الفلسفة وسؤال الواقع

كم هو جميل أن يُكرَّس طقس الاحتفال بيوم الفلسفة العالمي من طرف أيّ مؤسسة ثقافية عربية، والأجمل أن يأتي ذلك الاحتفال على هيئة أسئلة جدلية تذهب مذهب المهمة الأساسية لهذا الحقل الإنساني العظيم، أي اجتراح الأسئلة، ومن المجدي أكثر أن تُفرد مساحة حوار ثريّ حول مسائل الواقع ومآلاته.
هنا ومن وحي الأسئلة التي طرحتها مؤسسة ميسلون ربما أستطيع التوقف عند السؤالين الثاني والثالث، محاولًا عن عمد عدم الإجابة عن السؤال الأول بسبب طبيعته الإشكالية، والتي تحتمل الكثير من التقصّي والبحث في مسألة وجود فلسفة عربية من عدمه.
من البداية لا بدّ من التوضيح أن الفلسفة بوصفها نشاطًا فكريًا إنسانيًا له سياقاته التاريخية ليست وصفة سحرية تنتقل فيها المجتمعات والبشر من حال الى حال بصورة ميكانيكية، وهذا كلام مبدئي يجب أن يقال جوابًا عن سؤال: هل للفلسفة دور في عصر العلم، فحل المشكلات التي يعاني منها العالم العربي هي مسألة على قدر كبير من التعقيد، ليس في مقدور الفلسفة وحدها واقعيًا أن تكون (مسيح) هذا الواقع المأسوي، خاصةً في ظل وجود العقَبَتين الأساسيتين اللتين تعترضان أيّ إرهاص لمشروع نهوضٍ ما من هذا الواقع، وأقصد الاستبداد السياسي من جهة، والديني من جهة ثانية.
وهنا تأتي الفلسفة هذه المرة ليس بوصفها نشاطًا فكريًا إنسانيًا فحسب، بل وشجاعًا أيضًا؛ فالفلسفة ببنيتها شجاعة، ذلك أن العقل الفلسفي الذي يرى ما لا يُرى ليس من باب نبوءة العرّافين، بل من مداخل الإحاطة والفهم والنقد والتحليل والمواجهة؛ وتتأتى شجاعة الفيلسوف الحقيقي والباحث الحقيقي بعدم الركون لمسلّمات الواقع الرديء، بل محاولة فضّ هذا الواقع وتفكيكه وفهمه ونقله بلغة الفلسفة وبأدوات أخرى، كالفنون الأدبية إلى الناس، والفيلسوف الحقيقي لا يذعن لحاكم مستبدّ باطش، أو لمعمّم يريد من الجميع أن يكونوا على صورته ومثاله.
وبهذا المعنى، وفي التجربة العربية، هناك نماذج مضيئة لمن خاض هذين الصراعين أو كليهما، واستطاع بفضل سعة أفقه أن يسهم في مسار حتى ولو لم يكتمل، إلا أنه كان حجرًا في مستنقع الواقع الراكد.
والفلسفة بحكم دورها التنويري دور حاسم، ومردّ ذلك أيضًا عائد إلى بنيتها التي تحترم مفاهيم التنوع والاختلاف والحرية الفردية والجماعية، وبحكم تبنيها بالفكر العلمي المنتج، والابتعاد عن الخرافة واحترامها للدين، وحضوره الاجتماعي والعاطفي بوصفه عقيدة شخصية.
ولعلنا هنا ولدى مقاربة علاقة الفلسفة بالواقع أسجّل اعتراضًا على ذلك الفصل التعسفي بين الفلسفة والواقع، حيث يُخرج هذا الفصل الفلسفة من مهمتها الرئيسة الكبرى، هذه النظرة التي تنظر إلى الفلسفة على أنها قادمة من عالم آخر، والأمر ليس على هذا النحو، وربما هذه النظرة النمطية السائدة في عالمينا العربي والإسلامي لها ما يفسرها، وخاصة ذلك الدور السلبي الذي يؤديه كثير من رجال الدين وبعض الفقهاء، في مناصبة الفلسفة العداء والحطّ من قيمتها وتكفير المشتغلين بها، كما فعل الغزالي على سبيل المثال في كتابه “تهافت الفلاسفة”.
إنّ المتتبّع لمسار الفكر الإنسانيّ، سيجد وبالدليل أنه لا وجود لفلسفة خارج الواقع، فالأسطورة والوعي الأسطوري إنما هي إلا سؤال عن الوجود وأحواله والإنسان وبحثه عن غوامضه وقدراته والطبيعة، وما فيها من أسئلة تحرضُ على التأمّل والخيال والتفكير ضمن السياقات الزمنية، فسؤال جلجامش الباحث عن الخلود سؤال جدير بالطرح، بل إنّ تنصيب آلهة للظواهر الطبيعية كالشمس والريح والخصب وأنسنة هذه الآلهة عبر تحميلها مشاعر ونزوات البشر أيضًا سؤال، وإذا يمّمنا وجهنا شطر الفكر اليوناني حيث نشأت المنظومات الفلسفية الكبرى، سنقع على نماذج مدهشة ما زالت تؤرق الإنسان حتى يومنا هذا، وإن بصورة أخرى فمن التفكير في الخلق عبر ما عرف بنظرية العناصر الأربعة الماء والنار والتراب والهواء، مرورًا بمركزية البحث في الإنسان عند سقراط، وتصور نظام الحكم السياسي الأمثل عند أفلاطون في الجمهورية وصولًا الى العقل المبدع لأرسطو وما قدمه من إسهامات عظيمة في محاولة فهم الواقع والعالم، كلّ ذلك كان في إطار الواقع لا خارجه، وحتى محاولات الفلسفة الوسيطة للتوفيق بين العقل اليوناني، والكتاب المقدس هي بصورة ما تفكير في تطور الواقع وحركيته، وعدم قدرة النصّ الدينيّ على القيام بهذا الدور.
إن قدرة الأفراد والمجتمعات على التفلسف في رأيي تتأتى من ثيمة لا يمكن إغفالها في البحث عن حلول للمشكلات المستعصية اجتماعيًا وسياسيًا وربما يكون غياب هذه الثيمة إجابة، أو أقلّه مقاربة للإجابة عن عطالة الفكر الفلسفي في العالمين العربيّ والإسلاميّ، وبالطبع لا يمكن إغفال الجهد الذي قام به العديد من المفكرين العرب، والذين دفعوا أثمانًا باهظة طالت وجودهم بأكمله فمن ينسى شجاعة ابن رشد العقلانية التي أحرقت كتبه، وشجاعة مفكّري مرحلة النهضة العربية، ومن يغفل ثبات فرج فودة الذي قتله من لم يقرأ له حرفًا واحدًا إلى حسين مروة وصادق العظم ونصر حامد أبو زيد وغيرهم، هؤلاء كلّهم وغيرهم كثيرون ممن حملوا لواء الدفاع عن العقل ومحاولة تحسين شروط الوجود الإنسانيّ في مجتمعاتهم.
واليوم وبعد التطورات الحاصلة كلها في العالم، وضمن ذلك السياق المتّصل من المشكلات ما زالت الدول المتقدمة تتفطن الى تعزيز حضور العلوم الإنسانية، وعلى رأسها الفلسفة، وتتابع بشكل دوري الندوات الأكاديمية والمؤتمرات ومراكز البحث والدراسات التي تتصدى لمشكلات البشر المستجدّة والشديدة الصلة بحياة الناس وشروط معاشهم توازيًا مع عمل مخابر الطب والفيزياء والكيمياء، وهنا لا بدّ من التنويه بالمواضيع التي تطرح اليوم في الفكر الغربي كموضوعات الاندماج والهجرة وأزمة الديمقراطيات الغربية ونواقصها، وحتى فيروس كورونا وما نتج عنه من تغيرات طالت مسائل التواصل والعزل والقوانين التي صدرت بفعل ذلك ما يثبت مرة أخرى أنّ الفلسفة لم ولن تندثر بما أنه لم ولن يندثر السؤال والتغيرات التي تحفزه وتجعله مشروعًا بل ومطلوبًا وملحًا.
وعلى عكس تلك الدول تنحو الدول المأزومة كالدول العربية التي لا تدخل العلوم الإنسانية إلى الآن على قائمة أولوياتها منحىً آخر فنشهد ذلك الترهل الأكاديمي وخلوّ الجامعات تقريبًا من أي نشاط يحاول أداء دور غير تقليدي في المجتمع كمؤسسة معنية بذلك، ما يؤدي إلى تلك الهوّة بين موضوعات الفلسفة والواقع المفتقر الى الشروط الأساسية مضافًا الى ذلك كله تلك الخطوط الحمراء الذي يفرضها المستبدون في تلك الدول على جميع مفاصل الحياة.
وعليه، وبالعودة الى السؤالين المطروحَين حول قدرة الفلسفة على الإسهام في حلّ المشكلات، وهل بقي هامش للفلسفة في عصر العلم، لا نجازف إذا قلنا نعم يمكن للفلسفة أن تؤدي دورًا مركزيًا في مجتمعاتنا المأزومة وفي عصر العلم الذي ما زلنا نتلمّس طريقنا إليه أصلًا، ولكن ذلك كما ذكرنا سابقًا مشروط بالخلاص من طغم الاستبداد السياسي والديني الذي لن يعطّل الفلسفة فحسب، بل يعطّل الحياة بأكملها فمع حرية الأفراد والمجتمعات والتي لم نجربها بعد يمكن للفلسفة وغيرها من العلوم الإنسانية والطبيعية أن تكون خشبة الخلاص كما فعلت بدورها العظيم في مرحلة التنوير الأوروبي لتنقل بشر هذه المجتمعات من مستنقع المشكلات إلى عالم التنوع المتنور المختلف والأكثر عدالةً وفي غيابها، أي الفلسفة بحكم تغييب أصوات مفكريها الأحرار والشجعان سيكمل عالمنا العربي مسيرته نحو مشكلات جديدة.

أسامة هنيدي

كاتب وباحث سوري، مواليد السويداء 1977، تخرّج في كلية الآداب والعلوم الإنسانية/ قسم الدراسات الفلسفية والاجتماعية في جامعة دمشق 2003، مدرِّس مادة الفلسفة منذ 2003 في محافظات ريف دمشق والقنيطرة والسويداء. كتب مقالات رأي في بعض المواقع الإلكترونية، وله ديوان شعر مطبوع بعنوان "سحر التاء" عن دار البلد - السويداء 2019.

مشاركة: