مقدمة

تحتاج السياسة وقراءة مسارات الواقع واتجاهاته المستقبلية إلى الابتعاد من سطوة اللحظة الآنية وكثافتها، بما تخلقه من تفاؤل أو تشاؤم، والاقتراب أكثر من قراءة ما هو راهن في تواصله مع التاريخ. من هذه الزاوية، كان توقّع الآفاق السلبية لثورات الربيع العربي على المدى القريب، وربما المتوسط أيضًا، ممكنًا قبل الوصول إليها فعليًا، استنادًا إلى قراءة سياسية واقعية مرتبطة بقراءة تاريخية بعيدًا عن الرغبات والمواقف السياسية. صحيح أن النتائج الراهنة لم تكن حتمية، لكنها كانت الأكثر احتمالًا، وما دامت كذلك كان يمكن وضع استراتيجيات كبرى واتباع سياسات بعينها للحدّ من النتائج السلبية المتوقعة، وهذا عمل رئيس يقع على عاتق النخب الفكرية والسياسية. وصحيح أيضًا أن الثورات بحدّ ذاتها كانت خارجة على توقعاتنا، وأن الواقع يحتمل حدوث مفاجآت تتجاوز تفكيرنا وحساباتنا، لكن أهل السياسة ينبغي لهم ألا يرهنوا عملهم كله بحدوث المفاجآت التي يتمنونها.

تهدف هذه المقالة إلى القول إن ثورات الربيع العربي والانتقالات السياسية في المنطقة العربية جزء من مسار عالمي تاريخي باتجاه الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وأن هناك سمات عامة تميز الثورات والانتقالات كافة، مثلما هناك سمات خاصة بكل بلد، لكنها لا تصل إلى درجة عدم قابلية الدول العربية للديمقراطية، وتهدف أيضًا إلى إظهار ضعف النخب السياسية الثقافية، والقوى السياسية والمدنية، في المنطقة، فكرًا وخبرةً وأداءً؛ فكثير من إشكالات الثورات والانتقالات سببها هو هذا الضعف، لذلك تغدو الحالة الراهنة نتيجة متوقعة من حيث أبعادها الأساسية. وتحاول المقالة أيضًا استكشاف فهم آخر أوسع للمرحلة الانتقالية، يربطها بالثورة قبلها، على اعتبار أن الخيارات خلال مرحلة الثورة تؤثِّر كثيرًا في طبيعة المرحلة الانتقالية. وتهدف أخيرًا إلى وضع محدِّدات أساسية، وعامة، بالاستفادة من تجارب بلدان أخرى، لنجاح الانتقال السياسي الديمقراطي.