من سؤال الحقوق إلى معضلة السيادة مشروع قسد في مواجهة مشروع…

لم تكن المسألة السورية، بعد قرابة من عقد ونصف من الحرب والانهيار الشامل، مسألة تغيير سلطة أو إسقاط نظام أو استبدال نخبة حاكمة بأخرى، بل تحوّلت في جوهرها إلى سؤال تأسيسي يتعلق بمعنى الدولة نفسها: كيف تُعاد صياغتها؟ وعلى أي أساس تُستعاد شرعيتها؟ وما هو الإطار الذي يمكن أن يجمع السوريين مجددًا ويعيد تأهيلهم للعيش المشترك، بعد أن تكسّرت الروابط السياسية والقانونية التي كانت، ولو شكليًا، تنظّم علاقتهم بالدولة؟

فالحرب لم تدمّر المدن والبنى التحتية فقط، بل دمّرت فكرة الدولة بوصفها إطارًا جامعًا، وأنتجت فراغًا سياديًا عميقًا ملأته مشاريع متعدّدة نشأت خارج الدولة، لكل منها سرديته الخاصة، وذاكرته، وبنيته المسلحة، ومرجعيته السياسية. ومع كل اقتراب جدي من الحديث عن ضرورة انتقال سياسي أو صياغة عقد اجتماعي أو دستور جديد، تعود هذه المشاريع إلى الواجهة بوصفها “حقائق قائمة” تطالب بالاعتراف أو التقنين أو الدمج وفق شروطها الخاصة.

في قلب هذه الإشكالية يقف مشروع قسد في شمال شرق سورية، لا بوصفه قضية محلية أو نزاعًا إداريًا أو خلافًا هوياتيًا، بل بوصفه اختبارًا دستوريًا شاملًا يتعلق بالسيادة، ووحدة القرار السياسي، وحدود اللامركزية، وطبيعة العقد الاجتماعي الذي يُفترض أن يؤسس سورية الجديدة.

أولًا: العقد الاجتماعي الذي تحتاج إليه سورية بعد الانهيار

العقد الاجتماعي الذي تحتاج إليه سورية اليوم لا يمكن أن يكون إعادة إنتاج لتوازنات الحرب، ولا اتفاقًا بين سلطات أمر واقع، ولا صفقة بين قوى مسلحة متقابلة. كما لا يمكن أن يكون مجرد وثيقة تقنية تنظم السلطات، بل يجب أن يكون عقدًا تأسيسيًا يعيد تعريف الدولة نفسها، ويحدد بوضوح من هو صاحب السيادة، وكيف تُمارس، وما هي حدود السلطة، وما هو موقع الفرد داخل هذا الكيان.

في جوهره، يقوم هذا العقد على مبدأ واحد لا يقبل التأويل: السيادة للشعب بوصفه مجموع المواطنين الأفراد المتساوين في الحقوق والواجبات. لا للشعب بوصفه ” مكونات” أو تجمع هويات سياسية مغلقة، ولا بوصفه توازن جماعات، ولا بوصفه حصصًا تاريخية، بل بوصفه رابطة قانونية مدنية تقوم على المواطنة.

هذا العقد ينقل العلاقة بين الفرد والدولة من منطق “الحماية مقابل الطاعة” إلى منطق “الحقوق مقابل المسؤولية”، ويحوّل الدولة من سلطة فوق المجتمع إلى إطار قانوني ينظّم المجتمع دون أن يصادره. وهو عقد يفصل بين الهوية بوصفها شأنًا اجتماعيًا وثقافيًا حرًا، وبين الحكم بوصفه وظيفة قانونية محايدة، ويمنع تحويل الانتماءات الاجتماعية إلى أدوات سيطرة سياسية.

ومن دون هذا العقد، يتحول الدستور إلى وثيقة لإدارة الصراع لا لحسمه، وتتحول الدولة إلى ساحة تفاوض دائم بين مراكز قوة متنافسة، وتُستبدل السيادة الوطنية بسيادات جزئية مؤقتة، مرتهنة للتوازنات الخارجية. لذلك، فإن أي مشروع سياسي أو عسكري يريد أن يكون جزءًا من مستقبل سورية، لا بد أن يُقاس بمدى انسجامه مع هذا العقد، لا بقدرته على فرض الأمر الواقع.

ثانيًا: الحقوق بوصفها استحقاقًا وطنيًا لا رصيدًا سياسيًا

في هذا السياق، يصبح من الضروري التمييز الصارم بين الحقوق بوصفها استحقاقًا مواطنيًا عامًا، وبين المشاريع السياسية–العسكرية التي تدّعي احتكار الدفاع عنها. فالحقوق لا تُمنح من فصيل، ولا تُحمى بالسلاح، ولا تُصان عبر الاستثناء، بل تُضمن عبر دستور عادل، وقضاء مستقل، ومؤسسات وطنية خاضعة للمساءلة.

إن حقوق اللغة والثقافة والتعليم والمشاركة السياسية، بما فيها حقوق السوريين الأكراد، لا يمكن ضمانها بصورة مستدامة إلا ضمن دولة مواطنة متساوية، يكون فيها القانون واحدًا، والحقوق عامة، والواجبات مشتركة. أما ربط هذه الحقوق بمشروع سياسي–عسكري مغلق، فهو لا يحميها، بل يعرّضها للتسييس، ويحوّلها إلى ورقة تفاوض، ويضع أصحابها في مواجهة مع محيطهم الوطني بدل أن يجعلهم جزءًا طبيعيًا منه.

وتزداد إشكالية هذا الربط حين يجري فرضه على فضاء سكاني متنوع لا يعكسه هذا المشروع ولا يتحدث باسمه. فمحافظات الجزيرة السورية الثلاث — دير الزور والرقة والحسكة — تشكّل في غالبيتها الساحقة مجتمعًا ذا أصول عربية، يضاف إليه حضور تاريخي لأقليات سريانية وأرمنية، ومع ذلك يتم تجاهل مصالح هذه المكونات ورأيها السياسي والاجتماعي بصورة شبه كاملة في بنية القرار التي تهيمن عليها قسد، بما يحوّل الحقوق من مفهوم وطني جامع إلى أداة إقصاء جديدة، لا تقل خطورة عن الإقصاء الذي يُفترض أنها جاءت لتجاوزه. والأخطر من ذلك أن اختزال شريحة واسعة من السوريين الأكراد أنفسهم في مشروع قسد لا يعكس واقعهم الاجتماعي ولا تنوعهم السياسي، بل يحوّلهم من مواطنين أفراد إلى “كتلة سياسية” تُدار باسمها، ويحمّلهم كلفة خيارات لم تُصَغ بوصفها خيارات مواطنين أحرار، بل فُرضت بفعل ميزان قوة أفرزته الحرب. وحدها دولة المواطنة المتساوية قادرة على حماية هذه الحقوق دون أن تجعلها عبئًا أو ذريعة صراع دائم.

ثالثًا: الانتقال السياسي من زاوية دستورية لا تفاوضية

من المنظور الدستوري، يوضح أهل القانون أن الانتقال السياسي لا يعني تقاسم سلطة أو إعادة توزيع مناصب أو دمج قوى أمر واقع في مؤسسات شكلية، بل يعني قبل كل شيء حسم مسألة السيادة وتوحيد مصدر الشرعية. فأي انتقال لا ينتهي ببناء مؤسسات عامة تحتكر التشريع والقوة والقرار، لا ينتج دولة، بل هدنة سياسية مؤقتة قابلة للانفجار عند أول اختبار.

ومن هنا، فإن أي مشروع نشأ خارج الدولة ويريد أن يكون جزءًا من المستقبل السوري، لا يُقيَّم بخطابه أو نواياه المعلنة، بل بوظيفته السيادية الفعلية: هل يقبل الخضوع الكامل للدستور؟ هل يتخلى عن السلاح المستقل؟ هل يعترف بمرجعية واحدة للقانون؟ فالدساتير لا تُبنى على حسن النوايا، بل على ضبط الصلاحيات ومنع ازدواج السلطة.

رابعًا: وهم “الإدارة بلا سيادة”

يُقدَّم مشروع قسد مرارًا بوصفه نموذج حكم محلي أو إدارة ذات طابع لامركزي لا ينازع الدولة سيادتها. غير أن هذا الوصف يتجاهل قاعدة دستورية بسيطة: السيادة لا تُقاس بالخطاب، بل بالصلاحيات.

فأي كيان يمتلك جهاز تشريع خاص، وقوة عسكرية وأمنية مستقلة، وسياسات تعليم وهوية، وإدارة موارد اقتصادية خارج الموازنة الوطنية، وعلاقات سياسية خارج الإطار المركزي، لا “يدير” شؤونًا محلية، بل يمارس حكمًا فعليًا، حتى لو لم يعلن نفسه دولة. ولا توجد في التجربة الدستورية المقارنة صيغة مستقرة لكيان مشرّع ومسلّح داخل دولة واحدة ذات سيادة.

خامسًا: التعدد الاجتماعي حين يُختزل إلى احتكار سياسي

يدّعي مشروع قسد أنه تحالف لما يسميه «شعوب منطقة الجزيرة»، وأنه يقوم على شراكة عابرة للانتماءات. غير أن هذا الادعاء يتآكل بصورة واضحة عند الانتقال من الخطاب العام إلى الممارسة السياسية الفعلية. فسرعان ما يتراجع الحديث عن المواطنة المتساوية والشراكة الوطنية، ليحلّ محله خطاب يتمحور عمليًا حول ما يُقدَّم بوصفه “حقوق الأكراد” حصريًا، باعتبارها جوهر المشروع ومرجعيته النهائية.

هذا الانزياح المستمر من لغة التعدد إلى لغة الخصوصية لا يمكن اعتباره خطأ عابرًا أو سوء تواصل، بل يعكس خللًا بنيويًا في تعريف الذات السياسية للمشروع. ويتجلّى هذا الخلل بوضوح في التعامل مع فصائل من الجيش الحر انضوت تحت مظلة قسد خلال الحرب ضد داعش. فهذه الفصائل، التي شاركت في القتال وقدّمت تضحيات بشرية حقيقية، جرى التعامل معها بوصفها ملحقًا عسكريًا مؤقتًا لا شريكًا سياسيًا متساويًا.

وقد ظهرت ممارسات رمزية شديدة الدلالة، تتعلق بإعادة صياغة الذاكرة الجمعية للقتال ضد داعش، بما في ذلك طمس الهوية الفعلية لبعض المقاتلين الذين قُتلوا في المعارك، أو إعادة تأطيرهم ضمن سردية أحادية لا تعكس انتماءهم الحقيقي. وهذه ليست تفاصيل هامشية، بل مؤشرات خطيرة على احتكار تمثيل التضحية، وتحويل معركة وطنية مشتركة إلى رصيد سياسي خاص.

سادسًا: خطاب محاربة داعش بين الحقيقة والابتزاز

يستند الخطاب الدفاعي لمشروع قسد إلى سردية مركزية مفادها أنه القوة التي قاتلت داعش وهزمته، وأن أي مساس ببنيته السياسية أو العسكرية سيؤدي حتمًا إلى عودة التنظيم. لا يمكن إنكار الدور الذي لعبته قسد ضمن سياق دولي واسع في مواجهة داعش، ولا التضحيات التي قُدمت في تلك المعارك. لكن تحويل هذا الدور إلى تفويض سياسي مفتوح يمثل قفزة غير مشروعة من منطق المعركة إلى منطق الحكم.

فمحاربة تنظيم إرهابي، مهما كانت كلفتها، لا تمنح أي قوة حق إدارة الجغرافيا خارج العقد الوطني، ولا تخوّلها بناء منظومة تشريعية وأمنية مستقلة عن الدولة. ولو كان هذا المنطق صحيحًا، لكان كل فصيل قاتل الإرهاب في العالم مؤهلًا للتحول إلى كيان سيادي دائم.

ويبلغ هذا الخطاب ذروته عند استخدام ملف مخيم الهول كورقة تهديد سياسية، عبر التلميح أو التصريح بأن أي ضغط دستوري أو سياسي على مشروع قسد قد يؤدي إلى انفلات المعتقلين وانتشارهم مجددًا. وهنا لا نكون أمام حجة دفاعية، بل أمام ابتزاز أمني يحوّل المعتقلين إلى رهائن، والأمن العام إلى أداة تفاوض، والمجتمع إلى ساحة تهديد دائم.

سابعًا: الصراع الخارجي بوصفه عبئًا وطنيًا مفروضًا

إلى جانب ذلك، تصرّ قسد على إدخال صراعها المفتوح مع تركيا ضمن مصفوفة الوضع السياسي السوري، والتعامل معه بوصفه جزءًا من معادلة “القضية الوطنية”، رغم أن هذا الصراع لا ينبع من إجماع سوري، ولا يعكس مصالح الغالبية الساحقة من السوريين، ولا يرتبط بأولوياتهم المباشرة في الأمن، والعيش الكريم، واستعادة الدولة. فهو صراع إقليمي ذو جذور تتجاوز الحدود السورية، وتتشابك فيه اعتبارات تتعلق بالمسألة الكردية وبحزب العمال الكردستاني وترتيبات الأمن القومي التركي، وهي اعتبارات لا ناقة لغالبية السوريين فيها ولا جمل، ومع ذلك يُدفعون إلى تحمّل تبعاتها السياسية والعسكرية والاقتصادية، وكأنها قدر وطني لا فكاك منه.

إن تحويل هذا الصراع إلى جزء من المشهد السياسي السوري لا يوسّع هامش السيادة، بل يقيّدها، ولا يحمي المكونات المحلية، بل يعرّضها لمخاطر إضافية، ويكرّس واقعًا تُختزل فيه البلاد مرة أخرى كساحة لتصفية صراعات الآخرين. ومن هنا، فإن أي مشروع سياسي يدّعي تمثيل السوريين، أو التحدث باسم حقوقهم، لا يمكن أن يفرض عليهم صراعًا خارجيًا لا يعبّر عن إرادتهم، ولا يخدم مستقبلهم، ولا يندرج ضمن أولويات انتقالهم السياسي واستعادة دولتهم الجامعة.

ثامنًا: العقد الاجتماعي في التجارب الدستورية الانتقالية المقارنة

تُظهر التجارب الانتقالية المقارنة نمطًا واضحًا لا لبس فيه. ففي جنوب أفريقيا، جرى بناء دولة مواطنة رغم تاريخ الفصل العنصري، عبر رفض الاعتراف بالجماعات كوحدات سياسية، واعتماد مبدأ المواطنة الفردية مع لامركزية إدارية واسعة دون تفكيك السيادة. وفي العراق، أدى الاعتراف بالجماعات السياسية إلى دولة محاصصة، وسيادة منقوصة، وقرار مرتهن. وفي البوسنة، أوقف الاعتراف بالجماعات الحرب، لكنه شلّ الدولة. أما تونس، فرغم تعثرها، حافظت على مبدأ الدولة المدنية والمواطنة المتساوية.

الخلاصة واحدة: كل دستور اعترف بالجماعات كوحدات حكم أنتج دولة هشّة أو مشلولة، وكل دستور حصر السيادة في الدولة وترك التعدد في المجتمع امتلك فرصة بناء دولة قابلة للحكم.

تاسعًا: حذار من الاصطدام بالمجتمع والدولة

إن الاستمرار في فرض وقائع سيادية بالقوة، أو الاستقواء بالخارج، لا يمثل دفاعًا عن الحقوق، بل مقامرة وجودية ستقود إلى مواجهة مع المجتمع السوري بأسره، بمن فيهم السوريون الأكراد أنفسهم. فالتجارب القريبة تؤكد أن الرهان على الخارج لا ينتج حماية، بل عزلة وانكشافًا عند أول تبدل في المصالح.

إن المشروع الوطني السوري القائم على عقد اجتماعي جامع، ودولة مواطنة متساوية، وسيادة واحدة، ليس خيارًا تفاوضيًا، بل السقف الوحيد الممكن لبقاء سورية موحدة وقابلة للحياة. وأي اصطدام بهذا المسار لن يكون مع خصوم سياسيين، بل مع فكرة الدولة ذاتها.

عاشرًا: خاتمة

إن مشروع «قسد»، في صيغته الراهنة وخياراته المعلنة والمضمَرة، يقف اليوم أمام مفترق تاريخي لا يحتمل التأجيل أو المناورة. فهو إما أن يتجه بوضوح إلى الاندماج الكامل في مشروع وطني سوري جامع، يقوم على دولة المواطنة والسيادة الواحدة والعقد الاجتماعي الشامل، أو أن يبقى عالقًا في موقع السلطة الاستثنائية، بما تحمله من قابلية دائمة للعزلة، والانكشاف، والصدام مع المجتمع والدولة معًا. ففي لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس المشاريع بقدرتها على فرض الأمر الواقع، بل بقدرتها على التحول من قوة أمر واقع إلى شريك وطني خاضع لقواعد مشتركة.

إن السعي للمشاركة في بناء المشروع الوطني السوري لا يحتاج إلى دعوة من أحد، ولا إلى تفويض استثنائي، لأنه ليس منّةً تُمنح ولا مكافأة تُنتزع، بل استحقاق ومسؤولية في آن واحد. فقسد، كما غيرها من القوى التي أمسكت بالسلاح أو مارست السلطة، هي أمام محك وطني وأخلاقي واحد: هل تريد أن تكون جزءًا من عقد اجتماعي جامع يساوي بين السوريين كافة، أم أن تبقى أسيرة سردية الخصوصية والحماية والضرورة الأمنية، وهي سرديات أثبتت التجربة السورية أنها لا تنتج دولة ولا استقرارًا، بل تؤسس لانقسامات جديدة بصيغ مختلفة؟

إن الوطنية، في لحظة الانتقال السياسي العسيرة، لا تُقاس بعدد التضحيات الماضية وحدها، ولا بحجم السيطرة العسكرية، بل بالاستعداد للتخلي عن الامتيازات الاستثنائية لصالح قواعد عامة، وبالقبول بأن الدولة القادمة لا تُبنى حول قوة بعينها، هي مسؤولية الجميع، بل فوق الجميع وبالجميع. فالانتقال السياسي الحقيقي لا يُبنى على السلاح، ولا على الخوف، ولا على احتكار البطولة أو تمثيل المظلومية، بل على عقد اجتماعي شامل، تُعاد فيه صياغة العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبين المكونات والدولة، ضمن إطار سيادي واحد، في دولة اسمها سورية، لا تحتاج إلى سلطات موازية كي تحميها، ولا إلى هويات مسلحة كي تُعرِّف نفسها.

منشورات آخرى

صدر حديثاً