بقرارها القاضي بإلغاء الفائدة القانونية بين الأفراد، قررت محكمة النقض أن تكون «أكثر تدينًا» من واضع القانون نفسه. لكن ما بدا فتوى فقهية بثوب قضائي، يكشف في جوهره أزمة أعمق من الاقتصاد أو الدين. إنها أزمة فهم الدستور ذاته، حين يُختزل في مادة واحدة وتُستخدم مبادؤه لتقويض القانون بدل صونه.
المقدمة
أصدرت الهيئة العامة لمحكمة النقض في سوريا بتاريخ 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 قرارًا حمل الرقم 12/2025، قضت فيه بعدم جواز الحكم بالفائدة القانونية أو التعويض الذي يجري مجراها في أي دعوى بين الأفراد، استنادًا إلى الفقرة الثانية من المادة الثالثة من الإعلان الدستوري التي تنص على أنّ الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع. وبذلك، اعتبرت الهيئة أنّ النصوص القانونية السابقة التي تجيز الحكم بالفائدة أصبحت ملغاة ضمنًا لمخالفتها هذا المبدأ الدستوري.
لكن خطورة القرار لا تكمن في مضمونه المالي فحسب، بل في المنهج الذي اعتمدته الهيئة في تطبيق قاعدة دستورية عامة على نحوٍ انتقائي، إذ أخذت بمبدأ واحد من الدستور وطبّقته كقاعدة تنفيذية، متجاهلة منظومة المبادئ الدستورية الأخرى التي تُكوّن معًا الإطار العام لمشروعية الأحكام والقوانين. وهذا ما يطرح سؤالًا جوهريًا حول مدى جواز تطبيق القواعد الدستورية العامة تطبيقًا جزئيًا أو مجتزًا، بمعزل عن باقي النصوص والمبادئ الدستورية.
وقد سبقت لي الإشارة في مقالات سابقة نُشرت على موقع ميسلون – ولا سيّما «المسألة الدينية والتناقض الدستوري في سوريا» و«الفقه الإسلامي بين الواقعية القانونية والنزعة الأيديولوجية» – إلى خطورة الصياغة الغامضة للمادة الثالثة في الإعلان الدستوري، لما تحمله من إمكانات تأويل تسمح بتحويل النص الديني إلى أداة هيمنة على النظام القانوني والمؤسسة القضائية. ويأتي قرار الهيئة العامة الأخير ليؤكّد ما حذّرنا منه آنذاك: أنّ الخطر لا يكمن في النص وحده، بل في الطريقة الانتقائية التي يُفسَّر بها ويُستخدم لتقويض مبدأ سيادة القانون.
أولًا: الطبيعة القانونية للمادة الثالثة ومنهج الهيئة في التفسير
تنص الفقرة الثانية من المادة الثالثة على أنّ «الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع»، وهي صيغة ذات طابع توجيهي لا تنفيذي. فهي تُعبّر عن الاتجاه القيمي للدولة ومصدر الإلهام التشريعي للمشرّع المستقبلي، لكنها لا تُنشئ بذاتها قاعدة قابلة للتطبيق المباشر أمام القضاء. فالقواعد الدستورية ذات الطابع المبدئي تحتاج إلى ترجمة تشريعية عبر قوانين تحدد نطاقها وحدودها، لأنّ الدستور يضع المبادئ ولا يضع الآليات. إلّا أنّ محكمة النقض اختزلت الدستور في مادة واحدة، واعتبرتها كافية لإلغاء نصوص نافذة من القانون المدني، متجاوزةً مبدأ التدرّج التشريعي والقاعدة الدستورية التي تحصر سلطة الإلغاء أو التعديل بالسلطة التشريعية أو بالمحكمة الدستورية العليا. وبذلك، تحوّل القاضي من مفسّر للنص إلى مشرّع بديل، يمارس رقابة دستورية غير مخوّلة له.
ثانيًا: أثر الانتقائية على وحدة الدستور واستقرار النظام القانوني
يقدّم القرار مثالًا نموذجيًا لما يمكن تسميته بـ الاجتزاء في التطبيق الدستوري، أي اقتطاع مبدأ عام من منظومته الكلية وتطبيقه بمعزل عن باقي المبادئ التي تكمّله وتقيّده. فالدستور ليس مجموعة من النصوص المستقلة، بل هو بناء متكامل من المبادئ المتوازنة؛ فمبدأ «الفقه الإسلامي مصدر للتشريع» يقف إلى جانب مبادئ أخرى لا تقل إلزامًا عنه، مثل سيادة القانون، والمساواة أمام القضاء، وعدم المساس بالحقوق المكتسبة، وحرية التعاقد، وحماية النظام الاقتصادي. إنّ تفعيل أحد هذه المبادئ بطريقة تُعطّل أو تُقصي المبادئ الأخرى يخلّ بوحدة الدستور، ويحوّله من منظومة قيم إلى مواد متنافرة. وهذا ما ينذر بنتائج خطيرة تتمثل في زعزعة مبدأ المشروعية، وإدخال الازدواجية في المنظومة القانونية، وجعل القضاء سلطة منشِئة لا مطبِّقة للنص.
ثالثًا: مخالفة القرار للمادة (50) من الإعلان الدستوري
تنص المادة (50) من الإعلان الدستوري لعام 2025 على أنّ: «تستمر القوانين والأنظمة النافذة بتاريخ صدور هذا الإعلان معمولًا بها، ما لم تُعدّل أو تُلغَ بما لا يتعارض مع أحكام هذا الإعلان». هذا النص يؤكد استمرار نفاذ القانون المدني الصادر سنة 1949، بما فيه المادة (229) التي تجيز الحكم بالفائدة القانونية، إلى أن يُعدّل أو يُلغى بنص صريح. وبالتالي، فإنّ إلغاء الهيئة لأحكام القانون المدني بدعوى مخالفتها للشريعة هو مخالفة دستورية مزدوجة، لأنها تجاوزت قاعدة الاستمرارية من جهة، واستولت على صلاحية المشرّع من جهة أخرى. فالمادة (50) قاعدة خاصة تقيّد القاعدة العامة في المادة الثالثة، وتلزم القضاء بتطبيق القوانين القائمة إلى أن تُعدّل أو تُلغى رسميًا. وعليه، لا يمكن اعتبار القرار تطبيقًا للدستور، بل هو تعطيل للدستور باسم الدستور نفسه.
رابعًا: التناقض في نطاق التطبيق وآثاره العملية
من ناحية أخرى، لا يمكن تفسير إشارة محكمة النقض إلى “الأفراد” في منطوق قرارها بمعنى القصر أو التخصيص، لأنّ الأساس الذي استندت إليه المحكمة — أي المادة (3/2) من الإعلان الدستوري — هو قاعدة عامة ذات طابع شامل، تُلزم الدولة وسلطاتها جميعًا. فالإعلان ذاته لا يخاطب الأفراد فحسب، بل يخاطب الدولة كشخص اعتباري، إذ نصّ في مواضع أخرى على أنّ «الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع» وعلى أنّ «رئيس الجمهورية يجب أن يكون مسلمًا». وبذلك، يكون النص الدستوري نفسه قد طبّق المرجعية الدينية على شخصٍ اعتباري هو رأس الدولة، فكيف يُستثنى منها الأشخاص الاعتباريون في المعاملات المدنية والتجارية؟
لقد حاولت الهيئة التخفيف من الآثار الكارثية لقرارها بحصر تطبيقه بين الأفراد، لأنها أرادت من هذا التخصيص أن تبدو حريصة على الاقتصاد الوطني، بينما في الواقع هذا التمييز ينافي الحقيقة، ويؤكّد تناقضها مع الأساس الذي استندت إليه. إنّ هذا التناقض يكشف أن المحكمة لم تلتزم بمنطق القاعدة التي استندت إليها، بل استخدمتها انتقائيًا لتوسيع أو تضييق نطاق التطبيق بحسب موضوع الدعوى.
والأخطر من ذلك أنّ هذا التفسير يفتح الباب أمام الأفراد أنفسهم للطعن في الفوائد المترتبة عليهم تجاه المصارف والمؤسسات العامة، بحجة أنّ القاعدة الدستورية التي منعت الفائدة تشمل جميع أشخاص القانون بلا استثناء. فإذا كان الدستور لا يفرّق بين شخص طبيعي وآخر اعتباري في نطاق الإلزام بمبادئه، فسيكون من حقّ أيّ مدين أن يطلب إسقاط الفائدة عن ديونه العامة أو المصرفية استنادًا إلى القرار ذاته. وبذلك، تكون المحكمة قد فتحت دون قصد بابًا واسعًا للطعن في العقود التجارية والمالية، وأدخلت النظام القضائي في دوّامة من الدعاوى التي تُهدّد استقرار المعاملات الاقتصادية نفسها التي يفترض أن يحميها القانون.
إنها نتيجة نموذجية لما تسبّبه الانتقائية في تطبيق القواعد العامة حين تتحوّل المبادئ الدستورية من إطارٍ موجِّهٍ إلى أداةٍ عشوائية في يد الاجتهاد القضائي.
خامسًا: تجاهل السياق الدستوري واستقرار الاجتهاد القضائي
من اللافت أنّ مقدمة الإعلان الدستوري لعام 2025 نصّت صراحة على أنّه وُضع استنادًا إلى تجربة دستور عام 1950، الذي تضمّن نصًا مشابهًا حول «الفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع». ومع ذلك، لم تعتبر المحاكم السورية آنذاك أنّ هذا النص كافٍ لإلغاء الفائدة القانونية أو أيٍّ من الأحكام المدنية ذات المنشأ الغربي. بل ظلّ القضاء، طيلة خمسينيات القرن الماضي وما تلاها، يحكم بالفائدة القانونية استنادًا إلى القانون المدني لعام 1949 باعتباره النص التشريعي الخاص الذي لم يُلغَ أو يُعدَّل بنص لاحق. إنّ هذا الثبات في الاجتهاد القضائي يؤكد أنّ المادة المتعلقة بمصادر التشريع كانت تُفهم فهمًا توجيهيًا لا إقصائيًا. ومن ثمّ فإنّ قرار محكمة النقض الأخير لا يمثّل استمرارًا لتقليد قضائي بل انقطاعًا عنه، لأنه نقل النص من حقل التوجيه الدستوري إلى حقل التطبيق القضائي المباشر.
سادسًا: الأصل السنهوري للقانون المدني السوري
القانون المدني السوري الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 84 لعام 1949 هو في معظمه نسخة شبه حرفية من القانون المدني المصري لعام 1948، الذي وضعه عبد الرزاق السنهوري، مستمدًا مادته من الفقه الإسلامي والفكر القانوني الأوروبي معًا. كان هدف السنهوري أن يصوغ قانونًا مدنيًا عربيًا يوفّق بين مقاصد الشريعة ومتطلبات الدولة الحديثة. وقد أكّد في مؤلفه الوسيط أنّ الفائدة القانونية ليست من الربا في شيء، لأنها ليست كسبًا بلا مقابل، بل تعويض عن الضرر الناتج من تأخير الوفاء بالالتزام. بهذا المعنى، لم يكن السنهوري يبتعد عن الفقه الإسلامي، بل كان يطبّق مقاصده بروح عقلانية.
أما الهيئة العامة لمحكمة النقض فقد تجاهلت هذا الأصل التشريعي، وألغت نصًا وضعه فقيه مسلم استلهمه من روح الشريعة ذاتها. فأي منطق هذا الذي يجيز لقاضٍ أن يُلغي باسم الشريعة ما صاغه أحد كبار فقهائها؟
سابعًا: تطوّر الموقف الأزهري من قضية الفائدة
لم يكن الأزهر الشريف بمنأى عن هذا الجدل، وقد مرّ موقفه من الفائدة بمراحل واضحة:
المرحلة التقليدية: قبل منتصف القرن العشرين، كان الرأي الغالب يحرّم كل فائدة على القروض دون تمييز.
مرحلة الاجتهاد والإصلاح: في الخمسينيات والستينيات، ميّز الشيخ محمود شلتوت بين الفائدة الربوية والفائدة القانونية، واعتبر الثانية تنظيمًا ماليًا مشروعًا. قال في فتواه عام 1960: «الفائدة التي تُحدّدها الدولة أو يتفق عليها الطرفان لتنظيم الحقوق المالية لا تدخل في باب الربا المحرم.»
مرحلة التوسّط: في السبعينيات، رغم موقف مجمع البحوث الإسلامية المتشدد عام 1972، برز اتجاه أزهري أوسع يرى أنّ الفائدة يمكن أن تكون مشروعة إذا استوجبتها المصلحة العامة.
المرحلة الحديثة: في عهد الشيخ محمد سيد طنطاوي، أفتى الأزهر بجواز الفوائد على شهادات الاستثمار والودائع باعتبارها عوائد استثمارية مشروعة.
وهكذا، فإن المرجعية الفقهية التي استندت إليها محكمة النقض السورية لم تعد ترى الفائدة مخالفة للشريعة، بل تعتبرها أداة اقتصادية وتنظيمية، بشرط ألا تقوم على الاستغلال. فكيف تكون محكمة النقض السورية «أكثر التزامًا بالشريعة» من الأزهر نفسه؟
ثامنًا: موقف القضاء المصري
في مصر، حيث نشأ النص القانوني نفسه، استقرّ القضاء على أن الفائدة القانونية تعويض لا ربح. فلم تعتبر محكمة النقض ولا المحكمة الدستورية العليا أن المادة الثانية من الدستور تُبطل أحكام القانون المدني، بل رأت أن تطبيق مبادئ الشريعة يتم من خلال المشرّع لا القاضي. وبذلك حافظ القضاء المصري على استمرارية القانون واستقلاله عن التفسير الديني.
أما القضاء السوري، وقد استنسخ النص المصري نفسه، فقد عاد بعد أكثر من سبعين عامًا لينقلب على أصله، في سابقة تعبّر عن انقطاع فكري كامل عن منابعه التشريعية والفقهية.
تاسعًا: الفائدة القانونية بين العدالة والوعظ
في القانون كما في الفقه الإسلامي المقاصدي، تقوم العدالة على جبر الضرر لا على إلغاء الحق. وفي الواقع، إن الفائدة القانونية هي وسيلة لضمان هذه العدالة، لأنها تعوّض الدائن عن الضرر الناتج من حرمانه من ماله. أما إلغاؤها فهو حرمان مزدوج من العدل والمنطق. لقد أرادت هيئة المحكمة أن تبدو أكثر إيمانًا من واضع القانون نفسه، فحوّلت مهمة القضاء إلى منبر وعظ، واستبدلت بالاجتهاد القضائي العلمي اجتهادًا وجدانيًا يقدّم «التقوى القضائية» على المشروعية. فانتهت إلى نفاق ديني بلباس قانوني، لا يعكس عمق الشريعة بل سطحها.
أخيرًا
إنّ قرار الهيئة العامة لمحكمة النقض بشأن الفائدة القانونية ليس خلافًا على بند مالي، بل على هوية العدالة ذاتها. فحين تُختزل الدساتير في مادة واحدة، وتُستخدم المبادئ العامة كأداةٍ للإلغاء بدل أن تكون معيارًا للتفسير، يتحوّل الدستور إلى عصًا انتقائية يتنازعها النص والعقيدة، ويتحوّل القانون إلى خطابٍ أخلاقيٍّ مجرّدٍ من أيّ قوةٍ إلزامية، فلا يضبط شيئًا.
لقد غالت الهيئة في تديينها إلى درجة أنكرت معها حتى مقاصد الفقه الإسلامي الحديث الذي مثّله السنهوري والأزهر معًا، لتقدّم للناس عدالةً متخيّلة تحجب القانون باسم الشريعة، والشريعة من ذلك براء.
إنّ احترام الدستور لا يكون بانتقاء نصوصه، بل بفهم تداخلها وترابطها البنيوي، لأنّ كل مادةٍ فيه وجهٌ من وجوه الفكرة الدستورية الكبرى، المتمثلة بسيادة القانون. وفي اللحظة التي يختار فيها القاضي من الدستور ما يعجبه ويترك ما يقيّده، لا يكون قد طبّق القانون، بل أفتى بحسب قناعاته الشخصية تحت قناع القاضي.