قرار من أجل العدالة الألمانية

 

بعد نحو ثلاث سنوات من التحقيقات الجنائية، والمرافعات القضائية بين الادّعاء والدفاع، وبعد الاستماع إلى عشرات الشهادات، ووسط جدل كبير في صفوف السوريين المعنيين مباشرة بهذه القضية، أيًا كانت مواقفهم السياسية، بين مؤيد ومعارض ومتحفظ على المحكمة وظروفها وظروف أطرافها، أصدرت المحكمة الإقليمية العليا في بلدة كوبلنز، جنوب غربي ألمانيا، حكمها في حقّ الضابط السابق في المخابرات العامة السورية، أنور رسلان، بالسجن المؤبد غير المشدد القابل للإفراج عنه بعد 15 عامًا على الأقل. ودانت المحكمة رسلان بما وُجِّه إليه من اتهامات ترتبط بجرائم ضد الإنسانية، بما فيها التعذيب، والقتل، والعنف الجنسي.

لا شك في أن المحاكمة لم تنته عند هذه النقطة، وسيكون قرار الإدانة خاضعًا للتفحص من قبل محكمة النقض، وذلك قبل اكتسابه الدرجة القطعية، ما لم يتنازل المدعى عليه عن حقه في ذلك، صراحة أو ضمنًا، بعدم سلوك الطعن.

وكما في كل مناسبة تتعلق بهذه المحاكمة، وفي غيرها من المناسبات أو الأحداث المرتبطة بالحالة السورية، انقسم السوريون بين مرحب ومنتقد للقرار. لكن في الحقيقة هناك خصوصية لهذا الحدث تميِّزه من غيره من الأحداث. نحن نتحدث هنا عن قضية تبحث في عمق المأساة السورية، وتنبش الذاكرة لنستعيد معها مشاعر الخوف والقهر والألم، وتخبرنا بصفحة واحدة من آلاف الصفحات التي تروي وحشية النظام في حقّ السوريين.

يحار المرء من أين يبدأ السرد عندما تتمحور قصته حول قضية تحرِّك في داخله مشاعر متناقضة، ولا سيّما عندما نجد أنفسنا أمام تساؤلات معلقة من دون إجابات محدّدة. ما يزيد من تعقيد وتناقض تلك المشاعر هو طبيعة القضية بحدّ ذاتها، فنحن وإن كنا أمام مسألة قانونية وقضائية بطبيعتها، إلّا أنّ لهذه المسألة جوانب سياسية ووطنية وإنسانية أيضًا.

بغض النظر عن القناعة الشخصية لكل منا بمدى عدالة المحاكمة ونتيجتها، إلا أننا نجد أنفسنا أمام حقيقتين لا بدّ من الإقرار بهما، أولًا: إنه من غير المقبول الطعن بنزاهة المحكمة، ولا سيّما بعد كل ما شاهدناه من حرص شديد في منح المتهمين كل وسائل الدفاع المتاحة قانونًا، وفي إهدار المحكمة لعدد كبير من شهادات الضحايا والشهود بسبب تناقضها أو عدم دقتها، وأخيرًا حصر ارتكاز المحكمة في قرارها على الشهادات المتماسكة والموثوقة. ثانيًا، لا بدّ من الاعتراف برمزية هذا القرار، بوصفه أول وثيقة رسمية صادرة عن جهة شرعية، تتضمن توصيفًا قانونيًا محكمًا للجرائم المرتكبة في سورية. ومما لا شك فيه هو أن هذه الرمزية سيكون لها تأثيرٌ كبيرٌ في مجريات أي محاكمة قد تلتئم مستقبلًا بشأن الجرائم المرتكبة في سورية.

واحدة من بين المسائل القانونية والأخلاقية في آنٍ معًا، والتي لاقت جدلًا واسعًا، هي قضية محاكمة المنشقين على النظام السوري ومسؤوليتهم عما ارتكبوه أو شاركوا في ارتكابه من جرائم قبل انشقاقهم. من الناحية القانونية، من غير الممكن الذهاب إلى اعتبار الانشقاق وحده، حتى ولو تلا ذلك الانشقاق انتقال المتهم إلى صفوف المعارضة للعمل ضدّ النظام، سببًا قانونيًا لرفع المسؤولية عنه أو مانعًا من عقابه، وإلّا فإننا سنكون أمام حالة من حالات إنكار العدالة. فالواقع الذي لا يمكن تغييره هو أن هناك جرائم قد ارتكبت فعلًا، وهي جرائم معاقب عليها، ومع التمسك بمبادئ سيادة القانون والمساواة أمامه، وهي من بين المبادئ التي نادت بها الثورة السورية، نجد أنه لا بدّ من محاكمة أي متهم، بغض النظر عن صفته أو ظروفه، عمّا ارتكب أو شارك أو ساعد في ارتكابه من جرائم. أما أخلاقيًا، وعلى الرغم من أن الحق بالاقتصاص من المجرم هو في طبيعته حق عام يعود إلى المجتمع ككل وليس فحسب إلى الضحايا الذين قد يكون من بينهم من يصفح عن المجرمين، فالأصل، أنه لو كان الاعتذار من الضحايا والتعبير عن الندم كافيًا للتعويض عما لحق بالضحية من ألم وضرر، لاعتذر جميع المجرمين وأعلنوا عن ندمهم عمّا اقترفوه، وأفلتوا جميعًا من العقاب. في الحقيقة، لا شيء يعوِّض الضحية عمّا لحق بها، إلّا أن الغاية من المحاكمة والعقاب تكمن في تحقيق استقرار المجتمع وتهدئة أنفس الضحايا وذويهم ليتمكنوا من متابعة حياتهم من دون خوف أو قلق أو رغبة في الانتقام. إذًا في الحصيلة لا يجوز التعميم باعتبار الانشقاق او الاعتذار سببًا لتجنب المحاكمة، كما لا يجوز في المقابل اعتبار كلّ من لم ينشق على النظام مجرمًا وتجب محاسبته، وسيكون من أهم تجليات العدالة في أي محاكمة مقبلة أن تراعى خصوصية كل حالة بشكل منفصل عن السياق العام المتمثل بالعمل في أجهزة الأمن أو غيرها من أجهزة الدولة. وفي الحديث عن السياق العام نجد أنفسنا، عدلًا وأخلاقًا، ملزمين بالإجابة عن سؤال حاسم في تحديد مدى المسؤولية عن الجرائم المقترفة، هل كان للمتهم خلال وجوده على رأس عمله أن يغيِّر من واقع الضحايا، وأن يمنع ارتكاب تلك الجرائم بحقّهم؟ وما النتائج أو المخاطر التي كان سيلاقيها، ومدى تأثير كل ذلك في إرادته وقراره، وبالتالي في مسؤوليته؟ تعود بنا هذه التساؤلات إلى التأكيد أنه من غير الممكن الركون إلى قاعدة عامة، وأنه لا بدّ من البحث في الوقائع والظروف الخاصة بكل قضية وبكل متهم، وأن على أي محكمة أن تولي هذا الجانب حقه من البحث والاستفاضة بالنقاش حتى تتمكن من اتّخاذ القرار الأقرب للحق، إذ ليس هناك من عقاب منصف بين الجاني والضحية.

من حق كل إنسان أن يعبِّر عن فرحه أو حزنه إزاء حدث ما، لكن قبل الانجرار إلى تيار المشاعر السعيدة أو التعسة هناك ما يجب التنبه إليه، وهو أن هذه المحكمة، ومنذ بداية التحقيقات الأولية وصولًا إلى يوم صدور الحكم، قد حظيت بتغطية إعلامية واسعة، وصلت في كثير من الأحيان إلى حدّ المبالغة بمدى أهميتها وما سيترتب عليها من نتائج، بل يمكن القول إن البعض ألبسها ثوبًا فضفاضًا لا يتناسب مع حجمها الحقيقي في التأثير في مسيرة العدالة في المسألة السورية.

هل يمكن اعتبار ما جرى في محكمة كوبلنز خطوة فعلية نحو تحقيق العدالة ومحاسبة الجناة؟

تفرض علينا هذه القضية الخوض ولو جزئيًا في الجانب السياسي، إذ ترتبط فكرة المحاسبة والعدالة الانتقالية ارتباطًا لصيقًا بترتيبات الحل السياسي، وهي ترتكز في وجودها على قرار وطني توافقي واعتراف ودعم دوليين. أي شرط من الشرطين السابقين لا يبدو قريب المنال، فالواقع السياسي متعثر، والمعارضة، التي يفترض أنها تمثل مصالح السوريين، هي في أضعاف حالاتها أمام ما يحققه النظام من تقدم على أرض الواقع وفي المجال الدبلوماسي. الحقيقة التي يتجنب الكثيرون الحديث عنها هي أن السلطة الحاكمة في سورية قد انتصرت فعلًا على معارضيها، وهي في ضوء هذا النصر لن تقبل بأي خطوة تعرضها للمساءلة عما ارتكبته من فظائع، كل ذلك بدعم من حلفائها، وبالتوازي مع تنكر دولي للمبادئ الإنسانية في مقابل ترجيح المصالح الاقتصادية والسياسية للعديد من الدول المؤثرة.

من الناحية القانونية، جميع المحاكمات التي عُقدت خارج سورية، لم تنتج عن قرار سياسي دولي بمحاسبة مجرمي الحرب في سورية، بل هي في حقيقتها تنفيذ لقوانين وطنية أجنبية تعاقب مرتكبي هذا النوع من الجرائم أيًا كانت جنسيتهم أو جنسية الضحايا وأينما وقعت، وهي تنطلق من مفهوم إنساني عام، باعتبار أن هذا النوع من الجرائم يمسّ الإنسانية ككل وجميع شعوب العالم، ومنها شعوب هذه الدول. فجميع المتهمين أو الجناة هم لاجئون في الدول الأوروبية التي تجري فيها تلك المحاكمات، وتم القبض عليهم وتوقيفهم بالاستفادة من ظرف إقامتهم في تلك الدول، ولم يجرِ اعتقالهم في الدول التي كانوا يقيمون فيها قبل لجوئهم بموجب مذكرات اعتقال وجلب دولية لمصلحة هذه المحاكم. أنور رسلان، على سبيل المثال لا الحصر، لو لم يكن لاجئًا في ألمانيا، وظل مقيمًا في الأردن لما عُقدت أساسًا محكمة كوبلنز من أجل النظر في ما ارتكبه من جرائم، وهذه الحال تنطبق على جميع المحاكمات الأخرى. بكلام آخر، لم تجر هذه المحاكمات من أجل تحقيق العدالة للشعب السوري بشكل خاص، وبالتالي لا يمكن النظر إليها على أنها خطوة فعلية نحو تحقيق العدالة للسوريين.

هل حقًا تمثل هذه المحاكمة، وما انتهت إليه من إدانة للمتهم، بارقة أمل للسوريين؟

ما يخفِّف من آلام السوريين هو أن مثل هذه المحاكمات تعبِّر عن اعتراف صريح بما تعرضوا له من وحشية، ولا سيّما أن هذا الاعتراف يصدر عن جهة قضائية محايدة وموضوعية. لكن هذا الاعتراف، بحدّ ذاته، لا يسمح لنا بالخلط بين الأمل والمصادفة أو الحظ. فالمصادفة التي أشرنا إليها في ما سبق عن إقامة المتهمين في الدول معينة، والتي شكلت السبب الرئيس لالتئام المحاكمات فيها، لا يجب أن تفسر بأكثر من حقيقتها. جميع السوريين الذين شاركوا في هذه المحاكمات من متهمين وضحايا وشهود ومحامين وناشطين حقوقيين وإعلاميين، أيًا كانت صفة أيًا منهم، كانوا جميعًا تحت سلطة قضاء أجنبي، وانحسرت أدوارهم جميعًا بما حدّدته قوانين أجنبية. لقد كانوا أطرافًا في هذه المحاكمات، بينما لم يكن أي من السوريين مشاركًا في صناعة القرار. وعلى الرغم من الألم الذي تكشفه هذه الحقيقة، إلّا أنّ هذا لا يعني، تحت أي ظرف، تفويت فرصة المشاركة وتقديم العون لمحاسبة أي مجرم، حتى لو اقتصر ذلك على محاسبة مجرم واحد.

إذا كان لا بدّ من الحديث عن بارقة الأمل، فهي تنحصر بما قدمه الضحايا والشهود والناشطون في جميع المجالات من جهد وتضحيات، فضلًا عن تعرّض بعضهم للمخاطر من جرّاء مساعدة المحكمة في سعيها للوصول إلى الحقيقة. هنا بالفعل، في هذه النقطة بالتحديد، يمكننا الحديث عن بارقة أمل بمجتمع مدني متضامن ومنظم، إذ لا يمكن إغفال الجهد الكبير والجبار الذي قدمه هؤلاء، وعلى رأسهم الناشطون الإعلاميون والحقوقيون، كما لا يمكن إغفال روح التضامن والغيرية التي ميزت معظم من أدلوا بشهاداتهم غير آبهين بما قد يلحق بهم من أخطار. أما المحكمة بحدّ ذاتها فهي ليست بارقة أمل.

لقد شكل القرار الصادر عن محكمة كوبلنز حدثًا إعلاميًا بارزًا، إذ تفاعلت معه، وسلطت عليه الضوء جميع وسائل الإعلام الناطقة بالعربية، المحلية والدولية، ومن بينها تلك ذات الحضور المؤثِّر. ولم يتوقف الأمر على المستوى الإعلامي، بل تجاوزه إلى المستوى الدولي والدبلوماسي. عدة دول أصدرت بيانات رسمية معبرة عن ترحيبها بقرار المحكمة. وإذا كان من نافل القول إنه من الواجب الترحيب بهذا القرار، إلا أنه يدعونا مجددًا إلى التفكير في مدى التقصير الدولي بما يتعلق بالقضايا الإنسانية على المستوى العالمي بشكل عام، وعلى مستوى القضية السورية بشكل خاص. تكاد تكون بعض البيانات المرحبة بالقرار والصادرة عن بعض الدول العظمى بمنزلة بيانات لحفظ ماء الوجه. أما على المستوى السوري، وعلى الرغم من التفاوت الكبير في المواقف تجاه القرار، إلا أنه لا بدّ من الترحيب بمثل هذه المحاكم والقرارات، على أن هذا الترحيب يجب ألّا يصل إلى حدود التبجيل والتعبير عن الشكر. تدخل القضاء في أي زمان أو مكان من أجل تنفيذ القانون وإحقاق الحق، هو واجب أساسًا وليس فضلًا، وقد قال العرب قديمًا “لا شكر على واجب”.

مهند البعلي

ناشط حقوقي سوري في مجال حقوق الإنسان والمنظمات المدنية غير الحكومية، محامٍ متخصِّص بقانون الأحوال المدنية وقضايا مكتومي القيد، وعديمي الجنسية، والزواج المختلط. لديه بحث في واقعة الولادة في القانون السوري لنيل لقب أستاذ في المحاماة ٢٠١٠، معاون مدير الأحوال المدنية في وزارة الداخلية ٢٠٠١ – ٢٠٠٨، عضو مؤسِّس في تجمع المحامين الديمقراطيين عام ٢٠١١، منسِّق مشروع الشبكة السورية لبناء السلام ٢٠١٢ – ٢٠١٣، مدير العمليات في منظمة ايتانا للتوثيق ٢٠١٤ – ٢٠١٥، عضو مجلس إدارة تجمع منظمات حقوق الإنسان في مدينة انجيه في فرنسا منذ العام ٢٠١٥، ناشط في منظمة فرنسا أرض اللجوء منذ العام ٢٠١٨.