حلف مكة: هندسة جديدة للأمن الإقليمي؛ الإنتاج التضامني للأمن الإقليمي محليًا في عالم متحوّل
ملخص تنفيذي: يناقش هذا المقال التحليلي الدلالات الاستراتيجية لاتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، وينطلق من فرضية الكاتب أن الحلف لم يولد من حرب إيران الأخيرة، وإن كانت قد سرّعت ظهوره، بل من تحول أعمق في النظامين الدولي والإقليمي. فتراجع الأحادية القطبية، وتصاعد المنافسة الأميركية الصينية، وتزايد الشكوك في موثوقية الضمانات الأمنية الخارجية، تدفع دول المنطقة نحو بناء قدرات وتحالفات أكثر استقلالًا. ويتزامن ذلك مع تحول الصراعات الإقليمية من حروب الوكلاء إلى الاستخدام المباشر للقوة من جانب إيران وإسرائيل، بما مسّ سيادة دول المنطقة وأمنها واقتصادها. ويرى المقال أن نجاح حلف مكة لن يتحدد بحجم جيوشه أو بامتلاك باكستان السلاح النووي، بل بقدرته على بناء ردع موثوق، وتكامل عملياتي ومؤسّسات مشتركة، وتجنب الاختزال الطائفي، والتوسع المدروس والمتدرج. والغاية النهائية هي ضمان الأمن والاستقرار، ليس عبر استبدال الشركاء الدوليين، بل بالانتقال من أمن توفره القوى الخارجية إلى أمن تشارك دول المنطقة نفسها في إنتاجه تضامنيًا.
المحاور الأساسية: تتوزّع المقالة على خمسة محاور رئيسة:
التحول في النظام الدولي وأزمة استيراد الأمن: الانتقال التدريجي من اللحظة الأحادية القطبية إلى نظام أكثر تنافسًا، وما ينتج عنه من تراجع اليقين بالضمانات الخارجية وعودة منطق الاعتماد على الذات والتحالفات الإقليمية.
تحول طبيعة التهديد داخل الإقليم: انتقال جزء متزايد من الصراعات من الوكلاء والمواجهات المحدودة إلى الاستخدام المباشر للقوة، ولا سيما من إسرائيل وإيران، بما جعل السيادة والأجواء والبنى الاقتصادية لدول المنطقة أكثر عرضة للصراع.
منطق حلف مكة ومصادر قوته: تقاطع المصالح السعودية والتركية والباكستانية، وتكامل قدراتها العسكرية والاقتصادية والجغرافية، والوزن الخاص للقدرة النووية الباكستانية، مع التمييز بين وجود هذه القدرة وقيام مظلة نووية ممتدة رسميًا.
شروط النجاح والتحديات: تحويل التعهد السياسي إلى ردع موثوق عبر المؤسّسات والتكامل العملياتي والمصداقية، ومعالجة اختلاف تعريف التهديد وتقاسم الأعباء، وتجنب التوريط والاختزال الديني أو الطائفي، والتوسع بصورة لا تتجاوز قدرة المؤسّسة على الاستيعاب.
الرؤية طويلة الأجل: بناء إطار إقليمي مستقل لا يستبدل الشراكات الدولية، بل يضعها إضافة إلى قاعدة من القدرة الذاتية، ويتوسع عسكريًا واقتصاديًا وجغرافيًا، بما في ذلك دور محتمل لسوريا والأردن ومصر ودول أخرى، والانتقال في النهاية من أمن ينتجه الآخرون للمنطقة إلى أمن تشارك دول المنطقة نفسها في إنتاجه.
في السابع من آب/ أغسطس 2026، لم توقع السعودية وتركيا وباكستان في مكة مجرد اتفاق تعاون دفاعي جديد، بل وضعت النواة الأولى لترتيب أمني إقليمي أكثر مؤسسية. فقد نص اتفاق مكة للدفاع المشترك على أن الاعتداء المسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد اعتداءً عليها جميعًا، وهو مبدأ شبّهه هاكان فيدان، من الناحية التقنية، بالمادة الخامسة للناتو. ولم يبق الاتفاق عند مستوى الإعلان السياسي؛ ففي 13 آب/ أغسطس كشفت تركيا عن آليات تنسيق سياسية وعسكرية عليا، ومناورات مشتركة برية وبحرية وجوية، وتعاون في الدفاع الجوي والأنظمة غير المأهولة والحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى التطوير والإنتاج المشتركين ونقل التكنولوجيا. بذلك بدأ الاتفاق ينتقل سريعًا من رسالة ردع سياسية إلى محاولة لبناء قدرة دفاعية جماعية قابلة للعمل، وإن بقي اختبار المصداقية والتنفيذ الفعلي قائمًا أمامه.
من السهل تفسير الاتفاق بوصفه نتيجة مباشرة للحرب الإيرانية الأخيرة وللهجمات التي تعرضت لها دول الخليج. لكن هذه القراءة، على الرغم من وجاهتها الجزئية، تقرأ اللحظة ولا تقرأ التحول. فالاتفاق لم يولد خلال الحرب. وقد كشف فيدان أن العمل عليه استمر سنتين وثمانية أشهر قبل توقيعه، وهو ما يعني أن الحرب الأخيرة لم تخلق الحاجة إليه، بقدر ما سرّعت الانتقال من فكرة كانت تتبلور إلى مؤسّسة معلنة. وبدأت المنطقة تنتقل من مفهوم الأمن الذي توفره قوة خارجية إلى مفهوم الأمن الذي تشارك دول المنطقة نفسها في إنتاجه.
الحجة الأساسية هنا هي أن حلف مكة ليس ردًا على طرف أو حرب بعينها، وإنما استجابة متأخرة لتحول أعمق في النظام الدولي والإقليمي. وإذا نجحت الدول المؤسّسة في تحويله من تعهد سياسي إلى حلف دفاعي ردعي موثوق بقدرات عسكرية تكاملية، وتوسيعه تدريجيًا ليشمل، من جهة، مجالات تعاون غير عسكرية (اقتصادية ودبلوماسية وسياسية ومالية...)، ومن جهة أخرى، ضم دول أخرى، فقد يكون أهم ما فيه ليس قدرته على مواجهة تهديد إيراني أو إسرائيلي قائم اليوم، بل قدرته على منع دول المنطقة من أن تكون ساحات صراع لقوى إقليمية مزعزعة للاستقرار ومن أن تصبح، بعد خمس أو عشر أو عشرين سنة، مجرد ساحات تستخدمها القوى الدولية في صراعاتها.
لفهم ضرورة هذا التحالف، ينبغي ألا نبدأ من إيران أو إسرائيل وحروبهما الحالية، بل من النظام الدولي نفسه. فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، دخل العالم ما سماه تشارلز كراوثامر The Unipolar Moment، اللحظة الأحادية القطبية. امتلكت الولايات المتحدة تفوقًا عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا لم تكن هناك قوة أخرى قادرة على موازنته عالميًا. وفي مثل هذا النظام كان ممكنًا لدول كثيرة أن تبني جزءًا كبيرًا من أمنها على افتراض وجود ضامن أميركي قادر، عند الضرورة، على التدخل. لكن هذا العالم يتغير، ولم يكن اختيار كراوثامر لكلمة moment عرضيًا؛ فقد رأى هو نفسه أن التعددية القطبية ستأتي مع الوقت. واليوم نشهد أن الصين لم تعد قوة اقتصادية صاعدة فقط، وروسيا استعادت جزءًا كبيرًا من قدرتها على تعطيل الخيارات الغربية، وقوى إقليمية عديدة باتت أكثر استقلالًا. ولا يعني ذلك أن العالم أصبح متعدد الأقطاب بصورة مكتملة، ولا أن الولايات المتحدة فقدت موقعها بوصفها القوة العسكرية الأهم عالميًا. لكنه يعني أن حرية الحركة الأميركية تقل كلما ارتفعت كلفة المنافسة في أكثر من مسرح في الوقت نفسه.
لكن في عالم تتصارع فيه القوى العظمى، ومن منظور الواقعية السياسية، تكمن المشكلة في غياب سلطة عالمية عليا تستطيع الدولة أن تلجأ إليها عندما يصبح أمنها الوجودي مهددًا. وهذا هو منطق self-help، الاعتماد على الذات، الذي يشكل ركنًا أساسيًا في الواقعية: الشريك الخارجي مهم، لكنه ليس بديلًا نهائيًا عن القدرة الذاتية، لأن قراره سيبقى مرتبطًا بمصالحه هو. فعندما يبدأ الشك في استعداد الشريك الخارجي (الأميركي) لدفع ثمن الدفاع عنها في اللحظة التي تحتاج إليه، تتحول القدرة الذاتية والتحالفات الإقليمية من خيار إلى ضرورة.
ويفسر غلين سنايدر Glenn H. Snyder هذه المعضلة في دراسته الكلاسيكية The Security Dilemma in Alliance من خلال ثنائية abandonment and entrapment، الهجر والتوريط. فالدولة المتحالفة تخشى أمرين متناقضين: أن يهجرها حليفها عندما تحتاج إليه، أو أن يورطها في حرب لا تريدها. ويبين سنايدر أن هذه المعضلة تصبح أشد تعقيدًا في النظم متعددة الأقطاب، حيث تزداد الخيارات وتكثر التحالفات ويصبح حساب الالتزامات أكثر صعوبة.
وهذا، في رأيي، وصف مناسب للمشكلة التي تواجهها دول المنطقة اليوم. فهي لا تريد الانفصال عن الولايات المتحدة، لكنها لا تستطيع كذلك أن تجعل أمنها الوجودي معلقًا بصورة كاملة على نتيجة انتخابات أميركية، أو تغير إدارة، أو إعادة ترتيب أولويات في واشنطن. ويضاف إلى ذلك العمق الاستثنائي (الذي يمكن وصفه باللاعقلاني irrational) للشراكة الأميركية الإسرائيلية، بما يجعل هامش الحياد الأميركي أضيق بكثير في أي أزمة تكون إسرائيل طرفًا فيها، ويثير لدى دول المنطقة سؤالًا مشروعًا حول مدى قدرة واشنطن على أداء دور الضامن إذا وقع التعارض بين أمن حليف إقليمي آخر وبين المصالح الإسرائيلية. أو في حال وقوع اعتداء إسرائيلي على أي من دول المنطقة.
وكان من الملاحظ، خاصة في السنوات الأخيرة، تآكل اليقين بالمظلة الأميركية. ولم تصل السعودية إلى هذا الاستنتاج من خلال النظرية وحدها. تراكمت لديها تجارب عملية. فخلال حرب التحالف العربي ضد ميليشيات الحوثي المرتبطة بإيران في اليمن، قررت إدارة باراك أوباما في نهاية عام 2016 عدم المضي في بعض صفقات الذخائر الجوية الموجهة بدقة إلى السعودية بسبب مخاوف مرتبطة بسقوط المدنيين وطريقة اختيار الأهداف. لم توقف واشنطن علاقتها الدفاعية بالرياض، ولم تتخل عن دعمها للسعودية بصورة كاملة، لكن الرسالة الاستراتيجية كانت واضحة: حتى في حرب تراها الدولة الحليفة، السعودية، مرتبطة بأمنها المباشر ضد ميليشيا انقلابية مرتبطة بإيران، قد تهدد الأمن الإقليمي والدولي والممرات البحرية، وقد هددتها لاحقًا. ومع ذلك، يمكن للقرار السياسي الأميركي أن يعيد تحديد شكل الدعم وحدوده، ثم جاءت هجمات بقيق وخريص في 14 أيلول/سبتمبر 2019، حيث وقع الاعتداء على قلب البنية النفطية السعودية، وأوقفت مؤقتًا نحو نصف إنتاج المملكة، بما يعادل قرابة خمسة في المئة من الإمدادات العالمية آنذاك. اتهمت واشنطن إيران بالمسؤولية، لكن الولايات المتحدة لم ترد عسكريًا بصورة مباشرة على الهجوم. وقد عاد هذا الحدث مرارًا في النقاشات الخليجية اللاحقة بوصفه لحظة كشفت المسافة بين وجود شراكة أمنية أميركية قوية وبين وجود ضمانة تلقائية بأن الولايات المتحدة ستدخل حربًا دفاعًا عن حليفها.
وهنا يجب التمييز بين الشراكة والتحالف. فالشراكة، حتى الاستراتيجية منها، تقوم عادة على تعاون واسع ومرن: اقتصاد، تجارة، صناعة دفاعية، تدريب، وربما تنسيق أمني، لكنها لا تتضمن بالضرورة التزامًا بالدفاع عن الطرف الآخر. أما التحالف فينقل العلاقة إلى مستوى مختلف؛ لأنه يتضمن التزامًا أمنيًا متبادلًا، ويفترض أن القوات والمؤسّسات تبدأ بالتفكير في كيفية العمل معًا إذا وقع تهديد فعلي. والأدبيات الأكاديمية تميز بينهما تحديدًا بهذه الطريقة: الشراكة أكثر مرونة وأقل كلفة من حيث الالتزام، بينما التحالف يقوم على تعاون أمني أكثر رسمية في مواجهة التهديدات.
التجربة التركية مختلفة، لكنها تقود إلى السؤال نفسه. فبالنظر فقط إلى العقد الأخير يمكن ملاحظة حوادث عدة. فمنذ 2015، تعاونت الولايات المتحدة عسكريًا في سوريا مع قوات ذات قيادة كردية، منها وحدات حماية الشعب YPG المرتبطة بحزب العمال الكردستاني والتي تصفها حتى تقارير خدمة أبحاث الكونغرس الأميركية نفسها بأنها مرتبطة بحزب العمال الكردستاني المصنف أميركيًا أيضًا منظمة إرهابية. بالنسبة إلى واشنطن كان هذا التعاون مرتبطًا أساسًا بمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، بينما رأته أنقرة تعاونًا مع قوة مرتبطة بأحد أخطر التهديدات الأمنية التي واجهتها وتواجهها تركيا لعقود. أي أن الدولتين المتحالفتين داخل الناتو كانتا تستطيعان النظر إلى الفاعل نفسه بمنظارين أمنيين مختلفين جذريًا. وفي حادثة إسقاط تركيا الطائرة الروسية في تشرين الثاني/نوفمبر 2015، أعلن الناتو تضامنه مع أنقرة، لكنه ركز كذلك بصورة واضحة على منع التصعيد مع موسكو. وتزامن ذلك مع سحب بطاريات باتريوت تابعة للناتو؛ فقد كانت ألمانيا قد قررت منذ صيف 2015 عدم تمديد مهمتها وأوقفت تشغيلها في منتصف تشرين الأول/أكتوبر. ولم يكن الدفاع الجوي التركي معدومًا من حيث القدرة، لكن جزءًا مهمًا حينها من الدفاع ضد الصواريخ الباليستية عالية المستوى كان يعتمد في تلك المرحلة على بطاريات باتريوت أرسلتها دول حليفة وتولت قواتها تشغيلها.
هذه التفاصيل لا تثبت تخلي الناتو عن تركيا، لكنها تظل دالة على أن القدرات التي يقدمها الحلفاء تبقى مرتبطة بقراراتهم الوطنية وتقديراتهم المتغيرة للتهديد. وهي تؤشر إلى أمر مهم: حتى داخل أكثر التحالفات المؤسسية تطورًا في العالم، لا تلغي العضوية اختلاف تقديرات التهديد والمصالح الوطنية لكل دولة من الدول الأعضاء.
والأهم أن هذا القلق لم يعد شرق أوسطيًّا فقط. أوروبا نفسها بدأت تتعامل مع سؤال كان حتى سنوات قليلة يبدو غير ضروري: ماذا لو أصبح الالتزام الأميركي بأمن أوروبا أقل يقينًا؟ الحرب الروسية على أوكرانيا كانت محورية للإجابة عن هذا السؤال. والإجابة جاءت واضحة مع وصول ترامب إلى السلطة. ومع أن أوروبا لم تنشئ حلفًا بديلًا من الناتو أو موازيًا له (حتى اللحظة)، ولم تخرج منه، فإنها بدأت ببناء قدرات وطنية، وتعمل على وضع ركيزة أوروبية أقوى داخله وبجانبه. ففي قمة لاهاي 2025 تعهد أعضاء الناتو بالوصول إلى إنفاق دفاعي وأمني يعادل خمسة في المئة من الناتج المحلي بحلول 2035، وفي قمة أنقرة 2026 أعلن الحلف أن الدول الأوروبية وكندا رفعت إنفاقها على متطلبات الدفاع الأساسية بأكثر من 139 مليار دولار خلال عام واحد. وفي آذار/ مارس 2026 وسعت فرنسا نقاش مظلتها النووية مع عدد من الدول الأوروبية، بينها ألمانيا، في سياق مخاوف معلنة من موثوقية الحماية الأميركية على المدى الطويل، مع التأكيد أن ذلك يكمل الناتو ولا يستبدله. إذا كانت دول أوروبا العضوة في أكثر تحالف دفاعي مؤسسي في العالم، تعيد التفكير في مقدار ما يجب أن تنتجه بنفسها من أمن، فمن الطبيعي أن تطرح دول الشرق الأوسط السؤال نفسه وتعمل على تشكيل تحالف أمني.
