الحلقة الثانية؛ سورية في عام 1919

فريق عمل بإشراف فادي كحلوس

قبل افتتاح مؤتمر الصلح في باريس، زار الأمين العام لوزارة الخارجية الفرنسية “جين غو” فيصلًا، وأبلغه أن عدم اهتمام فرنسا به هو تجاهل متعمد، وفرنسا تعتبره سائحًا، ولا تعترف للنبي بما أعطاه من تأكيدات، وأن فرنسا دولة قوية، وإذا كان أللنبي قد اعترف لك بوجود جيش عربي في سورية فهو كاذب. ورد عليه فيصل قائلًا: إعلم أن والدي لم يحارب الأتراك لأجل أن تتجزأ بلاده، ولا تحسبوا أنني أخاف قوة فرنسا وشدة بطشها، فأسلمكم بلادي، وإني عدو لمن يخالف سياستنا الوطنية ويعارضها أكان ذلك المعارض فرنسيًا أو إنكليزيًا.
سيطرت على المؤتمر الدول الكبرى؛ بريطانيا، وفرنسا، وأميركا. ثم انسحبت أميركا منه، وقد تحددت لفيصل فكرة (دولة سورية) بعد تيقنه أن لا أمل في إقامة دولة عربية واحدة؛ لما رآه من عزم بريطانيا وفرنسا على تنفيذ سايكس-بيكو. وقد ظهرت هذه الفكرة في المذكرة التي قدمها إلى مؤتمر الصلح، في الأول من كانون الثاني/ يناير 1919، وفي الكلمة التي عرض بها القضية العربية أمام المؤتمر في 6 شباط/ فبراير من العام نفسه. وكانت دولة سورية عند فيصل قد انبثقت عن أمرين؛ كما جاء في مذكراته: أن المناطق العربية المختلفة في آسيا، سورية والعراق والجزيرة والحجاز ونجد واليمن، تختلف اقتصاديًا واجتماعيًا اختلافًا كبيرًا؛ مما يجعل ضمها في إطار حكومة واحدة أمرًا صعبًا لا يمكن تحقيقه. وأنه قد قامت ثورتان؛ عربية قادها والده الحسين، وسورية قادها بنفسه بصفته عضوًا قديمًا في (جمعية سورية) ويقصد بها (العربية الفتاة) لذا؛ فقد كان بنظره أمرًا طبيعيًا أن تقوم دولة في سورية منفصلة عن الدولة العربية.
في المؤتمر، في 13 شباط/ فبراير، تقدم “شكري غانم”، بناءً على طلب “كلمنصو”، قائلًا إنه يتكلم باسم أكثر من مليون شخص عانوا العذاب والاضطهاد “يقصد المسيحيين” وطالب لهؤلاء بالحرية، لكنه لا يقبل أن يكون تحرير سورية عن طريق الحجاز، كما أنه لا يرضى أن تكون له صلة بالحجاز، وعارض أن يتكلم فيصل باسم جميع الناطقين باللغة العربية وباسم سورية، واستنكر ضم سورية إلى الجزيرة العربية، واصفًا ذلك بـ “افتئات صارخ على قدسية الأرض التي أنبتت هذا الشعب وعلى تاريخه” وطلب غانم مساعدة دولة أجنبية لسورية، وهي فرنسا، ورفض الاقتراح الأميركي بإرسال لجنة استفتاء إلى سورية. كما تقدم “داوود عمون” أحد أعضاء مجلس لإدارة لبنان أمام المؤتمر في 15 شباط/ فبراير، وطالب باستقلال لبنان عن سورية ووضعه تحت الانتداب الفرنسي.
دخلت مسألة سورية في جدال طويل بين فرنسا وبريطانيا، وكان الجدال الذي دار في 20 آذار/ مارس أهمها؛ حيث أصر “لويد جورج” على اتفاق إنكلترا مع العرب، وعلى أن سورية الداخلية تكون تحت إدارة عربية، حسب مراسلات الحسين-مكماهون. ورفض لويد جورج تعديل اتفاقية سايكس-بيكو إلا بما يخص فلسطين والموصل.
فيصل، في هذه الأثناء، كان ينتظر صدور قرار بإرسال لجنة الاستفتاء الأميركية، حيث كان يعتبرها إنقاذًا لسورية من الفرنسيين، أما بالاستقلال أو بالانتداب الأميركي أو البريطاني. وتم تعيين لجنة لإرسالها إلى سورية في 25 آذار/ مارس 1920، لكن بريطانيا وفرنسا أخذتا تسوفان في تسمية أعضائها في اللجنة، حتى قرر الرئيس ولسن في 25 أيار/ مايو 1919 إرسال الأعضاء الأميركيين فقط.
أخذت بريطانيا على عاتقها التوفيق بين فيصل وفرنسا، كي يغض فيصل النظر عن إرسال اللجنة، واستخدمت لورنس لهذه الغاية. وقابل فيصل كلمنصو في 13 نيسان 1919، وكان لورانس حاضرًا كمترجم، وفي اللقاء أظهر كل طرف مطالبه علنًا؛ كلمنصو أراد أن يكون لفرنسا أثر في سورية، حتى ترضي كرامتها، وذلك بإحلال جندها محل الجند الإنكليز. وقد سجّل ساطع الحصري الحوار الدائر “قال كلمنصو: إن الجنود الإنكليز سينسحبون من الشام وحلب، وإني أود أن تقوم عساكرنا مقام العسكر الإنكليز. فأجاب فيصل: لا أستطيع الموافقة، فسورية لا تحتاج إلى عسكر أجنبي، وإذا احتاجت فإنها لا تتأخر ان تطلبها منكم، فرد كلمنصو: أنا لا أود احتلال البلاد، غير ان الأمة الفرنسية لا يرضيها ألا يكون لها في سورية أثر يدل على وجودها فيها، فإذا لم تُمثل فرنسا في سورية بعلمها وعسكرها، فإن الامة الفرنسية ستعد ذلك عارًا، ولا نريد ان نرسل قوة كبيرة، بل نفرًا قليلًا، ولا مانع أن يوضع علمكم إلى جانب علمنا.”

