في الفترات الانتقالية، تلجأ السلطات القائمة إلى آليات خاصة تهدف إلى إعادة إنتاج شرعيتها المتآكلة، بعد كل إخفاق سياسي أو أمني أو اجتماعي. من أبرز هذه الآليات ما يمكن تسميته بـ “الوهم الإنجازي” (illusion performative)؛ أي تسويق إنجازات مستقبلية مفترضة عبر وعود براقة ومشاريع ضخمة، دون أن تتوافر فعليًا شروط تحقيقها. ويُستخدم هذا الوهم كأداة للهروب من الاستحقاقات الحقيقية المرتبطة بإعادة هيكلة البنية السياسية، ومراجعة الأيديولوجيا الحاكمة، ومساءلة ممارسات العنف والانتهاكات التي ارتكبتها السلطة أو سمحت بحدوثها.
وفي السياق السوري، يبدو هذا النمط أكثر وضوحًا، حيث تتداخل عيوب السلطة البنيوية مع عوامل أخرى، كالتفكك المؤسسي، والعقوبات الدولية، والاستقطاب المجتمعي، ما يجعل من “الوهم الإنجازي” ليس مجرد مناورة تكتيكية، بل استراتيجيا سياسية تهدف إلى التغطية على العجز عن إحداث إصلاح حقيقي. فحين تعجز السلطة عن الارتقاء إلى مستوى الدولة، لعدم قدرتها على إصلاح ذاتها أو تجاوز قصورها، تلجأ إلى خفض مفهوم الدولة نفسه إلى مستوى قدرتها المحدودة، مفرغةً إياه من مضمونه السيادي والمؤسساتي، ليغدو مجرد غطاء شكلي لاستمرار هذه السلطة لا أكثر.
يتجلى هذا النمط من “الوهم الإنجازي”، أو ما يمكن تسميته أيضًا بـ “الهروب إلى الأمام”، في تجارب انتقالية معاصرة، ولا سيَّما في مصر وتونس بعد سقوط النظامين السابقين. ففي الحالة المصرية، يمكن الاستشهاد بـ “مشروع النهضة” ومبادرة “المئة يوم” لحلِّ مشكلات الخبز والأمن والنظافة، بالاعتماد على وعود استثمارية من قطر وتركيا. وقد قُدّمت هذه المشاريع كخطط شاملة للنهوض الاقتصادي والاجتماعي. غير أنَّ هذه المشاريع، على الرغم من طابعها الطموح، لم تُطرح بوصفها نتاجًا لرؤية وطنية توافقية أو جزءًا من برنامج تشاركي مدروس ومخطط، بل كمناورة تكتيكية للتهرب من مواجهة الاستحقاقات السياسية الكبرى، وفي مقدَّمها استمرار هيمنة الولاءات على حساب الكفاءات المستقلة، وافتقار النظام إلى حكومة ائتلافية حقيقية تعكس التوازنات السياسية، فضلًا عن ضعف المؤسسات وانعدام الضمانات الديمقراطية.
أما في تونس، فعلى الرغم من الانفتاح السياسي النسبي بعد سقوط بن علي، لجأت الحكومات المتعاقبة إلى استثمار وعود اقتصادية كبرى، غالبًا مدعومة من تركيا وقطر، للتغطية على إخفاقات جوهرية في بناء مؤسسات الدولة وتحقيق التوافقات الوطنية الضرورية.
وقد ساهم الإخفاق في تحقيق هذه الوعود، سواء في مصر أو تونس، في تعميق فجوة الثقة القائمة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، التي انحصر دورها لعقود مضت في المجال الأمني، واقتصر حضورها على وظائف القمع والضبط، من دون أن ترافقه ممارسة فعلية للسيادة الاجتماعية أو الاقتصادية. وهو ما يُنذر، في الحالة السورية، بتكرار النمط نفسه، ما لم تُكسر هذه الحلقة عبر مقاربة جذرية لمفهوم الدولة والتحول السياسي.
لا يقتصر أثر “الوهم الإنجازي” على المستوى السياسي فقط، بل يمتد إلى البنية الاجتماعية والثقافية، حيث تُنتج هذه الوعود الاقتصادية الكبرى –على الرغم من افتقارها إلى الأسس الواقعية – نوعًا من التفاؤل الجماعي القائم على الأمل أكثر من العقلانية. وفي هذا السياق، يظهر ما يُعرف في بـ “pathologisation du scepticism”، أي تحويل الشك أو النقد العقلاني إلى سلوك مرضي أو خيانة وطنية. إذ يُنظر إلى كلِّ محاولة من جانب المثقفين أو النخب الفكرية للتنبيه إلى هشاشة هذه المشاريع بوصفها تشكيكًا عدميًا أو تهديمًا لروح التفاؤل الوطني.
ويؤدي هذا المسار إلى نتائج عكسية خطرة؛ إذ تهاجم الجماهير المتفائلة النخب التي لا نتخرط في خطاب الانجازات الوهمية والتي تحاول توجيه النقاش نحو جذور الأزمة – من غياب الحوكمة، وضعف المؤسسات، واحتكار السلطة – ما يُفضي إلى انقسام عمودي داخل المجتمع بين “مؤمنين” بالرؤية الرسمية و”ناقدين” يُجرَّمون ويُقصَون. ومع الوقت، تتآكل وظيفة النخبة كمصدر للوعي النقدي والتوجيه العام، ويُعاد إنتاج مجتمع منزوع النخبة، تغلب عليه العواطف الجماعية، وتُهيمن عليه خطابات التعبئة، ما يزيد من هشاشة المجال العام، ويُعزز الاستقطاب.
في هذه المرحلة تُستبدل آليات التحليل والنقد والحوار بما يمكن تسميته بـ “التصور التفاؤلي” كآلية ذهنية / نفسية جماعية تُعوّض العجز عن التعامل مع تعقيدات الواقع. لا ينبع هذا النمط من القصور في أدوات التحليل فحسب، بل يتغذى أيضًا من التعب الثوري الذي خلفته سنوات العذاب الطوال، وتراكم الخيبات، وانسداد الأفق حينها. وفي مثل هذه السياقات، تصبح الرغبة بديلًا عن الرؤية، وتتراجع الموضوعية أمام الحاجة النفسية إلى تصوّر يمنح الجماعة شعورًا بالقوة والثبات.
تفاقم هذه الحالة التصورية قد يقود إلى تعظيم الانتصار الثوري وتضخيمه. إذ تُروَّج سردية أنَّ الانتصار لم يكن على النظام الساقط فحسب، بل وعلى القوى الدولية الداعمة له. يُغفل هذا الخطاب حقيقة أنَّ ما تحقق كان نتيجة تظافر معقد لعوامل متعددة: داخلية وإقليمية ودولية. هذه المبالغة في تقدير الذات قد تؤدي إلى نتائج كارثية، كالميل إلى الدخول في مواجهات غير محسوبة، أو فتح صراعات تفوق الإمكانيات. أي أنَّ هذا المسار يُفضي، في النهاية، إلى نوع من الهستيريا الجمعية التي تتغذى على وهم غطرسة الانتصار. في هذه المرحلة تُغلق أبواب التفكير، ويُستبدل النقاش العقلاني بحملات التخوين وبتصعيد شعاراتي غوغائي.
تُشكّل حالة التصور التفاؤلي المفرط خطرًا سياسيًا على المدى المتوسط والبعيد، ولا سيَّما حين تنتقل من كونها ظاهرة ظرفية إلى أن تترسخ بوصفها وعيًا جمعيًا قادرًا على تعطيل أي إمكانية للتفاهم السياسي. وفي هذه الحالة، يغدو تفكيك هذا الوعي الجمعي شرطًا لازمًا قبل الشروع في أي مسار انتقالي مستقر وفعّال.
ومن ثم، تتحمل السلطة في دمشق المسؤولية الكاملة في تجنّب الانزلاق نحو هذا المسار عبر الامتناع عن توظيف آليات “الإنجاز الوهمي”، والالتفات بدلًا من ذلك إلى معالجة القضايا الجوهرية، وترسيخ مبادئ الشفافية، وبيان الفروقات الحقيقية بين الصفقات الاقتصادية ومذكرات التفاهم. فكما يقول المثل الفرنسي “طرح المشكلة هو نصف الحل”، وعليه، فإنَّ الابتعاد عن المناورات التكتيكية والتركيز على جوهر الملفات المطروحة يمثلان مدخلًا أساسيًا لصوغ حلول مستدامة.
وبناءً على ما سبق، لا يمكن النظر إلى مشاريع التنمية وإعادة الإعمار بمعزل عن رؤية استراتيجية متكاملة تُعالج الأبعاد القانونية والسياسية والمؤسساتية والأمنية مجتمعة. فإعادة الإعمار لا تختزل في إعادة بناء ما تهدّم ماديًا، بل تتجاوز ذلك إلى إعادة تأسيس الدولة ومقوماتها الجوهرية على أسس رشيدة. حيث تشكّل السياسة والأمن والاقتصاد أضلاع مثلث يتوسَّطه القانون بوصفه المحور الناظم لعملها وتوازنها. إنَّ تحقيق الإصلاحات الاقتصادية يظل رهينًا لصلابة الاستقرار الأمني، فيما يبقى تعافي الاقتصاد مشروطًا بوجود مناخ سياسي منفتح وتعددي. هذه العناصر ترتبط بعلاقة تلازمية متبادلة، بحيث يؤدي أي خلل في أحدها إلى ارتدادات سلبية على البقية، الأمر الذي يجعل تحسّنها مترابطًا وانحدارها متزامنًا، ويؤكد أنَّ المعالجة الجزئية أو المنعزلة لأيٍّ منها ستظل قاصرة عن إحداث تحول حقيقي في المسار الانتقالي.