وهناك سبب آخر أعمق، هو صعود الصين المتزايد. لطالما اعتُبر التوجه الأميركي نحو آسيا دليلًا على تراجع أهمية الشرق الأوسط. لكن قراءة واقعية استراتيجية تقود إلى استنتاج معاكس. إذا كانت الصين هي المنافس الدولي الرئيس للولايات المتحدة، وإذا كانت تحتاج إلى الطاقة وإلى الممرات البحرية والبرية التي تربط الخليج بالمحيط الهندي وشرق آسيا، فإن الشرق الأوسط يصبح أكثر أهمية في المنافسة الأميركية الصينية، لا أقل. جغرافية الشرق الأوسط تقع على عقد الممرات البحرية التي تصل آسيا بأوروبا وأفريقيا، وتضم أكبر تجمع للاحتياطيات النفطية والغازية المثبتة. وهذان العاملان مجتمعين هما الشريان الأساسي لاستمرار صعود الصين، وهذا ما يجعلها ساحة طبيعية لتقاطع المصالح الكبرى. فاعتماد الصين المتزايد على النفط المستورد من الشرق الأوسط يجعل أمن خطوط الإمداد والطرق البحرية مصلحة صينية استراتيجية يصعب أن تبقى اقتصادية فقط مع استمرار صعود القوة الصينية. ولهذا، لا بد أن يكون من مصلحة بكين أيضًا أن تمنع استمرار هيمنة واشنطن، المباشرة أو غير المباشرة، على دول المنطقة، كما أعتقد أنه لا بد أن تسعى إلى فرض نوع من النفوذ أو الهيمنة.
جون ميرشايمر John J. Mearsheimer ينطلق من فرضية أبعد: القوة الصينية المتعاظمة ستنتج، بحكم منطق النظام الدولي، مصالح أمنية تتجاوز شرق آسيا، فيما ستسعى الولايات المتحدة إلى الحد من قدرة منافس ندّي على توسيع نفوذه. وبهذا يمكن أن يكون الشرق الأوسط إحدى ساحات الاحتكاك الأساسية بين الطرفين. وهذا لا يعني حتمية حرب أميركية صينية في الخليج، ولكنه يعني أن دول المنطقة يجب ألا تبني استراتيجياتها على افتراض أن هذه المنافسة ستظل بعيدة عنها، بل إن هذه المنافسة، التي قد تتحول إلى صراع، سيكون جزء مهم منها مرتبطًا بسياسات دول المنطقة وأراضيها ومصالحها.
وهنا تظهر قيمة حلف مكة على المدى البعيد كحلف ردعي. فالهدف يجب ألا يكون الاختيار مسبقًا بين واشنطن وبكين. بل أن تكون لدول المنطقة كتلة من القوة تجعل كلًا من واشنطن وبكين مضطرتين إلى أخذها وأخذ مصالحها بعين الاعتبار والتفاوض معها، لا فوقها أو عبرها ولا الهيمنة عليها.
إلى جانب التحول في بنية النظام الدولي، تغير الشرق الأوسط نفسه، وتغير معه معنى التهديد. فلوقت طويل، أُدير جزء كبير من الصراع الإقليمي عبر الوكلاء، والحروب المحدودة، وقواعد اشتباك، ولو غير مكتوبة، أبقت المواجهة المباشرة بين القوى الإقليمية ضمن حدود معينة. لكن هذه الحدود تآكلت تدريجيًا منذ عام 2023، وانتقل الإقليم إلى مرحلة بات فيها الاستخدام المباشر والمكثف للقوة عبر الحدود أكثر اعتيادًا، فيما أصبحت سيادة الدول وأجواؤها وأراضيها جزءًا من ساحات تصفية الحسابات بين قوى متصارعة. ويفيد هنا مفهوم Escalation Dominance، الذي يمكن فهمه بوصفه الهيمنة عبر التصعيد. فقد شرح جون ميرشايمر John J. Mearsheimer أن هذا المنطق كان في صلب استراتيجية الردع الإسرائيلية: إذا ألحق طرف ما بإسرائيل أي ضرر، ينبغي عليها أن تكون قادرة على الرد بتحقيق ضرر أكبر بكثير (غير متناسبًا). والغاية ليست مقتصرة على معاقبة المهاجم على ما فعله فحسب، بل إقناعه، وإقناع كل المنطقة، بأن بدء المواجهة مع إسرائيل أو توسيعها سيقود إلى كلفة لا يستطيع مجاراتها. وهذا يلتقي مع المفهوم الكلاسيكي في أدبيات الردع، Deterrence by Punishment، الردع بالعقاب، أي ردع الخصم عن فعل مستقبلي عبر إقناعه بأن الرد اللاحق سيفرض عليه كلفة تفوق المكسب الذي يتوقع تحقيقه.
ومن هذه الزاوية، لا يمكن النظر إلى حجم القوة التي استخدمتها إسرائيل منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 بوصفه ذا وظيفة عقابية أو عملياتية فقط؛ فقد حمل أيضًا وظيفة ردعية ورسالة أوسع إلى كل دول المنطقة. وكانت غزة المختبر الأوضح والأكثر قسوة لهذا المنطق. فبصرف النظر عن النقاش القانوني حول التناسب في كل ضربة على حدة، فإن حجم القوة المستخدم والدمار الناتج عنه كان استثنائيًا بالمعنى الاستراتيجي والإنساني. وقد أظهر تحليل صور الأقمار الصناعية الصادر عن UNOSAT أنه بحلول 11 تشرين الأول/ أكتوبر 2025 كان نحو 81 في المئة من جميع المنشآت في قطاع غزة قد تضرر، بينها أكثر من 123 ألف منشأة مدمرة بالكامل. وفي أيار/ مايو 2026 وصف مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية الظروف المعيشية بأنها لا تزال بالغة السوء، مع بقاء معظم السكان في حالة نزوح. حيث أكدت تقارير سابقة أن ما لا يقل عن 90 في المئة من سكان غزة تعرضوا للنزوح ومعظمهم لأكثر من عملية نزوح واحدة. وقدّرت منظمة الصحة العالمية أن أكثر من 43 ألف شخص أصيبوا بإصابات غيرت حياتهم بصورة دائمة، كما واجه العاملون بالشأن الإنساني ضمن المنظمات الأممية أو الإنسانية (ومنها زملائي في منظمة MedGlobal التي اعتز بالعمل ضمن كوادرها)، تحديات وأخطار لم يكن من الممكن توقعها من اغتيالات إلى اعتقالات، ومن منع دخول المساعدات إلى منع الوصول. حتى وصل التصعيد إلى ما وصفه معظم المراقبين اليوم بأنه جريمة إبادة جماعية. على الرغم من كل ذلك، استمر الدعم العسكري الأميركي خصوصًا، والغربي عمومًا لإسرائيل.
واتسعت الدائرة إلى لبنان. لم تعد المواجهة مقتصرة على تبادل نيران عبر الحدود، بل تحولت إلى عمليات برية وجوية واسعة أدت إلى خلق واقع جغرافي جديد. وفي مراجعة نشرتها رويترز في أيار/ مايو 2026، كانت إسرائيل قد أقامت منطقة احتلال مباشر تقارب 600 كيلومتر مربع في الجنوب اللبناني، بينما جعلت الضربات وأوامر الإخلاء أكثر من ألفي كيلومتر مربع، أي قرابة خمس مساحة لبنان، خارج الاستخدام الطبيعي للسكان إلى حد كبير.