ساطع الحصري

في 21 نيسان/ أبريل، ذكر فيصل إلى الضابط الإنكليزي “بالمر” أنه اتفق مع كلمنصو بناءً على نصيحة لورانس، لإقامة انتداب فرنسي على سورية، يكفل استقلالها، وقال بأنه لم بقصد أن ينفذ هذه الاتفاقية، لأن السوريين ضد الفرنسيين بحالة عامة. أما أمام الفرنسيين فقد صرّح فيصل بعكس ذلك، فقد ذكر لجريدة “ماتان” بأنه اتفق مع كلمنصو وبأنه مع كل السوريين، مقتنع بأن الدولة الأوروبية الوحيدة التي تدعم استقلال سورية، هي فرنسا. كما أصر فيصل على إرسال لجنة الاستفتاء. لتتوالى المراسلات بين فيصل وكلمنصو، وأُجلت المباحثات في المسألة السورية حتى حزيران 1919، وغادر فيصل فرنسا في 23 نيسان/ أبريل.
أسست جمعية “الفتاة”، والذي كان فيصل أحد أعضائها، في 5 شباط/ فبراير 1919، حزبًا سياسيًا، بالأهداف نفسها والنظام ذاته، ودعته حزب الاستقلال، وكانت المادة الأولى من نظامه “استقلال البلاد العربية استقلالًا تامًا، بجميع معانيه الحقوقية والسياسية، وتأييد ذلك الاستقلال، وجعل الأمة العربية في مصاف الأمم الحية”. ضم الحزب عددًا من الشخصيات، ومنها؛ فيصل وزيد، الشيخ كامل القصاب، شكري القوتلي، إبراهيم هنانو، الركاب، الشهبندر، يوسف العظمة. وظل هذا الحزب مسؤولًا عن قيادة سورية سياسيًا طيلة العهد الفيصلي، وعمل هذا الحزب على نشر مبادئ القومية العربية، واستنهاض الفكر، وهدف إلى الاستقلال التام والوحدة العربية. قام هذا الحزب بنشاط مهم أثناء غياب فيصل في أوروبا؛ حيث أسس أعضاؤه، وعلى رأسهم، الشيخ كامل القصاب، لجنة وطنية غايتها الدفاع عن البلاد ووضعوا نظامها في 17 تشرين الثاني 1919، وانبثق عن اللجنة الوطنية، لجان فرعية:
⦁ لجنة الدعاية للوحدة العربية، ضمت سوريين وعراقيين وحجازيين ولبنانيين ومغاربة، وكانت مهمتها بث فكرة الوحدة العربية.
⦁ لجنة العمل للوحدة السورية، ضمت سورييت ولبنانيين وأردنيين، وتهدف للحفاظ على وحدة سورية.
⦁ لجنة الإخاء الوطني، لحفظ الوحدة الوطنية بين مختلف طبقات الناس ومذاهبهم.
⦁ لجنة الاحتفاء بالزائرين، لتسهيل مهمة العرب القادمين إلى سورية.
⦁ لجنة الدفاع عن الاستقلال، وجمعت المتطوعين، ومدتهم بالأسلحة والذحيرة، وكان هدفها مقاومة فرنسا.

يلاحظ العديد من مؤرخي تلك الآونة، تدني المفهوم القومي نحو المفهوم الإقليمي، والذي أتى انعكاسًا للظروف السياسية التي كانت تُفرض على العرب في مؤتمر الصلح، فقنع العاملون بالعمل للوحدة السورية بدل الوحدة العربية، كما انقسم حزب العهد، والذي أسسه عزيز المصري إلى العهد السوري والعهد المصري.
من الأحداث الفارقة في هذا العام، ما عرف بـ”فتنة الأرمن” في 28 شباط/ فبراير، حيث اقتتل رجلان، أرمني ومسلم في سوق حلب، بسبب سرقة الأرمني لبقرة المسلم، وتعصّب كل طرف إلى ملّته، وبدأ القتال، وانتشر في الاحياء، ونُهبت البيوت، وكانت النتيجة مقتل 25 من الأرمن ومسلم واحد، حسب ما وثّقها المؤرخ “الغزي”. وشكلت بريطانيا محكمة عسكرية وخكمت بالإعدام على 35 شخصًا، وحسب الغزي، فإن الأسباب البعيدة لتلك الفتنة تعود إلى أن الفرنسيين كانوا قد طوعوا بجيشهم في الساحل وكيليكيا عددًا كبيرًا من الأرمن، أخذوا ينتقمون من المسافرين، أتراكًا وعربًا، وهم عائدون إلى سورية، في الممرات الجبلية، فيسلبونهم ويقتلونهم/ مما ملأ نفوس الناس حقدًا عليهم.
يشير الكاتب علي سلطان في تناوله لعودة فيصل إلى سورية في 30 نيسان/ أبريل، أن فيصلًا في سورية غير فيصل في أوروبا (..) فتصريحاته السياسية في سورية، تناقض أقواله في أوروبا، وأنه اتبع سياسة مزدوجة، واحدة لإرضاء بريطانيا والحلفاء، والثانية لإرضاء الوطنيين والقوميين في سورية (..) ففي حين قبل فيصل بمساعدة أميركا وبريطانيا وهو في أوروبا، قال في بيروت: كل من يطلب معونة إنكلترا أو فرنسا أو أميركا، فهو ليس منا، نحن لا ننكر أننا محتاجون إلى المعاونة الفنية، وسنتفق عليها مع من نريد، وهذا لا يكون إلا بعد أخذ الاستقلال التام. وأما القلق الذي يساور النفوس من سياسة بريطانيا وفرنسا تجاه العرب، صرّح فيصل في بيروت للصحف، بأن لجنة دولية ستأتي إلى سورية، لمعرفة رغبات الشعب في نوع حكمه، وذكر أن مؤتمر الصلح اعترف باستقلال البلاد العربية ومنها سورية، لكنه لم يذكر قرار الانتداب عليها، ولم يذكر رفض فرنسا وبريطانيا الاشتراك في اللجنة.

يذكر تحسين قدري -المرافق العسكري للأمير فيصل- في مذكراته، بعض ما شاهده خلال مرافقته للأمير إلى باريس للمشاركة في مؤتمر الصلح في 1919، حيث يوضح هنا بعض الأمور التي شاهدها أو عايشها برفقة الأمير فيصل وتعليقاته على مساعيه هناك في سبيل القضية العربية. من ذلك مثلًا تصرّف الفرنسيين مع الأمير فيصل لإغرائه بالحياة الباريسية “كما كانوا يعملون مع باي تونس”. وهكذا فهو يروي كيف أن الجانب الفرنسي دعاه إلى حفلة راقصة في بلدية باريس، وكان مع الأمير فيصل وزير الخارجية المسيو غو، حيث جاءت الراقصات بعد انتهاء رقصة الباليه إلى الطاولة التي يجلس عليها الأمير فيصل للترحيب به ومجالسته. ولكن الأمير نهَر تحسين قدري وقال له “هيا لنخرج ونذهب من هنا! هل الفرنسيون يفكرون أنني جئت إلى هنا للتمتع بالراقصات والوَنْسة؟ لا، إنهم يغلطون في ذلك”. وكما يضيف تحسين قدري فقد كان الأمير فيصل منفعلًا و”ترك الحفل غاضبًا، وقد بهت جميع الحاضرين عندما غادر الأمير الحفل”. ويقول قدري: كان هناك ما يشغل الأمير فيصل بالفعل: “كان الأمير كثير الاهتمام في نجاح الثورة العربية، وسماع أول صوت للثورة والأمة العربية في طلب استقلالها. وكان يطلب بإلحاح من الملك حسين أن يزيده من الإيضاح ويرسل له جميع مخابراته مع الإنكليز”. ويضيف: كانت مشكلة الأمير فيصل التي تسبّب له الحرج أنه كان يسمع شيئًا من والده عن “العهود المكتوبة مع الحلفاء”، ولكنه يسمع الآن من الحلفاء غير ذلك. ومن هنا “قرّر فيصل الذهاب إلى لندن للاتصال بالبريطانيين وأخذ الوثائق التي كانت معقودة بينهم وبين أبيه الملك حسين”، ولكنهم “كانوا يماطلون بها ولم يجيبوه على مطالبه سوى بالمماطلة”. في هذه الحالة، التي لم يصل فيها إلى شيء مع فرنسا وبريطانيا، “لم يرد أن يضيع الفرصة في إيجاد دولة عربية كأساس لاستقلال جميع البلاد العربية في المستقبل” واتصل بالرئيس الأميركي ولسن ووزير الخارجية تشارلز هيوز “وكانوا فعلًا يساعدونه على هذه السياسة”، و”لكن السياسة الفرنسية والإنكليزية كانت تطغى على السياسة الأميركية، ومع ذلك تقرّر إرسال هيئة استفتاء دولية إلى سورية”.

