كي لا يعود مشروع قانون المنظمات غير الحكومية الذي صيغ في عهد الأسد إلى الواجهة مجددًا

في كل مرة يُفتح فيها النقاش حول الحريات العامة في سوريا، يعود ملف المجتمع المدني إلى الواجهة بوصفه واحدًا من أكثر الملفات حساسية. فالعلاقة بين الدولة والجمعيات في سوريا لم تكن يومًا علاقة تنظيم قانوني طبيعي، بل كانت طوال عقود جزءًا من معادلة السيطرة السياسية والأمنية التي حكمت المجال العام السوري. فكانت حساسية الأسد وأجهزته شديدة تجاه مصطلح “المجتمع المدني”. وكانت تصريحاته في مناسبات مختلفة تركز على أنه في سوريا هناك مجتمع أهلي فقط، في الإشارة الى الجمعيات الأهلية، والتي كان يحصر نشاطها في تقديم الخدمات الإنسانية والتنموية، ولكن لا يُسمح لها بالعمل على الجوانب المتعلقة بالسياسة بصورة أو أخرى. أما في مجال النقابات، والتي يفترض أن تكون قلب منظمات المجتمع المدني ونموذجًا عن استقلاليته وفعاليته، فكانت معضلة أكبر حيث تم تدجينها وربطها بحزب البعث العربي الاشتراكي والأجهزة الأمنية وأطلق عليها اسم المنظمات الشعبية وأصبحت جزءًا من النظام وتؤدي أدوارًا تعبوية وتنظيمية ورقابية لصالحه.

بعد سقوط نظام الأسد، سارعت السلطات الانتقالية إلى الطلب من جميع الجمعيات العاملة في سوريا للتقدم بطلب ترخيص جديد، وباستخدام نموذج نظام داخلي الزامي. مع أن عملية “الترخيص” هي إجراء غير قانوني غير موجود في قانون الجمعيات والمؤسسات الخاصة رقم 93 لعام 1958، وإن ما تقوم الجمعيات عادة هو التقدم بطلب إشهار وليس طلب ترخيص، فقد قامت الجمعيات العاملة في سوريا بالاستجابة لذلك تفاديًا لأي عقبات وتعطيل في نشاطاتها. وشهدت أيضًا سوريا، منذ سقوط نظام بشار الأسد، موجة كبيرة لتأسيس الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني، وكانت استجابة وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ومديرياتها لطلبات الإشهار إيجابية جدًا، وبدأنا نشاهد في سوريا منظمات كثيرة من الجيل الدفاعي من منظمات المجتمع المدني والتي تعمل في مجالات الدفاع عن حقوق الإنسان وتعمل على السياسات العامة وغيرها.

واليوم، ومع عودة الحديث عن تحديث القوانين الناظمة لعمل منظمات المجتمع المدني، ومع متابعتنا لورش العمل ذات الصلة التي أطلقتها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، إضافة إلى التصريحات المعلنة عن قرب انشاء هيئة مستقلة تتبع لها الجمعيات والنقابات[1]، تبرز الحاجة إلى تسليط الضوء مجددًا على مشروع قانون “المنظمات غير الحكومية” الذي قام نظام الأسد بإعداده وطرحه على موقع التشاركية عام 2012 لتلقي أراء وملاحظات المهتمين. أثارت هذه المسودة آنذاك اعتراضات واسعة من عشرات الجمعيات والمنظمات السورية، ليس بسبب القيود التقليدية المرتبطة بالتسجيل ومجالات العمل والتمويل وغموض والتباس بعض الصياغات وحسب، بل بسبب نسف أهم مبدأ من مبادئ عمل منظمات المجتمع المدني أيضًا، وهو الاستقلابية. حيث تم ادخال مفهومٍ جديدٍ بالغ الخطورة، وهو “الاعتمادية” الذي تعطيه الهيئة المشرفة على عمل منظمات المجتمع المدني للجمعيات في سوريا، والتي يتم إنشاؤها بموجب الفصل الثالث من مسودة القانون.

إن تسليط الضوء اليوم على مسودة ذلك القانون لا يهدف إلى استحضار الماضي، بقدر ما هي محاولة للاستفادة من التجارب السابقة وتفادي إعادة إنتاج الأخطاء ذاتها أو البدء من الصفر مرّة أخرى.

حرية التنظيم والتجمع حق وليس منحة

إن الحق في تأسيس الجمعيات ليس امتيازًا تمنحه الدولة، بل هو حق أساسي تكفله المواثيق الدولية. وقد أكدت ملاحظات عشرات الجمعيات السورية المشاركة في ورشات مناقشة مشروع 2012 أن القيود على حرية التنظيم لا يجوز أن تتجاوز ما “يستوجبه المجتمع الديمقراطي”، وأن أي غموض يجب تفسيره لصالح الحرية لا لصالح المنع. حيث شاركت في مناقشة المشروع نحو 80 جمعية ومنظمة من مختلف المحافظات السورية، بعد أن تم تدريبها بشكل مكثف لأكثر من ستة أشهر على أساليب وتقنيات صوغ القوانين والتشريعات ضمن مشروع منتدى المنظمات غير الحكومية التنموية في سوريا التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

كما شدّدت تلك الملاحظات، والتي كنت أنا شخصيًا جزءًا من عملية صوغها وتوثيقها في معرض عملي كمدير مشروع منتدى المنظمات غير الحكومية التنموية في سوريا، على أن “المبدأ القانوني الأساسي الذي تركز عليه حرية الجمعيات هو “حق التأسيس من دون حاجة إلى ترخيص أو إذن مسبق”، وأن الجمعية تكتسب شخصيتها الاعتبارية بمجرد الإخطار، لا بعد انتظار موافقة السلطة. هذه النقطة لم تكن تقنية فحسب، بل جوهرية في فهم العلاقة بين الدولة والمجتمع، فهل الأصل هو الحرية؟ أم أن المجتمع المدني يحتاج دومًا إلى إذن وإلى وصاية لكي يوجد ولكي يعمل؟

مشروع 2012: لغة حديثة بعقلية قديمة

اعتمدت سوريا قانون الجمعيات والمؤسسات الخاصة رقم 93 لعام 1958، وهو قانون صدر في مرحلة الوحدة بين سوريا ومصر. وعلى الرغم من طابعه الإداري التقليدي، فقد تضمن بعض المبادئ المتقدمة نسبيًا قياسًا على زمنه. وقد نص القانون، على مبدأ “العلم والخبر” في تأسيس الجمعيات، أي أن الجمعية تُنشأ بمجرد الإشهار والإخطار، لا عبر الترخيص السياسي المسبق. كما تضمن الاعتراف بالشخصية الاعتبارية المستقلة للجمعيات وإمكانية الطعن ببعض القرارات أمام القضاء.

إلا أن هذه الضمانات تراجعت عمليًا مع توسع هيمنة الأجهزة الأمنية خلال حكم البعث، وتحولت الجمعيات عمليًا إلى قطاع خاضع للرقابة الأمنية المباشرة، وأصبحت الموافقات الأمنية غير المكتوبة أقوى من القانون نفسه. فكان تأسيس أي جمعية مستقلة أو حقوقية يواجه عراقيل طويلة، بينما بقيت الجمعيات الأقرب إلى السلطة أو المقبولة أمنيًا تتمتع بهامش حركة أوسع.

حين طُرحت مسودة القانون عام 2012، بدا من حيث الشكل أنه أكثر تطورًا من القانون رقم 93 لعام 1958. فقد تضمن مفاهيمَ حديثة كالحوكمة، والتنمية، والشفافية، والشراكة، والعمل المؤسساتي…الخ

لكن الجمعيات التي ناقشت المشروع آنذاك رأت أن النص، على الرغم من لغته الحديثة، يعيد إنتاج الوصاية ذاتها بأدوات جديدة. فقد منح “الهيئة الوطنية للمنظمات غير الحكومية” صلاحيات واسعة في التسجيل والإشراف والتقويم والتصنيف، وفتح الباب أمام تدخل إداري عميق في عمل الجمعيات وأنظمتها الداخلية وتمويلها وحتى نشاطاتها.

“الاعتمادية”: أخطر ما في المشروع

كانت النقطة الأكثر إثارة للجدل هي “نظام الاعتمادية”، الذي عدَّته الجمعيات بابًا واسعًا لإعادة إنتاج السيطرة على المجتمع المدني السورية بطريقة أكثر تعقيدًا. فالمشروع ربط بين الاعتمادية والامتيازات والمزايا والإعفاءات الضريبية وصفة “النفع العام”، ما يعني عمليًا خلق جمعيات “معتمدة” وأخرى “غير معتمدة” وهذا ما يوحي بأنها أقل قدرة على العمل وبالتالي أقل شرعية.

والمشكلة لم تكن فقط في فرض نظام تصنيف، بل في غياب المعايير الواضحة والشفافية وكفاءة الجهة المسؤولة عن الاعتمادية. فمن الذي يحدِّد أن جمعية ما ” أكثر اعتمادًا” من أخرى؟ وما معايير الاعتماد؟ هل هي معايير مهنية أم سياسية؟ وهل يمكن استخدام الاعتمادية لمعاقبة الجمعيات المستقلة والحقوقية ولإعطاء ميزات للجمعيات المطيعة والقريبة من السلطة التنفيذية؟

إن كان الهدف من طرح نظام الاعتمادية هو ضمان الكفاءة الإدارية والتنظيمية للجمعيات، فهناك العديد من أنظمة الجودة التي يمكن اتباعها والتي تمكِّن المؤسسات التي تطبقها من الحصول على شهادات الجودة من جهات عالمية على سبيل المثال. لذلك فإن موضوع الاعتمادية هو موضوع معقد ويجب أن يكون اختياريًا، وأن تكون الجهة المانحة لاعتمادية ما هي جهة مستقلة وليست لها صلاحيات أو تأثير على عمل الجمعيات وتأسيسها وتمويلها.

تكمن خطورة الاعتمادية في شكلها المطروح بأنها لا تعمل كأداة إدارية لرفع وتحسين جودة العمل، بل كوسيلة لإعادة تشكيل الفضاء المدني نفسه. فحين تصبح فرص التمويل والدعم، والشراكات، والإعفاءات مرتبطة بالاعتمادية، فستضطر الجمعيات عمليًا إلى تعديل خطابها وسلوكها ونشاطها بما ينسجم مع توقعات السلطة وليس مع مصالح المجتمع. وهكذا تصبح الاعتمادية أداة للسيطرة على المجتمع المدني ولإنتاج مجتمع مدني مطيع، يتم فيه تفضيل الجمعيات القريبة من السلطة أو الأقل إزعاجًا، بينما يتم دفع الجمعيات الأكثر استقلالًا إلى الهامش دون الحاجة لمنعها بشكل مباشر.

ما المطلوب اليوم؟

إن أي قانون حديث لتنظيم عمل منظمات المجتمع المدني يحب أن ينطلق من مبادئ مختلفة عن مقاربات نظام الأسد الديكتاتوري بشكل جذري ويجب أن يضمن في حدوده الدنيا ما يلي:

  • حرية التأسيس بالإخطار وليس “بالترخيص”
  • استقلالية الجمعيات عن السلطة التنفيذية
  • حصر حلّ الجمعيات والعقوبات عليها بالقضاء
  • ضمان حق التمويل المشروع بشفافية وتنظيمه
  • منع الأجهزة الأمنية والعسكرية من التدخل في العمل الأهلي والمدني
  • جعل أي معايير للحوكمة أو التقويم طوعية ومستقلة وغير مرتبطة بأي جهة لها سلطة أو تأثير على ترخيص وعمل وتمويل الجمعيات

إن الخوف من عمل الجمعيات والمنظمات غير الحكومية له سببان: الأول هو أن تلك المنظمات تمثِّل مصالح الناس، وعندما لا تعمل السلطة لصالح الناس فإن تلك المنظمات والجمعيات ستكون قادرة على ممارسة الضغط على السلطة بطرق مختلفة بهدف تعديل سلوكها أو حتى الضغط باتجاه التغيير. فالجمعيات ومنظمات المجتمع المدني هي أدوات رقابة فعالة على عمل السلطات في كل العالم. السبب الثاني: خوف السلطات من استخدام الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني للتدخل في الشؤون الداخلية للبلاد وللتأثير في إحداث فوضى أو في تخريب المجتمع.

كلا السببين لا يسوِّغان التعامل مع المجتمع المدني ومنظماته بوصفها كيانات مشكوك فيها أو كيانات قاصرة، بل إن الحلول تبدأ برفع كفاءة الأجهزة الحكومية لممارسة دورها، مثل القضاء المستقل، جهات الرقابة المالية والضريبية، الأجهزة الأمنية… إلخ.

الحريات ليست بندًا قابلًا للمساومة

من الطبيعي أن تنظم الدولة عمل الجمعيات، ومن الطبيعي أيضًا أن تضع قواعدًا للشفافية والمحاسبة، لكن الفارق كبير بين التنظيم والوصاية. فالمجتمع المدني لا يمكن أن يزدهر في بيئة تخضع فيها الحريات لمنطق “الاعتماد” والرضا الإداري” و”الثقة السياسية”. فسوريا اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، تحتاج إلى إعادة بناء الثقة، وإلى الاعتراف بأن المواطن ليس خطرًا محتملًا، وأن الجمعيات ليست منافسًا للسلطة. بل إن المجتمع المدني المستقل والفاعل والحر هو أحد الشروط الأساسية لبناء دولة حديثة قائمة على المشاركة والمساءلة وسيادة القانون.

نتمنى أن تتم الاستفادة من تجاربنا السابقة والبناء عليها، وألَّا نرى إعادة لطرح قوانين وتشريعات تكبِّل عمل المجتمع المدني من جديد.

  1. عن تصريح لمصدر مطلع في وزارة الخارحية السورية قامت عدة وسائل إعلام بنشره بتاريخ 6 أيار 2026
  • من مواليد دمشق 1974، حاز إجازة في الاقتصاد من جامعة دمشق، ولاحقًا حصل على ماجستير في إدارة الاعمال من الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري. عمل في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في سوريا، وأدار مشروع إنشاء شبكة للمنظمات غير الحكومية التنموية في سوريا. ومن ثم عمل لدى اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لدول غرب آسيا (الإسكوا) ضمن فريق مشروع الأجندة الوطنية لمستقبل سوريا. وكان مسؤولًا عن القضايا العابرة للقطاعات (حقوق الانسان، المجتمع المدني، الجندر، والبيئة والاستدامة). شارك في إعداد العديد من التقارير والدراسات والأوراق الخلفية والأبحاث التي تهتم بقضايا المجتمع المدني وبناء السلام في سوريا. عمل كمساعد باحث في جامعة روستوك في ألمانيا بين عامي 2017 و 2020، ويدير حاليًا مشروع "الاندماج العادل" الذي يتم تنفيذه في منظمة مجلس اللاجئين في ولاية مكلنبورغ فوربومبرن الألمانية.

منشورات آخرى

صدر حديثاً