ميسلون
→ رجوع

حوار مع ندى الخش: هل سنخرج من دائرة الخوف والتخويف يومًا؟ وكيف؟

✍ رحاب منى شاكر 📅 2026/08/25 🗂 حوارات
حوار مع ندى الخش: هل سنخرج من دائرة الخوف والتخويف يومًا؟ وكيف؟

حوار مع ندى الخش: هل سنخرج من دائرة الخوف والتخويف يومًا؟ وكيف؟

ندى الخش (1956) سياسية سورية من مدينة مصياف، خريجة الهندسة الكهربائية في جامعة حلب عام 1985. انتسبت إلى أنصار الطليعة العربية في سن مبكرة، وبعدها إلى الحزب الاشتراكي العربي الديمقراطي. انتُخبت في عام 2007 عضوًا في الأمانة العامة لإعلان دمشق.

تعرّفتُ إليها من خلال (بيت النرجس للمعرفة النسوية) الذي أديره. تواصلتْ معي منذ أكثر من خمس سنوات لتحضر مناقشة أحد النصوص، ومنذ ذلك الوقت لم يفتها أي لقاء إلَّا في الحالات الطارئة جدًا. وقد شهدتُ بعينيّ كيف كانت هذه المرأة التي شارفت على السبعين تتعلّم وتتطور وتوسّع حدودها الفكرية بصحبة نساء من عمر بناتها.

فكّرتُ في أن أجري هذا الحوار معها لاهتمامي برؤيتها إلى السياسة كامرأة خضرمتها التجربة، والتي توقعتُ أن تكون مختلفة عما تعوّدنا عليه من سياسيين يقسّمون العالم إلى «نحن» و«هم» من دون تأنيب ضمير. دخلتُ الحوار من غير خطة سوى الرغبة في الاستماع إليها، وإذ بنا نتطرّق إلى موضوعات شائكة أحذر عادة من الخوض فيها. توقف الحوار عدة مرات، لأننا أردنا أن نأخذ نفسًا ونطّلع أولًا على بعض الأمور ونتناقش مع الصديقات والأصدقاء، وفي النهاية انقلب الحوار إلى رحلة رأيتُ فيها ندى تفحص أفكارها وتقلبها وتعاود التفكير، كعادتها دائمًا.

وكانت النتيجة الحوار الذي بين أيديكم، والذي يمكن أن تتفقوا أو تختلفوا مع بعض تفاصيله، ولكن في جميع الأحوال سيكون مفيدًا أن تنتبهوا في أثناء القراءة إلى المنطلقات والأهداف التي تضعها ندى نصب أعينها. بالنسبة إليَّ، من الواضح أنها لا تستسهل اتّخاذ المواقف الأحادية والبسيطة ضمن سياق مجتمع منهك وهش، بل تعي تعقيد المرحلة، وتدعو على الرغم من ذلك إلى الطريق الأصعب: الشغل من تحت إلى فوق، وتخفيف أكبر قدر ممكن من الألم، والأخذ في الحسبان نتائج خطاباتنا وسياساتنا على الواقع. يقلقها خوف السوريّين من بعضهم بعضًا بقدر ما تقلقها سياسات التخويف الواعية وغير الواعية التي يمارسها بعض السوريّين والسوريّات أيضًا.

لا أملك تجربة ندى، ولا يمكنني أن أضع نفسي في مكانها على طول الخط، ولكنني عمومًا معجبة بعدستها الواسعة، وميلها لاستثمار تجربتها كامرأة وأم في ما تسميه المطبخ السياسي، كما أقاسمها حيرتها ورغبتها في احتضان سورية بكامل تناقضاتها.


1- بعد سقوط نظام الأسد في حلب، قلتِ إنك ستعودين إلى حلب، ولكنك غيرت رأيك حين سقط النظام في حماة، ففكرتِ في أن تعودي إلى حماة، ولكن في النهاية سقط النظام بشكل كامل، وتمكنتِ من العودة إلى مدينتك مصياف. كيف كانت العودة يا ندى؟

خرجت من سورية مُرغمةً، على الرغم من قناعتي وقتئذ مقتنعة بأن النضال الوطني لا يتم إلَّا من الداخل، مع احترامي لكل جهد خارج سورية وتقديره. لم يسبق لي أن غادرتُ سورية، ولا حتى للسياحة، لذلك لم أتوقع أبدًا أني سأخرج منها يومًا. غادرتُ إلى الأردن، والحق أن الغربة أصابتني بفقدان توازن، لأني لم أكن مقتنعة بها، وهذا ما جعلني أمتنع عن دخول هيئات المعارضة في الخارج، واعتبرتُ عملي في سورية مستمرًا حين تأتي اللحظة التي أعود فيها.

حين أدركتُ أن الغربة القسرية قد تطول، فكرتُ في العودة إلى المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام. ولكني استصعبتُ الأمر، لأني كنتُ حينها خارج أي مؤسسة أو منظمة أو هيئة سياسية، وتوقعتُ أن الحركة ستكون صعبة على النساء، وبخاصة أني لن أعود ضمن مجموعة. فضلًا عن أني لم أكن أعتبر شمال سورية منطقة محررة حتى لو كان البعض يطلق عليها تلك التسمية. بالنسبة إليَّ، كان التحرير ولا يزال وسيبقى يترافق مع حفظ كرامة الإنسان وارتفاع صوته ضد الظلم. لذلك توقعتُ أن وجودي في تلك المناطق سوف يشبه وجودي في الغربة.

كانت العودة بوجود بشار الأسد ستكون استهانة بتضحيات الشعب السوري، فهو سوف يوظّفها ويعتبر أن سورية منطقة آمنة. لذلك فضّلت البقاء في أوجاع الغربة على أن أعود. أعرف أن عودة شخص مثلي إلى مدينة مثل مصياف لا تعني بالضرورة أنه سينالني الأذى بشكل مباشر، ولكني أنا التي سأؤذي عذابات السوريّين وتضحياتهم، من خلال منحي نظامًا مجرمًا هدية مجانية في الوقت الذي كان المزاج الدولي والعربي يحاول تلميعه. ولكن حين هرب بشار الأسد، دق ناقوس عودتي، على الرغم من أن ظروفي لم تكن مستقرة. أصريت على العودة كي أعيش كما يعيش السوريّون والسوريّات.

كانت رحلة العودة من الحدود الأردنية إلى مصياف متعبة جدًا. كانوا على الحدود لطفاء، ولأول مرة شعرتُ أني أدخل بلدي. ولكن حين مشت بي السيارة قليلًا، اتضح لي كم البلد متهالك. بكيتُ، فالتفت إلي سائق السيارة قائلًا: «أمي، ليش عم تبكي، أمي خلصنا من الأسد، ليش عم تبكي؟» فضحكتُ!

رأيت دبابات على الطريق، وسيارات جيش متروكة بطريقة توجع القلب. كانت الدروب محفرة، وحين دخلنا دمشق، كان تعب الناس واضحًا على وجوههم. صحيح أنهم يحاولون الضحك، ولكنهم متعبون. وأكثر شيء أبكاني هو منظر الأبنية غير المهدمة. صور الأبنية المهدمة أعرفها من خلال متابعتي في السنوات الماضية، وبعضها رأيتُه بأم عيني قبل أن أغادر سورية، ولكن ما أبكاني هو الأبنية غير المدمرة والتي كانت مع ذلك مهلهلة جدًا. وهذا ينطبق أيضًا على مصياف التي لم يدمرها النظام، ولكن شوارعها وبيوتها وناسها متعبة ومهلهلة. من لحظتها شعرتُ أن مشوارنا طويل. كان الناس سعداء بأن الكابوس زال، ولكنهم غير مدركين كم البلد تعبان، لأن الذين لم يغادروا سورية قد تأقلموا شيئًا فشيئًا مع الحياة، ولكن أي شخص يعود من الخارج سوف يرى الفرق، حتى مقارنة ببلد غير متطور مثل الأردن. الفروق تقدّر بحدود المئة عام. حاولتُ طمر وجع رحلة العودة في ذاكرتي، ولم أصارح الناس من حولي به، لأنهم كانوا سعداء وأنا سعيدة معهم.

2- حين رأيتُ نشاطكِ عن بعد، وكيف بدأتِ مباشرة بالتحضير للقاءات، وخطبتِ في الناس فور وصولك، أحسستُ أن ندى رجعت إلى مكانها ويمكن أن يكون لها تأثير كبير.

حين قررتُ الرجعة، كنت أريد أن أتابع نشاطي في (بيت النرجس للمعرفة النسوية) فقط، وأن ألغي السياسة تمامًا. سقط الأسد، وتحقق ما كنت أريده، وانتهينا من هذا الكابوس. ولكن منظر البلد التعبان، وكذلك الاستقبال الذي استقبلني به الأصحاب وأهل مصياف، وكيف أعطوني الميكروفون فور وصولي، على الرغم من أني لم أكن مهيأة أبدًا، بل كنتُ متعبة نفسيًا وغير متوازنة، وقتها عرفتُ أني لن أستطيع تنفيذ قراري بترك السياسة. وبيني وبين حالي زعلت على حالي. لأني كنت في حاجة إلى أن أرجع وأشرب كوب المتة بهدوء، من دون أن أكون مضغوطة بمواعيد ومهمات وتنسيق ومواجهات جديدة.

3- عدتِ بعد اثني عشر يومًا من سقوط النظام. أذكر أنكِ قلتِ لي بُعيد عودتكِ إنكِ دعوتِ فورًا إلى تجمع نسائي، ولكنكنّ لم تتمكنَّ من عقد أكثر من جلسة واحدة. كيف جرت الأمور منذ ذلك الحين؟

رجعتُ، وشيئًا فشيئًا انغمستُ في أعمال معينة مع أني كنتُ أفضل أن أشتغل على معرفتي النسوية. من زمان كنت مقتنعة بضرورة اقتحام النساء لكل المجالات، وهذا هو ما وجّه عملي السياسي. ولكني كنت ضعيفة على المستوى المعرفي، وبعيدة عن هذه الأجواء. نشاطي في بيت النرجس واطلاعي على بعض الأدبيات النسوية جعَلاني أطوّر نفسي، لذلك حاولت فور وصولي إلى مصياف أن أنظم تجمعًا نسائيًا. وقد مرت الجلسة الأولى بسلام، ولكننا لم نتمكن من عقد الجلسة الثانية، لأن السلطة شعرت بأن ثمة توجهًا لتشكيل أحزاب. عملية تنظيم الوضع النسائي متعسرة، مثلها مثل العمل السياسي.

وجيد أنك عدتِ اليوم إلى ما قلته لكِ بُعيد عودتي، إذ ينبغي لنا إعادة النظر في الأمور بين الحين والآخر، كي نضع النقاط على الحروف ولا يبقى الكلام غير مسؤول. في الفترة الأولى لما بعد سقوط مرحلة الأسد، كانت أحلامنا كبيرة جدًا، سواء على مستوى السياسيين أو على المستوى الشعبي. ونظرًا إلى أحلامنا الكبيرة، حاولتُ حينها أن نقوم بحركة، ولكني أرى اليوم أن بعض الدعوات واللقاءات كانت مبكرة، أي أنها تمّت قبل تشكيل كتلة تعرف ماذا تريد. دَعَونا إلى لقاء موسع من دون أن يكون في ذهننا شيء واضح. وأعتقد أن تاريخي السياسي كان أحد أسباب فشل المحاولة، لأن السلطة كانت ستسمح لأي عمل أن يتشكل بشرط ألَّا تأتي الدعوة من شخص سياسي. كان يجب أن أنتبه إلى هذه النقطة. لو بقيتُ في الخلفية، وتركتُ المبادرة لغيري، ربما كان مصير التجمع النسائي أفضل.

هذا لا يعني أنه لم ينشأ حراك يمكننا تسميته نسويًا، حتى لو لم يتبنَ التسمية بنفسه. يبدو أن مجتمعنا العربي، والسوري تحديدًا، يحتاج إلى حراك لا يستخدم تلك التسمية. نحتاج إلى وقت حتى تتبلور النسوية في مضمون مقبول، ذلك أنها تشبه العلمانية إلى حد كبير، وهي من ضمن المفاهيم غير المقبولة بعد الانتصار الذي حصل. توجد حاليًا تجمعات نسائية تستخدم تسميات أخرى، تعمل بهدوء، وتطرح بعض القضايا، ولكنها ليست كدعوتي العامة والموسّعة في بادئ الأمر، بل تجري حوارات في دوائر ضيقة حول دور النساء في جميع المجالات. للأسف لم يحن وقت طرح مفهوم النسوية بعد، حتى على المستوى المعرفي. يجب أن تقتنع النساء بالنسوية أولًا، لأن انطباعي أنهنّ أنفسهنّ غير مستعدات لاستخدام هذه المفردة. ولكنهنّ مستعدات للبحث في إمكانات تفعيل دور النساء، وهذا هو جوهر النسوية. هذا يعني أن التجمعات مستمرة، ولكن على شكل دوائر صغيرة، وليس تجمعًا يخاطب جمهورًا واسعًا كما تمنينا أن يكون. هذه المساحة من الحرية ما زالت ضيقة في سورية. ولكن يجب أن نحدد مساحات الحرية بأنفسنا أولًا، حتى نقدر أن نطالب السلطة بها؛ انطباعي أن الأمور ما زالت غير ناضجة لدينا كمهتمين ومهتمات.

4- هذا يعني أن الأمور كانت من ناحية غير ناضجة في أذهانكن-م، ومن ناحية أخرى عرقلتها السلطة.

بالضبط. لو لم تتم عرقلة محاولاتنا في البداية، لكان نصيبها من النجاح أكبر. كان هذا سيكون أفضل من التجمع في دوائر مغلقة لا نعرف إلى أين ستفضي بنا. ولكن يبدو أننا في حاجة إلى مرور بعض الزمن، على مستوى المجتمع وعلى مستوى السلطة، وكلاهما الآن في مرحلة انتقالية.

5- أفهم أننا نحتاج إلى وقت على مستوى المجتمع، ولكن لماذا تحتاج السلطة إلى وقت؟

لكي نفهم السلطة جيدًا، يجب أن نعود إلى تجربتها في إدلب. يشكل أهل الثقة وهيئة تحرير الشام قوام السلطة الحالية. هؤلاء يخافون من النسوية، ربما يعطونكِ المجال لكي تقولي ما تريدين، ولكنهم يمنعون التكتلات والتجمعات. يعرفون أن النسوية قد تنتج منها أعمال تخرج عن سيطرتهم. وهذا ما يجب فهمه كناشطات وناشطين في هذا البلد، نحن نتحرك ضمن مجتمع منهك، وتحت سلطة محكومة بهيئة تحرير الشام. حين ندرك بعض الأمور، سوف نتمكن من مساعدة أجزاء معتدلة في هذه السلطة. السلطة الحالية ليست كتلة واحدة، خلافًا لما يروّج له البعض. الفرق بين السلطة الحالية وسلطة الأسد هو أن سلطة الأسد كانت مركزية القرار ويجب أن يسير المجتمع كما تريد، ولكني لا أعتقد أن لدى السلطة الحالية مركزية في القرار. قد يكون أحد المتنفذين في منطقة معينة متفهمًا ويعطي مساحة للحركة أكثر من منطقة أخرى، ولكن يبدو للأسف أن الأشخاص الذين تم تعيينهم في مصياف خائفون، جراء الذاكرة التي تعتبر منطقتنا تشبيحية. لذلك يخافون أن تخرج الأمور عن سيطرتهم.

حتى المجتمع نفسه لا يملك القابلية الكافية للانفتاح على بعض الأمور. الناس في حاجة إلى طرح الأمور بطريقة سلسة تقارب المشكلات التي يواجهها. قد تتقبل النساء على سبيل المثال أن تتكلمي معهنّ عن أدوارهنّ، ولكن من دون أن تطرحي مفهوم النسوية معرفيًا أو تتكلمي عن موجاتها المختلفة ووضعها عالميًا. هنّ لا يشعرنَ أن هذه الأمور تعنيهنّ. سورية في حاجة في هذه المرحلة إلى أن تشتغلي على عدة مستويات، والوضع متعب عمومًا.

6- من المعروف أن مجتمعاتنا محافظة، حتى منطقة مثل مصياف لم تمر بحركات تحررية فعلية، كالنسوية مثلًا. ولكن يبدو لي أنكِ تتعاملين مع السلطة كما لو أنها تحمل مشكلات المجتمع نفسها. تريدين أن تستوعبي المجتمع والسلطة على حد سواء، ولكن كيف يستقيم هذا؟

في رأيي، من دون استيعاب السلطة الحالية سوف تذهب سورية إلى أزمات تخرج عن السيطرة بالكامل. ما زال السلاح المنفلت موجودًا.

7- أي سلاح منفلت تقصدين؟

لدى الجميع تقريبًا. ما زال السلاح لدى بعض "الأقليات" موجودًا، وما زال السلاح لدى الفصائل موجودًا. الفصائل التي أعطت الشرعية لأحمد الشرع لم تنضبط بشكل فعلي ضمن هيكلة الجيش السوري. كل فصيل لديه عقيدته ومرجعيته حتى الآن. لذلك إذا لم نستوعب هذه السلطة يمكن أن تنفلت الأمور. نعم، يجب استيعاب السلطة في بعض مفاصلها، ونقدها أو تقديم الاقتراحات في مفاصل أخرى. قَدَر المهتمات والمهتمين في هذه المرحلة أن يستوعبوا السلطة الحاكمة من ناحية ويتفهموا المجتمع المنهك من ناحية ثانية. في حال فُقِدت هذه البوصلة، سوف نكون في طريقنا إلى مجهول لا ندرك مخاطره.

ولا تنسَي أن السلطة ليست متجانسة، وتتكون من أجنحة. لدينا أجنحة مستعدة لاستيعاب تطلعات السوريات والسوريين إلى الحرية والكرامة، وهناك أجنحة أخرى تعتبر الحرية مفهومًا غربيًا كافرًا ليس له مكان في حياتنا. هذه الأجنحة تتصارع في ما بينها. لذلك إذا فشلنا في تشكيل تجمع معين، ينبغي لنا ألَّا نعدّه كارثة، بل يجب أن نبتكر اقتراحات ثانية وثالثة ونواصل العمل.