تحسين قدري

أما المسألة التي أثارت الآراء المختلفة حول الأمير فيصل في باريس فكانت اتصال زعماء الصهيونية (وايزمن وسوكولوف) به وتوصل الطرفين إلى ما يسمى “اتفاقية فيصل – وايزمان” كانون الثاني/ يناير 1919. وحول هذا يقول تحسين قدري “إن الأمير فيصل كان بين مشاكل جمة: أولها فرنسا وطلبها الانتداب على سورية، ثم إنكلترا ووجودها في فلسطين، ثم الدخول لمؤتمر الصلح، ثم نكث الإنكليز للعهود المقدمة للملك حسين.. وكان الأمير فيصل تجاه كل هذه المشكلات يعلم بما يضمره “اليهود”، ولكنه أراد أن يستفيد من هذه المناورة السياسية ويضع أساس فكرة القومية العربية واستقلال البلاد العربية”. وبناء على تأكيد الإنكليز “أنه لا يمكن أن تكون دولة صهيونية في فلسطين، أما عن يهود فلسطين فهم مواطنون ولا بأس من ذكر اسم وطنهم ليس إلا، فكتب فيصل بخط يده (..) والمقصود هنا هو التحفّظ الذي كتبه الأمير فيصل بالعربية على النسخة الإنكليزية للاتفاقية بالعربية ووقع تحته “بشرط أن يحصل العرب على استقلالهم كما طلبت بمذكرتي المؤرخة في الرابع من شهر يناير سنة 1919 المرسلة إلى وزارة خارجية حكومة بريطانيا العظمى. ولكن إذا وقع أقل تعديل أو تحويل يقصد بما يتعلق بالمطالب الواردة بالمذكرة فيجب أن لا أكون عندها مقيدا بأي كلمة وردت في هذه الاتفاقية التي يجب اعتبارها ملغاة لا شأن ولا قيمة قانونية لها ويجب أن لا أكون مسؤولًا بأية طريقة مهما كانت”.
وبهذه المناسبة، أوصل الأمير فيصل إلى مرافقه المؤتمن فلسفته السياسية التي كان يعمل بوحي منها، وهي على إيجازها يمكن أن تساعد على فهم الأمير فيصل والحكم عليه: “كان يذكّرني شخصيًا إني أريد أن أعمل نواة لجيل المستقبل وهذا الجيل يكمل ما بنيتُه. نعم هذا البناء فيه الكثير من الشوك، وعلى الجيل العربي القادم أن يزيله، وبدون أساس لا يمكن بناء القومية العربية لكي تتأصّل في الأجيال القادمة. سياستي أن نستفيد من كل فرصة مناسبة، ورويدًا رويدًا ستطغى الفكرة العربية، ولا بدّ من حرب ثانية أو فرصة ثانية، وهكذا سوف تستفيد الأمة العربية وتبني مجدها الغابر”.
لسبب غير معروف، توقف تحسين قدري في مذكراته فجأة عند قدوم لجنة كينغ- كرين إلى دمشق صيف 1919، وهي التي اقترحها الرئيس ولسن في مؤتمر الصلح بعدما سمع خطاب الأمير فيصل ودفاعه عن حق العرب بالاستقلال وعوّل عليها كثيرًا الأمير فيصل بعد عودته إلى دمشق داعيًا السوريين إلى أن ينتخبوا ممثليهم (المؤتمر السوري) ليعبروا عن رغبتهم أمام المجتمع الدولي.

في هذه الآونة، كان على فيصل مواجهة عدة مسائل مهمة في سورية بعد عودته من أوروبا:
⦁ طمأنة العرب ومخاوفهم من محاولات لاستعمار بلادهم وإقناعهم بوحدة سورية فقط، والتخلي عن القضية العربية ككل.
⦁ تنظيم الفكر العربي وتوحيده أمام لجنة كنغ-كرين.
⦁ معارضة اللبنانيون لوحدة سورية.
⦁ إبقاء الإنكليز في صف فيصل.
⦁ الاحتفاظ بموقف أميركا المناهض لسايكس بيكو.
أراد فيصل شرح ما فعله وما اتخذه من مواقف وقرارات في مؤتمر الصلح، فدعا إلى اجتماع بدمشق، حضره الساسة والوجهاء ورجال الدين وأهل الرأي، وكان الاجتماع أشبه بمؤتمر وطني، وألقى فيصل خطابًا، كان بمثابة برنامج سياسي، حدد فيه فيصل أن غايته العمل على إقامة دولة سورية الطبيعية، واستقلالها عن الحجاز والعراق، واستعمل تعبير “الأمة السورية”، وهو تعبير جديد في مفهوم القومية العربية، وأعاد ما قاله في مؤتمر الصلح: إن الأمة السورية، أمة تريد أن تستقل، وتأخذ ما تحتاجه من المعاونة، بدريهمات معدودات، وقلت: إن السوريين يطالبون استقلال بلادهم الطبيعية، ولا يريدون أن يشاركهم فيها شريك. ولقي فيصل تأييدًا بما طرحه من قبل المؤتمرين.
قرر فيصل استقبال العائدين العرب من تركيا، كون أغلبتهم سوريين، وبدأ صراع بين السوريين، وبين ضباط الثورة العربية؛ تجلى ذلك في التفاف الضباط السوريين حول يوسف العظمة، الذي حارب مع العثمانيين حتى نهاية الحرب، والذي عيّنه فيصل مرافقًا له، ثم معتمدًا في بيروت، وأصبح أحد أعضاء “العربية الفتاة”. ومما فعله فيصل لاحتواء هذا الصراع، بأن أدخل السوريين إلى إدارة الدولة، وأبقى رجال الثورة من العرب إلى جانبه يحميهم ويستشيرهم. كما تم إعادة تشكيل الجيش العربي، باسم إعادة تشكيله على النظام الحديث، وفشل قائده ياسين الهاشمي “العراقي” من إعادة تشكيله، بسبب عودة الضباط السوريين واختلافهم معه، وانحيازهم إلى يوسف العظمة. وحين اعتقال الإنكليز للهاشمي في كانون الأول/ ديسمبر 1919، عُيّن العظمة بدلًا منه. كما فرضت بريطانيا وفرنسا حصارًا على تسليح الجيش.