وفي سوريا أخذ التصعيد شكلًا واضحًا من حيث حجم القوة المستخدمة ضد دولة كانت خارجة لتوها من انهيار نظامها الدكتاتوري السابق. فبعد سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، قامت إسرائيل بتنفيذ أكثر من 350 ضربة خلال الساعات الـ48 الأولى لفرار بشار الأسد، واستهدفت بطاريات دفاع جوي ومطارات ومراكز تصنيع عسكري وطائرات وصواريخ ومنشآت بحرية. ووصلت التقديرات إلى أن ما بين 70 و80 في المئة من القدرات العسكرية الاستراتيجية للنظام السابق دمرت خلال تلك الموجة الأولى. وفي الوقت نفسه دخلت القوات الإسرائيلية المنطقة العازلة التي أنشأها اتفاق فصل القوات لعام 1974، وتقدر مساحة المنطقة السورية التي باتت تحت السيطرة الإسرائيلية بنحو 235 كيلومترًا مربعًا. علمًا أن السلطات السورية لم تقدم أي إشارات تهديد لإسرائيل التي تحتل، في الواقع القانوني، جزءًا من الأراضي السورية. وعلى العكس، أرسلت قيادة سوريا الجديدة رسائل التطمين لكل المنطقة.
كما لم تعد حتى المسافة الجغرافية أو العلاقات الوثيقة مع الولايات المتحدة ضمانة تمنع انتقال العمليات العسكرية إلى أراضي دولة أخرى. ففي 9 أيلول/ سبتمبر 2025 نفذت إسرائيل ضربة في الدوحة استهدفت قيادة حماس بينما كانت قطر تؤدي دور الوسيط في مفاوضات وقف إطلاق النار. وقد نجا القادة المستهدفون، لكن الدلالة الاستراتيجية للعملية كانت أكبر من نتيجتها التكتيكية: دولة خليجية تستضيف أكبر قاعدة أميركية في المنطقة وتؤدي دورًا دبلوماسيًا مركزيًا، لم تكن محصنة من انتقال الصراع إلى عاصمتها وتعرضها لاعتداء إسرائيلي.
وكانت حدود التصعيد قد اتسعت قبل ذلك إلى إيران. ففي 31 تموز/ يوليو 2024 اغتيل رئيس المكتب السياسي لحماس إسماعيل هنية أثناء وجوده في طهران، وحملت إيران إسرائيل المسؤولية. ثم تحولت المواجهة في حزيران/ يونيو 2025 من عمليات خفية ومحدودة إلى حرب جوية مباشرة، مع ضربات إسرائيلية واسعة على أهداف عسكرية ونووية داخل إيران وردود صاروخية إيرانية على إسرائيل.
وعندما جمعت أسوشيتد برس الصورة في حزيران/ يونيو 2026، قدرت أن إسرائيل باتت تسيطر، منذ 2023، على نحو ألف كيلومتر مربع إضافي في غزة ولبنان وسوريا: قرابة 608 كيلومترات مربعة في لبنان، و194 في غزة، و235 في سوريا. بالنسبة إلى دول المنطقة هذه ليست مجرد أرقام جغرافية؛ بل هي إشارة إلى أن استخدام القوة لم يعد يهدف فقط إلى إحباط تهديد آني، بل بات موجهًا لتغيير الوقائع الميدانية والحدود الفعلية ومجالات السيطرة لفترات غير محددة.
واجه معظم الغرب كل هذا بقدر كبير من اللافعل، ربما صدرت بيانات إدانة هنا، ومؤتمرات صحفية وتحذيرات دبلوماسية هناك وصلت لفرض عقوبات على بعض الوزراء أو تعليق بعض التراخيص حول أسلحة محددة، إلخ. لكن كل هذا لم يتحول إلى إجراءات سياسية أو اقتصادية أو عسكرية قادرة فعليًا على فرض كلفة على إسرائيل أو كبح هذا التصعيد غير المتناسب وحجم الدمار والقتل الذي رافقه. وبقيت الفجوة واسعة بين الخطاب الغربي حول حماية المدنيين واحترام القانون الدولي، وبين الاستعداد العملي لاستخدام أدوات الضغط المتاحة لكبح هذا المسار في الممارسات الإسرائيلية.
وهذا لا يعني أن المواقف الغربية كانت موحدة، أو أن جميع الحكومات الغربية اتخذت الموقف نفسه، لكنها، في أغلبيتها، ساهمت، من منظور استراتيجي إقليمي، في خلق انطباع بأن الكلفة الخارجية التي تتحملها إسرائيل نتيجة استخدام القوة تبقى محدودة نسبيًا. بل إن استمرار الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي من بعض أهم القوى الغربية، بالتوازي مع غياب إجراءات ردعية حقيقية، عزز لدى دول ومجتمعات المنطقة شعورًا بأن إسرائيل تعمل في مساحة تقترب سياسيًا من حالة impunity، أي الإفلات العملي من العقاب ومن الردع الدولي. وهذا بحد ذاته يحمل أثرًا استراتيجيًا يتجاوز غزة أو لبنان وسوريا، لأنه يطرح على كل دولة في المنطقة سؤالًا مباشرًا: إذا اتسع استخدام القوة الإسرائيلية مستقبلًا ليطال مصالحها أو أراضيها، فما الذي يضمن أن يتحول الاعتراض الدولي هذه المرة من بيانات ومواقف إلى فعل حقيقي؟
لكن هذا التحول لم يكن إسرائيليًا فقط. إيران بدورها انتقلت من نموذج يقوم أساسًا على الوكلاء إلى مزيج من الوكلاء والاستخدام العسكري المباشر للقوة. ففي 13 و14 نيسان/ أبريل 2024 أطلقت إيران أكثر من 300 طائرة مسيرة وصاروخ باتجاه إسرائيل في أول هجوم إيراني مباشر واسع على إسرائيل. ولم تبقَ المواجهة بين إيران وإسرائيل داخل فضائهما؛ فقد عبرت المقذوفات أجواء دول أخرى، وأسقط الأردن عددًا منها بعد دخولها مجاله الجوي، فيما أغلق الأردن والعراق ولبنان أجواءها مؤقتًا. أي إن دولة ثالثة وجدت نفسها مضطرة إلى الدفاع عن سيادتها وأمن سكانها في حرب لم تكن طرفًا فيها.
وتكرر المشهد في الهجوم الصاروخي الإيراني في الأول من تشرين الأول/ أكتوبر 2024، ثم على نطاق أكبر خلال الحرب الإيرانية الإسرائيلية في حزيران/ يونيو 2025، حين عبرت الصواريخ والطائرات المسيرة فضاءات جوية إقليمية متعددة، وحذرت الولايات المتحدة مواطنيها في الأردن والعراق من الصواريخ والمسيرات العابرة للأجواء ومن خطر تساقط الحطام. هنا تظهر مشكلة أوسع من النزاع الإيراني الإسرائيلي نفسه: حين يستخدم طرفان (كل من إيران وإسرائيل) أراضي وأجواء الدول الواقعة بينهما كمسار طبيعي لصراعهما، دون أي احترام لسيادة تلك الدول عمليًا، حيث تحولت السيادة إلى متغير ثانوي في حسابات الطرفين.
ثم جاءت حرب 2026 لتزيل ما تبقى من الحاجز بين الحرب الإيرانية وفضاء الخليج. فبعد بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/ فبراير، أطلقت إيران موجات واسعة من الصواريخ والطائرات المسيرة نحو أراضي دول خليجية. وخلال أيام أعلنت الإمارات وقطر والكويت والبحرين اعتراض أعداد كبيرة جدًا من الصواريخ والمسيرات، فيما سجلت السعودية أيضًا هجمات وأضرارًا. وتوسعت الاعتداءات الإيرانية لتطال منشآت مدنية ومنشآت طاقة في عدد من دول المنطقة، منها السعودية والكويت وقطر والإمارات والبحرين. وامتد الخطر شمالًا أيضًا. ففي 4 آذار/ مارس 2026 أسقطت دفاعات الناتو صاروخًا باليستيًا إيرانيًا كان متجهًا إلى المجال الجوي التركي بعد عبوره العراق وسوريا، ثم وقع اعتراض ثانٍ في 9 آذار/ مارس وثالث في 13 آذار/ مارس. وقد أدان الناتو ما وصفته باستهداف تركيا، فيما احتجت أنقرة رسميًا لدى طهران. كما استُهدفت، خلال الأشهر الماضية ومنذ اندلاع الحرب، الأراضي السورية والأردنية، وحتى المصرية، مؤخرًا.
المغزى هنا ليس وضع إيران وإسرائيل في خانة سياسية أو أخلاقية واحدة؛ فطبيعة الدولتين ودوافعهما وأدواتهما وموقعهما في الإقليم مختلفة. لكن من منظور بقية دول المنطقة، هناك حقيقة استراتيجية واضحة لا يمكن تجاهلها، وهي أن دولة مسؤولة لا تستطيع أن تبني أمنها على افتراض أن قوة إقليمية تملك القدرة على ضرب أراضيها أو اختراق أجوائها ستختار دائمًا الامتناع عن ذلك احترامًا للسيادة أو للقانون الدولي أو علاقات الجوار، أو أنها لن تقرر يومًا الاعتداء عليها لأي سبب كان. ولذلك لا يمكن لدول المنطقة أن تقبل بوجود تهديد دائم ومفتوح لأمنها وسيادتها واستقرارها وازدهارها الاقتصادي وسلامة شعوبها من دون إنشاء آليات دفاع حقيقية. ومن هنا تصبح القدرة الذاتية والردع الجماعي ضرورة استراتيجية، لا موقفًا موجهًا ضد دولة بعينها.
ولهذا كنت، كما كان غيري من المهتمين والباحثين والخبراء، قد دعوت قبل ولادة حلف مكة إلى بناء تحالف عسكري إقليمي مستقل، لا ينطلق من اعتبار إيران وحدها أو إسرائيل وحدها مصدرًا للتهديد، بل من مبدأ أشمل: ردع أي سلوك عدواني أو محاولة لفرض الوقائع بالقوة أيًا كان مصدرها، وتحويل دول المنطقة من ساحات تستخدمها القوى الأخرى إلى فاعلين يمتلكون القدرة على حماية سيادتهم وضمان مصالحهم.
ومن هذا المنطلق أيضًا ينبغي فهم الاعتداءات الإسرائيلية والإيرانية الأخيرة. فهي، في تقديري، ليست السبب البنيوي الذي خلق الحاجة إلى حلف مكة؛ فهذه الحاجة أقدم، وترتبط أساسًا بتحول النظام الدولي وتآكل اليقين بالمظلات الأمنية الخارجية. لكنها كانت عاملًا مسرعًا شديد الأهمية. فقد جعلت الخطر أقل نظرية وأكثر واقعية، وأظهرت أن الخلافات السياسية والاقتصادية بين دول المنطقة، مهما كانت حقيقية، تصبح ثانوية عندما تتغير طبيعة الحرب نفسها وحجمها ومدى الأضرار التي تستطيع قوة إقليمية واحدة إلحاقها بجيرانها. وربما كانت تلك هي الوظيفة الأهم للأزمات الأخيرة: أنها دفعت دولًا مختلفة في رؤاها ومصالحها إلى إعادة ترتيب الأولويات، ووضع خلافاتها الجزئية جانبًا أمام سؤال أكبر وأكثر وجودية: كيف نضمن ألا يبقى أمن دولنا وسيادتها رهينة لقرار الآخرين في أن يصعّدوا أو يتراجعوا أو يقوموا بالاعتداء أو تقديم الحماية؟
وبالانتقال إلى أسباب تجمع القوى الثلاث (السعودية وتركيا وباكستان)، يمكن القول إنه من منظور ستيفن والت Stephen Walt في The Origins of Alliances، لا تتحالف الدول بالضرورة ضد الدولة الأقوى، بل تميل إلى الموازنة في مواجهة ما تعتبره التهديد الأكبر، الذي يتحدد بعناصر محورية أهمها: القوة الكلية، والقرب الجغرافي، والقدرة الهجومية، والنيات العدوانية المدركة. وهذا يفسر حلف مكة بصورة أفضل من أي تفسير ديني أو أيديولوجي. الدول الثلاث لا تتطابق سياسيًا. لديها علاقات مختلفة مع إيران، ومع الولايات المتحدة، ومع الصين، ومع إسرائيل، ولديها أولويات جغرافية مختلفة. لكن مصالحها تتقاطع حول شيء واحد: تقليل القدرة التي يملكها الآخرون على فرض هيمنة أو كلفة قد تصل إلى حد وجودي بالنسبة إليها منفردة.
كما أن قدراتها متكاملة بصورة لافتة: السعودية تملك ثقلًا ماليًا واقتصاديًا، وبنية عسكرية متقدمة، وموقعًا في قلب منظومة الطاقة العالمية. تركيا تملك واحدًا من أكبر جيوش الناتو، وصناعة دفاعية تطورت وتوسعت سريعًا في الطائرات المسيرة والإلكترونيات والصواريخ والمنصات البحرية، وطائرة تقترب، وفق تقارير، من الجيل الخامس إضافة إلى خبرة عملياتية واسعة. وباكستان تضيف جيشًا كبيرًا وخبرة عسكرية وصناعات دفاعية وقدرات صاروخية، وهي دولة نووية.
أما البعد النووي، فيحتاج إلى قدر من التمييز. فحلف مكة نفسه لا يتضمن، فيما أُعلن عنه حتى الآن، نصًا أو تفصيلًا يوضح ما إذا كانت القدرة النووية الباكستانية أصبحت جزءًا من الردع الجماعي للدول الثلاث. لكن هذا الغموض لا يبدأ مع حلف مكة. فقد سبقه الاتفاق السعودي الباكستاني للدفاع الاستراتيجي المشترك عام 2025، الذي نص على أن الاعتداء على إحدى الدولتين يُعد اعتداءً عليهما معًا. وبعد توقيعه، قال مسؤول سعودي إن الاتفاق يشمل "جميع الوسائل العسكرية"، فيما صرح وزير الدفاع الباكستاني، في معرض حديثه عن القدرة النووية لبلاده، بأن ما تملكه باكستان من قدرات سيكون متاحًا للسعودية بموجب الاتفاق، قبل أن يعود لاحقًا فيقول إن الأسلحة النووية ليست "على رادار" الاتفاق أي إنها قد تكون خارج إطار الاتفاق، وهو ما يخلق نوعًا من الغموض. لذلك فإن الوزن النووي الباكستاني حاضر بلا شك في الحساب الاستراتيجي وفي غموض الردع الذي ينتجه التحالف، لكن لا توجد حتى الآن معلومات علنية كافية تسمح بالقول إن حلف مكة أنشأ مظلة نووية ممتدة Extended Nuclear Deterrence للسعودية وتركيا. وللحديث عن مظلة نووية مؤسسية ومكتملة، نحتاج إلى وضوح أكبر بشأن التعهد السياسي، والعقيدة، وآليات التشاور واتخاذ القرار والقيادة والسيطرة في الأزمات، وهي أمور لم تعلن تفاصيلها حتى الآن.
والأهم من كل ذلك والأكثر تعقيدًا، برأيي، أن مجرد جمع هذه القدرات، حتى وإن كانت متكاملة من حيث طبيعتها، لا يحولها تلقائيًا إلى قوة جماعية أو قدرة ردعية حقيقية. فالقيمة الحقيقية تبدأ عندما تُبنى موثوقية عالية بالحلف، وتُربط هذه القدرات مؤسسيًا وعملياتيًا، وتُسند بإرادة سياسية ومصداقية تجعل الخصم واثقًا بأن الاعتداء على طرف سيستدعي فعلًا قدرة الجميع وأن استخدامها في ساعة الأزمة أمر ذو مصداقية.
وهنا يعلمنا توماس شيلينغ Thomas Schelling في Arms and Influence أن السلاح لا يردع لمجرد وجوده. وتتحول القوة إلى ردع عندما يقتنع الخصم بأن القدرة ستستخدم وأن كلفة اختباره ستكون أعلى من الفائدة التي يتوقعها الخصم.
لذلك سيُقاس نجاح حلف مكة بما يحدث بعد الصورة التذكارية والتوقيع: هل ستنشأ مؤسّسة تحالف يثق بها أعضاؤها ويثق خصومها بصدقيتها وإمكاناتها؟ وهل يعرف الخصم مسبقًا أن الاعتداء على الرياض أو أنقرة أو إسلام آباد سيولد كلفة جماعية؟
هذه تحديدًا هي النقلة من البيان السياسي ورسالة الردع إلى قدرة الردع الحقيقية، وهي الاختبار الحقيقي للحلف ضمن الشهور والسنوات القادمة.
لكن امتلاك الدول الثلاث قدرات عسكرية كبيرة ومتكاملة استراتيجيًا لا يعني تلقائيًا أن الحلف أصبح قوة عسكرية متكاملة عملياتيًا. فالجيوش السعودية والتركية والباكستانية تستخدم منظومات تسليح مختلفة في مصادرها وأجيالها وعقائد تشغيلها، كما تختلف أنظمة القيادة والسيطرة والاتصالات والدفاع الجوي وتبادل المعلومات بينها. ومن ثم فإن أحد أهم التحديات الحالية سيكون الانتقال من التكامل الاستراتيجي في القدرات، حيث يكمل كل طرف ما يمتلكه الآخر، إلى التكامل العملياتي والتكتيكي الذي يسمح لهذه القدرات بالعمل فعليًا كمنظومة واحدة أو بشكل متناسق ومتناغم في الحد الأدنى. وهذا يتطلب، بداية، بناء مستوى عالٍ من الثقة بين الدول الأعضاء إضافة إلى قابلية التشغيل المتبادل، واتصالات آمنة، وإنذارًا مبكرًا مشتركًا، وتبادل بيانات واستخبارات، وتدريبات ومناورات منتظمة، وخططًا مسبقة لكيفية التحرك في الأزمات. فالردع لا يصنعه مجموع الأسلحة بقدر ما تصنعه القدرة الموثوقة على استخدامها بصورة منسقة ومتناغمة. ويرتبط بذلك تحد آخر هو المصداقية السياسية. فعبارة أن الاعتداء على دولة يعد اعتداء على الجميع تكتسب قيمتها الردعية فقط عندما يعرف الخصم مسبقًا ما الذي ستفعله بقية الدول، وكيف ستتخذ قراراتها، وما حدود التزامها عند وقوع أزمة حقيقية. وسيكون على الحلف مع الوقت تقليص المسافة بين الالتزام السياسي العام وآليات الاستجابة العملية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة إزالة كل قدر من الغموض الاستراتيجي ومن من دون الوقوع في خطر entrapment أي الانجرار إلى حرب عضو آخر. فالتكامل العسكري المميز يرافقه أيضًا نوع من التكامل من حيث العلاقات، لذا على دول الحلف العمل على تقليص أو تصفير خلافاتها مع الأطراف الأخرى بدعم حلفائها دبلوماسيًا قبل الاعتماد على تضامن حلفائها العسكري.
ومن المخاطر المهمة أيضًا اختزال الحلف إلى تحالف ديني أو طائفي، إسلامي أو سني، في مواجهة طرف آخر. مثل هذا التصور لا يسيء فقط إلى شرعية المشروع، بل يضعف منطقه الاستراتيجي ويقيد قدرته على التوسع والتكيف. وقد كان هاكان فيدان وزير خارجية تركيا واضحًا قبل الاتفاق وبعده في أن أي ترتيب أمني إقليمي ينبغي أن يكون شاملًا لا تقسيميًا، وألا ينشئ معسكرًا جديدًا، كما أكد بعد التوقيع أن الاتفاق لا يستهدف دولة بعينها. ووصف الجانب الباكستاني بدوره الاتفاق بأنه دفاعي ومفتوحًا أمام دول أخرى تلتزم بمبادئه وتسوية الخلافات سلميًا.
قد تساعد الروابط التاريخية والثقافية والدينية في بناء الثقة، لكنها لا تستطيع أن تكون الحامل الرئيس للحلف. الحامل الحقيقي هو المصلحة، والسيادة، والأمن المتبادل، والالتزام المشترك. ولهذا فإن نجاحه على المدى الطويل يفترض قدرته على التعاون مع دول مختلفة مذهبيًا وسياسيًا متى توافرت المصالح والشروط اللازمة. ويمكن أن تكون أذربيجان، ذات الأغلبية الشيعية وعلاقتها الاستراتيجية الوثيقة بتركيا، مثالًا تحليليًا على ذلك، حتى وإن لم تكن مرشحًا رسميًا معلنًا اليوم. فالمعيار ينبغي أن يكون السلوك والمصلحة والالتزام المتبادل، لا الهوية الدينية أو المذهبية، وقد تكون أذربيجان عضوًا في التحالف في مرحلة ما، ما دامت مصلحة الدول الأعضاء ومصلحة أذربيجان تستدعيان هذه العضوية.
ويبقى التحدي الأوسع هو ألا يتوسع الحلف، أو أن يتوسع بشكل أسرع من قدرته على بناء مؤسّساته؛ فنجاحه لن يقاس بعدد الأعلام المرفوعة على بوابته، بل بقدرته على تحويل الالتزامات السياسية إلى ردع موثوق ومؤسّسات قادرة على العمل ساعة الاختبار، لذا أرى أن من الضروري بناء مؤسّسة قوية متماسكة تكون قادرة على ضم عضوية دول أخرى لاحقًا. وهذا لا يعني أن الحلف يجب أن يبقى محصورًا في هذا المثلث القوي المتكامل، فثلاث دول تستطيع إنشاء نواة، لكنها لا تستطيع وحدها بناء نظام أمني للشرق الأوسط. وقد قال فيدان إن رؤية الرئيس رجب طيب أردوغان هي ألا يبقى الاتفاق محصورًا في الدول الثلاث، وذكر مصر تحديدًا بوصفها مرشحًا محتملًا. كما أن السعودية وتركيا وباكستان ومصر طورت بالفعل إطار R4 للتشاور حول القضايا الأمنية الإقليمية. لكن من الناحية الجغرافية، هناك دولتان يصعب بناء هندسة أمنية متماسكة من دونهما: هما سوريا والأردن.
فسوريا هي العقدة التي تصل تركيا بالمشرق والخليج وشرق المتوسط. وإذا استقرت مؤسّسات الدولة السورية وأعادت بناء قدراتها، يمكن أن يتحول خط تركيا وسوريا والأردن والسعودية إلى عمود جغرافي متصل، لا للعمليات العسكرية فقط، بل للنقل والطاقة والتجارة والربط اللوجستي. أما الأردن، فيجمع بين الموقع والخبرة المؤسسية. فهو حلقة وصل بين سوريا والخليج، وله خبرة في أمن الحدود ومكافحة التهريب والتعامل مع التهديدات العابرة للدول، كما أن علاقاته المتوازنة تعطيه قيمة سياسية ولوجستية تتجاوز حجمه العسكري. ثم تأتي قطر والكويت والبحرين بوصفهما جزءًا طبيعيًا من العمق الخليجي، وطبعًا مصر، التي تشير معظم التقارير إلى أنها المرشح الأول؛ فبحكم وزنها العسكري والجغرافي وسيطرتها على قناة السويس وعلاقتها بالبحر الأحمر تشكل حاملًا مهمًا. ويمكن أيضًا، ولو في مرحلة لاحقة، للعراق أن يدخل إذا ترسخ احتكار الدولة للسلاح والقرار السيادي. والأمر نفسه ينطبق على اليمن؛ فلا معنى لعضوية دولة إذا لم تكن مؤسّساتها المركزية هي صاحبة قرار الحرب والسلم.
أما على المدى الأبعد، فيمكن التفكير في دوائر أوسع من التعاون مع أذربيجان، وإندونيسيا، وماليزيا وغيرها من الدول الآسيوية. وليس ضروريًا أن تدخل جميعها فورًا وبشكل متزامن تحت بند دفاع جماعي مطابق. التحالفات الناجحة تتوسع بالوظيفة قبل أن تتوسع بالأعلام. يمكن أن تبدأ الدولة بشراكات صناعية، أو استخباراتية أو بحرية أو تدريبية، ثم تنتقل إلى مستويات أعمق من الالتزام عندما تتطور الثقة وقابلية التشغيل المشترك. وهذه أيضًا الفلسفة الموجودة في التصور السابق للتحالف الإقليمي: تنظيم المصالح المشتركة بدلًا من انتظار تطابق سياسي كامل بين جميع أعضائه.
ومن التحديات الأكثر تعقيدًا اختلاف تعريف التهديد بين الدول الأعضاء. فالسعودية وتركيا وباكستان لا تعيش البيئة الأمنية نفسها، ولا ترتب مصادر الخطر بالدرجة ذاتها، وقد يكون ما تعتبره دولة تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي ملفًا أقل أولوية لدى شريكيها. وتزداد المسألة تعقيدًا أمام الهجمات التي لا تأخذ شكل حرب تقليدية واضحة: عمل تنفذه جماعة وكيلة، هجوم سيبراني، استهداف للملاحة أو الطاقة، أو ضغط عسكري محدود. ولا يتطلب نجاح الحلف تطابقًا كاملًا في تقدير التهديدات، لكنه يحتاج إلى حد أدنى متفق عليه لما يمس الأمن الجماعي، وإلى آلية سريعة للتشاور وتقدير الخطر وتحديد مستوى الاستجابة. فالغموض قد يخدم الردع أحيانًا، لكن اتساعه أكثر من اللازم قد يحول الالتزام الجماعي نفسه إلى موضع شك عند أول اختبار.
ويرتبط بذلك تحدي تقاسم الأعباء Burden Sharing، وهو أوسع من مسألة من يدفع المال. فبناء تحالف فعلي يعني توزيع كلفة القيادة والمؤسّسات، والقواعد والبنية التحتية، والمناورات، والمخزونات والذخائر، والدفاع الجوي، والبحث والتطوير، إضافة إلى المخاطر السياسية والعسكرية التي قد يتحملها كل عضو عند الأزمات. وقد يؤدي الاختلاف الكبير في الموارد المالية والعسكرية بين الدول الثلاث، إذا لم يُنظم جيدًا، إلى علاقة غير متوازنة يصبح فيها طرف ممولًا، وآخر موردًا للقوة، وثالث صاحب القرار. ولذلك يحتاج الحلف إلى صيغة تجعل المساهمة متناسبة مع القدرة والوظيفة، لا متطابقة بالضرورة: تمويل، قوات، تكنولوجيا، بنية لوجستية، معلومات أو تصنيع. والهدف هو ألا يعيد الحلف إنتاج علاقة تبعية داخلية، بل أن يجعل كل عضو مساهمًا ضروريًا في إنتاج الأمن الجماعي.
وهنا تبرز مسؤولية سورية مباشرة ورسالة للسلطات السورية. فمصلحة دمشق لا تكمن في مجرد الانضمام إلى حلف مكة بوصفها حلقة جغرافية تصل تركيا بالأردن والخليج، بل في بناء عناصر قوة تجعل وجودها داخل أي إطار إقليمي مصلحة لبقية أعضائه بقدر ما هو مصلحة لها. وهذا يتطلب الانتقال من قيمة الموقع إلى قيمة القدرة، عبر إعادة بناء مؤسّسات الدولة، ولا سيما العسكرية والأمنية، وتطوير قدرات نوعية يمكن أن تضيف إلى منظومة الردع الجماعي، وتأمين الممرات والحدود والبنية اللوجستية، بما يربط أمن سوريا واستقرارها عضويًا بأمن محيطها. لكن أهم عنصر مؤسس لبناء القدرة السورية قد لا يكون عسكريًا بالمعنى الضيق، بل هو، بالضرورة، إعادة بناء الدولة، وهذا يتطلب توحيد المجتمع السوري واستعادة العلاقة بين المواطن والدولة. فالدولة التي تعاني انقسامات عميقة في داخلها لا تستطيع بناء قوة خارجية مستدامة مهما امتلكت من سلاح. وتقع على سلطات اليوم مسؤولية كبيرة وحقيقية لإعادة بناء الثقة، عبر ترسيخ المواطنة المتساوية، ومكافحة الفساد، والبدء بإعادة الإعمار بشكل فعلي، واتخاذ إجراءات جدية للعدالة والمساءلة والإنصاف تشمل الجراح المتراكمة منذ عهد الأسد، وكذلك ما خلفته أحداث ما بعد حقبة الأسد في الساحل وخاصة في السويداء. المطلوب ليس تجاوز هذه الجراح أو طمسها، بل مواجهتها ومعالجتها بما يمنع تحولها إلى انقسامات دائمة أو مصادر لعنف جديد. فتماسك المجتمع وثقته بمؤسّسات دولته جزء جوهري من القوة الوطنية، وليس ملفًا منفصلًا عن الأمن والاستراتيجية.
المهمة صعبة في دولة ورثت مؤسّسات منهكة ومدنًا مدمرة ونزوحًا واسعًا واقتصادًا منهارًا، لكنها ليست مستحيلة. والمطلوب أيضًا خلال المرحلة المقبلة هو تحديد مراكز قوة وأوراق استراتيجية قابلة للبناء والعمل عليها بصورة مركزة. فالعضوية التي تحتاجها سوريا ليست عضوية التابع الذي يبحث عن حامٍ جديد، ولا انتقالًا من الارتهان إلى تهديد عدو (إيراني أو إسرائيلي) إلى الارتهان إلى رضا دول صديقة اليوم. المطلوب عضوية دولة سيدة، تدخل التحالف لأنها تملك ما تضيفه إليه، ولأن مصالح شركائها تصبح مرتبطة بأمنها واستقرارها وسيادتها.
وتبقى أمام الحلف تحديات سياسية ودبلوماسية خارجية لا تقل أهمية عن تحدياته الداخلية؛ إذ ستنظر بعض القوى الإقليمية والدولية إليه بقدر من الريبة، وقد تعمل على احتوائه أو تعطيل توسعه، من إسرائيل إلى الهند وإيران، كلٌّ وفق حساباته ومصالحه. ومن هنا تبرز الحاجة إلى دراسة معمقة لهذه الممانعات المحتملة، وأدواتها، وكيفية التعامل معها دبلوماسيًا واستراتيجيًا بما يحمي الحلف من العزل أو الاستنزاف ويعزز فرص استدامته ونجاحه.
فحلف مكة تحتاجه المنطقة اليوم وتحتاجه بعد عقود. فإذا اقتصر حلف مكة على الرد على إيران في 2026، فقد ينتهي بانتهاء الأزمة التي ساهمت في تسريع ولادته. أما إذا أدرك، مؤسسوه، وأنا أعتقد أنهم سيفعلون، التحول الدولي البنيوي الذي جعله ضروريًا، فقد يعيش عقودًا وسيكون أكثر أهمية لاحقًا من أهميته اليوم. وظيفته الكبرى يجب أن تكون منع أي دولة، إقليمية كانت أم دولية، من حساب كلفة الضغط على دولة في المنطقة وكأنها هدف منفرد أو مجرد ساحة صراع.
اليوم قد تكون المسألة صاروخًا إيرانيًا، أو ضربة إسرائيلية، أو هجومًا من جماعة مسلحة. غدًا قد تكون هيمنة وصراع الكبار: عقوبات، أو حصار بحري، أو ضغط اقتصادي، أو صراع تكنولوجي. وبعد عقد أو عقدين قد تجد المنطقة نفسها داخل تنافس أميركي صيني أشد بكثير من الذي نراه اليوم. فالرؤية الاستراتيجية تنتهي إلى أن الشرق الأوسط مرشح لأن يكون في مقدمة ساحات الصراع مع الانتقال من الأحادية القطبية الأميركية إلى نظام أكثر تنافسًا، لأن واشنطن وبكين تحتاجان معًا إلى استقرار الطاقة وخطوط الملاحة وإلى النفوذ في منطقة لا يمكن فصلها عن الاقتصاد العالمي. ومع تزايد القوة الصينية، قد تنتقل المنافسة من التجارة والاستثمار إلى الوصول العسكري والتكنولوجيا والموانئ والقواعد والضغط السياسي.
المشكلة بالنسبة لدول الشرق الأوسط ليست أن تختار الطرف "الصحيح" في ذلك الصراع. المشكلة هي أن دخولها (والأصح القول: إدخالها في الصراع) وهي ضعيفة ومجزأة سيجعل الآخرين يختارون عنها من دون كثير من الاعتبار لمصالحها. أما إذا كانت هناك كتلة قادرة على حماية أجوائها وممراتها وبناها التحتية، وعلى إنتاج السلاح والذخيرة، وعلى تنسيق سياستها في الأزمات، فسيتغير الحساب. لن تستطيع أي دولة أو جماعة، ولا حتى الولايات المتحدة أو الصين، كما لن تستطيع إيران أو إسرائيل، أن تتجاهل مصالح دولة عضو بسهولة لأن عليها أن تضع في حسابها رد فعل كتلة أوسع.
وهذا ليس مشروع مواجهة مع القوى الكبرى. على العكس، القوة الإقليمية تمنح العلاقة مع القوى الكبرى قدرًا أكبر من الاستقرار، لأنها تقلل الإغراء بالضغط وتزيد قيمة الشراكة. وهذا الحلف الردعي يدعو إلى الالتزام بأمن المنطقة واستقرارها، وقد يسهم نجاح حلف ردعي إقليمي كهذا في استقرار أحد أكثر أقاليم العالم تعقيدًا وتأثيرًا في أمن الطاقة والتجارة والممرات الدولية. فيكون، ربما، فاعلًا مساهمًا في ضمان أمن واستقرار العالم عبر خلق نوع من التوازنات الدولية الفعالة.
لذلك، يجب ألا يُفهم حلف مكة بوصفه إعلان نهاية الشراكة الأميركية. الولايات المتحدة ستبقى شريكًا أمنيًا واقتصاديًا شديد الأهمية لدول المنطقة كالسعودية وتركيا ودول أخرى، والصين ستصبح شريكًا اقتصاديًا واستراتيجيًا أكبر وأهم مع الوقت، وأوروبا ستبقى جزءًا من منظومة الأمن والتجارة والتكنولوجيا. لكن العلاقة الصحية مع هذه القوى يجب أن تشكل طبقة إضافية فوق القدرة الذاتية، لا بديلًا عنها.
ولا يكتمل مفهوم الأمن الإقليمي إذا بقي الحلف عسكريًا بالمعنى الضيق. فالقدرة على خوض الأزمات والصمود أمامها تعتمد أيضًا على قاعدة اقتصادية وصناعية ولوجستية مشتركة. ومن هنا يمكن أن يشكل التعاون في الصناعات الدفاعية، والإنتاج المشترك للذخائر والمنظومات، وتأمين سلاسل الإمداد والمواد الحيوية، أحد أهم أعمدة الاستقلال الاستراتيجي. كما أن الربط بين الموانئ والطرق والسكك الحديدية وشبكات الطاقة والاتصالات يمكن أن يحول الجغرافيا المشتركة من مجرد ممر إلى بنية مصالح تجعل أمن كل دولة مرتبطًا بصورة عملية باستقرار الأخرى.
ويمكن للحلف كذلك أن يطور أدوات مالية مشتركة لتمويل مشاريع البنية الاستراتيجية، ومخزونات الطوارئ، والتكنولوجيا الدفاعية، وأن يعزز قدرة أعضائه على امتصاص آثار الاعتداء والحصار أو تعطيل التجارة والطاقة وسلاسل التوريد. فالصمود الاقتصادي جزء من الردع بقدر السلاح، لأن الخصم يحسب ليس فقط القدرة على الرد العسكري، بل قدرة الدولة على الاستمرار في العمل والإنتاج وتحمل الضغط. والأهم أن التكامل الاقتصادي يمنح الحلف حياة تتجاوز الأزمات العسكرية. فكلما أصبحت التجارة والاستثمار والطاقة والصناعة والممرات مترابطة، ازدادت كلفة تفكك التحالف على أعضائه أنفسهم، وأصبح الحفاظ عليه مصلحة يومية لا استجابة ظرفية لتهديد. ولهذا يستحق البعد الاقتصادي للحلف دراسة أكثر تكثيفًا واستقلالًا، لأنه قد يكون على المدى الطويل أحد أهم مصادر استدامته ومصداقيته وفي تحقيق أهداف دول المنطقة المعلنة: السلام للمنطقة والازدهار لسكانها. وشخصيًا، يمكنني تلخيص رؤيتي في أن على الحلف أن يجمع بين منطق المدرسة الواقعية في إدارة البيئة الخارجية، القائم على القوة والردع والمصلحة، ومنطق مؤسّساتي ليبرالي في تنظيم العلاقات الداخلية بين أعضائه، قائم على التعاون والاعتماد المتبادل والمؤسّسات والقواعد التي تخفض كلفة التعاون وتزيد استدامته.
ربما يلخص ولي العهد محمد بن سلمان وهاكان فيدان فلسفة هذا التحول بأوضح صورة. فقد جعل محمد بن سلمان المصلحة والأمن الوطني أساس السياسة الخارجية السعودية، مع تنويع الشراكات مع مختلف القوى في عالم يتجه بعيدًا عن الأحادية القطبية. وقد عبّر فيدان عن هذا المنطق بوضوح حين دعا إلى regional ownership للأمن الإقليمي، وإلى ألا تبقى دول المنطقة محتاجة إلى قوة مهيمنة تأتي لحل مشكلاتها. وبصياغة تحليلية، يمكن فهم ذلك بوصفه انتقالًا من outsourced security إلى co-produced security، أي من أمن يوفره الآخرون إلى أمن تشارك وتتضامن دول المنطقة نفسها في إنتاجه.
هذا هو التحول الحقيقي الذي يمكن أن يمثله حلف مكة: من security outsourced إلى security co-produced، أي من أمن مستورد من الخارج إلى أمن تنتجه دول المنطقة تضامنًا ثم تدعمه شراكاتها الدولية. ولكي يتحقق ذلك، يحتاج الحلف إلى ركائز عديدة، منها ثلاث كان التصور السابق للأمن الإقليمي قد حددها بالفعل: الاستقلال عن المحاور القائمة، والردع الفعال تجاه أي مصدر اعتداء، والتكامل بين القوة العسكرية والاقتصادية. فلا استقلال استراتيجي بلا صناعة وتمويل وطاقة وبنية تحتية، ولا ردع بلا مصداقية، ولا مصداقية بلا مؤسّسات وخطط وقدرة على اتخاذ القرار.
ختامًا، قيمة حلف مكة لا تكمن في أنه جمع ثلاثة جيوش قوية، ولا في أن أحد أعضائه دولة نووية، ولا في التشبيه بالمادة الخامسة من الناتو. كل ذلك يبقى محدود القيمة إذا لم تتحول التعهدات إلى مؤسّسات وقدرات وعلاقات ثقة يمكن للخصم والحليف معًا أن يثقا بها ويعتمدا عليها.
الاختبار الحقيقي سيأتي عندما تختلف مصالح الدول الثلاث في أزمة ما. هل يبقى الالتزام قائمًا؟ وعندما تتعرض دولة لضربة محدودة بطائرة مسيرة أو لهجوم إلكتروني أو لوكيل مسلح، هل يعرف الحلف مسبقًا ما الذي يُعد "اعتداءً" وما الرد المناسب؟ وهل يصبح الدفاع المشترك حقيقة عسكرية يمكن التخطيط على أساسها، أم يبقى بندًا سياسيًا مرنًا؟ إذا أجاب الحلف عن هذه الأسئلة، ثم توسع بتأن إلى سوريا والأردن ومصر ودول أخرى في الخليج العربي والجوار التركي والباكستاني، وربط الدفاع الجوي والبحري والأمن السيبراني بالصناعة والطاقة والتجارة، فقد تكون المنطقة أمام بداية شيء أكثر أهمية بكثير من تحالف ظرفي. قد تكون أمام بداية انتقال تاريخي من منطقة يُنتج أمنها الآخرون إلى منطقة تنتج أمنها بنفسها. ومن منطقة هُمشت مصالحها عبر عقود إلى منطقة محورية تضمن مصالحها.
فالدرس الأكثر واقعية أنه لا توجد قوة خارجية تتطابق مصالحها مع مصالح دول المنطقة في كل زمان ومكان وفي جميع الظروف. في عالم متعدد الأقطاب، لا تكون السيادة بالابتعاد عن الجميع، بل بالقدرة على التعامل مع الجميع من موقع لا يستطيع أحد تجاهله. وهنا تكمن القيمة الاستراتيجية الحقيقية لحلف مكة. ليس أن يكون حلفًا سنيًا، ولا إسلاميًا، ولا حلف حرب ضد إيران أو إسرائيل، ولا امتدادًا إقليميًا للولايات المتحدة أو الصين. بل أن يصبح، على مدى السنوات والعقود المقبلة، مؤسّسة مصلحية مستقلة للردع والأمن الجماعي، هدفها أن يكون أمن شعوب المنطقة واستقرارها قرارًا تنتجه دول المنطقة نفسها بالنظر أولًا إلى مصالحها.
هذه الورقة ليست سوى قراءة أولية كُتبت في الأيام الأولى لولادة حلف مكة، ومحاولة لاستشراف ما يمكن أن يصبح عليه، لا ما هو عليه اليوم فقط. لكن حجم الإمكانات التي يحملها هذا الحلف يستدعي دراسات أكثر تخصصًا وعمقًا في أبعاده الاقتصادية والعسكرية والمؤسسية، وتحدياته السياسية والدبلوماسية الخارجية. وربما يستحق، مع تطوره، إنشاء مركز دراسات استراتيجية متخصص يتابع مساره ويبحث خياراته وسيناريوهاته المستقبلية.
