دور المحامي بين التشريع السوري والمعايير الدولية

مقدمة

في عام 1990، اعتمد مؤتمر الأمم المتحدة الثامن لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين، المنعقد في هافانا، وثيقة مركزية بعنوان “المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين”، ثم أقرتها لاحقًا الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب القرار رقم 45/121. وقد جاءت هذه الوثيقة استجابةً لحاجات متزايدة إلى ضمان استقلال المحامين، وتعزيز دورهم في كفالة المحاكمات العادلة، ولا سيما في سياقات النزاعات المسلحة والانتهاكات المرتكبة من قبل السلطات الحاكمة.

تشير هذه المبادئ إلى مجموعة من الحقوق والضمانات التي يجب أن يتمتع بها المحامي، وتُمنح للمتهم في آن معًا، أبرزها: الحق في الاستعانة بمحامٍ منذ لحظة التوقيف، وضمان سرية العلاقة بين المحامي وموكله، وحماية المحامين من المضايقة أو التهديد أو الملاحقة بسبب أداء مهماتهم، إضافة إلى حق المتهم في محاكمة عادلة مع تمثيل قانوني مستقل وفعّال.

لم تصدر هذه المبادئ من فراغ، بل تتقاطع بشكل واضح مع نصوص اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، ولا سيما:

المادة 71 من الاتفاقية الرابعة، التي تشترط أن يُحاكم المدنيون أمام محاكم تحترم الضمانات القضائية الأساسية.

المادة 105 من الاتفاقية الثالثة الخاصة بأسرى الحرب، والتي تنص صراحةً على حق الأسير في اختيار محامٍ للدفاع عنه، والاتصال به بحرية، وتوفير الوقت والتسهيلات اللازمة للتحضير لمحاكمته.

وإذا كان تطبيق هذه النصوص واجبًا في أوقات الحرب على المدنيين والأسرى، فإنه من باب أولى أن تُطبَّق على جميع المقيمين في الدولة، من دون تمييز، وفي كل من حالتي السلم والنزاع.

في ضوء هذه الرؤية، تتناول هذه المقالة قراءة نقدية في التشريعات الوطنية السورية، وعلى وجه الخصوص قانون تنظيم مهنة المحاماة وقانون أصول المحاكمات الجزائية، بهدف الكشف عن مكامن التقاطع أو التناقض بينها وبين المبادئ الدولية، والوقوف على ما إذا كانت هذه التشريعات توفّر فعلًا الدور المنشود للمحامي بوصفه شريكًا في تحقيق العدالة، لا مجرد وكيل في خصومة.

الحق في الاستعانة بمحام

ينص قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري على حق المتهم في تعيين محامٍ للدفاع عنه في المواد 69 و73، إلا أن القانون لا يحدّد صراحةً متى يجب إعلام المتهم بهذا الحق، ولا يُلزم السلطات بإتاحة الاتصال بمحامٍ خلال مهلة زمنية قصيرة، كما هو منصوص عليه في المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين، التي تشترط ذلك خلال ثمانٍ وأربعين ساعة كحد أقصى.

وإضافة إلى ذلك، فإن القانون السوري لا يتضمّن أي نص يُلزم الشرطة أو النيابة العامة بإبلاغ المقبوض عليه بحقوقه فور توقيفه، بما في ذلك حقه في الصمت، أو في عدم الإدلاء بأقواله من دون حضور محامٍ، على غرار ما هو معمول به في الأنظمة القانونية الحديثة.

ولا يُلزم القانون صراحةً بحضور المحامي في أثناء التحقيق الأولي الذي تجريه الشرطة، على الرغم من أن هذه المرحلة غالبًا ما تكون حاسمة في تحديد مسار الدعوى، وهي المرحلة التي تتّسم بغياب الشفافية، وتُسجّل فيها النسبة الأعلى من انتهاكات حقوق المتهمين.

وعلى الرغم من أن العديد من قضايا الجنح في القانون السوري قد تنطوي على عقوبة سالبة للحرية تصل في بعض الأحيان إلى ثلاث سنوات، إلا أن التشريع السوري لا يفرض التمثيل القانوني الإلزامي إلا في القضايا الجنائية. وتُصبح هذه الثغرة أكثر خطورة في حالات الجنح ذات الطابع السياسي أو المتّصلة بحرية التعبير، مثل جرائم النشر أو انتقاد السلطات. ففي هذه الحالات، غالبًا ما تكون المحاكمة أداة ضغط أو انتقام، ويُحرَم المتهم فيها من التمثيل القانوني الكفيل بكشف التجاوزات أو بطلان الإجراءات.

أما الأخطر، فهو غياب نص صريح في القانون السوري يُلزم بتوفير التمثيل القانوني للقُصّر (الأحداث) في جميع أنواع القضايا، بما فيها الجنح والمخالفات. ففي حين تُلزم المعايير الدولية، ومنها اتفاقية حقوق الطفل (المادة 40)، ووثيقة المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين (البند 6)، بتوفير محامٍ لكل طفل متّهم بجريمة، بغض النظر عن نوعها أو درجتها، فإن القانون السوري لا ينص بوضوح على هذا الحق، ما يُعرّض الأطفال المتهمين لخطر المحاكمة من دون تمثيل، وفي بيئة قانونية غير مهيّأة لمراعاة سنهم.

ولا ينص القانون أيضًا على حق المتهم في الاعتراض على تعيين محامٍ لا يثق باستقلاليته، ما قد يفتح الباب أمام تعيين محامين صوريين أو خاضعين للسلطة، ولا سيَّما في القضايا ذات الطابع السياسي، الأمر الذي يُفرغ التمثيل القانوني من مضمونه.

هذا الغياب لا يُعدّ مجرد نقص تقني، بل يُمثّل ثغرة قانونية خطيرة تمسّ جوهر الحق في الدفاع، وتُتيح المجال أمام ممارسات تعسفية، ولا سيَّما في قضايا الجنح والجنايات السياسية، التي غالبًا ما تُمارَس فيها أساليب الضغط والتعذيب أثناء التحقيق الأولي، من دون وجود رقابة حيادية أو تمثيل قانوني فعّال منذ البداية.

غياب الحماية التشريعية الكافية لاستقلال المحامي وحصانته المهنية

على الرغم من الاعتراف القانوني بمهنة المحاماة في سوريا كمهنة حرة تشارك في تحقيق العدالة، وضمان الحق في الدفاع في الإعلان الدستوري لعام 2025، إلا أن هذه النصوص لا تنص صراحةً على استقلال مهنة المحاماة أو على دور نقابتها، كما لم تُكرّس ضمانات واضحة لحماية المحامي في أثناء أدائه لمهنته، ما يجعل الضمانات المهنية عرضة للقصور التشريعي والتنفيذي.

صحيح أن قانون تنظيم مهنة المحاماة لعام 2010 ينص في مادته الأولى على أن المحاماة “مهنة حرة تشارك السلطة القضائية في تحقيق العدالة”، وأن المادة 88 تمنح المحامي حصانة من الملاحقة الجزائية والمدنية عما يورده في مرافعاته، ما دام ذلك في حدود اللياقة، إلا أن هذه الصيغة تبقى فضفاضة ومرتبطة بتقدير المحكمة، ما يجعل هذه الحصانة نسبية وقابلة للتقييد، ولا سيَّما في القضايا الحساسة.

كذلك، فإن الحماية التي تمنحها المادة 92 من القانون من تفتيش مكتب المحامي أو ضبط أوراقه إلا بحضور نقيب المحامين أو من يمثله، تبقى ضمانة شكلية لا ترتقي إلى مستوى الحماية الجوهرية المنصوص عليها في المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين (البند 16)، والتي تُلزم الدول بتأمين بيئة آمنة ومستقلة لممارسة المحاماة، وحماية المحامين من التعرض لأي شكل من أشكال التهديد أو الضغط أو الانتقام.

أما على المستوى النقابي، فإن القانون السوري لا يسمح بتشكيل روابط مهنية مستقلة، ويقصر التمثيل النقابي على نقابة واحدة تخضع لإشراف حكومي واسع، ما يتعارض مع البند 23 من المبادئ الأساسية الذي ينص على حرية المحامين في تشكيل جمعيات والانضمام إليها والمشاركة في النقاش العام حول العدالة وحقوق الإنسان.

وعليه، فإن البنية التشريعية القائمة لا توفّر استقلالًا حقيقيًا للمحامي، ولا حماية كافية لأداء دوره المهني، وتجعله عرضة للتضييق أو التهديد، ولا سيَّما في القضايا ذات الطابع السياسي أو العام.

دور نقابة المحامين وحدود استقلالها في التشريع السوري

تُعدّ النقابات المهنية في الدول الديمقراطية أحد ركائز حماية استقلال المهن القانونية، وتُناط بها مهمات التنظيم الذاتي، ووضع مدونات السلوك، والدفاع عن أعضائها أمام أي تدخل سياسي أو إداري. غير أن نقابة المحامين في سوريا، كما ينظمها قانون تنظيم المهنة لعام 2010، تفتقر في بنيتها وصلاحياتها إلى الاستقلال الكافي عن السلطة التنفيذية، ما يحدّ من قدرتها على أداء هذا الدور الحيوي.

تنص المادة 4 من القانون على أن نقابة المحامين “تنظم مهنة المحاماة وترعى مصالح المحامين وتعمل على رفع مستواهم العلمي والثقافي”، إلا أن هذا النص العام لا يتبعه ضمانات عملية تؤمّن الاستقلال المالي والإداري للنقابة. بل إن العلاقة الوثيقة بين مجلس النقابة ووزارة العدل، وتدخل الأخيرة في شؤون الترشح والانتخابات والتأديب، تقوّض مبدأ التنظيم الذاتي الذي تُنادي به المعايير الدولية.

كما أن آليات التأديب والعقوبات المهنية المنصوص عليها في القانون تفتقر إلى معايير المحاكمة العادلة داخل النقابة نفسها، حيث لا يُتاح للمحامي المتهم ضمانات مثل العلنية، والحق في الدفاع أمام هيئة مستقلة فعليًا، أو إمكانية الطعن أمام جهة خارج النقابة ذاتها.

من جهة أخرى، لا يضمن القانون صراحةً حق النقابة في الدفاع عن أعضائها في حال تعرضهم لملاحقة بسبب عملهم المهني، ولا يُلزم السلطات بإبلاغها عند توقيف محامٍ، ما يجعل من دورها في الحماية مجرد وظيفة لاحقة لا استباقية، على عكس ما تنص عليه المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين (البند 24) التي تضمن للنقابات الحق في حماية أعضائها من أي ملاحقة تعسفية.

وفي السياق السوري، وبخاصة في العقود الأخيرة، أثبتت نقابة المحامين في كثير من المحطات عجزها عن حماية استقلال المهنة، بل تحوّلت في بعض الحالات إلى أداة ضغط أو مراقبة على المحامين ذوي المواقف المستقلة، وتم فصل عدد منهم تعسفًا أو حرمانهم من مزاولة المهنة لأسباب سياسية، من دون أي مساءلة مؤسسية.

وعلى الرغم من سقوط النظام السياسي السابق في عام 2024، وما تبعه من حلّ حزب البعث العربي الاشتراكي ومصادرة ممتلكاته، فإن الإطار القانوني المنظم لعمل النقابة لا يزال يحمل آثار ذلك النظام المركزي، ويحتاج إلى مراجعة شاملة تضمن استقلال النقابة إداريًا وماليًا، وفصلها تمامًا عن أي وصاية حكومية أو سياسية مستقبلًا.

فمن بدون إصلاح جذري للتشريع النقابي، يبقى استقلال المحاماة في سوريا منقوصًا، وتظلّ النقابة عاجزة عن أداء دورها كمدافع عن حقوق المحامين وشريك حقيقي في تحقيق العدالة.

توصيات لإصلاح وضع المحاماة في سوريا بعد 2024

في ضوء الثغرات التشريعية التي يعاني منها الإطار القانوني المنظم لمهنة المحاماة في سوريا، يبدو من الضروري العمل على إصلاحات جذرية تعيد الاعتبار لمكانة المحاماة، وتكفل استقلال المحامي وفعالية دوره كشريك في تحقيق العدالة.

أولًا: الإصلاحات العاجلة (قصيرة المدى)

  1. تعديل قانون أصول المحاكمات الجزائية بما يضمن:
    • إعلام الموقوف بحقوقه فور توقيفه، وعلى رأسها الحق في الصمت وحق الاستعانة بمحام.
    • إلزام حضور المحامي في جميع مراحل التحقيق، خصوصًا في قضايا الأحداث، والجنح التي تنطوي على عقوبات سالبة للحرية، والقضايا السياسية.
  2. ضمان التمثيل القانوني الإلزامي للقُصّر في جميع أنواع القضايا، من دون استثناء.
  3. السماح للمشتبه به برفض المحامي المعين له إن شكّ في حياده أو استقلاله، خاصة في القضايا الحساسة.
  4. تجميد وإعادة النظر في الملاحقات التأديبية ذات الطابع السياسي التي طالت المحامين في عهد النظام السابق.
  5. إبلاغ نقابة المحامين فورًا عند توقيف أي محامٍ، وتمكينها من التواصل معه من دون تأخير.
  6. تحديث مدونة سلوك مهنية انتقالية تُراعي المعايير الدولية، وتُلزم بها النقابة بشكل مؤقت.

ثانيًا: الإصلاحات بعيدة المدى (الاستراتيجية)

  1. إدراج نص صريح في الدستور الجديد يعترف بمهنة المحاماة كمكوّن أساسي في منظومة العدالة، ويكفل استقلالها التام.
  2. إعادة صياغة قانون تنظيم مهنة المحاماة لضمان:
    • استقلال النقابة ماليًا وإداريًا.
    • حرية العمل النقابي والتعددية الداخلية.
    • رقابة فعالة من داخل الجسم المهني على التأديب، وفقًا لضمانات المحاكمة العادلة.
  3. إقرار مبدأ إلزامية التمثيل القانوني في الجنح ذات العقوبات السالبة للحرية.
  4. تعزيز ارتباط النقابة بالمعايير الدولية وفتح باب التعاون مع اتحادات المحامين في العالم العربي والدولي.
  5. ضمان تمكين المحامين من ممارسة حرية التعبير والانخراط في الحياة العامة دون ملاحقة.

ثالثًا: استعادة استقلال نقابة المحامين وشرعيتها

بعد سقوط النظام السياسي في عام 2024، تم حلّ مجلس نقابة المحامين وتعيين مجلس بديل بأوامر شفهية من وزير العدل في السلطة الانتقالية، كما حُلّت المجالس الفرعية في المحافظات وعُيّنت بدائل عنها. حتى تاريخ كتابة هذا المقال، لم تتم الدعوة إلى انتخابات حرة تمكّن المحامين من اختيار ممثليهم، ما يطعن في شرعية أي إصلاح يصدر عن هذا المجلس المؤقت.

إن استعادة استقلال المحاماة تبدأ من استعادة شرعية تمثيلها. وبالتالي يجب أن تكون الدعوة الفورية إلى انتخابات ديمقراطية لمجلس النقابة على رأس أولويات الإصلاح، لأنها وحدها الكفيلة بإعادة بناء الثقة، وإطلاق مسار تحديث قانون المهنة بشراكة حقيقية مع المحامين أنفسهم.

إن استمرار إدارة النقابة بقرارات تعيين من خارج الهيئة العامة، هو أمر يناقض روح دولة القانون، ويعرض المحامين لمزيد من التقييد المهني، ويُفقد أي خطاب إصلاحي مصداقيته، خاصة أن دور النقابة هو أن تكون حاميةً لحرية المحامي، لا وسيطًا بينه وبين السلطة.

لذا، لا يمكن الحديث عن إصلاح مهنة المحاماة في سوريا، من دون إعادة بناء النقابة نفسها على أسس ديمقراطية، مستقلة، وتمثيلية.

الخاتمة

إنّ المحاكمة العادلة لا يمكن أن تتحقّق من دون ضمان الوصول إلى تمثيل قانوني مستقل وفعّال. فاستقلال المحامي، وحصانته، وحقه في ممارسة دوره بحرية من دون تدخل أو ترهيب، ليست امتيازات مهنية، بل شروط ضرورية لحماية الحقوق والحريات الأساسية.

يلعب المحامي دورًا محوريًا في تحقيق التوازن بين الفرد والدولة، وفي كشف التعسف، والتصدي لانتهاكات الإجراءات، وضمان صوت الدفاع داخل المنظومة القضائية. ومن واجب الدولة، بموجب المعايير الدولية، أن توفّر لهذا الدور الحماية الكافية والاعتراف التشريعي الكامل.

وفي السياق السوري، يكشف تحليل النصوص القانونية الوطنية عن فجوات خطيرة في ضمان هذه الحقوق، ولا سيَّما في قضايا الجنح، والقضايا ذات الطابع السياسي، وقضايا الأحداث، وهو ما يستدعي مراجعة تشريعية عميقة ومتأنيّة.

لا ينحصر دور المحامي في مجرد الدفاع عن موكله أو تمثيله، بل إن جوهر دوره يكمن في كونه مدافعًا عن العدالة ذاتها.

 

منشورات آخرى

صدر حديثاً