ياسين الهاشمي

قرر فيصل، بالاتفاق مع جمعية “الفتاة”؛ دعوة مؤتمر سوري عام يمثل كل سورية، وتقرر أن تجرى انتخابات من قبل الناخبين الثانويين الذين انتخبوا آخر مرة نوابًا عن البلاد لمجلس المبعوثين في إسطنبول، وعلى هذا الأساس دعت حكومة الركابي أعضاء المجلس العمومي (النواب في ولايتي دمشق وحلب) المنتخبين على مقتضى القانون العثماني، ليكونوا أعضاءً في المؤتمر السوري، وكان المؤتمر مدعومًا من حزب الاستقلال وحزب الاتحاد السوري، وكان ممثلًا شرعيًا للبلاد. ورغم سيطرة حزب الاستقلال على المؤتمر، فقد حاول الزعماء التقليديون والأغنياء –الذين سمحت لهم طبيعة الانتخابات أن يكونوا أعضاءً في المؤتمر- أن يسيطروا عليه، فعقدوا اجتماعًا للنواب في دار محمد فوزي العظم وانتخبوه رئيسًا للمؤتمر، وعبد الرحمن اليوسف نائبًا له (والذي قتله الوطنيون بعد الاحتلال الفرنسي لتعامله معهم). إلا أن الاستقلاليين أفشلوا ذلك، وانتخبوا هاشم الأتاسي رئيسًا له في 19 حزيران/ يونيو. وكانت مهمة المؤتمر الأساسية؛ وضع قانون أساسي للبلاد، والإشراف على أعمال الحكومة.

محمد فوزي العظم

في جلسة المؤتمر المنعقدة بتاريخ 17 حزيران، طالب معظم النواب بوحدة سورية واستقلالها التام، وانتداب بريطانيا أو أميركا إن لم يكن بد من الانتداب. وكانت فرنسا تقاوم فيصل في لبنان، عن طريق تخويف المسيحيين من المسلمين، ووصف جيش فيصل بالجيش الحجازي، والحكومة العربية بالحكومة الدينية، كما شنّت الصحف اللبنانية الموالية لفرنسا حملة ضد فيصل، لتفريطه بفلسطين، وقبوله بالانتداب البريطاني المتفق مع الصهيونية، وأوعز الفرنسيون إلى مجلس غدارة لبنان، أن يتخذوا قرارًا بمنع فيصل من المطالبة بلبنان، وهذا ما سمعه فيصل بأذنه منهم في 2 أيار/ مايو. وصدر منهم قرار باستقلال لبنان.

هاشم الأتاسي


نفّذ “بيكو” سياسة فرنسا الطائفية في سورية، حيث اتصل بالطوائف بهدف ضمهم لصفوف فرنسا ضد الحكومة العربية، فاتصلوا بالعلويين ووعدوهم بإعطاء كيانًا خاصًا وجيشًا، كما اتصلوا بالدروز في آذار، وحسب د. علي سلطان في كتابه “تاريخ سورية، حكم فيصل بن الحسين”: “طالب الدروز بالاستقلال الإداري تحت الوصاية الفرنسية، وأن يُعفى الدروز من الخدمة العسكرية الإجبارية، وأن تحسّن فرنسا حالهم وجبلهم من الناحيتين المالية والاقتصادية، واعتبار آل الأطرش أمراء كالأمراء الجزائريين، وللسكان حق التسلح لمحاربة البدو أو أن تحميهم فرنسا منهم. وفي حزيران 1919، تعهّد فارس الأطرش ومتعب هلال الأطرش وسلمان عبده الأطرش على خدمة فرنسا، ومن يخالف يدفع 500 ليرة ذهبية جزاءً. كما تقدم سليم الأطرش بطلب إلى الحكومة الفرنسية لحماية عائلته، وقعل مثله متعب الأطرش، وطالب هؤلاء في 2 حزيران الأمير فيصل بتشكيل حكومة وطنية في جبل الدروز، وأن يكون سليم الأطرش متصرفًا عليها. وفي تموز/ يوليو؛ أعطى فيصل لعائلة الأطرش وظائف عليا تلافيًا لنشاطات “بيكو” وعيّن سليم متصرفًا للجبل. وأعطى سلطان رتبة فريق بالجيش، وعيّن نسيب موظفًا عاليًا في الحكومة. ويضيف علي سلطان: كما عقد “بيكو” اتفاقية في 12 تموز/ يوليو مع محجم بن مهيد، وهو أحد شيوخ قبيلة “عنزة” والتي تقطن البادية السورية وأطراف الجزيرة السورية. وتألفت تلك الاتفاقية من سبع مواد، منها: تعهّد محجم بطلب الانتداب الفرنسي، ولفرنسا الحق على كل أراضي “عنزة” في الامتيازات الخاصة الممنوحة للتجار الفرن