لا أعرف كم سيستمر هذا الوضع، لأن الوضع في سورية لا يشبه أي وضع في العالم: حصل تغيير في السلطة، وتُرِك الشعب على ما هو عليه. حالما خرجت ألمانيا من الحرب، انطلق مشروع مارشال لإعادة الإعمار مباشرة، أما في سورية فلا يوجد أي مؤشر لأي مساعدة. ما زال الوضع الاقتصادي في تدهور؛ وهذا يعني عودة المرتزقة من جميع الطوائف. أنا مثلًا ليست لدي أموال لبدء أي شيء، ولكن ربما شخص لديه أموال كسبها أيام الأسد، ولم يحاسب حتى الآن، يأتي بمشاريع لتبييض أمواله. محمد حمشو نموذج وليس استثناءً، وهذا يسبب حالة غضب. الوضع معقد جدًا، وأعتقد أن الناس الذين يعيشون داخل سورية سوف يفهمونني أكثر من الذين ما زالوا في الخارج.

8- ولكن هناك سوريون لا يريدون أن يستوعبوا المجتمع، وآخرون لا يريدون أن يستوعبوا السلطة، وهناك استقطاب كبير! أنا معجبة بالحالة الأمومية التي تتعاملين بها مع السياسة، ولكن ماذا نفعل بمن يقول إن هذا المجتمع همجي وميؤوس منه، وبالآخرين الذين يرفضون كل شيء يأتي من هذه السلطة، خيرًا كان أم شرًا. هل نستوعب كل هؤلاء أيضًا؟

هذه الاستقطابات تعطيهم الإحساس بأنهم يملكون مفتاح الحل، ولكن لا! كيف الشعب همجي؟ هؤلاء أمي وأبي وأخوتي وأبنائي وبناتي وجيراني! هذا الشعب رفع، في لحظة من اللحظات، أرقى الشعارات وهتف بها، وفي لحظة أخرى رفع شعارات مخجلة وموجعة. المجتمع مرهون بالظروف المحيطة به، لا يوجد مجتمع راق ومجتمع همجي. في لحظة قد تكون تعبيرات أي مجتمع همجية، وفي لحظة أخرى راقية. وهنا يأتي دور المهتمات والمهتمين في تكريس حالة الانتماء، لأن هؤلاء أهلنا الذين حُرِموا على مدار سنوات من حقوق التعليم وأدنى حقوق الإنسان. هل يمكن أن نتوقع أن يكون تعبير هذه الجماعات كتعبير الآخرين الذين أمورهم مستقرة وثابتة؟ وقتها سنكون ظلمناهم جدًا. كثير من الحالات تؤلمني، وتسبب لي القلق وعدم النوم، ولكني أعلم أن هؤلاء الناس يمكن أن يبدعوا بطريقة لا تخطر على البال حين تضعينهم في ظروف أخرى. أنا التي أعتبر نفسي سياسية، أشعر أحيانًا بأنهم يتفوقون عليّ في طرح الأدوات وحتى الأفكار. هؤلاء الذين يعتبرهم البعض همجًا، من هم الهمج؟ ومن هؤلاء الذين يصفون أهلهم وناسهم بأنهم همج؟! هناك لحظة همجية، نعم، لحظة يمكن أن يكون فيها أي إنسان همجي. يمكننا طبعًا استيعاب اللحظة، أما أن نقول عن أهلنا بأنهم همج، فهذا فيه نوع من الفوقية والاستعلاء غير المبرر في توصيف أي شعب من الشعوب.

علّمتني التجربة بأن أصف مرحلة. يمكن وصف مرحلة الأسد بأنها مرحلة همجية مجرمة سافلة، ولكن حين تبدئين بتشريح الناس، وقتها يجب أن تضعيهم في مستويات. أما المرحلة فستبقى همجية، لأن لدينا حالات الاختفاء القسري والقتل الممنهج وطائرات دفع ثمنها الشعب ولكنها تدمر المدن السورية. هذا لم يحصل في أي منطقة أخرى من العالم. ألمانيا لم تدمرها طائرات ألمانية، بل طائرات الحلفاء. أما في سورية، فما زال ثمة من يتباهى بهذا الوضع. ويأتي رامي مخلوف ليقول للعلويين من دون حياء: جاييكم الفرج! أي فرج يقصد؟ أنتم تركتم القرى العلوية من دون بنى تحتية، فبماذا تعدونهم اليوم؟ لو كنتم أمّنتم البنى التحتية لتلك القرى، فسيكون من الصعب لأي سلطة أن تظلم العلويين. وقتها سيكونون في أماكنهم التي هي من أجمل المناطق في سورية. بماذا تعدونهم؟، بأن يكونوا قتلة أو مرتزقة؟ اتركوهم بحالهم، وسيكونون قادرين على أن يتجاوزوا مرحلة يعاني منها جميع السوريّين والسوريّات.

أعود لأقول إني لا أستطيع أن أصف شعبًا أو أي طائفة من الطوائف بأنها همجية. يمكن توصيف سلوك أو حالة بأنها همجية. مثلًا الهجوم على عش الوروار همجي وغير صحي وغير مضبوط، أنا أصف الموقف. هؤلاء ما كانوا سيفعلون ذلك لو كانت الأوضاع مضبوطة، وحين ندقق ربما سنكتشف أن بعضهم مأجور ويستغل حالة الغضب.

أوافقك أني أتعامل مع السياسة بطريقة أمومية إلى حدٍ ما، لأن لدي نظرية في السياسة. لا أميل إلى العنف، ولا حتى العنف اللفظي، وأشعر بتأنيب ضمير حين أستخدمه. إذ ما الهدف من أي تغيير؟ أليس الوصول إلى حالة أرقى وألطف نكون مرتاحين فيها؟ إن لم نستخدم أثناء الطريق لغة وأدوات تناسب الغاية على المدى البعيد، فلن نكون منشغلين بتغيير فعلي، بل عالقين في حالة من الحالات ذات البعد الهمجي.

ما زالت حالة الاستقطابات شديدة في سورية، لذلك ترين الوضع يراوح في مكانه. فمن ناحية، ليست لديك نخب تجتمع على عمل واحد، ومن ناحية ليس لدى السلطة حتى الآن أدوات أو رؤية. الوضع حرج جدًا.

9- لماذا تبكين يا ندى؟

على الرغم من قساوة الأربعة عشر عامًا التي استغرقتها الحرب حتى سقوط الأسد، وما عاشه السوريّون قبل تلك المرحلة في حماة وحارات في حلب وجسر الشغور، ما زال السوريّون يتعاملون بمنطق «إما أنا أو أنت!». هذا يعني دوامة من العنف لا يمكن وضع حدٍ لها، لذلك يجب ألَّا ننسى التفكير بكيف ستُطرح أدوات لمحاسبة الأفراد لا الجماعات. بعض الأفراد في حاجة إلى إعادة تأهيل حتى يكونوا أفرادًا صالحين في هذا المجتمع. ليس من المطلوب معاقبة الجميع، بل منع تكرار الجريمة. بعض المظاهر التي نراها مؤخرًا تعني إعادة توليد العنف. العنف ذاته، ولكن باتجاه آخر، كان العلوي تجاه السني، واليوم السني تجاه العلوي. ولديك أيضًا العنف بين العربي والكردي، وبعد ذلك؟! في النهاية جميعنا سنبقى في هذا البلد، أليس كذلك؟ ما أتمناه هو أن يعلو صوت العقل والحكمة، وهذا لن يحصل إلَّا عن طريق جماعات تشبك في ما بينها، من جميع الطوائف.

وفي جميع الأحوال يجب تطبيق مبدأ العزل السياسي والاجتماعي للأشخاص الذين كان لهم دور في شرعنة القتل والاستباحة خلال سنوات الحرب، وهذا من مهمات المجتمعات المحلية التي ستكون وقتها قادرة على أن تضع السلطة أمام الأمر الواقع. المشكلة هي أن المتورط يمكن أن يكون ابن عمي أو خالي، لذلك يضطرنا الخجل إلى أن نسكت. ولكن الخجل هنا ليس في مكانه، لأننا أمام حق عام. يجب أن نشتغل على مفهوم الحق العام، وعلى العزل الاجتماعي للمتورطين وإعادة تأهيلهم. نحن مع إعادة تأهيلهم.

10- ماذا تقصدين بإعادة تأهيلهم؟

عندما تقومين بعزلهم، فإنكِ تتركين لهم الفرصة لمراجعة أنفسهم. وتكون هناك جلسات اجتماعية لكي يعترفوا فيها، لأن البعض ما زال ينكر أنه كانت هناك أي مشكلة. قابلتُ مؤخرًا شخصًا ينكر وجود المعتقلات، كان يقول إن كل شخص يُوقَف في سورية يُحال إلى القضاء خلال أربعة أيام. ماذا يمكنني أن أقول له؟ تكلمتُ معه لمدة نصف ساعة بلا أدنى فائدة، شخص مثله يجب أن يُعزل عن أي دور سياسي أو اجتماعي، لأنه سوف يشوش الصورة. سيحاول تبييض أدوار أناس يمتلكون المال ويحاولون استرجاع الإدارة السياسية والاجتماعية. هؤلاء الذين كانوا يشرعنون مرحلة الأسد يملكون الأموال أكثر من الذين كانوا في صف الثورة ودفعوا تضحيات من أجلها. حتى في مصياف تتم عملية تبييض هؤلاء. وهذا يسبب الغضب لدى الناس، لذلك يجب أن يشتغل المجتمع على العزل السياسي والاجتماعي ويضع السلطة أمام الأمر الواقع.

