مقالات الكاتب

دليل الاستقصاء الميداني

هذا الكتاب
الإثنوغرافيا لا تطلق الأحكام، لا تُدين باسم وجهة نظر “متفوقة”. إنها تسعى قبل كل شيء إلى الفهم، بتقريب البعيد، وجعل الغريب مألوفًا. ومن خلال القيام بذلك فهي تجعل الأشياء، الأشخاص والحوادث أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه. ولأن الإثنوغرافي يجبر نفسه على عمل طويل على التوصيفات والتفسيرات – كلاهما يسيران جنبًا إلى جنب – فإنه يسلّط الضوء على تعقيدات الممارسات الاجتماعية الأكثر اعتيادية للمُستطلَعين، تلك التي تنبع إلى حدّ بعيد من الذات إلى درجة أنها تمرّ من دون الانتباه إليها، تلك التي نعتقد أنها “طبيعية” لأنها كانت قد تطبّعت من خلال النظام الاجتماعي: الممارسات الاقتصادية، الغذائية، المدرسية، الثقافية، الدينية أو السياسيّة، إلخ. بطريقة ما، عمل الميدان يقوم على إحلال العدالة، بل على إعادة تأهيل ممارسات تمّ تجاهلها وفُهِمَتْ بشكل سيّء، أو تمّ ازدراؤها.
لقد أخبرنا علم الاجتماع الثقافي أنّ ممارسات “المهيمَن عليهم” يتمّ النظر إليها في أغلب الأحيان من سمت “المُهيمنين”: ينظر إليها من أعلى، إمّا بازدراء أو بمثاليّة (لتبدو شعبوية). الإثنوغرافيا، وبفضل استغراق المستقصي في الوسط المستطلَع، تعيد بناء المنظورات من الأسفل بتنوّع أكثر كثيرًا ممّا نعتقد؛ إنها تسمح بتقاطع وجهات النظر المتنوعة حول الموضوع، وتلقي الضوء على تعقيد الممارسات، وتسبر عمقها.

اقرأ المزيد»