سيين، بما يضمن مصالح الطرفين، ويلحق محجم بضابط فرنسي، وطبيب، يقدمان له المساعدة المادية والمعنوية، ويتعهد محجم بألّا يتحالف إلا مع فرنسا.
في 3 تموز/ يوليو، قابل رئيس المؤتمر السوري، وواحد وعشرين عضوًا من مختلف مناطق سورية، لجنة كينغ-كرين، وقدموا لها قرار المؤتمر، القاضي بطلب الاستقلال التام لسورية الموحدة، وأن يكون نظام الحكم فيها ملكيًا على مبدأ اللامركزية، وأن يكون فيصل ملكًا عليها؛ كما احتج المؤتمر على إدراج سورية تحت البند 22 من عصبة الأمم، الخاص بالانتداب، لأن سورية “لا تقل رقيًا عن بلغاريا واليونان وصربيا” وقبل المؤتمر بالانتداب الأميركي كمساعدة فنية، وإذا لم تقبل أميركا؛ فبالانتداب البريطاني، على ألا يمس استقلال سورية التام ووحدتها، وألا تزيد مدة الانتداب عن عشرين عامًا. كما رفض المؤتمر كل حق تدّعيه فرنسا في سورية، ورفض انتدابها، ورفض الوطن القومي لليهود في فلسطين، وفصل لبنان عن جسم سورية، وطالب المؤتمر بالاستقلال التام للعراق، وطلب أن يسمح له بإرسال وفد إلى مؤتمر الصلح لتمثيل البلاد، وأبدى المؤتمر ثقته وأمله بالرئيس ولسن لتحقيق هذه الآمال.
أما فيصل فقد قابل اللجنة مرتين؛ دعم فيها مطالب المؤتمر، وأوضح أن السوريين جمبعًا متفقون على الوحدة، وأن الحركة الانفصالية اللبنانية هي حركة غير طبيعية أثارها الفرنسيون.
قدمت اللجنة تقريرًا في 28 أب/ أغسطس 1919 إلى المندوبين الأميركيين في باريس، وضم التقرير ثلاثة أجزاء، ومن التوصيات التي ذكرتها اللجنة:
⦁ إقامة الانتداب تحت إشراف عصبة الأمم بمفهومه التطوري والحسن، وتحديد زمن له، مع العناية بالثقافة والاقتصاد، وتطور المفهوم الوطني وإزالة الخوف السائد من أن سورية ستُستعمر.
⦁ وحدة سورية، ووضعها تحت انتداب واحد، وأن يكون فيصل رئيسًا لها، وتقليل البرنامج الصهيوني الواسع والقاضي بهجرة اليهود غير المحدودة إلى فلسطين.
اعتبر فيصل نتيجة الاستفتاء انتصارًا لسياسته، فرأى، مع بعض الوطنيين، أن ينتهوا من الحكم العسكري المستمد من الجنرال أللنبي، وينتقلوا بالبلاد إلى حكم وطني، فألّف فيصل في 4 آب حكومة سمّاها حكومة المديرين، وعيّن رضا الركابي نائبًا عنه في المجلس. اعترض أللنبي على نوع الحكم الجديد؛ فصرحت الحكومة بأن مجلس المديرين، ما هو إلا مجلس استشاري، يساعد الحاكم العسكري في أعماله، وتألف المجلس من إسكندر عمون ورشيد طالع من حزب الاتحاد السوري، وسعيد شقير من الحزب الحر المعتدل، وجبرائيل حداد وهو ضابط بريطاني من أصل سوري، وساطع الحصري، والركابي.