قد تكون للسلطة تقديراتها الخاصة، وقد تكون هناك تفاهمات معينة تجعل رموزها يختارون عدم المحاكمة في هذه المرحلة. نحن لا نعلم ما هي الاتفاقات التي عقدتها هذه السلطة مع الدول التي ساعدتها في الوصول إلى الحكم. لا يخفى على أحد أن هذه السلطة جاءت بمساعدة قوى إقليمية وعالمية. وهذا لا يعيبها، ومن الجيد أن هذا قد حصل، لأن سورية كانت في مستنقع. ربما تكون إحدى التفاهمات هي طي صفحة الماضي. ولكنها لا تُطوى! في ألمانيا، استغرقت المحاكمات عقودًا طويلة، وسورية يا رحمن يا رحيم! الناس تقتل الناس، لذلك لا يمكنك طي الصفحة. الشخص الذي ذكرته منذ قليل كان يقول لي: دعينا نطوي الصفحة، مع أنه ينكر وجود المعتقلات. ينكر ويريد أن يطوي الصفحة. يتكلم على مجازر الساحل وينكر كل ما حصل خلال الأربعة عشر عامًا. لم أتوقع أن يقول شخص من عمري هذا الكلام. توقعت أن الأمور توضحت الآن، وأن أي شخص سوف يخجل من هذا الطرح. ويسألني لماذا كنتُ لمدة اثني عشر عامًا خارج سورية، سألته: ألا تعرف أن ملايين السوريين خرجوا من سورية؟ الحديث يطول، ولكن ما نعتبره بدهيًا ليس بدهيًا عند البعض.

لم يكن الإعلام السوري على مستوى أحداث بهذا العنف والقسوة. كنا في حاجة إلى أن تُحكى حكايات، ولكن ليس بغاية التحريض، بل حكايات تشعرنا كم هي المسؤولية الوطنية كبيرة، وكيف يمكننا الشغل على عملية درء الصدوع. المسار صعب، ولا أخفيكِ أني في بعض اللحظات أشعر بأني غير قادرة على أن أرى أي شيء جميلًا. طبعًا رأيت يوم 8 ديسمبر، وأرى أحيانًا الجيل الشبابي الذي يجعلني أنتعش وأؤمن بأن هذا الشعب ولّاد للمبادرات والحلول.

11- للأسف، كثير من القضايا الإنسانية يتم تسييسها إلى درجة يتعذر معها أحيانًا أن يقول المرء كلامًا مفيدًا وسط التعبئة المصنوعة حولها، وربما أهمها حاليًا هي قضية اختطاف العلويات. قضية ذات بعد جندري، ولكن حين يتقاطع معها البعد الطائفي، ضمن سياق حرب طويلة، فقد تصبح المواقف منها تعبيرًا عن أمور لا ترتبط بها مباشرة ولا تساعد في حلها. فيصبح موقفك من السلطة الحالية على سبيل المثال هو العامل الحاسم في قراءتك للتطورات في الملف، فإذا كنت ضد السلطة الحالية، فعلى الأغلب أنك سوف تصدقين جميع الحالات، حتى غير المؤكدة منها، وتهاجمين كل من يتأنى قليلًا في حكمه، أما إذا كنت مؤيدة لها، فسوف تنكرين وجود حالات الاختطاف باستمرار بغض النظر عن الحقائق ومنطق الأمور. وهكذا يضيع حق هؤلاء النساء بين التضخيم والإنكار، إلى درجة أن الأمر يتحوّل أحيانًا إلى ما يشبه الحرب الثقافية. كيف تنظرين إلى هذه المعضلة؟ وكيف يمكن التعامل معها؟

هذه مسألة شائكة جدًا فعلًا. وربما من المهم وضعها في سياقها الأوسع. مسألة النساء والتعدي عليهنّ وامتهان كراماتهنّ هي قضية عالمية، وتظهر بأشكال مختلفة. ولكن بعض البلدان استطاعت أن تصبح دول مواطنة وقانون إلى درجة معينة، وبدأت هذه المسألة تُطرح وتُعالج وتتراجع فيها. أما في سياقنا السوري، فالانتهاكات مستمرة، ويحصل في الوقت ذاته نوع من التجييش حولها. ما زالت معركتنا في سورية هي معركة بناء مفهوم الكرامة على مستوى الإنسان السوري عمومًا، والمرأة على وجه الخصوص، لأنها في وضع أضعف. أي حادثة خطف أو اعتداء على امرأة هي جريمة خطيرة ومدانة بصورة قاطعة بصرف النظر عن عدد الحالات أو هوية الضحية أو المنطقة التي وقعت فيها، فهي تمثل انتهاكًا مباشرًا لحق الإنسان في الحرية والأمن والكرامة.

أشياء كثيرة كُتِبت وقيلت حول هذه القضية، ولن أفيها حقها في بضع كلمات. ولكن ربما من المفيد أن أتطرق إلى الأمور التي أجد أنه يتم تناسيها حين نتحدث عن ملف اختطاف النساء. اسمحي لي أن أضيء على بعضها:

بعد 8 ديسمبر 2024 ودخول قوات ردع العدوان المناطق السورية، لم تُسجل حالات انتهاك في الأشهر الثلاثة الأولى. من هنا أستنتج، أنه لو كانت روح الثأر والانتقام هي الطاغية، لحصل ذلك في خلال تلك الأشهر. وربما من المفيد أن أطرح مثالًا كي يكون الموضوع قريبًا للذهن: في المنطقة ما بين مصياف وحمص تقع منطقة الحولة التي حصلت فيها واحدة من أشنع المجازر السورية. جاءت جماعات من القبو، وهي منطقة قريبة من الحولة، والقاطنون فيها من العلويين، فدخلوا الحولة التي كان معظم سكانها من السنة، على الرغم من أن الدبابات كانت تحاصر تلك المنطقة، هذا يعني أنه لا يمكننا القول إنهم مجموعة من العصابات، فالذين دخلوا الحولة هم من أهالي القبو ومعروفون بالاسم، وقاموا بعمليات اغتصاب وذبح. ما أريد قوله هو أنه على الرغم من ذلك لم تسجل في الأشهر الثلاثة الأولى بعد سقوط النظام أي حالة انتقام من قبل أهالي الحولة بحق أهالي القبو. كانت هناك مطالبة بالمحاسبة وتسمية الأشخاص الذين يريدون محاسبتهم. لم يتعاملوا مع القبو على أنها كتلة متجانسة يمكن الانتقام منها. في المناطق التي يحصل فيها احتكاك بين السنة والعلويين، غالبًا الناس يعرفون القتلة والشبيحة من الطرف الآخر، كل جهة تعرف الأخرى. هذه المناطق تدرك بأن التعايش المشترك بين سنة وعلويين وإسماعيليين ومسيحيين أمر ضروري ومفروغ منه.

وبعدها جاءت مجازر الساحل الشنيعة، والتي يجب القول إن سلطة الشرع تتحمل مسؤوليتها، لأن مركز القرار يُفترض أن يكون بيدها، حتى لو كانت لا تزال لا تمتلك السلطة بعد أشهر قليلة من تسلم الحكم. للإنصاف يجب أن نقول أيضًا إنَّ المجازر في الساحل بدأت بكمائن لعناصر من الأمن العام، وقُتِل عدد لا بأس به منهم في المناطق العلوية. أخطأت السلطة الحالية حين أرسلت فصائل متشددة بدلًا من إرسال فصائل معتدلة أو ألَّا ترسل أحدًا إذا كانت غير قادرة على ضبط الوضع. أرسلت فصائل تعتبر العلويين كفرة، وبالتالي يُباح لهم أن يفعلوا ما يريدون بهم. راحوا، وصارت عمليات قتل وحرق وسلب واغتصاب وخطف بنات. كانت لحظة جنون طائفية دخلت فيها أطراف متنوعة. لا يمكنني ذكر الأرقام، ولكن هناك جهات وثّقت الأحداث وتعرف الأرقام جيدًا.

هذه الأمور مهمة لفهم السياق العام الذي تتم فيه حالات الاختطاف الحالية والتجييش حولها. هناك حالات اختطاف يسمع بها الناس، ولكنهم غير قادرين دائمًا على التحقق منها، وما إذا كانت حالات اختفاء «طوعية» أم اختطاف. وهنا تكمن المشكلة التي أريد أن أتوقف عندها: ألا نستسهل كثيرًا الحديث عن حالات اختطاف البنات قبل التأكد منها ومن تفاصيلها. يجب ألَّا نستسهل الأمر، لأنه خطير.

12- لماذا هو خطير؟

ما عدا حالة الاستقطاب والكراهية المتبادلة والانسداد التي تشل المجتمع والبلد، كذلك لا تنسي أن مجتمعاتنا ذكورية يسيطر فيها رجال الدين لدى جميع الجماعات، وجميعهم يعتبرون مكان المرأة هو البيت. نشر الذعر من حالات اختطاف غير مؤكدة سيجعل رجال الدين يقولون إنه لا داع لذهاب النساء إلى الجامعات، وكذلك لا داع للمدرسة إن لم تكن في القرية نفسها، ولا داع لعمل المرأة من أساسه، ولا داع لأن يكون لها دخل. على الأرجح أن هذا ما سيحصل مع النساء العلويات إن استمر التخويف، سوف نساعد رجال الدين والأهالي على إجبارهنّ على العودة إلى مساحاتهن الضيقة ومنعهنّ من الوجود في الفضاء العام. مع مرور الوقت سوف يتراجع عدد المتعلمات. كل مجتمع يعيش مخاوفه بطريقته الخاصة، ولكن حين ننفتح فعلًا سوف نلاحظ أننا خائفات على كل صبية، وليس على العلويات منهن فقط. هناك فعلًا حالة انفلات في سورية، هي ليست جديدة تمامًا، ولكنها تكرست أكثر جراء الصراعات الداخلية الحالية. منذ زمن بعيد كانت هناك مناطق تمنع بناتها من الذهاب إلى الجامعة خوفًا عليهنّ.

التضخيم من ناحية والإنكار من ناحية أخرى سببه أننا لسنا مجتمعًا واحدًا، وإنما مجتمعات منفصلة ولا يعرف بعضها بعضًا، ويخشى بعضها بعضًا. كيف سنرمم هذا؟ هذا يحتاج إلى شغل على كل الأصعدة وإلى مبادرات تشتغل على المدى البعيد! وأطالب النساء السوريات ألَّا يستسهلنَ الكلام عن حالات الاختطاف قبل التأكد منها، كما ينبغي أن يشكلن شبكة علاقات ولجان تضم أكبر عدد ممكن من السوريات ذوات الخبرة السياسية والاجتماعية لدراسة تفاصيل الاختفاء، من الجزيرة السورية مرورًا بمناطق الداخل إلى الساحل والسويداء. ينبغي أن أتمكن من التحقق من الحادثة قبل أن أقول أي شيء، وقد يضطرني الأمر إلى أن أسافر بنفسي، هذه أمور يمكن أن نقوم بها. ذلك أنه إلى جانب عمليات الاختطاف هناك حالات الحب من طوائف أخرى، وغير مفهوم أن البعض يميل إلى إنكارها، وأيضًا ثمة حالات التجنيد لصالح مذهب جديد، هذه أمور لطالما حصلت عبر العصور وفي جميع أنحاء العالم، حتى في الغرب، وهي ليست حالات اختطاف بالمعنى الضيق للكلمة، وإن كنتُ لا أعتبر أنه يمكن لأي فتاة أن تقتنع بمذهبٍ جديد من دون غسل دماغ. الظروف الهشة وانتشار الإنترنت جعلت بعض النساء يذهبن باتجاه غير الذي يرغبه الأهل. هذا أمر خطير، بل خطير جدًا جدًا بالنسبة لي كامرأة، ويجب متابعته، ولكنه يختلف عن الخطف.

بحثتُ شخصيًا في إحدى حالات الخطف في منطقتي. بعد اتصالات موسعة مع نساء كثيرات، توصّلت إلى امرأة تعرضت إحدى قريباتها للخطف. ظروف خطفها، الذي تم في قرية صغيرة، جعلتني أفكر في أن المتورطين ربما كانوا أشخاصًا من المنطقة نفسها، لأنه من الصعب دخول الغرباء لهذه القرية من دون لفت الانتباه. وحين عرفت أنه تمت المطالبة بالفدية، تغير الموقف بالنسبة لي، وبخاصة حين علمت أن المختطفة ابنة تاجر. وقتها صنفت الحالة تحت بند فقدان الأمن العام وانتشار العصابات التي يمكن أن تفرزها جميع الطوائف، ولم أقتنع بأنه يمكن تصنيف هذه الحالة تلقائيًا تحت بند اختطاف العلويات. هذا الاستقصاء قمت به بنفسي، ولم أستسهل أخبارًا غير مؤكدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. مسؤوليتنا أن نكون بكامل الحذر والوضوح ونتأكد من المعلومة قبل أن نبث الذعر بين الناس. لا أرضى أن تُجرح أي فتاة، أو يُرمى عليها وردة، ومع ذلك الحذر ضروري لسلامتهن وسلامة البلد.

في رأيي، الناشطات والناشطون استسهلوا الحديث في موضوع الاختطاف، كأنه مباح ولا أثر لأقوالنا على الواقع، هذا يشبه توصيف الناس بالهمجية. معظمهم يشتغلون حاليًا على شد العصب الطائفي بدلًا من الإشارة إلى الخطأ، كل خطأ، لماذا لا نقول: نحن ضد اختطاف النساء، كل النساء!

أنا شخصيًا لا أتكلم بأريحية حول هذا الملف الخطير جدًا جدًا كما يفعل البعض، وخاصة الموجودين والموجودات خارج سورية، واللواتي يلتقطن الأخبار من وسائل التواصل الاجتماعي، على الرغم من أنهن غالبًا غير قادرات على التحقق من المعلومات على الأرض، وأحيانًا لا يصحّحن ما قلنه عن حالة معينة حين يتبين الخطأ. يقلقني الأمر جدًا، فالمختطفة هي ابنتي وأختي وجارتي، هي ليست علوية بالنسبة لي، أعتبر البنت العلوية ابنتي. لذلك لا يمكنني استسهال الحديث وتخويفها، ما سيؤدي إلى انكفائها عن الاهتمام بالمجال العام ومشاركتها في أدوار لا بد منها، على صعيد السياسة والاجتماع والاقتصاد والتربية وكل مجالات الحياة.

وبطبيعة الحال، يجب ألَّا يتوقف البحث والتحقيق الجاد ومحاولات الكشف عن مصير حالات الاختطاف التي تم توثيقها فعلًا، وملاحقة الجناة ومحاسبتهم أيًا تكن صفتهم أو الجهة التي ينتمون إليها. هذا واجب وطني.

13- أوافقكِ على أنه ينبغي ألَّا نستسهل الحديث عن حالات اختطاف النساء قبل التأكد منها، لأن هذا سيكون مؤذيًا جدًّا. وكذلك أوافقكِ أن النساء السوريات عمومًا لا يشعرن بالأمان الكافي. ولكن ليست كل حالات الخطف متشابهة: للاضطهاد أبعاد مختلفة، أبعاد جنسية/جندرية وأخرى طائفية/دينية وأخرى سياسية أو طبقية، وما يجعل موضوع اختطاف النساء العلويات متفجرًا هو وقوعه على حدود كل هذه المحرمات في مجتمعاتنا الذكورية. ألا ترين أن العلويات يتعرضن للاختطاف لأنهنّ علويات، وبخاصة بعد مجازر الساحل التي أثبتت أن الطائفة العلوية في وضع مستضعف؟

نعم، الطائفة العلوية في وضع مستضعف حاليًا، لذلك يحصل استهداف للعلويات أكثر من غيرهنّ. ولا أستبعد أن يكون بعض أفراد الفصائل الجهاديين (الغرباء) والمتورطين في مجازر الساحل خلف بعض حالات الخطف، حتى لو لم يكن لدينا توثيق جدي يؤكد كل الحالات التي تم نقلها. أتفهم جدًا الخوف لدى العلويات والعلويين الذي تفشى نتيجة العزلة التي سببتها مجازر الساحل، والتي لم يتم التعامل معها بشكل وطني. ومن أسباب العزلة أيضًا تلك الأزمة الاقتصادية التي أصابتهم جراء حلّ مؤسستي الجيش والأمن التي كان يعمل فيها جزء لا بأس به من أبناء الطائفة العلوية. هذا موضوع مختلف وذو شجون أيضًا. ولكن الفكرة هي أن كثيرًا من العلويات والعلويين لا يغادرون قراهم حاليًا.

ومع ذلك يصعب علي كامرأة وكسياسية أن أتعامل مع ملف اختطاف النساء من زاوية واحدة فقط، كما يفعل الكثيرون. يشغلني الموضوع أكثر مما تتصورين، وأرى أنه ينبغي معرفة حجم هذه الظاهرة الحقيقي، كي نتمكن من محاربتها وتحييد التبعات التي تترتب عليها بالنسبة للأمن في سورية. لا يتعلق الأمر بطائفة أو قومية معينة فحسب، بل بالوجود السوري كله، بالعقد الاجتماعي، بالهوية السورية. الهوية السورية هي المهددة في آخر المطاف، وفي تلك الأثناء تحصل كثير من الأحداث والانتهاكات، من بينها ظاهرة خطف النساء.

شخصيًا لا أفوّت أي فرصة للذهاب إلى الريف العلوي الذي يحيط بمدينة مصياف، والذي يُعتبر من أكبر الأرياف العلوية في سورية كلها. كلما ذهبتُ إلى هناك، يكون همّي طرح هذا الموضوع بين عددٍ كبير من النساء. كنتُ مؤخرًا في ضيعة اسمها بيرة الجرد على سبيل المثال، واجتمعتُ بعدد لا بأس به من النساء، وسألتهنّ: هل حصلت حوادث خطف لديكن أو في القرى التي تحيط بكن؟ هل لديكن قريبات أو صديقات أو معارف في قرى أخرى اختُطِفن أو يعرفن نساء مختطفات؟ وقد أجبنني بأنهنّ لا يعرفنَ أي حادثة خطف حصلت. وسألتهن: أنتن طالبات جامعة، فهل تذهبن إلى الجامعة؟ فأجبنني بنعم. ولكن يبدو أن الطالبات العلويات المسجلات في جامعة حمص وجامعة حلب انتقلن إلى جامعة طرطوس. هذا يدل على أنهن خائفات فعلًا. هذه نقطة يجب الاهتمام بها، ومتابعتها، والإشارة إلى فشل السلطة في حماية وطمأنة جزء من الشعب السوري. لو تشكلت في حمص قوى مدنية تتوجه إلى الجامعات وترصد عملية نقل الطالبات العلويات تحديدًا، لأن هؤلاء الطالبات خائفات في أعماقهنّ، لذلك فضّلنَ الانتقال إلى جامعة في منطقة أغلبية سكانها من العلويين. تقلقني هذه النقطة بشدة، لأنها تؤسِّس لعملية انقسام اجتماعي أكبر من كل الانقسامات التي حصلت خلال الأربعة عشر عامًا من الحرب، بل أكبر من كل ما حصل في الستين سنة الماضية.

14- تحاولين البحث في حجم الظاهرة الفعلي، ولكن ثمة أصوات في السلطة تنكر أن تكون هناك حالات خطف لنساء علويات أصلًا. هناك مَن مهمته حفظ السلم الأهلي، ولكنه يُقسم بأنه لا توجد امرأة علوية واحدة مختطفة. السلطة المسؤولة عن أمن هؤلاء النساء وطمأنتهن هي نفسها تنكر. ما رأيكِ؟

مشكلة السلطة الحالية هي أنها تستند إلى الجرح المتقيح للطائفة السنية، وتعتقد أن جروح الطوائف الأخرى ستبدو لا شيء إلى جانبها. والحقيقة أن جميع الطوائف صارت مكلومة بطريقتها. نعم، السلطة الحالية تنكر كل هذه الأمور، وقلتُ وأقول دائمًا إنها لا تمثل تطلعات السوريين والسوريات، ومهمتنا أن نقول لها: «مو على كيفك بعض القضايا!». ولكن هذا لا يحصل إلَّا بقوى سياسية اجتماعية نسوية تشكل ضغطًا، ريثما نتمكن من صياغة هذا العقد الاجتماعي الذي ينبغي أن يشكل الرابط في ما بيننا. نحن ما زلنا فئات وطوائف ومجموعات وشلل، على جميع الأصعدة، سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا واقتصاديًا. لن يأتي عقدنا الاجتماعي من فوق!

بالنسبة إلى قضية المختطفات: حالما نتأكد من حادثة خطف معينة، نبدأ بالضغط بكل قوانا، ولا بأس أن يُفضح المسؤول بالاسم حين يثبت تقصيره. ما زالت لدينا مساحة من الحرية في الواقع السوري، وينبغي التعامل مع هذه المساحة بروح المسؤولية العالية. حين نلاحظ أن مسؤولًا حكوميًا يغطي على الجريمة، فهو شريك فيها، وينبغي فضحه بالاسم. نحتاج إلى تحقيق جاد وشفاف قدر الإمكان في كل التفاصيل التي تقدمها المهتمات والمهتمون بهذا الملف، لكي نخرج قليلًا من دائرة التكذيب والتسييس والتخوين والتخويف.

نحن غير قادرات-ين أن نشتغل على ملف خطف النساء بعيدًا من التسييس الواضح: السلطة تنكر من ناحية، ومن ناحية أخرى يجزم الطرف الآخر بأنها حالات «سبي»، سبي وليس خطفًا. هذه التسمية ليست بريئة تمامًا، بل هي محاولة للتعبير عن العقل السلفي السني. يتعاملون مع الموضوع كما لو أن خطف النساء قضية جديدة. يا جماعة، كان رفعت الأسد وجماعته أيضًا مشهورين بخطف العلويات وغير العلويات، "ما كانت تسلم امرأة جميلة في الساحل"، لماذا لا نسمي ما قام به رفعت الأسد وجماعته سبيًا على سبيل المثال؟ ألم يكن ما فعلته جماعته ببشاعة السبي؟ ملف خطف النساء قديم ومستمر في سورية. قد يُمنح الخطف عناوين متنوعة اليوم، ولكني أنظر إليه كاستمرار لوضع النساء المتدني عمومًا ودائمًا وفي جميع أرجاء سورية.

أما بالنسبة إلى ما يسمى بـ«بيت الأخوات» في جبلة، فحتى الآن ليست لدينا معلومات مؤكدة عنه: ما مرجعيته، وكيف سُمح لمثل هذا البيت أن يوجد، ومن هنّ الفتيات الموجودات فيه، وتحت إشراف مَن؟ حين أسمع أخبارًا عنه، أقول لنفسي إنه يجب أن تقتحم السلطة هذا البيت وتجري بثًا إعلاميًا من داخله. غياب المعلومة الرسمية يفتح الباب واسعًا أمام الإشاعات ونسج الروايات، وهذا ما يساعد السياسيين المناهضين للسلطة الحالية في أن يتعاملوا مع هذا الملف كورقة في أيديهم، والسياسيين المؤيدين على أن ينكروه نهائيًا.

من خبرتي الحياتية يمكنني القول إنه حين يتم الحديث عن أمر معين، فمن الصعب أن يكون مختلقًا بالكامل؛ فقد يكون هناك بعض التهويل، والتهويل يستخدمه المتطرفون. طبعًا يوجد خطف، ولكننا نحتاج إلى معرفة حجم هذه الظاهرة، والشروع بمعالجة الخوف الذي بدأ يتصاعد بمسؤولية. نحتاج إلى أن نشتغل جميعًا على تحسين حماية النساء والحدّ من توظيف هذا الملف بطريقة لا تفيد سلامتهنّ ولا سلامة البلد.

قضية خطف النساء عمومًا، وخطف العلويات على وجه الخصوص، شائكة ومعقدة، وأشكركِ لأنكِ أتحتِ لي قول شيء في هذا الملف الصعب الذي يحتاج إلى كثير من الصبر والتأني والحكمة. كل ما أتمناه أن يساعد ما قلته في إضاءة بعض الزوايا التي يتم تناسيها في غمرة الألم المُحق. وأتمنى أن تفتح هذه المقابلة حوارًا أكبر بين السوريات والسوريين.

15- تتبعين منحى إصلاح هذه السلطة، لماذا لا تعملين على إسقاطها إذا كانت لا تمثلكِ؟ لماذا لا تقاطعينها كما قاطعتِ نظام الأسد؟

حين كنتُ ضمن إعلان دمشق، كنت أشتغل على التغيير السياسي التدرجي، ولكني قاطعتُ نظام بشار الأسد بشكل نهائي حين ظهر أنه اختار أن يتبع في سورية عام 2011 النهج الذي اتبعه أبوه في حماة في ثمانينات القرن العشرين.

ولعلمكِ، وصلتني بعد وفاة زوجي واعتبارًا من 2021 عدة رسائل أمنية بأن بإمكاني العودة إلى مصياف من دون أن تتعرض لي فروع الأمن. كنتُ أكتب كثيرًا عن حبي لمصياف على وسائل التواصل الاجتماعي، فوصلتني رسالة من أجهزة الأمن في مصياف بأنهم سيضمنون سلامتي في حال عدت. والحق أني منذ 2016 على قناعة بأنه لن تحصل مساءلة أمنية في حال عدت، لأنهم كانوا في حاجة إلى بعض الشخصيات لتلميع النظام مرة ثانية. قلت وقتها: «تحرم عليّ سورية ما دام بشار الأسد موجودًا!». وأخيرًا ذهب بشار، ولكن النظام لم ينتهِ بعد، ما زالت تلك العقلية موجودة. لماذا لا أتخذ الموقف نفسه من السلطة الحالية؟

في 8 ديسمبر يوم سقوط نظام الأسد، قلتُ في إحدى الندوات إن سورية دخلت في فخ، لأن النظام الدولي قرر أن يضغط على بشار الأسد، ولم يخرج من تلقاء نفسه. جاءت السلطة الحالية بتفاهمات دولية واضحة، والأمر لا يحتاج إلى شرح في رأيي. ولتجنّب التشكيك، ينبغي القول إن كثيرًا من رجال هذه السلطة كانوا يناضلون طوال الأربعة عشر عامًا التي سبقت سقوط النظام، ودفعوا تضحيات كبيرة، وقسم منهم من أبناء مناطق تم تهجير سكانها. أقصد أنهم عايشوا أقسى الظروف. السلطة الحالية ليست متجانسة، هكذا هي قراءتي للواقع. ما دامت السلطة عبارة عن أجنحة، ولم تستقر الظروف بعد، فمن واجبنا مدّ يد العون لمن يشبهنا في هذه السلطة، وتفعيل جميع الأدوات المجتمعية والسياسية. أنا مع تجهيز المناخ لخلق أجواء سياسية وحديث سياسي بعموم الأرض السورية. سيقول البعض لي إنه ليس لدينا قانون أحزاب حتى الآن، ولكن لن يأتي هذا القانون من تلقاء نفسه. من المفترض أن نعمل، كسوريين وسوريات، على فرض هذه الأمور. أي سلطة في العالم سوف تنتج قوانين تخدم سلطتها، لذلك نحن حتى الآن في مرحلة الإعلان الدستوري! إذا كنا غير قادرين-ات على تشكيل مجموعة ضغط تفرض تغييرات فعلية، فكيف سنسقط السلطة من دون أن نشتغل في الوقت نفسه على بديل لها؟ هل سنعتمد مجددًا على احتمال التدخل الدولي؟ أليس التدخل الدولي هو الذي جاء بهذه السلطة؟ على ماذا نستند إذن؟ وما هي القوى السياسية التي طرحت برنامجها وثبتت في الشارع السوري، لأقول لها إنها بديلي؟ هذه السلطة لا تمثلني، ولكن قبل أن نطالب بتغيير السلطة، نحتاج إلى قوى على الأرض، وهذه القوى غير موجودة حاليًا. سيكون كلامي مختلفًا لو كانت هذه القوى موجودة.

16- ولكن ألم يكن ثمة من يقول إنه لا بديل عن بشار الأسد؟

لا لا، عملية المقارنة ليست صحيحة. في تلك المرحلة، كانت سورية بلدًا واحدًا غير مجزأ. الاختلاف كان حول السلطة. وكانت لدينا قوى سياسية، على هشاشتها. اليوم هناك تهديد وجودي لسورية. لا أقول إني مع بقاء هذه السلطة، بل أتكلم على تفعيل المجتمع في البلديات والمحافظة، تفعيل الإدارة المحلية بشكل فعلي. لا يكفي أن نكتب منشورًا على وسائل التواصل الاجتماعي، وأعتبر نفسي قد ناضلت. نحتاج إلى تفعيل هذه الأدوات بشكل فعلي، لأننا سنحتاج إليها في حال تغيرت السلطة، وإلَّا سنذهب إلى الفراغ.

وهناك نقطة أخرى، نحن ننسى أن حرب الأربعة عشر عامًا كانت على المنطقة العربية السنية تحديدًا. طبعًا كان هناك معتقلون ومعتقلات من مناطق أخرى، إلَّا أنَّ تدمير البنية التحتية وتدمير الأرض جرى في المناطق العربية السنية على وجه الخصوص. هؤلاء الناس في حالة خوف وهلع حاليًا، ويتساءلون ماذا سيحصل في حال تغيرت السلطة؟ لدينا طبقات من الخوف على كذا مستوى، ومن الضروري جدًا أن ينفتح الشعب السوري على بعضه بعضًا، وينتج توافقات معينة ريثما تُحل بعض القضايا بالتدرج في ما بعد. لا يمكننا حل كل شيء دفعة واحدة.

17- لاحظت في أكثر من موضع في هذا الحوار، وفي محادثات أخرى جرت بيننا، أنكِ قلقة بخصوص ما يمكن تسميته بـ«صناعة الخوف» في سورية. طبعًا لا شك أن هناك أسباب وافية وكافية لخوف الناس من بعضها بعضًا، ولكن يبدو أنك تعتقدين أن هذا التخويف يتمّ عن وعي أيضًا. وحين يزداد الخوف، فليس أمامنا سوى مزيد من الانقسامات. نحن في حلقة مفرغة من الخوف والتخويف إذن. هل سنخرج يومًا منها؟ وكيف؟

هذا يحتاج إلى شغل على مسارات متنوعة. كان علينا منذ البداية بناء مجموعات حوارية بين مختلف الطوائف. على مستوى مصياف، نحتاج على سبيل المثال إلى أن تتكوّن جماعات تذهب إلى الأرياف العلوية، وجماعات من تلك الأرياف تأتي إلى مصياف، وتأتي أيضًا جماعات من حماة وحمص. أي أن تتشكل مساحات حوارية يتعرف الناس من خلالها بعضهم إلى بعض. أنا مثلًا أعطيت رقم هاتفي لكثير من النساء العلويات، وطلبتُ منهنّ أن يتصلن بي في حال شعرنَ بخوف في أثناء زيارتهنّ لمصياف أو حماة؛ طلبتُ أن يتواصلنَ مباشرة أو يأتين إلى بيتي لنرى كيف نعالج الأمر.

نحتاج إلى تشكيل شبكة من العلاقات الموجودة على الأرض، من سياسيين ونسويات وآخرين مشتغلين على الصعيد الاجتماعي. حان للعقل الشللي الانقسامي أن يستوعب أن القضايا كبرت إلى درجة صارت تهدد الوجود السوري ذاته. تشكيل المجموعات الحوارية سوف يعمل على منع تفاقم الانقسامات أكثر فأكثر، وهي التي سترسم ملامح عقد اجتماعي. وكما قلت آنفًا: العقد الاجتماعي لا تصوغه السلطة من فوق، سلطتنا جاءت بتفاهمات دولية ولن تكون قادرة على ذلك؛ فالمجتمع هو المعني بتشكيل شبكة علاقات فعالة. هل هو خائف من السلطة؟ إذا كنا غير قادرات-ين على مواجهة السلطة بحقنا الطبيعي، فسوف تنتج السلطة مشروعها وتصدّره لنا، وهذا لن يختلف شيئًا عن مرحلة الأسد. لذلك يجب أن نشتغل من تحت إلى فوق. علينا أن ننقد السلطة بشكل دائم ومستمر، ولكن لا يكون في ذهننا إسقاطها من دون أن نشتغل على أي شيء في عمق المجتمع. لدينا شغل كثير، هو الشغل نفسه الذي كان علينا أن نقوم به في مرحلة الأسد ولم نفعل. وكأن القوى السياسية تريد أن تكرر التجربة ذاتها: نقارع السلطة من دون أن نشتغل على قواعد داخل المجتمع، بحيث ينظّم نفسه ويكوّن رؤية معينة. دائمًا هناك مجموعة متسلطة تعتبر نفسها أنها هي التي تعبر عن المجتمع. لماذا لا تتركون المجتمع يعبّر عن نفسه، ونكون نحن المتفاعلين معه؟ هذا العقل التسلطي موجود عند السياسيين مثلما هو موجود لدى السلطة، هذا الداء موجود لدى الجهتين.

18- ألاحظ أنك تحاولين أن تنظري بشكل بانورامي إلى الوضع السوري، من غير أن تكوني مع أحد الأطراف أو ضده بالكامل. ربما هذا ما سميته منذ قليل بممارسة السياسة كأم، وفي رأيي، إحدى القيم الأمومية في السياسة هي أن تبحر السفينة بأكبر عدد ممكن من الركاب. وأنتِ، كيف تنظرين إلى الأمومة في السياسة؟

اقتحمتُ عالم السياسة في سنٍ مبكرة. وحين تزوجتُ وأنجبتُ أطفالًا صغارًا، كنتُ أعتبر تحضير وجبة طعام لا يقل أهمية عن التخطيط لاجتماع سياسي. وفي لحظة ما يمكن أن أختار الطبخ لأطفالي والاعتذار عن الاجتماع. أعتقد أني ما زلت أعمل وفق هذه النظرية حتى اليوم.

سأعطيكِ مثالًا، شُغلتُ مؤخرًا بموضوع مؤسسة المياه في مصياف. هي مؤسسة حكومية، وقد تعطل لديها قاطع كهرباء، وسعر هذا القاطع قرابة الأربعة ملايين ل. س. وقد طرحتْ المسؤولة عن مؤسسة المياه المشكلة علينا، فقلتُ لنفسي حتى لو كانت المؤسسة حكومية، وينبغي أن تأتي ميزانيتها من الدولة، إلَّا أنَّه يجب التعامل معها كمجتمع مدني. في المساء كتبتُ على صفحتي أننا نحتاج إلى هذا المبلغ وأني أتبرع بـ200.000 ل. س. وفي الصباح التالي صار المبلغ جاهزًا. أعرف أن المؤسسة تابعة للحكومة التي منعتنا من تأسيس مجتمع مدني، ولكن اليوم جاءت الفرصة أن نقول إننا قادرات وقادرون على أن نساهم. صحيح أنها مسؤولية الدولة، ولكنها مسؤوليتنا أيضًا، وينبغي أن نبحث كيف يمكن أن تكون هذه العلاقة. عدم فصلي للأمور عن بعضها بعضًا يجعل البعض يقول لي إنني أتعامل مع السياسة كأم.

19- هل هذا يعني أنك تنظرين بالدرجة الأولى إلى النتائج؟

طبعًا، السياسة مرهونة في النهاية بنتائجها. لقد عانت مجتمعاتنا ما يكفي من القسوة، وحان الوقت أن يتعامل السياسيون والسياسيات مع مشكلات الواقع بمحبة وعاطفة قوية للخروج من الأزمات التي نعاني منها.

تكمن السياسة أيضًا في الطريقة التي أربي بها ابني، بحيث يكون ابني وابن البلد، وابن قيم عامة أصيلة. شغلني هذا الموضوع لفترة طويلة، واشتغلتُ عليه وما زلت أشتغل عليه حتى الآن. وأتعامل اليوم مع أحفادي بالطريقة نفسها. لدي نظرة شمولية إلى الحياة وأراها مترابطة في ما بينها. أجد هذا متعبًا في بعض الأحيان، لأن عقلي دائمًا شغال ويفكر كيف يمكن خدمة الشأن العام في أي تصرف بسيط أقوم به.

بالنسبة إلى الوضع السوري، فأنا أتعامل معه بطريقة الاحتواء وإعلاء شأن المواطنة، لأنه يجب ألَّا نلغي هذا التنوع الجميل. منذ زمن كنت مثلًا أقول «كردي يعني عربي»، اليوم أخجل من نفسي كيف كنت أحكيها. لأنه كردي، ويجب أن أعتز بأنه كردي، وأساعده في أن يعبّر عن نفسه أكثر، فيُخرج مكنونات جديدة لا أعرفها وتساعدني في أن أكون أفضل. هذا هو ما تغير لدي خلال الأربعة عشر عامًا بعد 2011، زادت حالة الأمومة لدي جراء الألم والغربة وما شهدته من تدمير البلد.

ليست الحنية ضعفًا، بل هي ذروة القوة. كيف يمكننا حل أكبر القضايا بتفهم ومحبة؟! لو فكرنا جيدًا، سنرى أنها مفتاح الانسداد في الوضع السوري، ولكن عامة الناس يستخفون بهذه الأدوات. للأسف، ما زال عقلنا يعتمد بالعمق على أدوات القوة، ولا ينظر إلى السياسة إلَّا من منظور القوة. أعتز بأن نظرتي هذه تزداد عمقًا مع الوقت. لم تكن واضحة لدي بهذا الشكل في بداية تعاملي بالسياسة، إلَّا أنَّ تجربتي علمتني أن هذا النقص هو السبب في عدم إعادة المجتمع إلى السياسة والسياسة إلى المجتمع. والسبب نفسه يجعل السياسة تفشل على المستوى العالمي (أوروبيًا وأميركيًا) فشلًا ذريعًا! السياسة في سورية مرتبطة بشكل عميق بما يحصل في العالم.

20- طبعًا حين نتكلم عن الأمومة في السياسة، فنحن لا نقول إن الرجال غير قادرين على ذلك؟

بالعكس، أنا دائمًا أقول إن الأمومة هي حالة يمكن أن تعيشها نساء لم يعرفن التجربة حرفيًا، وبالتالي هناك رجال قادرون على أن يعيشوا هذه الحالة أيضًا. الأمومة هي أن تقدري على حمل جنينك في بطنك تسعة أشهر، هذه القدرة على التحمّل يمكن أن يتعلمها أشخاص لم يعيشوا تجربة الحمل. سوف تتطور البشرية لو تعاملت بأمومة في كثير من القضايا، وقتها يمكن حلّ كثير من المشكلات على كثير من الأصعدة.

تحمل المرأة الجنين في بطنها، وحالما تلده يحمل اسم الأب، مع أنها هي التي حملته والتي ستربيه. ليست الأمومة أمرًا بسيطًا في عقل المرأة، لذلك بدلًا من الاستسلام للموضوع، ينبغي دعمه بالقيم والمعاني. يستسلم المجتمع قائلًا: «صحيح أنها هي التي حملته، ولكنه في النهاية ابن عيلته». وهنا أختلف مع المجتمع: صحيح أنه ابن عيلته، ولكنه ابني الذي حملته! من المهم العمل على تطوير هذه القيم. في مرحلة من تاريخ البشرية كان المجتمع أقرب إلى الأمومية، هذا يعني أن الأمر ليس جديدًا، غير أن التوحش في زمننا الحالي يدعو إلى النزوع إلى تلك الحالة مجددًا، وليس بالضرورة أن نمنحها اليوم التسمية ذاتها. نحن النساء ميالات إلى تسميات معينة، كـ «التعامل بأمومة» و«المطبخ السياسي» وغيرها. يبدو أن حياة الإنسان تؤثر في التشبيهات التي يستخدمها. أنا مثلًا لطالما استخدمت مصطلح «المطبخ السياسي» بمعنى مجموعة تنسق وتخطط وتشارك وتبحث في الأدوات. كان البعض ينصحني بتغييره، ولكني كنت أجده معبرًا جدًا. لماذا نخجل من بعض التسميات الواقعية؟

21- تحاولين توسيع مفهوم السياسة من خلال تجربتك الحياتية كامرأة، ولكن حين تحاولين أن تعتلي منبرًا ما قد تُمنعين من إلقاء كلمتك لمجرد كونكِ امرأة. حصل هذا في حفل تأبين حسن عبد العظيم، الأمين العام للحزب الاشتراكي العربي الديمقراطي، والذي توفي في 25 نيسان/ أبريل من هذا العام. كنتِ في مرحلة من مراحل حياتك ناشطة في هذا الحزب، ولكن يبدو أن رفاقكِ اختاروا لسبب ما ألَّا تلقي كلمتكِ التي كانت عبارة عن وصايا سياسية للمرحلة المقبلة، وطلبوا من رجل أن يلقيها نيابة عنكِ، على الرغم من أن أيديولوجيتهم السياسية والحزبية لا تمنع وجود النساء من حيث المبدأ. لماذا فعلوا ذلك؟ ما الذي حصل؟ وكيف تعاملتِ مع الموضوع؟

نعم، كان الحزب الاشتراكي العربي الديمقراطي أحد المساحات التي اشتغلتُ من خلالها في السياسة. وحين توفي حسن عبد العظيم، أردت الذهاب إلى حفل تأبينه لأني اعتبرته فرصة للحضور السياسي. لم يكن الموضوع شخصيًا بالنسبة لي. ولكن قبل أن أذهب، وصلني أنه ربما لن يُسمح بالوجود النسائي، ويبدو أن السبب هو أنهم استأجروا صالة من وزارة الأوقاف. وهنا استنفرت قرون الاستشعار لدي، وأصريت على الحضور. وقررتُ أن تكون لي كلمة، وأن أشجع على حضور نساء أخريات.

شُغلتُ بالموضوع قبل موعد التأبين، وانزعجتُ لأن البعض كان يقول «دعونا لا نعمل مشاكل». كيف لا نعمل مشكلات؟! من سيمنع وجود النساء في حفل تأبين أمين عام لحزب خلال مرحلة طويلة من تاريخ سورية؟ ولعلمكِ أنه حين كان الحزب ينظم مهرجانات في دوما في أيام الاستبداد، كان ربع الحضور من النساء من كل أنحاء سورية.

يبدو أنه لا يمر شيء في هذه المرحلة من دون أن تشعري أنك في معارك على جميع الأصعدة. هناك توجه لوضع السياسة وراء الظهر، والتركيز على الأمور الاجتماعية والإغاثية، ولكن إن لم يكن هناك شغل سياسي، فيجب أن تسألي نفسك من سيستثمر شغلي.

22- لم أفهم الفكرة. لماذا فكروا في منع النساء، هل من منطلق أن النساء لا يحضرن الجنازات؟

بالضبط. لقد فوجئت بالرضوخ لشروط استئجار الصالة، فقد كان بإمكانهم أن يتحدوها إن أرادوا. يبدو أن عقلين يسيطران حاليًا على الساحة السياسية في سورية، وقد بدأ الأول ينبطح للجناح السلفي في السلطة الذي يحاول دائمًا أن يملي قناعاته على النساء، ولكنه لا يشكل كل السلطة كما أشرت آنفًا. ولديكِ الحالة الأخرى التي قاطعت السلطة نهائيًا وتهاجمها على طول الخط، من دون أن تأتي باقتراحات أو بدائل أو أن تهتم بالوجهة التي يذهب إليها البلد.

بعد وصولي إلى حفل التأبين في دمشق، قابلتُ هناك عددًا محدودًا من النساء، أي أن الصالة استقبلت النساء. ولكن حين أبديتُ رغبتي في إلقاء الكلمة، انقسمت الآراء بين موافق ومعارض. وبعد أن اطلعوا على ورقتي، قالوا لي إنها ليست نعوة، بل وصايا سياسية! في النهاية قبلتُ أن يقرأها رجل نيابة عني، وهذا لأني أدركت أني لستُ المستهدفة، وأن هذا كان سيحصل مع أي امرأة أخرى في مكاني، فضلًا عن رغبتي في ألَّا تضيع ورقتي وأن يسمعوا ما أريد قوله. الشخص الذي ألقى الكلمة نيابة عني قال إنها وصاياي السياسية، ما خفف حدة الغضب لدي.

وحالما عدتُ إلى بيتي، وقبل أن أشرب كأسًا من الماء، فتحت البث المباشر على صفحتي على الفيس وقرأت الورقة بصوتي. وانطباعي أنها انتشرت أكثر مما لو كنتُ قد قرأتُها في حدود قاعة التأبين. لو تمكنتُ من قراءتها بصوتي لما خطر على بالي أن أسجلها لاحقًا على صفحتي، ولما خطر على بالكِ أن تضيفي إليها وتحوليها إلى مادة على قناة النرجس على اليوتيوب. لا تعبّر هذه الورقة عني فقط، لأني كتبتها كخلاصة تجربة بعد حوارات جدية مع مجموعات كبيرة من النساء والرجال. وقد سبب نشري للورقة بعض البلبلة: «هل يُعقل أن تُقرأ ورقة لفلانة وهي موجودة؟». اعتبر الناس أن هذا خطأ ما كان يجب أن يحصل مهما كانت الشروط. هذه البلبلة مهمة، ينبغي ألَّا نسمح لحالة الجمود أن تؤثر على أفكارنا ومواقفنا. ما زالت سورية في مخاض، وحتى الآن لم ترسُ على بر. التدين في سورية معتدل عمومًا، وهم الآن يحاولون سحبها إلى مكان متشدد. تحصل خضّات من هذا النوع بشكل مستمر، وأعتقد أن القادرين على تعديل المسار هم القوى الاجتماعية والسياسية. لذلك يجب ألَّا نستسلم. ماذا يعني أننا لن نستسلم؟ أي أننا سوف نجدد أدواتنا باستمرار ونواصل التعبير عن أفكارنا.

23- تطرقنا إلى عدة موضوعات شائكة، ولكن قبل أن نختم بودّي أن أسألك عن نظرتكِ إلى المستقبل. كيف ترين المستقبل؟

أنا من الناس الذين لديهم ثقة بأننا سنكون قادرات وقادرين على أن نبني سورية الحلوة، والتي تليق ببناتها وأبنائها. لن ينقذ سورية سوى بناتها وأبنائها. الطريق موجعة جدًا، لكن لا بد أن نعبرها، ولن نتجاوز هذه المرحلة إلَّا بمزيد من الحوار والشفافية والوضوح والتشبيك والتعاون والإبداع. نحتاج إلى الإبداع، لأن حجم الجرائم التي استمرت فترة زمنية طويلة كبير جدًا. سوف نستفيد من كل هذه التجارب، ولكن من دون إبداع سوري فعلي، لا أتوقع أننا سوف نصل إلى شيء.