من النازية إلى غزة: العدالة الدولية بين الوعد والخذلان

وُلد النظام القانوني الدولي بعد الحرب العالمية الثانية بوعد حماية الإنسان من فظائع الإبادة والاضطهاد، لكن حرب غزة تكشف اليوم أن هذا الوعد قد تحوّل إلى خذلان، وأن العدالة لم تعد سوى أداًة لمحاسبة الضعفاء وامتيازًا لحماية الأقوياء.

منذ ما يقارب السنتين والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة متواصلة تحت شعار «تحرير الرهائن» و«حماية أمن إسرائيل». لكن حصيلة هذه الحرب تجاوزت كثيرًا أي ذريعة عسكرية: أكثر من ستين ألف ضحية معظمهم من النساء والأطفال، مئات آلاف الجرحى والمشردين، حصار خانق، ودمار عمراني يُقدَّر بأكثر من مئتي مليار دولار. وإذا كان من السهل توصيف ما يجري بأنه مأساة إنسانية، فإن الأهم أنه يشكل فضيحة قانونية كبرى، إذ يكشف أن القانون الدولي الإنساني، الذي وُضع لحماية المدنيين في النزاعات المسلحة، قد أخفق في ضمان حماية الفلسطينيين، كما أخفق المجتمع الدولي في فرض احترامه.

القواعد القانونية ذات الصلة واضحة وصريحة. فقد نصّت اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولان الإضافيان لعام 1977 على جملة من المبادئ الأساسية: حماية المدنيين من الاستهداف المباشر (المادة 51 من البروتوكول الأول)، التمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية (المادة 52)، حظر الهجمات غير المتناسبة (المادة 51/5-ب)، تحريم استخدام التجويع كوسيلة من وسائل الحرب (المادة 54)، وضمان حماية المرافق الطبية (المادة 18 من اتفاقية جنيف الرابعة). كما أكدت المادة 146 من اتفاقية جنيف الرابعة أن الدول الأطراف ملزمة بملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة وتقديمهم إلى المحاكم، أيًّا كانت جنسيتهم.

غير أن النص الأكثر أهمية في هذا السياق هو المادة الأولى المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع، التي تُلزم جميع الدول الأطراف ليس باحترام أحكام الاتفاقيات وحسب، بل أيضًا بضمان احترامها في جميع الأحوال. هذا الالتزام، وفقًا للتعليقات الرسمية للجنة الدولية للصليب الأحمر، له بعدان: سلبي وإيجابي. البعد السلبي يقتضي أن تمتنع الدول عن ارتكاب الانتهاكات بنفسها، أما البعد الإيجابي فيفرض عليها واجبًا بمنع غيرها من الدول من ارتكاب هذه الانتهاكات، بما يشمل الضغط الدبلوماسي، فرض العقوبات، أو وقف الدعم العسكري والاقتصادي. وبهذا المعنى، لا يكفي أن تعلن دولة ما احترامها لاتفاقيات جنيف، بل يجب أن تتصرف لمنع انتهاكها من جانب حلفائها أو الدول الأخرى.

إلا أن الواقع في غزة يكشف أن القوى الكبرى مارست عكس هذا الالتزام تمامًا. فالولايات المتحدة مثلًا لم تكتفِ بعدم التدخل لمنع الانتهاكات، بل منحت إسرائيل دعمًا عسكريًا وسياسيًا غير مشروط، وغطتها دبلوماسيًا في مجلس الأمن باستخدام الفيتو، ما جعلها شريكة في خرق الالتزام المنصوص عنه في المادة الأولى المشتركة. ومن هنا يتضح أن مأساة غزة ليست نتيجة “عجز” المجتمع الدولي فقط، بل هي أيضًا نتيجة تواطؤ صريح، عبر تعطيل أهم قاعدة في القانون الدولي الإنساني: الالتزام الجماعي بضمان احترام الاتفاقيات.

هذا الإخفاق ليس معزولًا عن سياق أوسع، بل يندرج ضمن نمط من الانتقائية في تطبيق القانون الدولي. ففي سوريا، حال الفيتو الروسي دون أي مساءلة عن استخدام الأسلحة الكيميائية أو الحصارات المدمرة. وفي دارفور، احتاجت الإبادة الجماعية إلى سنوات قبل أن يصدر مجلس الأمن القرار 1593 (2005) بإحالة الوضع إلى المحكمة الجنائية الدولية. أما في البوسنة، فقد ارتكبت مجزرة سربرنيتسا عام 1995 أمام أعين قوات دولية كان يفترض بها أن تحمي المدنيين، لكنها وقفت عاجزة أمام المذبحة. وفي المقابل، شهدنا سرعة لافتة في تحريك الآليات القانونية ضد روسيا في عقب غزوها أوكرانيا. هذه المفارقات تكشف أن تطبيق القانون الدولي لا يستند إلى نصوصه الملزمة بقدر ما يخضع لمعادلات النفوذ السياسي. وهنا يثور السؤال الجوهري: هل نحن أمام موتٍ فعلي للقانون الدولي، أم أمام حالة عجز بنيوي تعصف بقدرته على التطبيق؟

لا تقتصر الانتقائية على أجهزة الأمم المتحدة، بل طالت حتى القضاء الدولي. فقد رفعت جنوب أفريقيا دعوى أمام محكمة العدل الدولية متهمة إسرائيل بارتكاب جريمة الإبادة في غزة. المحكمة أصدرت في يناير 2025 تدابير مؤقتة طالبت إسرائيل بوقف الأعمال التي يمكن أن تشكّل إبادة جماعية. غير أن هذه الدعوى ما زالت منظورة، وتواجه ضغوطًا سياسية غير مسبوقة، وصلت إلى حد إرسال عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي رسالة إلى المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية يهددونه إذا أصدر مذكرات توقيف ضد مسؤولين إسرائيليين، علاوة على تهديد الولايات المتحدة بخفض الدعم الاقتصادي أو علاقاتها مع جنوب أفريقيا إذا استمرت في ملف الدعوى. إن مثل هذا التدخل يكشف أن العدالة الدولية نفسها قد أصبحت رهينة لسياسات القوة، وأن الحماية القضائية للشعوب المستضعفة ليست مضمونة.

لا يكفي التركيز على الانتقائية وحدها لفهم المأساة. فالإفلات من العقاب شجع إسرائيل على التمادي في سياسات عدوانية ممنهجة تتجاوز حدود فلسطين. فخلال عامين من الحرب على غزة، وسّعت إسرائيل عملياتها العسكرية لتشمل لبنان وسوريا والعراق وإيران واليمن، ومؤخرًا قطر، متذرعة دائمًا بـ «أمن إسرائيل»، ومن دون أي اعتبار لسيادة الدول وأمن شعوبها، في خرق مباشر للمادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة التي تحظر التهديد أو استخدام القوة ضد وحدة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة.

إن هذا النمط لا يمثل مجرد تجاوزات عابرة، بل يعكس سياسة ثابتة تنتهك قواعد القانون الدولي العام والقانون الدولي الإنساني على حد سواء. فالحصار والتجويع يشكلان عقوبة جماعية محرمة بموجب المادة (33) من اتفاقية جنيف الرابعة، والتهجير القسري يدخل ضمن تعريف الجرائم ضد الإنسانية الوارد في المادة (7) من نظام روما الأساسي. وإذا كان ميثاق الأمم المتحدة قد صُمم بعد الحرب العالمية الثانية لتجنيب البشرية ويلات القوة المنفلتة، فإن إسرائيل ما زالت تمارس هذه القوة بلا رادع، حتى وصلت إلى تمزيق المندوب الإسرائيلي ميثاق الأمم المتحدة نفسه على منصة الجمعية العامة، في فعل رمزي جسّد ازدراءها للنظام الدولي بأسره.

الأكثر مفارقة أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة جاءا إلى حد بعيد استجابةً لما تعرض له اليهود من فظائع النازية. لكن إسرائيل، التي قامت على أنقاض تلك الذاكرة، باتت اليوم تمارس سياسات تذكّر من حيث الجوهر بالاضطهاد الذي عاناه اليهود أنفسهم: تحويل قطاع غزة إلى معتقل مفتوح يضم أكثر من مليوني إنسان، إخضاعهم للقصف والتجويع والحرمان من مقومات الحياة، تمامًا كما جرى حصار اليهود في أوروبا وعزلهم في معتقلات الإبادة والأحياء المغلقة قبل تجويعهم وقتلهم. صحيح أن الأشكال تختلف، لكن المضمون واحد: انتهاك كرامة الإنسان إلى حد نفي وجوده.

بهذا المعنى، فالقضية لم تعد مجرد قضية فلسطينية، بل باتت اختبارًا شاملًا لصدقية النظام القانوني الدولي. فإذا كان هذا النظام عاجزًا عن كبح السياسات الإسرائيلية، أو عن إنصاف الشعب الفلسطيني، فإن مشروعيته كمنظومة ملزمة تصبح موضع شك، ومعها مستقبل العدالة الدولية ذاته. إن ما يجري في غزة اليوم لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يهدد أهم منجز قانوني بعد الحرب العالمية الثانية: الإيمان بأن القانون قادر على تقييد القوة، وأن العدالة يمكن أن تكون عالمية وغير انتقائية.

منشورات آخرى

صدر حديثاً