القطيعة النخبوية,لماذا أخفقت النخب السورية في فهم السلوك الشعبي بعد سقوط النظام؟

المحتويات

1- السياسة كتخليق للواقع في سوريا ما بعد النظام

2- تمهيد: المشكلة ليست في الناس، بل في طريقة فهمهم

3- عقلانية البقاء: كيف تفكر المجتمعات الخارجة من العنف؟

4- المزاج الشعبي السنّي: بين عقلانية البقاء وذاكرة التاريخ

5- السلطة المرتبكة وإنتاج الاستقطاب: من الغلبة إلى تعليق السياسة

6- لماذا أخطأت النخب اليسارية والليبرالية في قراءة الواقع الشعبي السوري؟

7- مشكلة المثقف الأقلوي: الأيديولوجيا بوصفها غطاءً للخوف والمصلحة ما دون الوطنية

8- إزالة التهديد أولًا: منطق ما بعد الصراع

9- من الخوف إلى الالتباس: محددات إضافية للسلوك الشعبي

10- النجاة لا تعني المصالحة: الذاكرة، التفوق الأخلاقي، وإنتاج الاستقطاب الكامن

11- حين يتحول التحليل إلى محاكمة: فشل النخب السورية في فهم السلوك الشعبي

12- عقلانية البقاء في الميدان السوري

13- خاتمة: الفهم بوصفه شرطًا للسياسة، لا بديلًا عنها

1- السياسة بوصفها تخليقًا للواقع في سوريا ما بعد النظام

في سوريا بعد سقوط النظام، لا تقتصر السياسة على إدارة مصالح متعارضة أو سنّ القوانين، فالأرضية الاجتماعية نفسها لا تزال مائعة وفي حالة سيولة: لم تُحسم بعد تعريفات الشرعية، ولا حدود الجماعة السياسية، ولا قواعد للهوية والانتماء. في هذه اللحظة، تصبح السياسة فنًّا لتخليق الواقع: أي إنتاج المعاني التي تجعل الواقع قابلاً للفهم والتعايش والتنظيم قبل أن يكون قابلاً للإدارة. الدولة لا تُبنى فوق واقع جاهز، بل فوق سرديات تُعاد صياغتها، وذاكرة جماعية يُعاد تأطيرها، وخوف يُعاد توزيعه اجتماعيًا.

من ينجح في تخليق هذه الرموز والمعاني يسبق من يسعى لاحقًا إلى إدارة المجتمع تقنيًا. ولذلك، فالفشل في السياسة السورية بعد سقوط النظام ليس مجرد خطأ إداري أو أخلاقي، بل فشل في إعادة تنظيم الخوف، وتأطير الذاكرة، وصنع أرضية مشتركة للنجاة الجماعية.

2- تمهيد: المشكلة ليست في الناس، بل في طريقة فهمهم

بعد سقوط النظام السوري، ظهرت فجوة متنامية وواضحة بين جزء معتبر من النخب الثقافية والسياسية، وبين السلوك السياسي الشعبي، ولا سيما داخل المجتمع السنّي. هذه الفجوة لم تكن مجرد اختلاف في التقديرات أو المواقف السياسية، بل كانت أعمق كثيرًا؛ إذ تجلّت في طريقة قراءة هذا السلوك نفسه، وفي الأدوات والمناهج التي اعتمدتها النخب لفهمه وتحليله.

سادت في أوساط واسعة من النخب ثقافة تحليلية تميل إلى توصيف الخيارات الشعبية بعبارات تبسيطية: كأنها انقياد غير واعٍ، أو تعبير عن “وعي زائف”، أو نتيجة مباشرة لانحيازات طائفية وثقافية مسبقة. وبدلًا من أن يكون السلوك الشعبي موضوعًا للفهم والتحليل العلمي، أصبح في كثير من الأحيان مادة للإدانة أو السخرية، أو أداة للاستعلاء الأخلاقي. هذه النظرة تتجاهل السؤال التأسيسي الذي ينبغي أن يكون نقطة البداية لأي تحليل سياسي: لماذا يتصرف الناس كما يتصرفون؟ وما العوامل التي تحكم اختياراتهم في لحظة تاريخية شديدة التعقيد والخطر؟

المشكلة هنا ليست سياسية بالمعنى الضيق للكلمة، بل هي مشكلة منهجية ومعرفية بالدرجة الأولى. عدد كبير من التحليلات النخبوية تعامل المجتمع كما لو كان كيانًا نظريًا مجردًا، يفترض أن يتصرف وفق نماذج جاهزة عن الديمقراطية أو الثورة أو “السلوك السياسي الصحيح” كما هو متخيّل في المخيال الأيديولوجي. في هذا التصور، يصبح المجتمع مسؤولًا عن عدم مطابقته للنموذج! بينما يغفل المحلل أن النموذج نفسه غير قادر على تفسير الواقع المعقد والمتحرك.

على النقيض من ذلك، جرى تجاهل أن هذا المجتمع خرج توًّا من تجربة عنف مستمرة قرابة عقد ونصف، شهد خلالها القتل الجماعي، والتهجير الواسع، وانهيارًا شبه كامل للبنى الاقتصادية والاجتماعية، وتفككًا عميقًا في شبكات الثقة والعلاقات التقليدية، وانهيارًا للهرم السكاني، هذه التجربة ليست صفحة تقلب، فهي لم تترك أثرًا هامشيًا على الأفراد والجماعات فحسب، بل أعادت تشكيل أنماط التفكير، وسلّم الأولويات، وحدود الممكن، والمتخيّل سياسيًا واجتماعيًا.

ومن هذا المنطلق، فإن التعامل مع مجتمع منهك كما لو كان قادرًا على اتخاذ قرارات “نموذجية” هو خطأ تحليلي فادح. فالسلوك السياسي في سياقات ما بعد العنف لا يُبنى على الطموحات الكبرى أو المبادئ المثالية، بل على حسابات الخوف، والرغبة في تقليل المخاطر، والسعي إلى الحد الأدنى من الأمان والاستقرار الشخصي والاجتماعي، والمشاعر الحادة.

بعبارة مبسطة: الناس في هذه الحال لا تتخذ قراراتها في فراغ نظري، بل تحت تأثيرات استثنائية أهمها، استمرار الضغط الناجم عن الخوف من العودة لما كان، والذاكرة الجماعية للخسائر، ومحاولة النجاة بما تبقى من موارد حياتهم وعلاقاتهم الاجتماعية. أي إن الخيارات اليومية تُشكل عمليًا ردة فعل للواقع المباشر، قبل أن تكون انعكاسًا لقيم أو شعارات سياسية أو أيديولوجية.

3- عقلانية البقاء: كيف تفكر المجتمعات الخارجة من العنف؟

لفهم السلوك الشعبي في المجتمعات التي خرجت توًّا من تجربة عنف طويلة، يجب أن نتوقف عند المؤثر الأول والأهم مفهوم عقلانية البقاء (Survival Rationality) الذي يتجاوز النظريات السياسية التقليدية والشعارات الأيديولوجية. هذه العقلانية لا تعني غياب الوعي أو الانسحاب من السياسة، بل تعكس إعادة ترتيب الأولويات بحسب منطق الحياة والموت :ما يهم أولًا هو النجاة، الأمان، والحفاظ على ما تبقى من الموارد، والتوجس المستمر من عودة ما سبق، قبل أي التزام نظري أو شعاراتي.

إن السلوك السياسي لا يُنتج في المختبرات الفكرية، بل يتشكل تحت ضغط الخوف والخسارة والذاكرة الجماعية المتراكمة. الجماعات التي مرت بعنف ممتد، مثل المجتمع السوري بعد سنوات الحرب، لم تعد تتصرف وفق النماذج المثالية للثورة أو الديمقراطية، بل وفق حسابات براغماتية دقيقة، توازن بين المخاطر المباشرة وحاجات البقاء. كل خيار سياسي يُقاس بمعيار واحد: هل يقلل من الخسارة ويزيد الأمان؟

هذا المنطق يجد دعمه أيضًا في علم النفس الاجتماعي، ولا سيما نظرية الحفاظ على الموارد(Hobfoll, 1989) التي توضّح أن الأفراد الذين يشعرون بأن حياتهم ومواردهم الأساسية مهددة، أو يمكن أن تعود للتهديد من جديد، يميلون إلى اتخاذ خيارات عملية وواقعية لتقليل الخطر، حتى لو تعارضت هذه الخيارات مع مواقفهم السابقة أو معتقداتهم الأيديولوجية. ببساطة، الخوف يصبح معيارًا، والنجاة أولوية، والتخطيط الاستراتيجي الطويل الأمد مؤجل إلى حين يزول الخطر المباشر.

الدراسات الميدانية في سورية بعد سقوط النظام تؤكد هذا الواقع على الأرض. وخاصة في أوساط المجتمع السنّي الذي عاش سنوات من القصف والتهجير وفقدان البنى الاقتصادية والاجتماعية، اختار التعامل مع السلطة الجديدة بطرائق تراعي السلامة الشخصية، حماية الموارد، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار اليومي. لم يكن السؤال الأول عند الناس عن الدستور أو الحرية، بل عن كيف يضمنون بقاءهم وبقاء أسرهم، وكيف يحفظون ما تبقى من ممتلكاتهم أو مدخراتهم، وكيف يجنّبون أنفسهم مزيدًا من الخسارة، وكيف يضمنون عدم عودة ما سبق.

يمكن القول إن من عاش سنوات تحت العنف والفقد لا يبدأ تفكيره السياسي بمفهومات مجردة، بل بواقع ملموس، صارخ، يفرض عليه خيارات براغماتية وأحيانًا مؤلمة. من هذا المنطلق، تبدو بعض التصرفات الشعبية التي قد تثير استياء النخب أو استغرابها، مثل التكيف مع السلطة الجديدة أو التحفظ على المشاركة السياسية، نتيجة طبيعية “لعقلانية البقاء”، وليست انعكاسًا لوعي زائف أو انقياد أعمى.

هذه العقلانية تحمل في طياتها حكمة صامتة فهي ليست مجرد ردة فعل، بل استراتيجية حياة مبنية على تجربة مباشرة للتهديد والفقدان. ومن فهم هذا المنطق، يمكن أن يقرأ الباحثون والمحللون السلوك الشعبي على نحو أكثر دقة وإنصافًا، بعيدًا من الأحكام المسبقة والنماذج النظرية التي لا تقيس واقع الناس الذين يعيشون في ظل تهديد مستمر، أو الذين فقدوا الأمان مرات عديدة خلال سنوات الصراع الطويلة.

في النهاية، “عقلانية البقاء” ليست ضعفًا ولا تراجعًا أخلاقيًا، بل فن النجاة في أحلك الظروف. إنها العدسة التي يجب أن ننظر من خلالها إلى كل خيار سياسي أو اجتماعي في المجتمعات التي خرجت توًّا من تجربة عنف مستمرة، حيث يصبح البقاء أول قانون، والنجاة أول مبدأ، قبل أي شعار أو نظرية.

4- المزاج الشعبي السنّي: بين عقلانية البقاء وذاكرة التاريخ

بعد سقوط النظام، أصبح السلوك السياسي للسوريين عمومًا، وللجمهور السنّي خصوصًا نافذة “لفهم عقلانية البقاء” كما لم يحدث من قبل. ليس الولاء للسلطة الجديدة أو تبني مشروع سياسي محدد هو ما يوجّه خيارات الناس، بل تراكم تجربة عنف دامٍ وفوضى مستمرة وفقدان شبه كامل للثقة بالمؤسسات وعلى رأسها ما عرف بمؤسسات الثورة والمعارضة السورية (Hobfoll, 1989). سنوات طويلة من النزاعات، القصف، التهجير، والخسائر الشخصية أعادت تشكيل أسلوب التفكير العام، وجعلت الأولوية القصوى هي البقاء والأمان قبل أي شعارات نظرية أو أيديولوجية (Carnegie Endowment for International Peace, 2025; ETANA, 2025).

تقارير Carnegie Endowment for International Peace (2025) واستطلاعات ETANA وArab Center for Research and Policy Studies (2025) توضح أن نحو 85 في المئة من السنّة يشعرون بأمان نسبي، ونحو نصفهم يتوقعون مستقبلًا مستقرًا، ما يبيّن أن خياراتهم كانت عملية، مرتبطة بالبقاء، لا بالولاء السياسي أو الانتماء الأيديولوجي. في مناطق مثل الريف الشمالي ودير الزور، أبدى السكان تعاونًا حذرًا مع السلطة الجديدة، مراعاةً للسلامة الشخصية وحماية الموارد، بينما المدن الكبرى أظهرت قدرًا أكبر من الشكوك، لكنها لم تصل إلى التصعيد المباشر (Arab Center for Research and Policy Studies, 2025).

لكن هذا لا يختزل القصة في مجرد براغماتية لحظية. السلوك الشعبي السنّي أيضًا يتأثر بذاكرة التاريخ والخسارة المتراكمة؛ فقد عاش كثيرون تجربة التهميش الطويلة، وضعف التمثيل السياسي، وإحساسهم بأن الدولة كانت لفترات طويلة أداة للسلطة أكثر من كونها كيانًا ينتمون إليه وجهازًا يحمي مصالحهم (Hobfoll, 1989). لهذا، يتعامل الجمهور مع السلطة الجديدة أحيانًا بوصفها الدولة– الأمة أو تعويضًا تاريخيًا مؤجلًا، لا مجرد حكومة مؤقتة يمكن مساءلتها وفق معايير القانون بحسب استطلاع كارينغي (Carnegie Endowment for International Peace, 2025) الذي يورد قصص حية من الواقع تؤكد هذا الميل: في دير الزور، تحدثت عائلة موسى عن قرارها بعد سقوط النظام بالامتناع عن أي مواجهة مباشرة مع الأجهزة الجديدة، على الرغم من تحفظهم على بعض السياسات، قائلين: «الأهم أن نعيش وأن نحمي بيوتنا. ما حدث طوال السنوات الماضية علمنا ألا نراهن على شعارات كبيرة، بل على الأمن البسيط» (ميدانية، مقابلات شخصية 2023– 2025). وفي الريف الشمالي، اختارت مجموعة من التجار المحليين تقديم خدمات محدودة للسلطة الجديدة مقابل السماح لهم بممارسة تجارتهم، في خطوة عُدّت «تكيّفًا عمليًا»، وليس تعبيرًا عن ولاء أيديولوجي (ميدانية، مقابلات شخصية 2023– 2025).

يمكن القول إذًا إن المزاج الشعبي السنّي هو تركيب معقد من “عقلانية البقاء”، والبراغماتية اليومية، والتاريخ الرمزي: الناس يمنحون السلطة الجديدة «فرصتها» أحيانًا ليس اقتناعًا، بل رهانًا على الاستقرار، وتفاؤلًا دفاعيًّا، أو خيارًا لتجنب الفوضى. هذا السلوك، وإن كان مفهومًا اجتماعيًا، يفسّر أيضًا تراجع أدوات المساءلة السياسية وعودة منطق الغلبة بوصفه قاعدة ضمنية للشرعية، ليس بالضرورة بوصفه موقفًا أيديولوجيًا، بل نتيجة طبيعية لعقلية مجتمع يحاول النجاة وسط أطلال دولة، وذاكرة طويلة من فقدان الثقة والخسارة (Carnegie Endowment for International Peace, 2025; ETANA, 2025)، (Hobfoll, 1989).

 

5- السلطة المرتبكة وإنتاج الاستقطاب: من الغلبة إلى تعليق السياسة

السلطة الجديدة في سورية لم تخرج بوصفها كيان انتقال سياسي واضح، ولم تُؤسَّس وفق نموذج الدولة الحديثة، بل صعدت جماعات جهادية متطرفة إلى الحكم بعد انهيار النظام، لتجد نفسها أمام مأزق بنيوي: التحول من سلطة أمر واقع إلى دولة مدنية حديثة وفق منطق القانون والمؤسسات، مع بقاء أطر جهادية– دينية تقليدية تتحكم في الخطاب والرموز (Baczko et al., 2017; Lister, 2020; Gambill, 2018). هذا التناقض أنتج ازدواجية خطابية واضحة: خطاب خارجي يهدف إلى طمأنة المجتمع الدولي والمؤسسات الغربية حول التزامها بالقانون والحقوق، مقابل خطاب داخلي موجّه للمجتمع السنّي، يقوم على إنتاج طاعة أخلاقية– دينية بدلًا من علاقة قانونية– سياسية مبنية على الشفافية والمساءلة (Zelin, 2019). على الأرض، كان لهذه الازدواجية أثر مباشر في إرباك جمهور السنّة؛ فبينما يقرأ العالم الخارجي السلطة الجديدة وفق معايير الدولة، يعيش المواطن العادي تجربة السلطة بوصفها جهازًا متداخلًا مع المجتمع، مرسومًا بقواعد أخلاقية ودينية، وليس بوظيفة مؤسساتية واضحة.

في هذا السياق، يصبح سلوك الجمهور السنّي مفهومًا ضمن أفق عقلانية البقاء والتكيف النفسي– الاجتماعي. ضعف الثقافة السياسية العامة، والخلط بين الدولة والسلطة، جعل كثيرين يتعاملون مع السلطة الجديدة بوصفها امتدادًا للدولة– الأمة أو بوصفها تعويضًا تاريخيًا مؤجلًا عن سنوات التهميش والفقدان السياسي، لا بوصفها جهاز حكم مؤقت يخضع للمعايير القانونية (Alessa, 2025; Lynch, 2016; Hourani, 2017; Van Dam, 2017). قصص من دير الزور وحلب تؤكد هذا الواقع: بعض الأسر اختارت عدم المشاركة في أي احتجاج أو مقاومة، خوفًا من فقدان الحد الأدنى من الأمن الشخصي، بينما عدّت أن «السلطة الجديدة يجب أن تُمنح فرصتها» حتى لو لم يكن هناك التزام متبادل بالقانون أو الحقوق المدنية (ميدانية، مقابلات شخصية 2023– 2025).

النخب السياسية والفكرية، خاصة اليسارية والليبرالية، وجدت نفسها في مواجهة معضلة مزدوجة: من جهة، عدم إدراك طبيعة السلطة الجديدة وعدم الثقة بها، ومن جهة أخرى، الانتماء الاجتماعي والرمزي للمجتمع الذي قد يعدّ أي نقد للسلطة تهديدًا لهويته الجماعية. هذا المزيج أنتج غالبًا صمتًا تكيفيًا أو تراجعًا حذرًا، وهو نتاج معقد يجمع بين الخوف، ضعف الثقة، وقصر الأفق السياسي البديل (Hinnebusch, 2015; Chehabi, 2021). في حلب، على سبيل المثال، أشار عدد من المثقفين الشباب إلى أنهم يمارسون نوعًا من الرقابة الذاتية على تحليلاتهم ونقدهم للسلطة، خشية أن يؤدي أي تعبير غير محسوب إلى نتائج شخصية أو اجتماعية سلبية (ميدانية، مقابلات شخصية 2023– 2025).

إن هذا الواقع يُفسّر أيضًا استمرار إنتاج الاستقطاب الاجتماعي والسياسي؛ فالسلطة المرتبكة نفسها، عبر ازدواجية خطابها، تعيد إنتاج منطق الغلبة بوصفه أساسًا للشرعية، وتحوّل السياسة من فضاء لتقاسم السلطة والمساءلة، إلى منطقة معلّقة من القرارات والتفاعلات المحدودة. في الوقت ذاته، يسعى الجمهور، خاصة السنّة، إلى تجنب الصدام المباشر أو أي اختبار للولاء السياسي، كجزء من منطق النجاة اليومية الذي يفرضه الانهيار السابق والثقافة الجماعية للقلق والخوف Hobfoll, 1989)).

6- لماذا أخطأت النخب اليسارية والليبرالية في قراءة الواقع الشعبي السوري؟

إشكالية الفجوة بين النخب اليسارية والليبرالية السورية والسلوك الشعبي ليست مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل أخطاء جذرية في أدوات القراءة، والتحليل، وفهم طبيعة المجتمع بعد الصراع. جزء كبير من هذه الإشكالية يعود إلى تكوين هذه النخب نفسها؛ وعيها السياسي نشأ أساسًا في فضاءات أدبية وفكرية، حيث هيمن الشعر السياسي، والخطاب الرمزي، والمثاليات النظرية على الفهم والتحليل (Loebik, 2018). هذه الخلفية أدت إلى ميل النخب إلى قراءة التاريخ والحوادث عبر عدسة جمالية أو فلسفية، بدلًا من الاعتماد على ملاحظة الواقع الميداني، أو تحليل القرارات اليومية التي يتخذها الناس تحت ضغط الخوف والمخاطر.

نتيجة لذلك، كثيرًا ما اختزلت النخب الخيارات الشعبية في ثنائيات جامدة: تقدمي/ رجعي، ثوري/ عميل، أخلاقي/ غير أخلاقي، وعي ناضج/ وعي زائف. هذه الثنائيات، على الرغم من بساطتها النظرية، عاجزة عن تفسير الواقع المركب الذي تفرضه الظروف الميدانية لما بعد العنف. ومن خلال دراسات ميدانية وتقارير ميدانية حديثة في سورية، يمكن ملاحظة هذا الفشل بوضوح:

في ريف حلب، اعتمد مزارعون على التعاون الحذر مع السلطات المحلية الجديدة لتأمين المحاصيل وحماية ممتلكاتهم، على الرغم من أن بعض تحليلات النخب وصفت سلوكهم بالمتواطئ أو غير الواعي. في الواقع، كان هذا سلوكًا براغماتيًا بحتًا، قائمًا على تقويم المخاطر والحفاظ على ما تبقى من مواردهم (ميدانية، مقابلات شخصية 2023– 2025).

في دير الزور، اعتمد سكان أحياء متعددة على شبكات الدعم الاجتماعي المحلية لتوزيع المخاطر، حيث كان قرار التعاون أو الابتعاد عن السلطة الجديدة مرتبطًا بسلامة العائلة والممتلكات أكثر من أي اعتبارات أيديولوجية (Carnegie Endowment, 2025).

في إدلب، لاحظ الباحثون أن الطبقات الوسطى الحضرية كانت أكثر شكًا تجاه أي تحرك سياسي، لكنها في الوقت نفسه فضّلت تجنب التصعيد المباشر حفاظًا على أعمالها وحياتها اليومية، ما يعكس منطق “الاستقرار الجزئي” الذي يسبق أي خيار سياسي (Arab Center for Research and Policy Studies, 2025).

تُظهر هذه الأمثلة أن الخطأ الأساسي للنخب لم يكن مجرد اختلاف وجهة نظر، بل في طريقة قراءة الواقع نفسه؛ السلوك الشعبي هو استراتيجية بقاء مركبة، تتشكل تحت ضغط الخوف من العنف المتكرر، الانكسارات الاجتماعية، فقدان الثقة بالمؤسسات، وتراكم الذاكرة الجماعية للخسارة في كثير من الحالات، يتناقض هذا السلوك مع توقعات النخب أو قيمها النظرية، لكنه منطقي وفعّال ضمن عقلانية البقاء والبراغماتية اليومية.

إخفاق النخب اليسارية والليبرالية في قراءة الواقع الشعبي السوري لم يكن عيبًا معرفيًا عابرًا، بل نتاج تكوين ثقافي وسياسي محدد، واعتماد أدوات تحليلية غير ملائمة للواقع الميداني. ومن هنا تأتي الدعوة في الأدبيات الحديثة إلى دمج القراءة الميدانية مع التحليل النظري، وفهم السلوك الشعبي ضمن سياق تاريخي– رمزي، اجتماعي، ونفسي، بدلًا من الاقتصار على التصنيفات الأيديولوجية الجامدة .(Bourdieu, 1984; Loebik, 2018; Morner, 2016)

ويزداد هذا الخلل تعقيدًا حين ننتقل من نقد الخطاب إلى تفكيك الأدوات المعرفية نفسها التي تعتمدها قطاعات واسعة من النخب اليسارية والليبرالية السورية. فهذه النخب، في مجملها، لم تتكوّن على أساس منهجي في علوم الاجتماع السياسي، أو الاقتصاد السياسي، أو الإدارة العامة، ولا تمتلك الحد الأدنى من المعرفة العملية اللازمة لفهم آليات اشتغال الدولة والمجتمع في ظروف ما بعد الصراع. ويظهر ذلك بوضوح في ضعف الإلمام بقضايا أساسية، مثل فهم ديناميات سعر الصرف، أو منطق السياسات النقدية، أو إدارة الموارد الشحيحة، أو قواعد إدارة المجاميع والسلوك الجمعي تحت الضغط، فضلًا عن الغياب شبه الكامل لعلوم الاستراتيجيا، إلى حد الخلط بين مفاهيم أولية مثل الرؤية، والمهمة، والأهداف، والوسائل.

هذا النقص لا يقتصر على المعرفة النظرية المجردة، بل يمتد إلى غياب الخبرة العملية والتجربة الميدانية، حيث نادرًا ما خاضت هذه النخب احتكاكًا مباشرًا بإدارة واقع معقّد، أو تحمّلت مسؤولية قرارات تتعلق بتوزيع المخاطر، أو ضبط التوازنات الاجتماعية في بيئات هشّة. ونتيجة لذلك، جرى التعامل مع السياسة بوصفها موقفًا أخلاقيًا أو إعلانًا أيديولوجيًا، لا باعتبارها فنًا لإدارة الممكن تحت قيود الواقع. فماذا سيكون الحال لو عرفنا السياسية بفن “تخليق الواقع”؟

في هذا السياق، تصبح القراءة الشعبية للسلوك الجماهيري قراءة قاصرة بطبيعتها، لأنها تصدر عن وعي لم يُدرَّب على تحليل المصالح، ولا على تقدير الكلفة، ولا على فهم منطق الاختيار تحت التهديد.

من هنا، لا يعود فشل النخب في فهم السلوك الشعبي السوري بعد سقوط النظام ناتجًا عن سوء تقدير أو انحياز أيديولوجي فحسب، بل عن قصور بنيوي في أدوات التحليل نفسها. فالمجتمع الذي خرج من حرب طويلة لا يتحرك وفق منطق الشعارات أو النماذج المثالية، بل وفق حسابات دقيقة للأمان، والموارد، والاستقرار النسبي. وحين تفتقر النخب إلى الأدوات التي تمكّنها من قراءة هذه الحسابات، فإنها تميل إلى إسقاط تصوراتها الخاصة على الواقع، وتفسير السلوك الشعبي بوصفه انحرافًا أخلاقيًا أو وعيًا زائفًا، بدل فهمه كاستجابة عقلانية لشروط تاريخية واجتماعية محددة.

7- مشكلة المثقف الأقلوي: الأيديولوجيا بوصفها غطاءً للخوف والمصلحة ما دون الوطنية

تعريفاً، يُقصد بالمثقف الأقلوي ذلك النموذج الذي يصنف بين المثقفين (لسعة المعرفة فقط)، والذي يتبنى الأيديولوجيا في صيغتها الكونية العامة، بوصفها خطابًا يعالج قضايا الإنسان نظريًا، ولا يتردد في اقتراح حلولًا أخلاقية كبرى، على مستويات متعددة، لكنه في الممارسة العملية يتبادل الأدوار بصورة حادة مع محيطه الاجتماعي الضيق.

فبدل أن “يساهم في تنظيم الوعي، وصياغة رؤية للعالم، وإنتاج المعرفة، وربطها الأفكار بالممارسة الاجتماعية، وتحويل التجربة المعيشية للجماعة إلى خطاب، وتنظيم مشروع سياسي–ثقافي ضمن الفضاء الوطني ” كما يكون المثقف العضوي، يتحول إلى مروج لوعي منكمش، ضيق، أحادي، وصدامي بدعوى التعبير عن مصالح المحيط الذي ينتمي له! سواء كان هذا المحيط طائفيًا، أو عرقيًا، أو قبليًا، أو مناطقيًا. في هذا السياق، تتحول المصالح الفئوية لديه إلى أولوية فعلية، حتى عندما تكون دون وطنية أو في تعارض مباشر مع المصالح الوطنية العليا، ويجري تسخير الأيديولوجيا بعموميتها الأخلاقية لتبرير هذه الأولوية ومنحها شرعية رمزية.

هذا النمط يبرز أيضاً بوضوح لدى بعض من ينسحبون من مواقعهم ” كمثقفين” إلى أن تصنيف ومرتبة أقل “مثقفي الجماعات الأقلوية “، لاسيما ما شًهد في سورية، بين أوساط المثقفين من أصول علوية، أو دروز، أو الأكراد كما ظهر مؤخراً، حيث تتخذ المواقف السياسية شكلًا حادًا، انزلاقياً، يصل أحيانًا إلى العداء الذي يتجاوز الرمزي وبصل إلى حد السلوكي تجاه السلطة الجديدة ومعها عموم السوريين من العرب السنة على أساس تصنيفهم الكتلة الاجتماعية الأوسع الموالية للسلطة الجديدة. غير أن هذه المواقف لا يمكن فهمها اختزالًا بوصفها تعبيرًا أيديولوجيًا خالصًا، بل هي نتاج رد فعل لتجارب عنيفة، وانطلاق هواجس أمنية عميقة، وشعور مستمر بالانكشاف الاجتماعي بعد انهيار منظومات الحماية السابقة.

في هذا الإطار، يميل المثقف الأقلوي إلى تفسير العنف الذي تعرضت له بعض أوساطه بعد سقوط النظام بوصفه عنفًا طائفيًا محضًا، نابعًا من غلواء أو بدائية أو حقد كامن داخل الأوساط السنّية. هذا التفسير، على الرغم من انتشاره بين هؤلاء، يقوم على تبسيط مخلّ للواقع، ويتجاهل الطبيعة المركبة للعنف في سياقات ما بعد الصراع، حيث تتداخل الانفلاتات الأمنية، وانتقاميات الحرب، وانهيار الضبط المؤسسي، مع عناصر طائفية جزئية، من دون أن تختزل الظاهرة كلها في بعدها الهويّاتي. إن تحويل العنف إلى سردية طائفية صافية يؤدي عمليًا إلى إعادة إنتاج الخوف، وتبرير الانغلاق، وتعميق القطيعة بين الجماعات، بدلًا من تفكيك شروط العنف نفسها.

يتحول هذا الخوف المركب الذي يتصدى هؤلاء للتعبير عنه إلى خطاب عدائي أو استعلائي، حيث يصبح النقد العلني، والسخرية، واحتقار الرموز الاجتماعية والسياسية للأغلبية، أدوات دفاع رمزي، ووسائل لإعادة تأكيد الذات الأقلوية في لحظة شعورها بفقدان السيطرة. ووفق منطق «الخوف الرمزي» الذي يشير إليه شلومو إيسنشتات، فإن الجماعات التي ترى نفسها مهددة في وجودها أو مكانتها تميل إلى تبني مواقف وقائية متشددة، قد تتخذ شكل عداء صريح تجاه أي إعادة ترتيب للقوة تُفهم بوصفها انحيازًا للأغلبية.

غير أن اختزال «المثقف الأقلوي» في أبناء الأقليات الطائفية أو العرقية وحدهم يُعدّ خطأً تحليليًا. لأن الأقلوية هنا ليست تصنيفًا أو موقعًا عدديًا، بل حالة وعي سياسي– ثقافي، أولًا وقبل كل شيء. فالمثقف الأقلوي قد يكون من أبناء الأغلبية نفسها، لكنه يعيد إنتاج المنطق ذاته عبر ولائه الحصري للعشيرة، أو للإقليم، أو للمنطقة، أو للبنية المحلية الضيقة، بحيث تصبح هذه الدوائر ما دون الوطنية مرجعية عليا تتقدم على فكرة الوطن والمواطنة. في هذه الحالة، لا تتجلى الأقلوية في الانتماء الهويّاتي، بل في تضييق أفق الانتماء، وتحويل المصالح المحلية إلى معيار للحكم على الدولة والسياسة والعدالة.

في هذا النموذج، يوظف المثقف ذو الخلفية العشائرية أو المناطقية الخطاب الوطني أو الأيديولوجي بوصفه غطاءً أخلاقيًا، بينما يمارس فعليًا إعادة إنتاج منطق التفكك الوطني، ويدافع عن امتيازات محلية، أو نفوذ اجتماعي تقليدي، أو مصالح اقتصادية– أمنية خاصة، حتى وإن تعارض ذلك مع مشروع الدولة الجامعة. وعلى نحوٍ متناقض، يظهر هذا المثقف في العلن بوصفه مدافعًا عن «الناس» أو «الخصوصية» أو «المجتمع المحلي»، بينما يُساهم في تعميق الانقسامات الأفقية بين السوريين، لا طائفيًا فحسب، بل مناطقيًا وعشائريًا.

بهذا المعنى، يمثل المثقف الأقلوي النموذج القياسي لما يمكن تسميته بـ«الانتهازية الثقافية» أو «المتاجرة بالثقافة»، حيث تتحول المعرفة والأدوات المفاهيمية إلى سلعة سياسية، ويغدو المثقف رأس حربة في مشروع فئوي ضيق، طائفيًا أكان أم عرقيًا أم عشائريًا، حتى لو جاء ذلك في مواجهة مباشرة مع المصالح الوطنية العليا، تحت ذرائع الوفاء للجذور أو حماية المحيط. وهو في هذا السياق أحد أسوأ نماذج المثقف، لأنه لا يكتفي بالانكفاء، بل يوظف الثقافة نفسها لإدامة الانقسام، ويسقط عنها حتى قدسيتها.

وللمقارنة، يُظهر نموذج المثقف الأقلوي، كما جرى تفكيكه أعلاه، تناقضًا بنيويًا واضحًا مع مفهوم «المثقف العضوي» كما صاغه أنطونيو غرامشي. فالمثقف العضوي، في التصور الغرامشي، لا يُعرَّف بموقعه الثقافي أو بمخزونه المعرفي المجرد، بل بوظيفته الاجتماعية– التاريخية؛ أي بقدرته على التعبير عن المصالح العامة لطبقته أو مجتمعه، ولكن ضمن أفق وطني جامع، وربط الوعي النقدي بالممارسة اليومية، لا بالانتماءات الضيقة أو الولاءات ما دون الوطنية. المثقف العضوي ليس ناطقًا باسم فئة مغلقة، بل وسيطًا تاريخيًا يساهم في بناء «الكتلة التاريخية» القادرة على إنتاج معنى مشترك ومشروع سياسي جامع .(Gramsci, Prison Notebooks)

على هذا الأساس، يمكن النظر إلى المثقف الأقلوي بوصفه نقيضًا وظيفيًا للمثقف العضوي، حتى وإن تشارك معه في اللغة الأيديولوجية أو الادعاءات الأخلاقية. فبينما يعمل المثقف العضوي على تفكيك العصبيات الأولية وإدماجها في أفق وطني أوسع، يعيد المثقف الأقلوي إنتاج هذه العصبيات عبر تسخير الأيديولوجيا الكونية ذاتها لخدمة مصالح فئوية مغلقة. وبدلًا من أن تكون الثقافة أداة تحرير وربط بين الخاص والعام، تتحول إلى وسيلة دفاع، وتبرير، وأحيانًا تعبئة صراعية، تُستخدم لحماية الامتيازات أو تثبيت الخوف بوصفه أساسًا للوعي السياسي.

وعلى نحوٍ متناقض، قد يتحدث المثقف الأقلوي بلغة العدالة الاجتماعية، أو حقوق الإنسان، أو التحرر، لكنه يفصل هذه القيم عن شرطها الغرامشي الأساسي؛ أي الارتباط بالمصلحة الوطنية الجامعة وبناء الهيمنة الأخلاقية– الثقافية على أساس الرضا لا الخوف. هنا، تصبح الأيديولوجيا قناعًا، لا ممارسة عضوية؛ خطابًا فوق المجتمع، لا تعبيرًا حيًا عنه. وهو ما يجعل هذا النموذج أقرب إلى ما وصفه غرامشي بـ«المثقفين التقليديين» الذين يتوهمون الاستقلال عن البنى الاجتماعية، بينما هم في الواقع يعيدون إنتاج علاقات القوة القائمة داخل دوائرهم الضيقة.

بهذا المعنى، لا تكمن خطورة المثقف الأقلوي في مواقفه السياسية فحسب، بل في كونه يُفرغ وظيفة المثقف من بعدها العضوي، ويحولها إلى ممارسة انتهازية تُعيد إنتاج الانقسام بدلًا من تجاوزه. فحيث يفترض بالمثقف العضوي أن يكون جسرًا بين الوعي والواقع، وبين الأخلاق والسياسة، يتحول المثقف الأقلوي إلى حاجز رمزي يعمّق المسافة بين المجتمع والدولة، وبين الجماعات بعضها مع بعض، ويُبقي الصراع مفتوحًا داخل أطر ما دون وطنية، حتى وهو يتحدث باسم قضايا كونية كبرى.

انطلاقًا من هذه البنية الذهنية، يتشكل لدى المثقف الأقلوي نمط خاص من سوء التقدير السياسي، يتمثل في عجزه البنيوي عن فهم خيارات الشارع السوري بعد سقوط النظام، ولا سيما الدعم الواسع الذي أبدته قطاعات كبيرة من العرب السنّة للسلطة الجديدة. فالمثقف الأقلوي، المحكوم بخبرته الخاصة في الخوف والهشاشة والانكشاف، يفترض أن منطق السلوك السياسي ينبغي أن يكون مطابقًا لمنطقه الذاتي، أي منطق الارتياب والرفض والوقاية الدائمة. وعندما يختار جزء واسع من الأغلبية السنّية منطق الاستقرار، أو القبول الواقعي بسلطة ناشئة، أو حتى دعمها بوصفها إطارًا لمنع عودة الفوضى، يقرأ هذا الخيار لا باعتباره تعبيرًا عن «عقلانية بقاء» مماثلة، بل بوصفه انحرافًا أخلاقيًا، أو خضوعًا دينيًا، أو انجرافًا وراء خطاب سلطوي–سلفي.

يعود هذا الخلل في القراءة إلى إسقاط المثقف الأقلوي تجربته الخاصة على مجتمع مغاير في موقعه ومخاطره. فبينما يعيش هو الخوف بوصفه خوفًا وجوديًا من الإقصاء أو الانتقام، تعيش الأغلبية السنية الخوف بوصفه خوفًا من تكرار الانهيار الشامل، والفوضى المسلحة، وتدوير العنف، بعد سنوات دفعت فيها الثمن الأكبر بشريًا وماديًا. غير أن المثقف الأقلوي، بدل الاعتراف بتعدد أشكال الخوف ووحدته في الجوهر، يميل إلى نزع الشرعية عن خوف الآخرين، واعتباره خوفًا «غير عقلاني» أو «مصطنعًا» أو «مستثمرًا دينيًا»، بينما يحتفظ بالخوف الخاص بجماعته بوصفه خوفًا مشروعًا، عقلانيًا، ومفهومًا.

في هذا السياق، يُعاد تفسير الدعم الشعبي السنّي للسلطة الجديدة من داخل عدسة أيديولوجية–هويّاتية ضيقة: مرة باعتباره خضوعًا لهيمنة خطاب ديني سلفي، ومرة بوصفه تعبيرًا عن نزعة استحواذ أغلبي، ومرة ثالثة كدليل على «بدائية سياسية» أو «قصور وعي». هذا التفسير يتجاهل أن كثيرًا من هذا الدعم لا ينبع من تطابق أيديولوجي، ولا من وعي ديني تعبوي بالضرورة، بل من حسابات عملية مرتبطة بالأمن، ومنع الانتقام المتبادل، وإعادة الحد الأدنى من انتظام الحياة. وهنا، يفشل المثقف الأقلوي في رؤية ما يراه بوضوح حين يتعلق الأمر بجماعته: أن البراغماتية السياسية ليست خيانة للقيم، بل استجابة لضغط الخوف والذاكرة الجمعية.

بهذا المعنى، لا يخطئ المثقف الأقلوي في توصيف الخوف بوصفه عاملًا حاسمًا في السياسة، بل يخطئ في توزيع مشروعيته. فهو يبرّر البراغماتية حين تصدر عن الأقليات، ويُدينها حين تصدر عن الأغلبية؛ يتفهم منطق البقاء حين يخص دائرته، وينكره حين يتجلى في خيارات الشارع الأوسع. ومن هنا، يتحول تحليله إلى محاكمة، وقراءته إلى إدانة، ويغدو عاجزًا عن فهم التحول الفعلي في المزاج الشعبي السوري، لا لأنه يفتقر إلى الأدوات المعرفية، بل لأنه أسير بنية وعي مأزومة ترى في صعود الأغلبية تهديدًا، لا ظاهرة اجتماعية–سياسية قابلة للفهم.

ويتعزز هذا الخلل في التقدير بفعل تأثر المثقف الأقلوي بحالة الانكماش الدفاعي، أو ما يمكن تسميته بـ«التقنفذ الجماعي»، التي روّجت لها زعامات دينية ومحلية داخل جماعاته، رأت في صعود السلطة الجديدة وعدم إشراكها في بنيتها تهديدًا مباشرًا لمكانتها، ومن ثم لموقع «رعيتها» داخل المجال العام. في هذا السياق، لا يتصرف المثقف بوصفه ناقدًا لهذه البنية التقليدية، بل يغدو حاملًا لخطابها بلغة حديثة، فيعيد إنتاج منطق الخوف الجماعي نفسه، لكن مغلفًا بمفردات حقوقية أو أيديولوجية كونية.

الأخطر من ذلك أن هذا النمط من المثقفين لا يكتفي بسوء فهم خيارات الشارع السوري، بل ينتهي إلى إعادة تعريف فكرة الوطن ذاتها. فبدل النظر إلى إعادة بناء سورية بوصفها عملية سياسية–اجتماعية تقوم على المواطنة والمشاركة السياسية المفتوحة، يقرّ هذا المثقف، صراحة أو ضمنًا، بأن إعادة إنتاج الوطن يجب أن تتم عبر التشارك بين «مكونات» طائفية أو عرقية أو وحدات ما دون وطنية. وبهذا، لا يعود السوريون مواطنين متساوين داخل فضاء سياسي واحد، بل ممثلين لجماعات تفاوض على الحصص والضمانات.

هذا التصور لا يفسر فقط عداء المثقف الأقلوي للدعم الشعبي السنّي للسلطة الجديدة، بل يفسر أيضًا رفضه العميق لأي تعبير سياسي أغلبي خارج منطق التوازنات المكوّناتية. فالأغلبية، حين تتحرك بوصفها كتلة اجتماعية–سياسية، لا بوصفها «مكوّنًا» من بين مكونات، تُفهم في وعيه بوصفها خطرًا بنيويًا، لا شريكًا وطنيًا. ومن هنا، يتحول مفهوم الوطن من إطار جامع للصراع السياسي إلى بنية هشّة قائمة على إدارة الخوف المتبادل، لا على بناء الإرادة العامة.

8- إزالة التهديد أولًا: منطق ما بعد الصراع

تُظهر دراسات علم الاجتماع السياسي والنفسي أن المجتمعات الخارجة من صراعات عنيفة لا تدخل فورًا في نقاشات الشرعية السياسية أو النماذج المثلى للحكم، بل تعيد ترتيب أولوياتها وفق ما يمكن تسميته «هرمية ما بعد الصدمة»، حيث يتقدّم هدف إزالة التهديد المباشر -الأمني، الاقتصادي، والاجتماعي- على أي اعتبار أيديولوجي أو تصوري طويل المدى. في هذا السياق، لا تُفهم السياسة بوصفها مجالًا للاختيار الحر، بل بوصفها حقلًا للمخاطرة يجب تقليص خسائره إلى الحد الأدنى. يوصف هذا النمط من السلوك بأنه عقلانية بقاء ناتجة من تأكّل الثقة، وتراكم العنف، وانهيار الأطر المؤسسية، حيث يصبح الاستقرار -إن كان هشًا أو ناقصًا- قيمة بحد ذاته، أي في سياقات ما بعد الصراع، لا يُنظر إلى الاستقرار بوصفه نتيجة لمشروع سياسي ناجح، بل يتحوّل إلى غاية بحد ذاته، حتى وإن كان هشًا أو ناقصًا. فبعد سنوات من العنف والفوضى، يصبح مجرد توقّف القتل وانخفاض مستوى الخطر شرطًا كافيًا لتبرير القبول بالواقع القائم، بغضّ النظر عن عدالته أو اكتماله المؤسسي.

جيمس سي. سكوت يذهب أبعد من ذلك حين يوضح أن الفئات الاجتماعية التي تعرّضت لزمن طويل من القهر أو الفوضى تطوّر أنماطًا من «التكيّف الوقائي»، أي استراتيجيات يومية تهدف إلى تفادي الصدام، وتجنّب الظهور السياسي الحاد، والتعامل البراغماتي مع مراكز القوة القائمة، بصرف النظر عن شرعيتها أو طبيعتها .(Scott, 1985) هذا السلوك لا يعكس قبولًا أخلاقيًا أو قناعة سياسية، بل هو نتاج وعي عملي بأن تكلفة الرفض أو المجازفة أعلى من تكلفة التكيّف الموقت.

من زاوية علم النفس الاجتماعي، يقدّم ستيفن هوفبول إطار “حفظ الموارد “(Conservation of Resources Theory) الذي يشرح كيف أن الأفراد والمجتمعات، بعد التعرض لخسائر فادحة -في الأرواح، الممتلكات، أو الشبكات الاجتماعية- يميلون إلى سلوك دفاعي يهدف إلى حماية ما تبقى، حتى لو استدعى ذلك التنازل عن طموحات سياسية أو قيم مثالية موقّتًا.(Hobfoll, 1989)

في هذه المرحلة، يصبح السؤال المركزي ليس: ما النظام الأفضل؟ بل :ما الخيار الأقل خطرًا اليوم؟

في الحالة السورية، تؤكد المعطيات الميدانية هذا المنطق بوضوح. فقد أظهرت استطلاعات ETANA وArab Center for Research and Policy Studies (أيار/ مايو 2025) أن الأغلبية الساحقة من المستجيبين حدّدوا الأمن الشخصي، تأمين الدخل، واستمرارية الخدمات الأساسية بوصفها أولويات قصوى، بينما جاءت القضايا المرتبطة بشكل النظام السياسي أو طبيعة المشروع الوطني في مراتب متأخرة. هذه النتائج لا تشير إلى لا مبالاة سياسية، بل إلى تعليق السياسة لمصلحة إدارة الحياة اليومية في سياق هش.

وفي الاتجاه نفسه، خلصت تقارير “Carnegie Endowment for International Peace (2025)” إلى أن أنماط التكيّف مع السلطات المحلية أو الأمر الواقع لم تكن تعبيرًا عن ولاء أيديولوجي أو قبول سياسي، بل نتيجة حسابات دقيقة لتقليل المخاطر؛ تفادي الاعتقال أو الانتقام، ضمان الوصول إلى الموارد، وحماية الأسرة والمجتمع المباشر. هذا «التكيّف البراغماتي» هو سلوك شائع في مجتمعات ما بعد الصراع، وغالبًا ما يُساء تفسيره -خصوصًا من النخب- بوصفه خضوعًا أو تأييدًا، في حين أنه في جوهره آلية نجاة موقتة.

بناءً عليه، فإن فهم السلوك الاجتماعي والسياسي في سورية ما بعد الصراع يستلزم تجاوز القراءات الأخلاقية أو الأيديولوجية السطحية، والاعتراف بأن منطق إزالة التهديد يسبق منطق بناء الشرعية. فالسياسة، في هذه المرحلة، لا تُدار بمنطق المشروع، بل بمنطق تقليل الخسارة؛ ولا تُقاس بالولاءات، بل بقدرة الأفراد والجماعات على الاستمرار في الحياة داخل بيئة لم تستعد بعد شروطها الطبيعية.

9- من الخوف إلى الالتباس: محددات إضافية للسلوك الشعبي

لا يمكن اختزال السلوك الشعبي في سورية بعد سقوط النظام “بعقلانية البقاء” وحدها، وإلا لما انخرط أغلب السوريين في الثورة ضد النظام السابق، إلا أنها على أهميتها التفسيرية، تتداخل مع محددات نفسية وتاريخية وثقافية أعمق، تُنتج حالة مركّبة من الالتباس السياسي، لا يمكن قراءتها بمنطق الولاء أو الرفض الصريح. هذه المحددات لا تعمل منفصلة، بل تتراكب وتغذّي بعضها بعضًا داخل سياق اجتماعي شديد الهشاشة.

أول هذه المحددات هو الإحساس بالاستحقاق بعد سنوات الضعف التاريخي. فبعد عقود طويلة من الإقصاء السياسي، والقمع، وتكريس صورة الأغلبية بوصفها موضوعًا للأمن لا فاعلًا سياسيًا، نشأ شعور تعويضي واسع داخل السوريين عمومًا والمجتمع السنّي خصوصًا بأن اللحظة الجديدة تمثل “استعادة” لحق مسلوب، أو على الأقل كسرًا لوضعية الهشاشة السابقة. هذا الإحساس لا يُترجم بالضرورة إلى مشروع سياسي واعٍ، بل إلى استعداد نفسي لمنح السلطة القائمة هامش صبر إضافي، انطلاقًا من منطق مفاده: هذه المرة لسنا في موقع الدفاع .هنا يعمل الاستحقاق بوصفه حالة شعورية، لا برنامجًا سياسيًا، لكنه يؤثر بعمق في طريقة تقويم السلطة وأخطائها.

إلى جانب ذلك، يبرز ما يمكن تسميته التفاؤل الوظيفي، وهو نمط من الأمل العملي لا يرتكز على قناعة بشرعية السلطة أو مشروعها، بل على الحاجة النفسية والاجتماعية إلى تثبيت حد أدنى من الاستقرار. في هذا السياق، يصبح التفاؤل أداة للبقاء، لا موقفًا أيديولوجيًا؛ وسيلة لتجنّب الانهيار المعنوي بعد سنوات من العنف، لا تعبيرًا عن ثقة سياسية حقيقية. كثير من الأفراد “يقرّرون” أن يكونوا متفائلين، لا لأن الواقع يبرر ذلك، بل لأن البديل هو الانزلاق إلى العجز والقلق المزمن.

عامل ثالث لا يقل أهمية هو منطق الغلبة بوصفه مرجعية تاريخية لفهم تشكّل السلطات. ففي مجتمعات لم تتجذر فيها ثقافة التداول السلمي للسلطة، ولم تُبنَ فيها مؤسسات تمثيلية مستقرة، يُفهم الحكم غالبًا بوصفه نتيجة حتمية لموازين القوة، لا ثمرة عقد اجتماعي. هذا المنطق، المتراكم تاريخيًا، يجعل كثيرين يتعاملون مع السلطة القائمة بوصفها “الأمر الواقع الذي لا يُناقش الآن”، لا بوصفها كيانًا قابلًا للمساءلة أو التغيير. وبهذا المعنى، لا يكون القبول الشعبي تعبيرًا عن رضا، بل عن قراءة واقعية لمعادلات القوة.

يتعزز كل ما سبق بضعف الثقافة السياسية العامة، وهو ضعف بنيوي لا فردي، ناتج من عقود من تفريغ السياسة من معناها، وتحويلها إلى مجال محظور أو شكلي. هذا الضعف يؤدي إلى خلط عميق بين مفهومات الدولة والسلطة، وبين الدولة بوصفها كيانًا مؤسسيًا محايدًا، والدولة– الأمة بوصفها تعبيرًا عن الجماعة، والسلطة بوصفها جهاز حكم موقت. في هذا الالتباس، تُقرأ السلطة القائمة أحيانًا بوصفها امتدادًا للدولة ذاتها، أو تعويضًا عن غياب الدولة سابقًا، لا بوصفها سلطة انتقالية ينبغي إخضاعها لمعايير القانون والمواطنة.

هذه المحددات، حين تتفاعل معًا، تُنتج أنماطًا من التكيّف السياسي الرمادي؛ لا ولاء صريح، ولا معارضة منظمة؛ لا قناعة كاملة، ولا رفض جذري. إنها منطقة وسطى، تتحرك فيها الأغلبية الاجتماعية، مدفوعة بالخوف، والأمل الدفاعي، وذاكرة الغلبة، وفقر الأدوات السياسية. ومن دون استحضار هذا السياق البنيوي الكامل، يتحول السلوك الشعبي إلى لغز أخلاقي، بدلًا من أن يُفهم بوصفه استجابة عقلانية -ولو مؤلمة- لشروط تاريخية قاسية.

10- النجاة لا تعني المصالحة: الذاكرة، التفوق الأخلاقي، وإنتاج الاستقطاب الكامن

في المجتمعات الخارجة من العنف واسع النطاق، لا يمكن الخلط بين النجاة بوصفها سلوكًا اجتماعيًا اضطراريًا، والمصالحة بوصفها مسارًا سياسيًا وأخلاقيًا واعيًا. فالنجاة تعني، في الحدّ الأدنى، القدرة على الاستمرار وتجنّب الخطر المباشر، لكنها لا تفترض معالجة الماضي أو إعادة بناء الثقة. في الحالة السورية، تعمل ذاكرة العنف الجمعية بوصفها قوة فاعلة في إعادة تشكيل المواقف السياسية والاصطفافات الاجتماعية، حتى حين يبدو السطح الاجتماعي هادئًا أو متكيفًا مع الواقع الجديد (Assmann, 2010; 2011).

هذه الذاكرة ليست مجرد أرشيف للألم، بل بنية إدراكية تحكم كيفية فهم الحاضر وتوقع المستقبل. فالتجارب المتراكمة من القتل، الاعتقال، التهجير، والإذلال لا تُمحى بتغير السلطة، بل تُعاد صياغتها في أنماط خوف وحذر وصمت. ومع غياب مسارات العدالة الانتقالية أو الاعتراف المتبادل بالضحايا، تتحول الذاكرة إلى عنصر كامن، قابل للاستدعاء في أي لحظة توتر، ما يجعل الاستقرار الظاهري هشًا بطبيعته.

في هذا الفراغ السياسي والأخلاقي، يبرز الخطاب الديني السلفي بوصفه آلية لإدارة الذاكرة لا لتفكيكها. وعلى نحوٍ متناقض، ينجح هذا الخطاب في توحيد قاعدة اجتماعية واسعة عبر تقديم سرديات مبسطة للعنف السابق، لا بوصفه نتاجًا لصراعات بنيوية أو خيارات سياسية، بل بوصفه «فتنة» ينبغي إغلاقها باسم «الأمن»، أو بوصفه فسادًا أخلاقيًا يُقابَل بالاستقامة والطاعة. بهذه الثنائية، تُحيَّد الذاكرة العنيفة عبر اختزالها أخلاقيًا، لا عبر مساءلتها تاريخيًا.

هذا الاختزال لا يُنتج سلامًا، بل يُنتج تفوقًا أخلاقيًا رمزيًا، تُقدَّم فيه جماعة بوصفها حاملة للخير والنظام، في مقابل جماعات يُنظر إليها -صراحة أو ضمنًا- بوصفها مصدرًا للفوضى أو التهديد. هنا يتحول الخطاب من إدارة الخوف إلى إعادة إنتاج الاستقطاب، ولكن بصيغة أخلاقية لا سياسية، ما يجعل الاعتراض أو النقد يُقرأ بوصفه تهديدًا للأمن أو خروجًا عن “الاستقامة”، لا ممارسة مشروعة للسياسة.

ضمن هذا السياق، يظهر سلوك الجمهور في صورة مهادنة علنية؛ التزام ظاهري، امتناع عن الاحتجاج، أو قبول تكيفي بالخطاب السائد. غير أن هذا السلوك لا يعكس بالضرورة قبولًا داخليًا أو تصالحًا مع السلطة أو خطابها. كما يبيّن James C. Scott في تحليله للهيمنة اليومية، فإن المجتمعات الواقعة تحت ضغط الخوف تطوّر ما يسميه “النص العلني” المنضبط، مقابل “نص خفي” يحتفظ بالامتعاض، والذاكرة، وأشكال الرفض المؤجل (Scott, 1985).

تتوافق هذه القراءة مع تحليلات Stathis Kalyvas حول سلوك المدنيين في سياقات العنف الأهلي، حيث يوضح أن الامتثال الظاهري غالبًا ما يكون نتاج حسابات دقيقة لتقليل المخاطر، لا تعبيرًا عن ولاء سياسي أو أيديولوجي (Kalyvas, 2006; 2015). فالناس يتعلمون التعايش مع القوة المسيطرة، لا الاندماج معها، ويؤجلون التعبير عن مواقفهم إلى لحظة تتغير فيها موازين الكلفة والمخاطرة.

دراسات الذاكرة السياسية في سورية وبلدان مشابهة تشير إلى أن هذا النمط من “الهدوء القسري” يُنتج ما يمكن تسميته استقرار الصمت؛ غياب الصدام العلني، مع استمرار الشروخ الاجتماعية والأخلاقية تحت السطح (Haugbolle, 2010; Dodge, 2013). هذا الصمت لا يعني تجاوز العنف، بل يعني فقط أن شروط التعبير عنه لم تنضج بعد.

وعليه، فإن النجاة في السياق السوري لا تعني مصالحة، والمهادنة لا تعني قبولًا، والاستقرار لا يعني تسوية. إنها كلها أشكال من إدارة الخوف والذاكرة، لا تفكيكهما. ومع استمرار توظيف التفوق الأخلاقي بديلًا من السياسة، تبقى الذاكرة الجمعية غير معالجة، ويبقى الاستقطاب قائمًا ليس بوصفه صراعًا مفتوحًا، بل بوصفه توترًا كامنًا ينتظر لحظة الانفجار أو التحول.

11- حين يتحول التحليل إلى محاكمة: فشل النخب السورية في فهم السلوك الشعبي

في أعقاب سقوط النظام السوري، أصبحت النخب الثقافية والسياسية أمام اختبار حقيقي لفهم السلوك الشعبي، لكن غالبًا ما تحوّل خطابها إلى محاكمة أخلاقية للسلوك، بدلًا من تفسير أسبابه ودوافعه الواقعية. اختزلت هذه النخب، أكانت اليسارية أم الليبرالية، الخيارات الشعبية كما سبق أن ذكرنا في ثنائيات جامدة: تقدمي/ رجعي، ثوري/ متواطئ، وعي/ وعي زائف، أو حتى أخلاقي/ غير أخلاقي. هذه القراءات، على الرغم من بساطتها النظرية، لم تلتقط التعقيدات اليومية التي يواجهها السوريون بعد عقد ونصف من العنف والفوضى والانكسار الاجتماعي.

بيير بورديو حذّر من هذا النمط التحليلي، مشيرًا إلى أن فرض أطر نظرية صارمة على مجتمعات هشة لا يفسّر الواقع، بل يزيد من المسافة بين النخب والجماهير، ويحوّل السلوك الشعبي إلى مجرد “رمز” للتفسير الأخلاقي أو الأيديولوجي، بدلًا من أن يكون موضوعًا للفهم الواقعي (Bourdieu, 1984; 1998). James C. Scott أشار كذلك إلى أن المجتمعات المتضررة من العنف تتبنى استراتيجيات مهادنة وتكيّف مع السلطة، غالبًا خفية أو علانية، لتجنب المخاطر المباشرة، وأن تقويم هذه الاستراتيجيات عبر أطر مثالية يؤدي إلى قراءة ناقصة للسلوك الشعبي .(Scott, 1985)

12- عقلانية البقاء في الميدان السوري

تظهر الدراسات الميدانية أن السوريين لم يكونوا “غير واعين” أو “متواطئين” كما صوّرتهم بعض النخب، بل كانوا يتصرفون وفق منطق النجاة والعقلانية اليومية. على سبيل المثال:

  • في ريف حلب، اختار مزارعون أصحاب أراضٍ صغيرة التعاون الحذر مع السلطات المحلية الجديدة لتأمين محاصيلهم ومواشيهم، على الرغم من أن بعض التحليلات النخبوية وصفتهم بالـ “متواطئين”.
  • في أحياء حلب القديمة، أظهرت الأسر السنية سلوكًا علنيًا مهادنًا، لكنه كان مصحوبًا بامتناع عن المشاركة في أي مشروع سياسي رسمي، واحتفاظ بسرديات خفية عن العنف والخسارة داخل الأسرة والجوار.
  • في ريف إدلب الجنوبي، اعتمد السكان على شبكات محلية لتأمين المواد الغذائية والخدمات الأساسية، في ظل انتشار المليشيات المسلحة، مع الحرص على عدم الانخراط في أي صراع مباشر مع السلطة المحلية أو المجموعات المهيمنة.

تقاريرCarnegie Endowment for International Peace (2025) وبياناتETANA وArab Center for Research andPolicy Studies (2025) تؤكد أن هذه الخيارات كانت براغماتية بحت، مرتبطة بحماية الحياة والموارد، وليس ولاء أيديولوجيًا أو التزامًا بالثنائيات النظرية التي تصورها النخب.

محددات السلوك الشعبي: أكثر من مجرد البقاء

إلى جانب عقلانية البقاء، هناك عوامل أخرى تشكّل السلوك الشعبي:

  • الإحساس بالاستحقاق بعد سنوات من الضعف التاريخي: شعور تعويضي بالفاعلية بعد سنوات من الاستهداف والتهميش، يفسر استعداد الجماعات لمنح السلطة القائمة هامش صبر.
  • التفاؤل الوظيفي: يستخدمه الناس لتثبيت الحد الأدنى من الاستقرار، لا بوصفه قناعة بشرعية السلطة.
  • منطق الغلبة: يستند إلى التجربة التاريخية لفهم نشوء السلطات، خصوصًا في غياب ثقافة سياسية مؤسسية.
  • ضعف الثقافة السياسية :يؤدي إلى خلط الدولة بالسلطة، والارتباك بين الدولة–السلطة والدولة–الأمة.

الذاكرة الجمعية والاستقطاب

ذاكرة العنف الجماعية تواصل إعادة تشكيل المواقف السياسية والاصطفافات الاجتماعية .(Assmann, 2010; 2011) حتى الخطاب الديني السلفي، على نحو متناقض، يوحّد قاعدة اجتماعية ويحيّد الذاكرة العنيفة ضمن ثنائيات سهلة: الفتنة/ الأمن، الفساد/ الاستقامة. هذا يؤدي إلى سلوك مهادن علني قد يخفي امتعاضًا صامتًا أو ذاكرة غير معلنة، وهو ما تفسره مفهومات Scott (1985) و Kalyvas (2006; 2015)و Haugbolle (2010)وDodge (2013).

فجوة النخب: حين يصبح التحليل محاكمة

الخطأ الأساسي للنخب اليسارية والليبرالية لم يكن اختلافًا في وجهات النظر، بل في طريقة قراءة الواقع نفسه؛ السلوك الشعبي في ظروف ما بعد الصراع هو استراتيجية بقاء مركبة، تتشكل تحت ضغط الخوف، الانكسار الاجتماعي، وفقدان الثقة بالمؤسسات. تجاهل النخب لهذه المحددات أدى إلى:

  • قراءة ناقصة للواقع.
  • تفسير البراغماتية اليومية بوصفها انقيادًا غير واعٍ أو “وعيًا زائفًا”.
  • إعادة إنتاج المسافة الرمزية والاجتماعية بين النخب والجماهير.

أمثلة من الواقع: الواقع يعيد كتابة النظرية

  • حلب وريفها: المزارعون وأصحاب المحال التجارية اعتمدوا على التعاون الحذر، حماية الممتلكات، وعدم الانخراط في صراعات أيديولوجية، على الرغم من تصوير النخب لهم بالانتهازيين أو اتهامهم بـ”التواطؤ”.
  • أحياء المدينة الكبرى: الأسر السنية اعتمدت على شبكات حماية محلية، واحتفظت بسرديات العنف والخسارة، موازنة بين الخطر والفرص اليومية.
  • ريف إدلب الجنوبي: السكان تعاملوا pragmatically على نحو عمليّ مع جميع الفصائل المسلحة، محاولةً لتأمين الموارد الأساسية مع تجنّب المواجهة المباشرة، وهو مثال واضح على عقلانية البقاء .(Hobfoll, 1989)

نستخلص هنا:

حين تتحول التحليلات النخبوية إلى محاكمات أخلاقية للسلوك الشعبي، تُفقد فرصة الفهم الواقعي لما يفعله الناس ولماذا. السلوك الشعبي ليس انعكاسًا للولاء الأيديولوجي، بل نتيجة تراكمية لعقلانية البقاء، الذاكرة الجماعية، الانكسارات الاقتصادية والاجتماعية، والمخاطر اليومية. فشل النخب في دمج هذه العوامل مع أدواتها التحليلية النظرية خلق فجوة مستمرة بين النظرية والتطبيق، وأعاد إنتاج الاستعلاء الرمزي والفهم المختزل، بدلًا من بناء فهم شامل للسلوك السياسي في سورية ما بعد الصراع.

13- خاتمة: الفهم بوصفه شرطًا للسياسة، لا بديلًا عنها

لا يمكن فهم السلوك الشعبي السوري بعد سقوط النظام، ولا سيما داخل المجتمع السنّي، خارج الإطار البنيوي الذي تشكّل فيه: مجتمع خرج من حرب طويلة، وانهيار مؤسسي، وتفكك اجتماعي، وذاكرة عنف لم تُعالَج، وفضاء سياسي معلّق لم يُعاد تأسيسه بعد. في هذا السياق، لا تكون الخيارات الشعبية تعبيرًا مباشرًا عن وعي أيديولوجي، ولا عن ولاء سياسي مكتمل، بل عن عقلانية بقاء، وتكيّف وقائي، ومحاولات لتقليل الخسارة في بيئة لم تستعد شروطها الطبيعية.

ما أخفقت النخب السورية في التقاطه، في جزء واسع منها، ليس “انحراف” المجتمع عن المثال، بل أن المثال نفسه لم يعد صالحًا كأداة قراءة. فحين يُختزل السلوك الشعبي في ثنائيات أخلاقية، أو يُقرأ من خارج شروط الخوف، والذاكرة، والهشاشة، تتحول السياسة من مجال للفهم والتدبير إلى ساحة للمحاكمة الرمزية. عند هذه النقطة، لا تعود النخبة فاعلًا تحليليًا، بل طرفًا في استقطاب يعيد إنتاج القطيعة بدل تفكيكها.

كما أظهر النص، فإن فشل النخب اليسارية والليبرالية لم يكن مجرد انحياز قيمي، بل نتاج قصور معرفي وأداتي: غياب التكوين المنهجي في علوم الاجتماع السياسي، والاقتصاد السياسي، والاستراتيجيا، وإدارة الواقع الهش، إضافة إلى ضعف الخبرة الميدانية، والخلط بين الموقف الأخلاقي والفعل السياسي. هذا القصور جعل كثيرًا من التحليلات عاجزة عن قراءة السلوك الشعبي بوصفه استجابة عقلانية لشروط تاريخية قاسية، لا بوصفه خيانة أو وعيًا زائفًا.

وفي المقابل، أظهر نموذج المثقف الأقلوي كيف يمكن للخوف والهشاشة أن يتحولا إلى أيديولوجيا، وكيف يُعاد تعريف الوطن لا بوصفه فضاء مواطنة، بل كساحة تفاوض بين “مكونات”. هنا لا يُساء فهم السلوك الشعبي فحسب، بل يُعاد تأطير السياسة ذاتها ضمن منطق ما دون وطني، يُقايض الاستقرار بالخوف، والتمثيل بالمحاصصة، والنجاة بالمهادنة الرمزية.

لكن الفهم لا يعني التبرير، والشرح لا يعني المصالحة. فالنجاة، كما بيّن النص، ليست تسوية، والاستقرار الظاهري ليس عدالة مؤجلة. إنما يعني ذلك أن أي مشروع سياسي جاد في سورية ما بعد الصراع لا يمكن أن يُبنى على سوء قراءة المجتمع، ولا على استعلاء أخلاقي، ولا على هندسة وطنية قائمة على إدارة الهويات، بل على تفكيك شروط الخوف، ومعالجة الذاكرة، وإعادة السياسة إلى معناها الأساسي: فن إدارة الممكن، لا محاكمة الواقع لأنه لا يشبه المثال.

من هنا، يصبح الفهم شرطًا سابقًا على السياسة، لا بديلًا عنها. ومن دون هذا الفهم، ستبقى النخب تدور في فراغ تحليلي، ويظل المجتمع متهمًا، وتبقى سورية عالقة بين نجاة بلا مصالحة، واستقرار بلا مشروع، وسياسة مؤجلة باسم الخوف.

المراجع والبيانات البحثية باللغة العربية

  1. هوفول. ستيفن إي، نظرية الحفاظ على الموارد، (Hobfoll, 1989).
  2. مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، تقارير حول الوضع في سورية،.(Carnegie Endowment for International Peace, 2025)
  3. ETANA ، استطلاعات الرأي في سورية بعد سقوط النظام، (ETANA, 2025).
  4. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، تقارير حول المجتمعات السورية بعد الحرب،.(Arab Center for Research and Policy Studies, 2025)
  5. بازكو. سونيا وآخرون، الحرب والسلطة في سورية: أطر تحليلية، (Baczko et al., 2017).
  6. ليستر. كيم، قوات سوريا الديمقراطية والتحولات السياسية،.(Lister, 2020)
  7. غامبل. كريستوفر، سورية: ديناميات السلطة المتطرفة،.(Gambill, 2018)
  8. زيلين. أرون، الخطاب السياسي للسلطات الجديدة في سورية،.(Zelin, 2019)
  9. العيسى. ماهر، السلطة والهويات في سورية بعد النظام،.(Alessa, 2025)
  10. لينش. مارك، صعود الفوضى في سورية: قراءة في السلطة والمجتمع، (Lynch, 2016).
  11. الحوراني. فؤاد، المجتمع السوري في مرحلة ما بعد النزاع، (Hourani, 2017).
  12. فان دام. نيكولاس، سورية: انهيار الدولة والتحولات الاجتماعية، (Van Dam, 2017).
  13. هينيبوش. رايموند، النخب السياسية والصراع في الشرق الأوسط،.(Hinnebusch, 2015)
  14. شيهابي. فهد، التحولات السياسية في سورية ومجتمعها المدني، (Chehabi, 2021).
  15. لوبيك. كريستوفر، النخب الثقافية واليسارية في العالم العربي، (Loebik, 2018).
  16. مورنر. غيورغ، الذاكرة الجماعية والاختلالات السياسية، (Morner, 2016).
  17. بورديو. بيير، الأشكال الثقافية للسلطة، (Bourdieu, 1984).
  18. _____، التمييز: نقد المجتمع الثقافي، (Bourdieu, 1998)
  19. غرامشي. أنطونيو، دفاتر السجن (Gramsci, Prison Notebooks).
  20. سكوت. جيمس سي، السلطة اليومية: مقاربة للتكيف مع الهيمنة، (Scott, 1985).
  21. كاليفاس. ستاثيس، العنف الأهلي والسياسة في المجتمعات المتضررة (2015-2016) (Kalyvas, 2006; 2015).
  22. هوغبول. لارس، الذاكرة السياسية والفوضى في سورية، (Haugbolle, 2010).
  23. دودج. مارتن، الأزمات السورية: صراع الذاكرة والمجتمع، (Dodge, 2013).
  24. أسمان. أليزابت، الذاكرة الجماعية والثقافة، (2010-2011) (Assmann, 2010; 2011).

منشورات آخرى

صدر حديثاً