مقالةٌ في الفكر السياسي تتناول العلاقة بين السّلطة والقانون في السّياق السّوري، وتبحث في مركزيّة المواطنة، وصون التّعدّد، ومكافحة الفساد، بوصفها شروطًا لازمةً لاستعادة التّوازن وبناء دولةٍ تعلو فيها سيادة القانون على القوّة.
لا تُقاس قوّةُ الدّول باتّساع سلطتها، بل بمدى خضوع هذه السّلطة لمرجعيّةٍ تعلو عليها ولا تخضع لأهوائها، ففي المجال السّياسي لا يستقيم العمران العامّ إلا حين يُضبط النّسبي بالمطلق، إذ تمثّل السّلطة بطبيعتها مجالًا نسبيًّا يتأثّر بتوازنات القوّة وتبدّلات المصالح، بينما يُجسّد القانون معنى المطلق الإجرائي، بوصفه القاعدة التي ينبغي أن تسمو فوق الجميع دون استثناء.
ومن هذا التّراتب تستمدّ الدّولة شرعيّتها: سلطةٌ تمارس صلاحياتها، لكنّها تُدرك أنَّ مشروعيّتها رهنٌ باحترام حدٍّ لا يجوز تجاوزه.
في السّياق السّوري الرّاهن تكتسب هذه المعادلة دلالةً مضاعفة، فالمجتمعات التي عرفت حروبًا وتصدّعاتٍ عميقة في بنيتها الاجتماعيّة والسّياسيّة، لا يكفيها ترميم بعض الثّغرات أو الظّواهر، بل تحتاج إلى إعادة بناءٍ وتثبيت الأسس التي يقوم عليها انتظامها العامّ.
وليس أخطر على دولةٍ خارجةٍ من أزمنة الاضطراب، من أن يختلط موقع القانون بموقع القوّة، أو أن تُترك الحدود الفاصلة بينهما عرضةً لإعادة التّعريف تبعًا لموازين النّفوذ.
فحين تتراجع المرجعيّة الجامعة، تميل السّلطة — بحكم طبيعتها — إلى توسيع مجالها، ويغدو الاستثناء قابلًا لأن يتحوّل إلى قاعدة.
سيادة القانون: المطلق الذي يضبط النسبي
تستمدّ السّلطة السّياسيّة مشروعيّتها من خضوعها لقانونٍ يعلو عليها، لا من قدرتها على فرض الإرادة، فسيادة القانون لا تعني الاحتكام إلى نصوصٍ مكتوبةٍ فحسب، بل الاعتراف بوجود مرجعيّةٍ لا يجوز إعادة تشكيلها وفق المصالح الآنيّة.
وبهذا المعنى، لا يكون القانون أداةً من أدوات الحكم، بل شرطًا سابقًا عليه، ومن دونه، تفقد السّلطة معيار قياسها الأخلاقي والسّياسي والمؤسّسي.
وقد نبّه فلاسفة السّياسة مبكرًا إلى خطورة تجاوز هذا الحدّ، إذ رأى جون لوك أن “حيثما ينتهي القانون، يبدأ الطّغيان”، في إشارةٍ إلى أن غياب القاعدة العامّة يفتح الباب لتحوّل الإرادة الفرديّة إلى مصدرٍ للشّرعيّة.
كما حذّر مونتسكيو من أن “كلّ من يملك السّلطة يميل إلى إساءة استعمالها، ولا يتوقّف عند حدّ إلا إذا وجد ما يحدّه”، واضعًا بذلك أحد الأسس الرّاسخة للفكر الدّستوري الحديث.
ولا تُختبر سيادة القانون في لحظات الامتثال السّهل، بل في اللّحظات التي يغدو فيها احترامه قيدًا فعليًّا على رغبة السّلطة في التوسّع، عند تلك النّقطة، يظهر الفارق بين سلطةٍ تمارس الحكم داخل حدودها، وسلطةٍ تميل إلى إعادة تعريف هذه الحدود كلّما سنحت لها القدرة.
لذلك، فإن الحفاظ على سموّ القانون ليس ترفًا دستوريًّا لفظيًّا، بل الشّرط الأوّل في النّصّ والممارسة، لبقاء النّسبي في موضعه ومنعه من ادّعاء قيامه مقام المطلق.
المواطنة: من انتماءٍ قانونيٍّ إلى خبرةٍ سياسيّةٍ معيشة
إذا كان القانون هو السّقف الذي يعلو على الجميع، فإن المواطنة هي الأرضيّة التي يقف عليها الجميع بالتّساوي، غير أنّ المواطنة تفقد معناها عندما تُختزل في مجرّد انتماءٍ قانونيّ، إذ لا تتحقّق حقيقتها إلا عبر ممارساتٍ سياسيّة تُجسّد المساواة في المجال العامّ.
تظهر المواطنة في حياد الدّولة تجاه مواطنيها، حين لا يصبح القرب من مراكز النّفوذ مصدرَ امتياز، ولا الاختلاف سببًا للإقصاء.
كما تتجلّى في تكافؤ الفرص، واستقلال المؤسّسات، وقدرة الفرد على اللّجوء إلى القضاء واثقًا أن موقعه الاجتماعي أو الثّقافي أو السّياسي لن يحدّد مقدار الحماية التي ينالها.
“ومن علاماتها الحاسِمة أيضًا، قابليّة السّلطة للمساءلة، بحيث لا يكونَ النّقدُ خروجًا على الدّولة، بل ممارسةً مشروعةً تسهمُ في تصحيح مسارها وتعزيز توازنها.”
وفي مجتمعٍ متنوّع كالمجتمع السّوري، تكتسب المواطنة بعدًا إضافيًّا يتمثّل في صون الحقوق الثّقافيّة واللغويّة للجماعات القوميّة ضمن إطار وحدة الوطن.
فهذه الحقوق ليست امتيازاتٍ خاصّة، بل تعبيرٌ مباشر عن مبدأ المواطنة المتساوية، إنّ الاعتراف المنظّم بالتنوّع لا يهدّد وحدة الدّولة، بل يعمّقها، إذ إن الوحدة التي تقوم على الإنكار تظلّ هشّة، أمّا تلك التي تتّسع للاختلاف فتغدو أكثر رسوخًا وقدرةً على الاستمرار.
“بل يمكن القول إنّ حماية هذا التنوّع تمثّل شرطًا من شروط الاستقرار نفسه، لأنّ المجتمعات التي يشعر أفرادها بالاعتراف المتكافئ أقلّ عرضةً للانكفاء والهويات المتحاجزة دون الوطنية.”
وعند هذه النّقطة تحديدًا، تتحوّل المواطنة من مفهومٍ قانونيّ إلى رابطةٍ سياسيّةٍ وأخلاقيّة، تعيد توجيه الولاءات نحو الفضاء العامّ، بدل أن تتركها أسيرة الانتماءات الضيّقة.
الفساد: الثّغرة الأوسع في الاجتماع السّياسي
إذا كان تجاوز السّلطة لحدودها خطرًا دائم الاحتمال، فإنّ الفساد يمثّل الثّغرة الأكبر التي يتسلّل منها هذا التّجاوز، ليغدو بنيةً شبه مستقرة.
فالفساد، بأشكاله السّياسيّة والإداريّة والماليّة، لا يقتصر أثره على هدر الموارد، بل يقوّض فكرة الدّولة ذاتها حين تُوضع حقوق المجتمع ومصالحه عرضةً للنّهب والتبديد من قبل حفنةٍ من المتنفّذين الخارجين على القانون والمتحلّلين من المساءلة.
ولا يكمن خطر الفساد في حجمه فحسب، بل فيما ينتجه من وعيٍ عامّ يرى في القانون نصًّا قابلًا للتّجاوز، وفي المنصب فرصةً للامتياز لا موقعًا للمسؤوليّة.
وعندما يترسّخ هذا التّصوّر، تتآكل الثّقة العامّة، ويغدو الحديث عن المساواة أقرب إلى وعدٍ نظريٍّ منه إلى واقعٍ قابلٍ للتحقّق.
ومن هنا، لا تنفصل مواجهة الفساد عن استعادة سموّ القانون؛ فالقانون لا يعلو حقًّا إلا حين يُطبّق دون انتقائيّة، وحين لا يستطيع النّفوذ أن يشتري الاستثناء.
كما أنّ هذه المواجهة لا تكتمل دون ترسيخ حرّيّة المواطنين في النّقد، وممارسة الرّقابة المجتمعيّة عبر الوسائل الإعلاميّة والتشريعيّة والقضائيّة، لأنّ المجتمع الذي يُحرم من مساءلة السّلطة يُترك بلا أدواتٍ تحميه من التعدّي على مصالحه.
ما لا يُواجَه اليوم يتفاقم غدًا
لقد عرف المجتمع السّوري في ماضيه القريب تصدّعاتٍ عميقةً هزّت نسيجه الاجتماعي والقيمي، وما تزال آثارها فاعلةً في الاجتماع السّياسي، ومثل هذه الشّروخ لا تقبل الاحتواء عبر التّرحيل أو التّجاهل أو التّسويف، لأنّ المشكلات التي يُسكت عنها لا تتلاشى، بل تميل إلى التّراكم حتى تغدو أكثر استعصاءً على المعالجة.
قد يكون اجتراح الحلول أمرًا عسيرًا، لكنّ العسر لا يعفي من المحاولة، إذ إنّ تأجيل المواجهة يترك المجال مفتوحًا لتفاقم الاختلالات، بحيث يصبح استيعابها لاحقًا متعذّرًا، إن لم يكن مستحيلًا.
والدّول التي لا تنظر بجدّية إلى دروس أزماتها تظلّ مهدّدةً بتكرارها، وكأنّ الخراب لا يأتيها من المفاجأة، بل من إصرارها على تجاهل ما تعرفه.
إنّ مواجهة المشكلات في لحظتها التّاريخيّة، مهما بدت كلفتها مرتفعة، أقلّ كلفةً من تركها تتضخّم في الظّلّ، حتى تتحوّل إلى أزماتٍ بنيويّة يصعب احتواؤها.
إقامة الحدّ على التّجاوز: نحو استعادة التّوازن
إذا كان اختلال المجال السّياسي يبدأ حين يحاول النّسبي أن يرتقي إلى مقام المطلق، فإنّ استعادة التّوازن لا تتحقّق إلا بإعادة تثبيت الحدّ الفاصل بينهما، ولا يُفهم “إقامة الحدّ” هنا بوصفه فعلًا عقابيًّا فحسب، بل فعلًا تأسيسيًّا يعيد ترتيب العلاقة بين السّلطة والقانون، بحيث تستعيد القاعدة سموّها وتعود السّلطة إلى موقعها، ممارسةً مقيّدةً لا إرادةً مطلقةً طليقة.
وقد عبّر هانز كلسن عن هذا المعنى حين قرّر أنّ الدّولة ليست سوى نظامٍ من القواعد، فيما أشار جان جاك روسو إلى أنّ القوّة لا تصبح حقًّا إلا حين تخضع لمعيارٍ يتجاوزها.
وفي كلا القولين، تذكيرٌ بأنّ الشّرعيّة لا تُستمدّ من القدرة، بل من الاحتكام إلى قاعدةٍ عامّة تسمو على الجميع.
إنّ إقامة الحدّ على التّجاوز، في الحالة السّوريّة، ليست شعارًا نظريًّا، بل ضرورةٌ لإعادة بناء الثّقة بين الدّولة والمجتمع، ولتثبيت المواطنة باعتبارها علاقة مساواةٍ ومسؤوليّةٍ متبادلة.
فالدّولة التي تحفظ للمطلق مكانته فوق الجميع، وتمنع النّسبي من التمدّد خارج حدوده، إنّما تؤسّس لمستقبلٍ أقلّ هشاشة، مستقبلٍ لا يكون فيه القانون مجرّد نصّ، ولا المواطنة شعارًا، بل إطارًا حيًّا يصون المشترك.
هناك فقط يمكن للدّولة أن تتحوّل إلى الدّولة الوطنيّة، بدل أن تكون ساحةً لإدارة الفساد والاستبداد والتّوازنات الهشّة، فتغدو فضاءً يحكمه معيارٌ جامع، وتصبح المواطنة ضمانةً للوحدة لا شعارًا لها، ويغدو احترام القانون شرطًا لدوام الاستقرار.
أمّا البديل، فهو ترك الحدود سائبةً حتى تعود الأزمات في صورٍ أشدّ قسوة — وحينها لا يكون الخراب مفاجئًا، بل نتيجةً لما جرى تجاهله طويلًا.