط المرحلة المقبلة وفق خطوات زمنية واضحة المعالم والأهداف، مع التخلي عن أوهام كل من السلطة والمعارضة الرسمية بحلول تأتي على هوى الطرفين، فقد أثبتت المسألة السورية لليوم أنه لا يمكن إدارتها وإيجاد حلول لها وفق الطريقة التي كانت مولدة لأسباب أزمتها واستعصاءاتها.

جمال الشوفي

كاتب وباحث سوري، دكتوراه في الفيزياء النووية من جامعة القاهرة 2008، له العديد من الأبحاث العلمية حول الوقاية الإشعاعية والطب النووي نشرت في مجلات متخصِّصة، مدرس محاضر في جامعة الاتحاد الخاصة، كلية الهندسة المعلوماتية من 2012 حتى الآن، مدرس محاضر في جامعة دمشق-كلية الهندسة الميكانيكية والهندسية من 2012 إلى 2015. وله نشاطه أيضًا في الحقل الفكري السياسي، ومن كتبه المنشورة: المسألة السورية ومرايا الجيوبوليتيك الدولي، دفاعًا عن الحرية والوطن المهدور، الجدل التواصلي (سؤال العقل والتقنية)، ونشر عددًا من الدراسات مثل "المعارضة السورية بين بذور الحرية وطعوم الاستبداد- دراسة نقدية بنيوية" المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام، 2016؛ و"المجتمع المدني السوري بين الرؤية والواقع/ مخاض تجربة وهوية تتشكل" في العدد الأول من مجلة (قلمون) للدراسات والأبحاث – أيار 2017، وله العديد من المقالات المنشورة في صحف ومواقع عديدة، نال الدرجة الثالثة في مسابقة جائزة ياسين الحافظ في الفكر السياسي للعام 2017.

مشاركة: