في مطلع تموز/ يوليو، شهدنا حادثة نقل تمثال الشهداء من ساحة عبد الله الجابري في حلب، والتي انتهت – بطريقة عبثية ومؤسفة – بتحطيم هذا العمل الفني. لسنا في صدد البحث في الإهمال الفني أو الإنشائي الذي شاب عملية نقل التمثال إلى أحد المتاحف أو الحديث عن مسؤولية الجهة التي نفذت النقل من دون الالتزام بالمعايير الفنية والإنشائية “التي تم التأكيد عليها مسبقًا” وفقًا لتصريح المحافظ الذي توعّد بمحاسبة المقصرين. ما يهمنا هنا هو مقاربة العملية برمتها، الرؤية والتخطيط والتنفيذ، ليس في ما يتعلق بنقل التمثال إنما بعملية نقل سوريا من نظام الأسد إلى … إلى أين؟
هل كان تحطيم التمثال مجرد حادث عرضي؟ أم شكّل لحظة كاشفة عن كيفية تعامل السلطة مع الرموز — رمزية الفضاء العام: التاريخ، الهوية الجمعية، والذاكرة الحضرية؟ في مشهد يكاد يكون استعارة حيّة، هل بدا التمثال المتحطم كصورة مبكرة لما قد تؤول إليه بنية الدولة حين تُدار بعقلية السلطة الحالية؟ ألا تعكس هذه الحادثة، بدقة، الطريقة التي يُقارب بها “الانتقال” في سوريا على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟ فكما أفضت محاولة نقل التمثال إلى تحطيمه، لا بد أن نتساءل: إلى أين ستفضي عملية “الانتقال” في سوريا؟ فهي تمثّل صورة مصغّرة للفوضى والعشوائية التي تحكم ما يُفترض أن يكون عملية سياسية تاريخية.
في ظل هذه اللحظة التاريخية التي تمر بها سوريا، لا يكفي أن تُقرأ الوقائع من خلال التصريحات أو وعود المحاسبة، بل يجب التمعن في السياقات الفكرية والسياسية التي تُوجّه سلوك السلطة. فعملية تدمير التمثال قد لا تكون مجرد خطأ تقني، بل فعلًا مقصودًا مشبعًا برمزية أيديولوجية، تعكس نظرة السلطة للتاريخ والرموز العامة.
من هذا المنظور، لا يمكن فصل ما جرى عن التأثير العميق لأيديولوجيا السلطة، التي تتقاطع في كثير من جوانبها مع مرجعيات سلفية جهادية، في موقفها من الرموز، والهوية، والتعدد. وهذه المرجعيات، بثوابتها وتصوراتها، باتت تؤطر العملية الانتقالية، وتُقلّص إمكانيات التحول الحقيقي نحو دولة تقوم على المواطنة والحقوق.
فما يبدو لنا فوضويًا أو عشوائيًا قد يكون منتظمًا ومنضبطًا بالنسبة إلى مراقب آخر، تحكمه تصوّرات ومفاهيم لا تنتمي بالضرورة إلى الدولة الحديثة. فإدارة الانتقال في سوريا تكشف صراعًا يدور بين رؤيتين: واحدة تقوم على مفاهيم المواطنة والسياسة والقانون، وأخرى ترتكز على نموذج الإمارة، والمؤمنين والذميين.
من هذا المنظور، يمكن فهم تعثر العملية الانتقالية في سوريا على أنه نتيجة لتصادم بين إطار نظري مجرّد، تمثّله العقيدة الجهادية السلفية، وبين واقع سوري متعدّد ومعقّد على المستويات كافة. هذا التصادم بين التصوّر العقائدي والواقع الفعلي هو الذي يعطي التغيير شكه المنقوص، ويجعل من الانتقال السياسي مهمة أكثر تعقيدًا.
بناءً على ما سبق، يمكن القول إن العملية الانتقالية في سوريا لا تزال رهينة طبيعة السلطة ذاتها، من حيث بنيتها وتركيبتها الأيديولوجية. فالسلطة تتكوّن من نواة صلبة تحمل مشروعًا عقائديًا مغلقًا، يتّسم بقدر كبير من الثبات الإيديولوجي والممانعة تجاه أي تحوّل حقيقي، في مقابل فئة من السياسيين داخل السلطة يحاولون مواءمة هذا المشروع العقائدي مع الواقع السوري، ضمن ما يمكن تسميته بمحاولات “تكييف اضطراري برغماتي” مع متطلبات الواقع. لا يبدو هذا التكيّف خيارًا حرًا بقدر ما هو ضرورة لاستمرارهم في الحكم. فالزمن، كما يُظهره الواقع السوري المتسارع والمتفجّر، لا يرحم المنظومات الجامدة، وكل مشروع فكري أو سياسي يفتقر إلى المرونة محكوم عليه بالانكفاء والانهيار السريع.
ومع ذلك، فإن هذا التكيف غالبًا ما يأخذ شكل استجابة شكلية أو سطحية للتحولات، بدلًا من مراجعة حقيقية للمفاهيم أو للممارسة. يتجلى هذا التكيّف الشكلي في تبنّي السلطة لبعض المفاهيم الحديثة المرتبطة بأي انتقال سياسي، مثل “المؤتمر الوطني”، و”الإعلان الدستوري”، و”فصل السلطات”، و”العدالة الانتقالية”، و”حقوق الإنسان”، و”الحريات السياسية”. غير أن هذا التبنّي غالبًا ما يكون لغويًا أو دعائيًا، حيث تُفرغ هذه المفاهيم من مضمونها الحقيقي، أو يُعاد تأويلها بما يتناسب مع منطق السلطة وهيمنة النواة العقائدية. بهذا الشكل، تصبح مفردات الانتقال السياسي مجرد واجهات لفظية، تُستخدم لتجميل المشهد أو للتماهي مع الخطاب الدولي، دون أن تمس جوهر السلطة أو تعكس أي إرادة فعلية للتغيير. وهذا التكيّف الشكلي لم يكن طارئًا على سلوك السلطة، بل امتدادًا لمسار بدأ منذ الأيام الأولى لتسلّمها الحكم، حين سعت إلى تجريف الفضاء العام من خلال إلغاء العمل السياسي، وحل الأحزاب، وإعادة تشكيل القضاء بما يضمن تبعيته الكاملة لها. بدلًا من كونه سلطة مستقلة يُفترض أن تضمن الحقوق وتحمي الحريات. بذلك، تم تقويض الفضاء السياسي والقانوني لصالح حكم فردي شمولي يرفض التعدد والتشاركية.
في هذا السياق، مضت السلطة قدمًا في تصفية ما تبقى من الهياكل السياسية المعارضة، عبر الضغط لحل الائتلاف السوري المعارض، ولجنة التفاوض، والمجلس الوطني، في محاولة لإنهاء دور المبعوث الأممي غير بيدرسون وتعطيل تنفيذ القرار 2254، مدعية أن الانتقال السياسي قد تحقق بإسقاط نظام الأسد، ما يفتح الطريق أمام رفع العقوبات. غير أنها عادت لاحقًا والتزمت ببيان باريس، الذي جاء في إطار القرار 2254 وامتدادًا لمؤتمري الرياض والعقبة، ما عكس حالة من التخبط وغياب الخبرات داخل السلطة، وخلطًا واضحًا بين ما هو سياسي وما هو قانوني.
وفي استكمال لهذا النهج، جرى تقزيم مؤتمر “الحوار الوطني” إلى مجرد “حوار مجتمعي”، عُقد على عجل وبشكل انتقائي، حيث غابت القوى السياسية والتيارات الفكرية ومنظمات المجتمع المدني، واقتصر الحضور على عدد محدود من الناشطين والشخصيات العامة. كما انعقد المؤتمر من دون توفر آليات واضحة، أو مخرجات محددة، أو حتى محاضر موثقة لجلساته. وانتهى إلى إعلان مبادئ عامة لا خلاف عليها بطبيعتها، متجنبًا الخوض في أي من القضايا الإشكالية التي تشكّل جوهر الأزمة.
في امتداد لهذا المسار السلطوي، شهد يوم 13 آذار/ مارس صدور إعلان دستوري من خلال مراسم احتكارية، كرّس تركيز السلطة بشكل كامل في يد الرئيس من دون أن يخضع لأي شكل من أشكال المساءلة أو المحاسبة. عكس هذا الإعلان تكريسًا للمركزية المفرطة، وافتقاره إلى آليات رقابية فعالة، فضلًا عما تضمنه من ثغرات قانونية وتناقضات، وتشويه واضح لآلية انتخاب السلطة التشريعية، ما جعله أداة إضافية لتعطيل التعددية وإقصاء أي مشاركة حقيقية في إدارة الشأن العام.
بلغ مسار السلطة في دمشق ذروته في منتصف تموز/ يوليو 2025، ليس على صعيد بناء الدولة، بل في تفكيك ما تبقّى منها. انتهى التلاعب الرمزي بمصطلحات الحداثة، وانهارت محاولات التكيّف السياسي، إذ انتصرت النواة العقائدية الصلبة داخل النظام على ساسة السلطة الذين حاولوا إضفاء مظهر مرن أو عقلاني على مشروع حكم قائم في جوهره على الإقصاء والسيطرة المطلقة.
في 14 تموز/ يوليو، شهدت سوريا ما يمكن وصفه بلحظة ارتداد تاريخي، اتخذ هذا الارتداد شكل “غزوة “، لم تكن مجرّد حدث عسكري، بل لحظة انكشاف كامل لعمق التصدع في الهوية الوطنية، وتكريس لصعود الهويات العصبية على حساب الهوية السورية الجامعة. أعادت غزوة السويداء سوريا إلى ما قبل الريف التي كان نظام الأسدين قد ارجعها إليه، لينكشف الفراغ الكامل الذي خلفته سياسات السلطة المتفردة.
لم يكن من الصعب على أي مراقب عقلاني أن يتوقع نتائج هذه الحرب، سوى من استسلم للعقل الجمعي المُشوّه، الذي يبرر كل عنف تحت راية “استعادة السيطرة” أو “فرض النظام”. لم تكن هناك أي مصلحة سياسية، ولا اقتصادية، ولا حتى عسكرية بالمعنى الاستراتيجي لهذه الحرب. كانت أقرب لصور الحروب البدائية حيث تم شيطنة الخصم بهدف اخضاعه واستباحته وليس بهدف حلّ النزاع أو استعادة الدولة.
لم تسعَ السلطة لإيجاد أي عقد اجتماعي مع مكونات الشعب السوري: لا تمثيل، لا حماية، لا خدمات، لا احترام للخصوصيات. فحين يُطلب من فصائل السويداء تسليم سلاحها، من دون أي ضمانة لحماية أهلها من فصائل السلطة المنفلتة والميليشيات التكفيرية، فإن الطلب لا يبدو أكثر من فصلٍ آخر لمنهج التفرد والإقصاء والإخضاع. هذا المنهج، إن استمر، لا يُنتج دولة ولا أمنًا ولا استقرارًا. بل يدفع سوريا، بمكوناتها كلها، إلى التفكك والتشظي.
ما حدث في السويداء لم يكن مجرد خطأ سياسي أو خلل أخلاقي، بل كان إعلانًا واضحًا بأن النية لم تكن “نقل تمثال الشهداء في حلب”، بل تحطيمه بكلِّ ما يحمله من دلالات رمزية. بالتالي فإن المطالبة بتصحيح المسار أو انتظار تحوّل حقيقي من هذه السلطة لا يعدو أن يكون نوعًا من العبث واللامنطق. ما قبل السويداء لن يكون كما بعدها، وعليه فإن مستقبل سوريا مرهون بقدرة السوريين على تجاوز هذا التلاعب، نحو إعادة تعريف السياسة بوصفها أداة للتفاوض على المصالح والمصائر، وليس مجرد قناع يُستعمل للسيطرة والاخضاع، وإعادة تفعيل القانون بوصفه الضامن لكرامات المواطنين وحرياتهم، لا أداة لتبرير القمع وشرعنة الاستبداد.