إسكندر عمون

انسحبت أميركا من السياسة الأوروبية، وتقاربت سياستا بريطانيا وفرنسا أكثر، وأرسل أللنبي ضابطه السياسي مانيرتزهاغن ومعه لافوركاد الفرنسي، وقابلا فيصل في 9 أيلول/ سبتمبر وأبلغاه بأن بريطانيا وفرنسا متفقتان على: رفض بريطانيا الانتداب على فرنسا. إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. رفض بريطانيا لمجلس المديرين. تحمُل أللنبي وحده –دون فيصل- مسؤولية حفظ النظام في المنطقة. سافر أللنبي إلى فرنسا، وطرح خطته بوضوح في دعم فرنسا في سورية، وأن إنكلترا ستترك الأمور السياسية لفرنسا في سورية.
في 18 تموز، ألقى “كلمنصو” كلمة غاضبة على وفود الدول الخمس العظمى، في بناء وزارة الخارجية الفرنسية: إن أللنبي قد تصرف في سورية كجنرال بريطاني، لا كقائد عام؛ وقد خلق بذلك شعورًا معاديًا للفرنسيين، ومنع فرنسا من دخول سورية. ورفض “بلفور” أقوال كلمنصو. وإزاء الضغط الفرنسي المستمر؛ قدّم بلفور مذكرة حول سورية وفلسطين والعراق في 11 آب، تخلى فيها عن وعوده للعرب، ورأى –حسمًا للنزاع- العودة إلى نصوص سايكس-بيكو، وأن يكون لفرنسا نفوذًا في سورية، وكعملية تدريجية لاستبدال القوات الفرنسية بالانكليزية؛ أبلغت وزارة الحربية البريطانية ممثلها في مؤتمر الصلح، تعلمه بتواريخ وأسماء القطعات العسكرية الإنكليزية التي ستبدل بفرنسية، في كيليكيا والساحل السوري. كما تم الاتفاق على انسحاب القوات البريطانية من سورية بحجة تخفيف نفقاتها المالية، وتسلم بريطانيا للقوات لفرنسية المنطقة الساحلية، والمنطقة الداخلية للقوات العربية، وفيها المدن الأربع دمشق وحمص وحلب وحماة. وتم إقرار ذلك في اجتماع للحكومة البريطانية في 19 و20 آب. ثم جرت مشاورات أخرى في 6 و7 أيلول، ثم في 9 منه، وبحضور أللنبي الذي استدعاه لويد جورج ليحضر المناقشة، وتتابع النقاش في 10 و11 أيلول. ونوقشت قضية مد أنابيب النفط العراقي إلى موانئ المتوسط، ومد خط سكة حديد بين العراق وفلسطين. وفي 13 أيلول، سلّم لويد جورج مذكرة إلى كلمنصو في باريس تتألف من 11 بندًا؛ تضمنت سياسة بريطانيا تجاه سورية والبلاد العربية. وأهم هذه البنود: تسليم المنطقة الساحلية غرب خط سايكس بيكو إلى فرنسا، وتسليم شرقه إلى فيصل. وبقاء بريطانيا في فلسطين والعراق، كما حددت المذكرة حدود هذه الأقاليم. بعد هذا الاتفاق، عقد مجلس الرؤساء الخمسة لوفود الدول العظمى اجتماعًا في مكتب كلمنصو في 15 أيلول، وفي هذا الاجتماع، وافق كلمنصو على إحلال قوات فرنسية محل البريطانية، ورفض باقي نقاط مذكرة لويد جورج المتعلقة باحتلال سورية وفلسطين والعراق حتى يتم تقرير الانتداب، وقال كلمنصو: إن خلق إمبراطورية عربية يخلق مصاعب عظيمة وعلى الحكومات المعنية أن تفكر طويلًا بهذا الأمر.
في 16 أيلول، طلب كلمنصو من أللنبي أن يضغط على فيصل حتى تنسحب قواتهم من دمشق وحلب، كما أبلغ لويد جورج بمشاركة فرنسا لبريطانيا بدفع نفقات الحكومة العربية البالغة 150 ألف جنيه شهريًا، بديلًا للعائدات الجمركية التي كانت تأخذها بريطانيا عن المواد المستوردة إلى سورية عن طريق البحر، وهذا ما حدث اعتبارًا من تشرين الثاني/ نوفمبر، ثم أوقفت بريطانيا دفعها في بداية 1920، وفعلت فرنسا في 1 آذار/ مارس 1920.
يجدر بالذكر، أنه في اجتماع وزارة لويد جورج في 11 أيلول/ سبتمر 1919، اقترح تشرتشل أن يُحتفظ بفيصل كرهينة في أوروبا، إذا ما حاول محاربة الفرنسيين، ليرد بذلك مخاوف أللنبي، الذي ذكر في ذلك الاجتماع أنه يتوقع نشوب قتال بين العرب والفرنسيين بعد انسحاب القوات البريطانية. رفض أللنبي اقتراح تشرتشل، وأصرّ على وجوب دعوة فيصل للقدوم لفرنسا، لبحث القضية السورية. وتلقى فيصل الدعوة في 11 أيلول، من قبل لويد جورج، على أن يحضر فيصل إلى بريطانياقبل التوقيع على اتفاقه مع فرنسا، شريطة ألا يتأخر في وصوله عن 16 أيلول، فأسرع فيصل بالسفر، دون علمه بأن بريطانيا وفرنسا قررتا الاتفاق نهائيًا في المسألة السورية في 13 أيلول. وهذا ما جلعل فرنسا وبريطانيا تؤخران مسير السفينة التي تقل فيصل، فقد توقفت في جزيرة مالطا بحجة إصلاحها، ووصل فيصل متأخرًا إلى مرسيليا في 18 أيلول. وعلم بعد وصوله باتفاق لويد جورج وكلمنصو، وتيقن أن بريطانيا قد تخلت عنه لفرنسا. ورأى بتحويل سياسته العدائية نحو فرنسا إلى سياسة صداقة وتقرّب، وحاول تبرير كل سياساته المعادية لفرنسا؛ من رفض الانتداب الفرنسي اما لجنة كنغ-كرين، إلى المطالبة باستقلال سورية الطبيعية. وبعد يأس فيصل من استمالة الإنكليز –فلم تعد بريطانيا ترد على المذكرات التي يرسلها لهم- حاول إشراك أميركا في حل قضية سورية، لكنه فشل في ذلك أيضًا، ولم يبق أمامه إلا الذهاب إلى خصمه الأصلي كلمنصو. فغادر لندن ووصل إلى باريس في 20 تشرين الأول، ولم تنتج مقابلته لكلمنصو بأي جديد، وأرسل كلمنصو، غورو، بعد تعيينه في منصب المفوض السامي الفرنسي في بيروت في 30 تشرين الثاني، يسأله عن مدى إخلاص فيصل، ومدى قوته وسلطته، فاجابه غورو في اليوم الثاني: لقد تخلت بريطانيا عن فيصل، أما إخلاصه، فيكون على قدر استطاعته بقبول انتداب أولئك الذين حاربهم وطردهم “ويقصد الفرنسيين”.
تحت ضغط الظروف، والخوف من احتلال الفرنسيين للمنطقة الداخلية من سورية، وبريطانيا قد بدأت انسحابها؛ اتفق فيصل مع المسيو برتلو في 25 تشرين الثاني، اتفاقًا مؤقتًا يتعلق بالحدود بين سورية ولبنان فقط، وقد قبل برتلو الاتفاق، وكان نصه: تأليف لجنة من فرنسي وانكليزي وعربي لتسوية المشاكل التي قد تحدث بين المناطق، وانسحاب الجنور العرب من البقاع، ويشرف على أعمال الشرطة والدرك الموجودة في البقاع، هيئة مختلطة مؤلفة من ضباط فرنسيين وعرب.
في مذكرات ساطع الحصري، يقول: قررت الحكومة العربية أن تقف موقفًا حازمًا تجاه قرار إبدال الجيوش البريطانية والفرنسية، فاحتجت بشدة، وأبلغت القيادتين الإنكليزية والفرنسية بأنها لن تسمح بدخول الجيوش الفرنسية إلى أي قسم من أقسام المنطقة الشرقية، وبأنها ستقاوم الجيوش المذكورة بقوة السلاح إذا اقتضى الأمر. نتيجة لذلك؛ عدل الفرنسيون عن طلب الاحتلال وتم الاتفاق بين الجميع على حل متوسط: تبقى بموجبه المنطقة الشرقية خارجة عن مناطق الاحتلال العسكري. ويضيف الحصري: أعمال الفرنسيين في المنطقة الغربية التي احتلوها، أثارت المخاوف، وازدادت يومًا بعد يوم، وصار الوطنيون يشعرون أن لا سبيل إلى مقاومة الفرنسيين وإحراجهم بقوة السياسة وحدها، بل لا بد لذلك من ثورة مسلحة، وبدأت الثورات ضد الفرنسيين بالنشوب؛ ثورة الدنادشة في تل كلخ في أوائل كانون الأول/ ديسمبر 1919، وثورة صالح العلي في جبال النصيرية –بعد تحقيق نصره الأول على الفرنسيين كما ذكرنا في العدد الماضي (سورية عام 1918) هاجمت القوات الفرنسية الشيخ العلي في 21 فبراير 1919؛ حيث لاقت هزيمتها الثانية. وثورة الأمير الفاعور في مرج عيون، وثورة كامل الأسعد في جبل عامل، كانت أهم الثورات. كما وضعت الحكومة العربية –بهدف توسيع الجيش- قانونًا يجعل الخدمة العسكرية إجبارية للجميع، وعرضته على المؤتمر السوري، وصدّق عليه المؤتمر. كما وسّعت الحكومة المدرسة العسكرية.
يضيف ساطع الحصري، أيضًا: معظم آراء المفكرين والسياسيين في سورية كانت قد اتجهت اتجاهًا جديدًا؛ وصارت تنزع إلى إحداث “أمر واقع” بإعلان استقلال سورية حالًا، من غير انتظار القرار الذي سيصدره مؤتمر الصلح بشأن مصير البلاد. والحقيقة أن وضع الجيش والحكومة في سورية كان من أغرب الأوضاع: فالجيش العربي –قانونيًا- لا يزال جزءًا من جيوش الحلفاء، وتابعًا إلى ثيادة أللنبي، شأنه شأن جميع الجيوش المرابطة في الشرق الأدنى، والحكومة السورية كانت –قانونيًا- لا تزال إدارة عسكرية، تدير البلاد وفقًا للقواعد المقررة حول الدول، لإدارة “بلاد العدو المحتلة” وكان غريبًا جدًا، أن يُعتبر الجيش العربي في سورية بهذه الصورة مثل الجيش الفرنسي، من الجيوش المحتلة للبلاد. وكان أغرب من ذلك، أيضًا، أن تُعتبر سورية من “بلاد العدو المحتلة” بالنسبة إلى الجيش العربي نفسه، وبالنسبة إلى الحكومة المؤلفة من أهل البلاد نفسها. إن التخلص من الأوضاع الغريبة هذه، ما كان يمكن إلا بسلوك طريق الصراحة، والقول جهرة “إننا نعلن أمام العالم أجمع، إن هذه البلاد بلادنا ونحن مستقلون فيها”. لقد كان العمل ضروريًا من وجهة أخرى “الحكومة العسكرية التي تدير بلاد العدو المحتلة كانت تعرقل تشكيلات الدولة، وتحول دون تنظيم الأمور وإصلاحها بحرية كافية، حتى أنه عندما تقرر تأليف “مجلس المديرين” لتنظيم أمور الدولة، اعترض أللنبي على ذلك قائلًا: لا يحق لكم أن تفعلوا ذلك، لأن هذه المعاملة تعني تأليف حكومة مدنية، في حين أن القانون الدولي يحتّم عليكم إدارة البلاد إدارة عسكرية. مما اضطر القيادة العربية إلى التصريح بأن “هذا المجلس، ما هو إلا مجلس استشاري، يساعد الحاكم العسكري العام في أعماله”. ويختم الحصري: إن إعلان الاستقلال، كان الوسيلة الوحيدة للتخلص من أمثال هذه العراقيل أيضًا، ولهذه الأسباب كلها؛ استقر الرأي على إعلان استقلال سورية، وتنصيب الأمير فيصل، ملكًا دستوريًا عليها.

أبرز شخصيات هذا العام
تحسين قدري (1892-1986): المرافق العسكري الأقدم للملك فيصل، هو تحسين عبد القادر أنس آغا الترجمان والمعروف بتحسين قدري، ولد في بعلبك عام 1892 ، بحكم وظيفة والده العسكرية في الدولة العثمانية، ولكنه وصل العراق منذ طفولته برفقة أهله، فأتم دراسته الأولية في كل من بغداد والبصرة . وبحكم انتقال والده إلى العاصمة اسطنبول دخل المدرسة العسكرية فيها، شقيقه أحمد قدري قد انخرط في مدرسة الطب وأصبح لاحقًا طبيبا للملك فيصل. في عام 1910 انتمى إلى المدرسة العسكرية في ⦁ إسطنبول والمدرسة الحربية وتخرج فيها عام 1914 برتبة ⦁ ملازم ثا⦁ نٍ. ابتدأ حياته ضابطًا في ⦁ الجيش العثماني فاشترك في حرب العثمانيين في جبهة ⦁ القوقاز. انضم إلى ⦁ الثورة العربية الكبرى ملتحقًا بمعسكر الأمير فيصل بن الحسين بين ⦁ العقبة ⦁ ومعان. عينه الأمير فيصل مرافقًا عسكريًا له أثناء زحفه في الأراضي السورية ، وعمل برفقة الملك فيصل عندما كان ملكًا على ⦁ المملكة السورية العربية وكان مرافقه في المفاوضات ⦁ بمؤتمر الصلح بباريس عام 1919. ولما انتقل الملك فيصل إلى العراق أصبح مرافقًا رسميًا للملك.

محمد فوزي العظم (1858-1919): رجل دولة سوري من دمشق، كان نائبًا ووزيرًا في الدولة العثمانية، وأول رئيس لأول برلمان في سورية. وهو والد رئيس الحكومة السورية خالد العظم. دَرس في المدارس الحكومية العثمانية وتأثر كثيرًا بوالده محمّد باشا العظم، الذي كان عضوًا في مجلس إدارة ولاية سورية. في عام 1879، عُين محمّد فوزي العظم كاتبًا في مجلس الولاية وحافظ على وظيفته حتى عام 1885. في عام 1886، عُين العظم ناظرًا لنفوس ولاية سورية حتى عام 1891، حينما أصبح رئيسًا لبلدية دمشق، ثم مديرًا للإنشاءات في الخط الحديدي الحجازي حتى عام 1908. خلال هذه الفترة، كان مُقربًا من السلطان عبد الحميد الثاني، الذي قلّده أرفع الأوسمة كالوسام العثماني ذي العقد من الدرجة الثالثة عام 1893، والوسام المجيدي ذي الوشاح من الدرجة الأولى عام 1904. ضمت إنجازات العظم في بلدية دمشق إنشاء دار البلدية في الجهة الغربية من ساحة المرجة عام 1896 وترميم الجامع الأموي بعد تعرضه لحريق كبير عام 1893. كما قام باستبدال السقف الخشبي بسوق الحميدية بالتوتياء والحديد لوقايته من الحريق، وأشرف على بناء المستشفى الحميدي في حي البرامكة، الذي عُرف لاحقًا بمستشفى الغُرباء، أو بالمستشفى الوطني. وفي عام 1911، عُين محمّد فوزي العظم رئيسًا لبلدية مقاطعة بك أوغلي التركية الواقعة في القسم الأوروبي من العاصمة إسطنبول، وظلّ في هذا المنصب حتى انتخابه نائبًا عن دمشق في مجلس المبعوثان (البرلمان العثماني) عام 1912. في 21 تموز 1912، عُين العظم ناظرًا (وزيرًا) للأوقاف في حكومة أحمد مختار باشا ولكن الوزراة لم تَدُم أكثر من ثلاثة أشهر، فتم انتخابه مجددًا في مجلس المبعوثان عام 1914. بعد سقوط الدولة العثمانية مع نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918، أصبح مستشارًا للملك فيصل ومن ثمّ انتُخب رئيسًا للمؤتمر السوري العام، وهو أول هيئة تشريعية مُنتخبه عرفتها البلاد السورية في عهد استقلالها الأول.
ساطع الحصري (5 آب 1879-24 كانون الأول 1968): مُفكر وكاتب سوري، كان أحد رموز القومية العربية في العصر الحديث. أسس وزارة المعارف السورية عام 1919 ووضع المناهج التربوية في سورية والعراق، كما شارك في تأسيس كلية الحقوق في جامعة بغداد وكان مستشارًا لدى جامعة الدول العربية. ولِد ساطع الحُصري باليمن عام 1879، عندما كان والده يعمل رئيسًا لمحكمة الاستئناف في صنعاء. تنقّل مع أبيه في سنوات الطفولة، بين صنعاء وطرابلس الغرب وقونيا وأنقرة، حيث دَرس في المدارس العثمانية الحكومية والتحق بعدها بالمعهد الملكي في اسطنبول، ليتخرج منه عام 1900. امتهن التدريس وخدم في مدارس الدولة العثمانية في اليونان حتى عام 1906، لينتقل بعدها إلى السلك الحكومي ويتسلّم مناصب إدارية رفيعة في كل من اليونان وبلغاريا. عاد مجددًا إلى التدريس وانضم إلى الهيئة التعليمية في المعهد الملكي الذي تخرج منه في اسطنبول. قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، أسس ساطع الحُصري مدرسة خاصة في عاصمة الدولة العثمانية، سماها “المدرسة الحديثة” وأطلق مجلّة عِلمية فصلية بعنوان “أنوار العلوم. وكان مديرًا لدار المعلمين في اسطنبول، متحالفًا مع جمعية الاتحاد والترقي الحاكمة التي أطاحت بالسلطان عبد الحميد الثاني عام 1909. كانت نزعته –آنذاك- تركية بحتة وقد نشر عدة مقالات في الدعوة إلى التتريك في مجلة “تورك أوجاني” بتوقيع شبه مستعار: م ساطع، أو مصطفى ساطع. في تشرين الأول 1918، شدّ ساطع الحُصري الرحال متجهًا إلى دمشق للمشاركة في أول حكومة عربية أقيمت فيها بعد خروج الجيش العثماني، بايع الحُصري الأمير فيصل، وتوطدت صداقة مميزة بينهما، استمرت حتى وفاة فيصل عام 1933. عينه الأمير فيصل مديرًا للمعارف في سورية، مُكلفًا بتعريب المناهج التربوية كافة في المراحل الابتدائية والثانوية والجامعية. في عهده، أعيد افتتاح معهدي الطب والحقوق في دمشق، بعد إغلاق قسري دام شهورًا بسبب ظروف الحرب العالمية. وأشرف الحُصري على إعادة هيكلة المدارس السورية، وعلى تعيين نخبة من المُدرسين الكبار. كما أدخل أول سيدة على القطاع الحكومي في سورية، وهي الأديبة لبيبة هاشم، التي عُيّنت وبأمر مباشر منه مفتشة في مديرية المعارف. وفي 9 آذار 1920، عُين ساطع الحُصري أول وزير للمعارف في حكومة الفريق رضا باشا الركابي، وكان ذلك بعد يوم واحد فقط من تتويج الأمير. وبعد استقالة حكومة الركابي في 3 أيار 1920، اُعيد تكليف الحُصري بحقيبة المعارف في حكومة الرئيس هاشم الأتاسي. كان صديقًا للأتاسي وتشارك معه في ثمن إيجار بيت مُشترك في منطقة الروضة بدمشق، ضبطًا للنفقات. بعد تتويج فيصل ملكًا على العراق يوم 23 أب 1923، ظلّ ساطع الحُصري إلى جانبه وكُلف بعدة مهمات تربوية، منها وضع المنهاج الحكومي لكل مدارس العراق وإدارة مديرية الآثار وتأسيس كلية الحقوق في جامعة بغداد، التي عمل الحُصري عميدًا لها طوال عشر سنوات. ومن مآثر ساطع الحُصري في بغداد أنه رفض مقترح الملك فيصل بإيجاد مدارس خاصة لكل طائفة في العراق، مصرًّا على منهاج قومي واحد، عابر لكل الأديان والطوائف والعرقيات. في عام 1943، جرت انتخابات نيابية في سورية، أوصلت رجالات الكتلة الوطنية إلى الحكم، وجميعهم كانوا أصدقاء ساطع الحُصري. طَلب منه رئيس الحكومة سعد الله الجابري العودة إلى سورية للعمل على إعادة هيكلة المناهج التربوية، وذلك بصفة مستشار لوزارة المعارف. قبل ساطع الحُصري العرض، وعاد إلى موطنه واُستقبل استقبالًا حافلًا في القصر الجمهوري من قبل الرئيس شكري القوتلي، الذي قلّده وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة. من سورية توجه ساطع الحُصري إلى مصر وعمل مُدرسًا في المعهد العالي للمعلمين، ثم عميدًا لمعهد الدراسات العربية العليا، بتكليف خاص من الرئيس جمال عبد الناصر الذي كان يحترمه كثيرًا. وفي مرحلة الخمسينيات كان الحُصري مستشارًا ثقافيًا لجامعة الدول العربية. وفي سنة 1965، عاد ساطع الحُصري إلى العراق وتوفى في بغداد يوم 23 كانون الأول 1968م.

أبرز الصحف الصادرة في سورية عام 1919
جريدة العاصمة: الجريدة الرسمية الناطقة بلسان حكومة الملك فيصل الأول، صدرت في دمشق من عام 1919 وحتى عام 1929. أُسست جريدة العاصمة في دمشق، صَدر عددها الأول، بإيعاز من الحاكم العسكري رضا باشا الركابي يوم 17 شباط 1919 وعُين الصحفي والكاتب محبّ الدين الخطيب رئيسًا للتحرير، يعاونه المحامي شاكر الحنبلي. كانت جريدة العاصمة متنوعة المواضيع وتغطي كافة المراسيم والقوانين الصادرة عن الحكومة السورية، تصدر مرتين في الأسبوع، بثماني صفحات من القطع المتوسط. وبعد احتلال الفرنسيين سورية وخلع الأمير فيصل عن العرش، صارت جريدة العاصمة الجريدة الرسمية لحكم الانتداب حتى عام 1922، عندما تحولت إلى نشرة شهرية ومن ثم إلى الجريدة الرسمية السورية عام 1929.

من مواليد هذا العام
محمد الفاضل (1919-1977): ولد في دريكيش، وحصل على الإجازة في الحقوق عام 1942، وحصل في عام 1949 على درجة الدكتوراه في القانون من باريس، عُيّن بعد عودته من باريس مدرّسًا في كلية الحقوق، وفي عام 1959 أصبح رئيسًا لقسم القانون الجنائي وأصول المحاكمات في كلية الحقوق، وعُيّن عميدًا للكلية عام 1964، سُمّي وزيرًا للعدل في حكومة صلاح الدين البيطار الخامسة، التي تشكلت في 1 كانون الثاني/ يناير 1966، واستمرت حتى 23 شباط/ فبراير 1966، وفي عام 1967 عُيّن رئيسًا لجامعة دمشق، له العديد من المؤلفات الحقوقية ومنها ما هو باللغتين الفرنسية والإنكليزية. تم اغتياله في 22 شباط/ فبراير 1977، وتم اتهام تنظيم “الطليعة المقاتلة” في سورية باغتياله، باعتباره مستشارًا قانونيًا لحافظ الأسد. كما تم اتهام تامخابرات السورية باغتياله لإلصاق التهمة بالإخوان المسلمين تمهيدًا للقضاء عليهم في سورية، كما اتُهم رفعت الأسد –شقيق حافظ- باغتياله، كون “الفاضل” رفض بشدة مسألة منح شهادة الدكتوراه -زورًا- لكبار الضباط والمسؤولين ومن ضمنهم رفعت نفسه.

المصادر: تم الإعداد التاريخي لهذا العام، بناءً على مراجع عديدة، منها: كتاب تاريخ سورية 1908-1918 آخر الحكم التركي للكاتب علي سلطان. كتاب تاريخ سورية 1918-1920 حكم فيصل بن الحسين للكاتب علي سلطان. كتاب بلاد الشام في مطلع القرن العشرين قراءة في وثائق الدبلوماسية الفرنسية للباحث وجيه كوثراني. كتاب الجيش والسياسة في سورية 1918-2000 للكاتب بشير زين العابدين. كتاب يوم ميسلون، صفحة من تاريخ العرب الحديث للمؤرخ ساطع الحصري. مذكرات يوسف الحكيم: سورية والانتداب الفرنسي. موقع التاريخ السوري المعاصر، ومواقع أخرى.

 

فادي كحلوس

مدير تنفيذي لمؤسسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر، من مواليد 1979، خريج كلية الإعلام بجامعة دمشق، ناشط سياسي واعلامي، من مؤسسي (تجمع أحرار دمشق وريفها للتغيير السلمي – لجان التنسيق المحلية – تجمع أحرار ثورة الكرامة) 2011، له عديد من المقالات والقراءات النقدية منشورة في عدد من الصحف المطبوعة والإلكترونية.

مشاركة: