قراءة في زيارة الشرع إلى المانيا

تأتي الزيارة في سياق اشتعال وتأجج الصراع في الشرق الأوسط والذى كانت فيه سوريا هذه المرة خارج دائرة النار بشكل مباشر. وأيضًا ضمن سياق عدم وصول الدعم المالي والاستثماري الخليجي الموعود الذي كانت حكومة دمشق تعول عليه لتمرير مشروعها السياسي القائم على معادلة رفاه اقتصادي مقابل نظام حكم محافظ “لا ديمقراطي”. الأوضاع المعيشية لا تزال صعبة على الرغم من زيادات الرواتب التي قامت بها الحكومة مؤخرًا والقدرة الشرائية للمواطن السوري لا تزال ضعيفة. ولا تزال عجلة الاقتصاد بانتظار من يعطيها دفعة البداية. الحالة الأمينة في سوريا شهدت تهدئة وتفاهمات كبرى شمال شرق سوريا الأمر الذي أعاد للحكومة السورية مصادر ريع مهمة من النفط والغاز تمكنها من المناورة لفترة إضافية من الزمن، ريثما تجد مخرجًا جديدًا لتحقيق معادلتها ومشروعها في الحكم. وفي الوقت نفسه لا تزال قضية الجنوب السوري والسويداء معلقة، فلا مخرج يلوح في الأفق حتى الآن، وجاء تقرير لجنة التحقيق الدولية كعامل ضغط أممي إضافي لأنه كان داعمًا ومثبِّتًا لنظرية تورط بعض القوى العسكرية الحكومية بانتهاكات ترقى إلى أن تكون جرائم حرب، في حين لا تزال إجراءات المحاسبة بحق المتورطين في مجازر الساحل غير واضحة وغير محسومة، ولا تزال عملية العدالة الانتقالية برمتها موضع تساؤلات كبيرة. وأخيرًا جاءت الزيارة في عُقب هجوم جماعي ذي طابع طائفي تعرضت له مدينة السقيلبية ذات الأغلبية المسيحية، ألغت على إثره الكنائس المسيحية في سوريا مظاهر الاحتفال بعيد الشعانين والفصح كنوع من الاحتجاح.

في المقلب الأخر، تشهد ألمانيا تقدمًا ملحوظًا لحزب البديل من أجل ألمانيا، وهو حزب يمين متطرف لامست نسبة مؤيديه في استطلاعات الرأي الأخيرة 40% في بعض الولايات، وهذا يعتبر تهديدًا مباشرة لإتلاف الأحزاب الحاكم في ألمانيًا وخاصة لحزب الـ CDU/CSU الذي يعتبر حزبًا يمينيًا أيضًا في ألمانيا، مع ملاحظة أن أغلب المؤيدين الجدد لحزب البديل من أجل ألمانيا هم من مؤيدي حزب الـ CDU/CSU التقليديين. لا يجب أن ننسى أن تقدم حزب البديل من أجل ألمانيا على مستوى الانتخابات البلدية في العديد من المدن والبلدات الألمانية أصبح ينذر بانهيار اتفاق “حزام النار” الذي يمنع الأحزاب الديمقراطية من العمل المشترك والتعاون مع حزب البديل. وهذا كله يجعل الائتلاف الحاكم في سباق مع الزمن لإعادة التوازن وكسب المؤيدين من جديد، وللعمل بشكل جدي على وقف هذا النزيف وترميم شعبيته قبل موعد انتخابات البوندستاغ المقبلة في 2029.

على المستوى الاقتصادي تعاني ألمانيا من تباطؤ كبير في النمو الاقتصادي ما يجعل من الاستمرار في نموذج دولة الرفاه الاقتصادي أمرًا غير قابل للتطبيق، ويضع الحكومة تحت ضغوطات شعبية كبيرة، فالشركات والمصانع الألمانية تتعرض لضغوط كبيرة أثرت في أدائها، وأدت إلى إغلاق العديد من المصانع. ويعتبر ملف اللاجئين من أكثر الأدوات الشعبوية استخدامًا للتأثير في قرارات الناخبين في ألمانيا والتي استخدمها حزب البديل حتى الآن بنجاح. الحجة التي يتم طرحها من قبلهم دومًا ومنذ سقوط نظام الأسد هي أنه لماذا لا يعود السوريون والسوريات إلى بلادهم للمشاركة في إعادة بنائها كما فعلنا نحن بعد الحرب العالمية الثانية؟

هنا تلتقي مصالح الطرفين، لتأتي هذه الزيارة لتضع الإطار العام للعمل المشترك وتحقيق المصالح والبدء بجني النتائج السريعة. فتصريح المستشار ميرتس خلال المؤتمر الصحفي حول اللاجئين السوريين بأنه “بناء على رغبة الرئيس الشرع فستتم إعادة 80% من اللاجئين السوريين المقيمين في ألمانيا الى بلاهم خلال ثلاث سنوات“، أي حتى عام 2029 (موعد الانتخابات المقبلة)، هو رسالة إلى الداخل الألماني يعيد التوازن لحزبه وللإتلاف الحاكم الذي لا يجد مهربًا من تبني أسلوب “حزب البديل من أجل ألمانيا” نفسه لإعادة جذب مؤيديه. فقضية اللاجئين تحظى دومًا باهتمام كبير على المستوى الشعبي في ألمانيا، وغالبًا ما تُستخدم في الحملات الانتخابية، وهكذا تكون الحملة الانتخابية لعام 2029 قد بدأت بالفعل. ومن ناحية اقتصادية، يمكن أن يشكل دخول الشركات الألمانية إلى السوق السورية بقوة، ولا سيّما شركات الطاقة مثل سيمنس اينرجي، رافعة مهمة للاقتصاد الألماني. وفي المقلب الآخر، تجد حكومة الشرع أن في ألمانيا طوق نجاة ينقذها من البقاء تحت رحمة المال الخليجي من جهة، ويفتح لها، من جهة أخرى، الأبواب على مصرعيها لقبول الغرب بوجودها ليس كسلطة مؤقتة وإنما كسلطة حكم دائمة في سوريا. تدرك حكومة الشرع حجم التحديات المرتبطة بعودة اللاجئين، من خسارة مبالغ التحويلات المالية للداخل، ومن تشكيل ضغط كبير على قطاع السكن، وعدم توفر فرص عمل، وتهالك البنى التحتية، ولكن الحكومة الألمانية تبدي مرونة كبيرة في المقابل في تقديم تسهيلات لعودة اللاجئين إن كان عن طريق تعويضات مباشرة للاجئين أو من خلال دعم بعض قطاعات إعادة الإعمار في سوريا، ولا سيّما قطاعي التعليم والصحة.

باعتقادي، إننا سنرى في الأيام القليلة المقبلة أثر تلك الزيارة وهذه الاتفاقات على شكل تجميد عملية تجنيس السوريين في ألمانيا، حتى ولو بشكل غير رسمي، وتشديد إجراءات اللجوء والإقامة للسوريين والبدء بشكل فعلي بعمليات الترحيل المنظمة والتدريجية إلى سوريا. وقد نرى فوز شركة سمينس اينرجي بعقد توريد وبناء محطات توليد الطاقة في سوريا، والتي كانت إلى وقت قريب في موقع منافسة مع شركة أميركية أخرى لتوريد عنفات توليد الكهرباء على الغاز الى سوريا.

السؤال الذي يدور في رأس الكثيرين الآن، ماذا عن دور ألمانيا الاتحادية في دعم عملية التحول الديمقراطي والحوكمة في سوريا؟ هل هي على جدول الأولويات؟ وما مدى قبول حكومة الشرع لها؟

  • من مواليد دمشق 1974، حاز إجازة في الاقتصاد من جامعة دمشق، ولاحقًا حصل على ماجستير في إدارة الاعمال من الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري. عمل في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في سوريا، وأدار مشروع إنشاء شبكة للمنظمات غير الحكومية التنموية في سوريا. ومن ثم عمل لدى اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لدول غرب آسيا (الإسكوا) ضمن فريق مشروع الأجندة الوطنية لمستقبل سوريا. وكان مسؤولًا عن القضايا العابرة للقطاعات (حقوق الانسان، المجتمع المدني، الجندر، والبيئة والاستدامة). شارك في إعداد العديد من التقارير والدراسات والأوراق الخلفية والأبحاث التي تهتم بقضايا المجتمع المدني وبناء السلام في سوريا. عمل كمساعد باحث في جامعة روستوك في ألمانيا بين عامي 2017 و 2020، ويدير حاليًا مشروع "الاندماج العادل" الذي يتم تنفيذه في منظمة مجلس اللاجئين في ولاية مكلنبورغ فوربومبرن الألمانية.

منشورات آخرى

صدر حديثاً