نبذة مختصرة

أدى الصراع إلى نزوح 1.5 مليون سوري إلى لبنان، وفي هذا السياق، أفادت التقارير بازدياد زواج الأطفال. نقدم هنا تحليلاً موضوعياً تقاطعيًا لحلقات نقاش مركزة، درست مجموعة تقاطعات محددة، وكيفية تأثيرها في ممارسات الزواج: هذه التقاطعات هي، أولًا: تقاطع حالة الهجرة والأمان، ثانيًا: تقاطع حالة الهجرة وعدم الاستقرار الاقتصادي، ثالثًا: تقاطع الأمان وعدم الاستقرار الاقتصادي، مع عد النوع الاجتماعي -الجنس- موضوعًا شاملًا. لغرض فهم كيفية تقاطع النزوح القسري مع نقاط الضعف الأخرى المعروفة على نطاق واسع، مثل الفقر وانعدام الأمن والنوع الاجتماعي، ومساهمة هذا النزوح في زيادة معدلات زواج الأطفال، من أجل توجيه الاستراتيجيات الشاملة لمعالجة ممارسات الزواج الضارة.

الاختصارات: FGD: Focus group discussion نقاشات جماعية مركزة؛ IPV: Intimate-partner violence عنف الشريك الحميم، GBV: Gender-based violence العنف القائم على النوع الاجتماعي، UNHCR المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

 

مقدمة

نتيجة النزاع المسلح في سورية منذ عام 2011، يستضيف لبنان حاليًا 1.5 مليون نازح سوري بما في ذلك 997,905 مسجلين لاجئين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، 2017). يصنف ما يقارب 70 في المئة من اللاجئين السوريين في لبنان على أنهم فقراء وفقًا لمعايير البنك الدولي (البنك الدولي، 2015)، ومع تزايد الديون والاعتماد المتزايد على المساعدات الغذائية، تعيش العديد من العائلات السورية في أوضاع محفوفة بالمخاطر. على سبيل المثال، في غياب المخيمات الرسمية، يعيش كثير من اللاجئين في مبانٍ مؤقتة داخل مستوطنات غير رسمية من الخيام في منطقة البقاع، أو في مساحات مستأجرة مزدحمة في المراكز الحضرية (مجتمعات عالمية -شركاء من أجل الخير، 2013). ولأن نسبة عدد اللاجئين إلى عدد السكان هي الأعلى في لبنان على مستوى العالم (Adaku et al., 2016) فإن ذلك يضع ضغطًا كبيرًا على اقتصاد لبنان الهش أصلًا، وعلى البنية التحتية للخدمات العامة (Cherri et al., 2016). ظهرت توترات بين المهجرين السوريين والمجتمع اللبناني المضيف، كانت ناتجة جزئياً من التنافس على طلب السلع الأساسية والخدمات وفرص كسب العيش. مع تصاعد التنافس على الضروريات الأساسية والاستقرار الاقتصادي، أخذت التقارير تشير إلى الإحباط  والتمييز الذي يتعرض له السوريون الذين أصبحوا كبش الفداء في لبنان (Guay, 2016).

يستضيف لبنان أكثر من 500 ألف طفل سوري نازح (هيومن رايتس ووتش، 2016)، تعرض بعضهم لإصابات جسدية وضغوط نفسية وانعدام الأمن الغذائي ونقص الخدمات الصحية الأساسية (Bartels et al., 2018; Child Protection Working Group, 2013؛ UNICEF,2016,، World Vision International, 2012). علاوة على ذلك، كثير من الأطفال السوريين لا يستطيعون الوصول إلى التعليم الرسمي، واضطروا إلى دخول سوق العمل للمساعدة في دعم أسرهم ماليًا (أبو شامة، 2013؛ اليونيسف، 2016 أ، 2014 أ). تم توثيق مخاطر إضافية على أساس النوع الاجتماعي -الجنس- تعرضت لها الفتيات السوريات النازحات، بما في ذلك التحرش والعنف القائم على النوع الاجتماعي (GBV)، وأثارت التقارير الأخيرة القلق بشأن زيادة معدلات زواج الأطفال في ظل الأزمة السورية (International Committee,2015; Save the children Fund, 2014; Spenser & Care International, 2015; UN Women, 2013; UNICEF, 2014a, 2014b; United Nation Population Fund, nd. ). على الرغم من وجود زواج الأطفال في سورية قبل الحرب، يبدو أن النزوح القسري قد زاد من انتشاره (اليونيسف، 2014 ب)، وفي عام 2017، ورد أن نحو 35 في المئة من الفتيات/ النساء السوريات اللاجئات في لبنان قد تزوجن قبل بلوغ سن الثامنة عشرة (مقارنة بـ 13 في المئة من الفتيات يتزوجن في سورية قبل سن الثامنة عشرة عام 2006) (اليونيسف، 2016 ب).

تُعرّف اليونيسف زواج الأطفال بأنه أي اتحاد رسمي أو غير رسمي يكون أحد طرفيه أو كلاهما أقل من 18 عامًا (مبادرة الحقوق الجنسية، 2013). يشمل الزواج المبكر، إضافة إلى ذلك، الحالات التي يكون فيها أحد الزوجين قد بلغ سن الرشد وفقًا للقوانين الوطنية، (فلا يعد طفلًا)، أو تجاوز سن 18 عامًا، لكنه ليس مستعدًا بعد جسديًا ولا عاطفيًا ولاجنسيًا ولانفسيًا للموافقة على الزواج. الزواج القسري، هو الزواج الذي لم يقدم فيه أحد الزوجين أو كلاهما موافقته الحرة والكاملة، يتعلق بالمادة 16 (2) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (الأمم المتحدة، 2)، وباتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (هيئة الأمم المتحدة للمرأة، بلا تاريخ). يدرك المؤلفون الفروق المهمة بين زواج الأطفال والزواج المبكر والزواج القسري، وتتقصد هذه الدراسة التركيز على زواج الأطفال، والذي يعد على نطاق واسع انتهاكًا لحقوق الإنسان وفقًا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان (الأمم المتحدة)، واتفاقية حقوق الطفل (مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، 1989)، اتفاقية الرضا بالزواج، والحد الأدنى لسن الزواج وتسجيل عقود الزواج (مكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بلا تاريخ)، والاتفاقية بشأن القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (هيئة الأمم المتحدة للمرأة، بلا تاريخ).

يعد زواج الأطفال مشكلة عالمية، مع استمرار عدم المساواة بين الجنسين والفقر في كونهما عاملين مساهمين رئيسين، ومع اعتقاد الأهل في حالات عديدة أنه الطريقة الأفضل لتأمين مستقبل بناتهم (منظمة العفو الدولية كندا، 2013؛ Ganchimeg et al.، 2014). تورد التقارير أن معدلات زواج الأطفال ترتفع خلال فترات النزاع المسلح والتهجير القسري، إذ إن تزايد مخاطر العنف الجنسي والتحرش يدفع بعض العائلات إلى الشعور بأن الزواج والزوج الصالح سيوفران الحماية اللازمة للفتيات (أبو شامة، 2013؛ راج، 2010؛ صندوق الأمم المتحدة للسكان، بلا تاريخ). وقد يرتبط ذلك أيضًا بفكرة أن الفتيات اللاتي تعرضن للعنف الجنسي يصبحن غير مناسبات للزواج ويجلبن العار لأسرهن. في هذه الظروف، يقوم بعض الآباء بترتيب زيجات الأطفال، في محاولة منهم للحد من هذه المخاطر أو منعها. علاوة على ذلك، غالبًا ما يرتبط النزاع المسلح والنزوح القسري بفقدان فرص العمل والفرص الاقتصادية، ما يؤدي إلى ضائقة مالية لأسر كثيرة، في هذه الأوضاع، يقرر بعض الآباء تزويج بناتهم قبل الأوان لكونه برأيهم وسيلة لضمان توفير متطلبات الفتيات وتلبية احتياجاتهن الأساسية.

ثمة مجموعة متزايدة من الأدلة حول عواقب زواج الأطفال بما في ذلك مخاطر الصحة الجنسية والإنجابية، مثل حالات الحمل والولادة المتعثرة (International Rescue Committee, 2015; Nguyen & Wodon, 2014; Nour, 2006; Nove et al., 2014; Save the Children Fund, 2014). خطر أعلى في ما يتعلق بوفاة حديثي الولادة، وموت الأجنة (هيومن رايتس ووتش، 2016 ؛ صندوق الأمم المتحدة للسكان، 2017 ؛ اليونيسف، 2016 أ، 2014 أ)، ومخاطر أعلى للإصابة بالأمراض المنقولة جنسيًا وفيروس نقص المناعة البشرية /الإيدز وسرطان عنق الرحم (Chaaban & Cunningham, 2011). علاوة على ذلك، غالبًا ما تكون الفتيات اللاتي يتزوجن مبكرًا أكثر عرضة لعنف الشريك الحميم (هيومان رايتس ووتش، 2016، اليونيسف 2016 أ، 2014 ب). ويؤدي زواج الأطفال إلى الحد من وصول الفتيات إلى التعليم، ما يحد من مهاراتهن الثقافية وإمكاناتهن لكسب العيش في المستقبل (Chaaban & Cunningham, 2011; Nguyen & Wodon, 2014; Parsons et al., 2015).

قليلة هي الأدلة المتوفرة حول العوامل المتداخلة التي تساهم في زواج الأطفال في التجمعات البشرية أثناء النزوح القسري. لا شك في أن عدم المساواة بين الجنسين والفقر لا يزالان من المحددات المهمة، ولكن ثمة حاجة إلى فهم أكثر تعمقًا ودقة حول كيفية تأثير النزوح القسري في زواج الأطفال. لمعالجة هذه الفجوة في الأدلة، يدرس هذا البحث التحليلي النوعي حالة زواج الأطفال في سياق الهجرة القسرية للأسر السورية إلى لبنان. وبشكل أكثر تحديدًا، كان هدفنا هو فهم أفضل لكيفية تقاطع سياسات الهجرة وتجارب اللجوء مع نقاط الضعف الأخرى، مثل الفقر وانعدام الأمن من منظور المجتمعات النازحة، للتأثير على القرارات المتعلقة بممارسات زواج الفتيات الصغيرات. نظرًا إلى أن نقاط الضعف هذه تتداخل في الحياة اليومية للأسر السورية، فإننا نعتقد أن فهم هذه التقاطعات مهم لتوجيه البرامج والسياسات الاستراتيجية لمعالجة مشكلة زواج الأطفال في المستقبل. في الواقع، بدلاً من النظر إلى زواج الأطفال عند العائلات النازحة على أنه امتداد للثقافة السورية أو النظام الأبوي، وجدنا أن معدلات زواج الأطفال تتأثر بهياكل الفقر وانعدام الأمن والهجرة والنوع الاجتماعي.

 

منهجيات البحث

أجرى فريق بحث متعدد التخصصات مسحًا ذا منهجيات مختلطة في عام 2016 (Bakhache et al., 2017; Bartels et al., 2018) وحلقات نقاش مركزة (FGDs) في عام 2017 حول موضوع زواج الأطفال في أوساط اللاجئين السوريين في لبنان. “أبعاد” هي جمعية مدنية لبنانية غير ربحية وغير سياسية وغير دينية، تعمل على تعزيز المساواة والحماية وتمكين المرأة. لها تاريخ من العمل المجتمعي مع مجتمعات اللاجئين السوريين، ولها علاقة جيدة جدًا مع المشاركين في حلقات النقاش المركزة. الأهم من ذلك أن “أبعاد” تمتلك تاريخًا من التعاون البحثي أيضًا، وقد حددت الحاجة إلى تحقيق نوعي لوجهات نظر المجتمعات السورية حول زواج الأطفال في لبنان من خلال عملها الخاص ونتائج الدراسات السابقة. يتألف شركاء البحث الكنديون من طبيبة وباحثة عالمية في الصحة العامة وعالم الأوبئة وعالمة اجتماعية قانونية. على مدار فترة المشروع، التقى فريق البحث شخصيًا وعبر الإنترنت لتطوير ومناقشة أدوات البحث والتحليل. كان الفريق على دراية بالمخاوف الأخلاقية وديناميات القوة للعمل مع المجتمعات الضعيفة والمشردة (الموضحة بمزيد من التفصيل أدناه)، وكان مدركًا لديناميات القوة داخل فريق البحث. كان أعضاء الفريق من “أبعاد” وجامعة كوينز شركاء متساوين ومتفاعلين قدر الإمكان خلال المشروع.

 

تطوير الأداة

طور الفريق متعدد التخصصات استبيانًا شبه منظم باللغة الإنكليزية وترجم إلى العربية. ثم جرى التحقق من الترجمة العربية بشكل مستقل من قبل شخص ناطق بالعربية لكونها اللغة الأم واستخدم هذا الاستبيان في جمع البيانات. هدف الاستبيان إلى الحصول على ملاحظات حول نتائج دراسة المنهجيات المختلطة المشار إليها سابقًا (Bartels et al., 2018) وجمع رؤى إضافية حول التصورات المتعلقة بزواج الأطفال عند العائلات السورية النازحة إلى لبنان. كان الهدف من حلقات النقاش المركزة تصور الاستجابات إلى الاستراتيجيات التي يمكن استخدامها لتقليل معدلات زواج الأطفال، وتخفيف الأضرار المحتملة. بناءً على خبرة “أبعاد” الطويلة في العمل مع المجتمعات، لم يتم جمع أي معلومات ديموغرافية أو غيرها من محددات الهوية للمشاركين (الفتيات والنساء والرجال)، بسبب الخوف من أن يؤدي ذلك إلى إثارة هواجس أمنية داخل هذه الجماعات، وخاصة لدى المشاركين الذكور. تجدر الإشارة إلى أنه في وقت جمع البيانات، كان العديد من النازحين السوريين قلقين بشأن التداعيات المحتملة لتحديد هويتهم، إذ كان بعضهم قد فر من الخدمة العسكرية أو كان معرضًا لخطر الاعتقال من النظام السوري بسبب اشتراكه في نشاط سياسي مناهض للحكومة.

الشكل 1. الإطار المفاهيمي للعوامل السياقية التي تؤثر على ممارسات الزواج في أماكن النزوح القسري. يوضح ثلاثة تقاطعات مهمة: (أ) حالة الهجرة والأمان، (ب) حالة الهجرة والفقر، (ج) حالة الفقر والأمان. يتم تقديم النوع الاجتماعي على أنه موضوع شامل يؤثر في التجارب على جميع المستويات.

 

جمع البيانات النوعية

في كانون الثاني/ يناير 2017، استضاف مركز “موارد أبعاد للمساواة بين الجنسين في لبنان”، بالتعاون مع جامعة كوينز، 10 حلقات نقاش مركزة (FGDs). نُفِّذت في إطار متابعة دراسة ذات منهجيات مختلطة تعد الأكبر، أُجريت في عام 2016 لغرض دراسة العوامل الاجتماعية والاقتصادية والأمنية والدينية والنفسية التي تساهم في زواج الأطفال في أوساط اللاجئين السوريين في لبنان (Bakhache et al., 2017; Bartels et al., 2018). أجري ما لا يقل عن ثلاث حلقات نقاش في كل منطقة جغرافية: بيروت/ جبل لبنان، وطرابلس والبقاع، إحداها مع فتيات سوريات (تتراوح أعمارهن بين 13 و18 عامًا)، وأخرى مع أمهات سوريات، وثالثة مع آباء سوريين. وكان البقاع استثناءً، إذ أجريت فيه جلستا نقاش مع نساء فوق سن 18 عامًا. تم الوصول إلى المشاركين بوساطة أحد أعضاء فريق “أبعاد” الميداني المنخرطين في نشاط في المجتمع المقصود.

تواصل العاملون الميدانيون في “أبعاد” مع المشاركين المحتملين، الذين شاركوا سابقًا في واحد أو أكثر من برامج “أبعاد” المجتمعية، لذا فقد تم استقطابهم من خلال شبكة العلاقات التابعة للمنظمة. أُبلغ جميع المشاركين المحتملين أن مشاركتهم طوعية، ولن يكون لها أي تأثير في حصولهم على الخدمات المقدمة من “أبعاد” أو غيرها من مقدمي الخدمات الإنسانية. قدم المشاركون المهتمون موافقة شفهية على المشاركة في الدراسة، وأُبلغوا بحقهم في إيقاف المشاركة في أي وقت خلال حلقات النقاش المركزة. لم يكن المشاركون في الحلقات بالضرورة من المشاركين في دراسة المنهجيات المختلطة في عام 2016.

شُرحت طبيعة البحث في بداية كل حلقة نقاش مركزة باستخدام نص موحد، وجرى تيسير الحلقات باللغة العربية على يد أحد أعضاء فريق “أبعاد” ذوي الخبرة في العمل مع الناجين، وكذلك مع النساء والفتيات المعرضات لخطر العنف القائم على أساس النوع الاجتماعي. دارت جميع المناقشات باللغة العربية وسُجلت صوتيًا بعد استئذان المشاركين. نُسخت الملفات الصوتية لاحقًا، وترجمت من العربية إلى الإنجليزية للترميز والتحليل. تمت مراجعة النصوص من متحدث باللغة العربية من أجل الدقة والتفسير الدقيق.

 

تحليل البيانات النوعية

كان غرض التحليل فهم أفضل لكيفية تأثر عمليات الزواج في أوساط الشباب السوريين بالهجرة القسرية الناتجة من النزاع المسلح المستمر في سورية. على هذا النحو، أجري تحليل موضوعي استقرائي للنصوص وفقًا لبراون وكلارك Braun & Clarke مع دمج المنهج الموضوعي الكامن من أجل دراسة الأيديولوجيات الأساسية التي من الممكن أن تكون قد شكلت البيانات (Braun & Clarke, 2006). بعد التعرف إلى البيانات وفهمها، أنشئت الرموز في برنامج NVivo، ثم استخدمت لتحديد المواضيع الأولية من النصوص (SB). روجعت الموضوعات جميعها وحددت وسميت، ثم استخدمت لإنشاء نموذج مفاهيمي (SB، SM، AB)[D] يمثل النتائج المعروضة في الشكل 1. كانت العلاقة الثلاثية، والحوار النقدي بين الباحثين ضروريين للتحليل، وكان الفريق متيقظًا في تحديد البيانات الأوثق صلة بالإطار التحليلي المستخدم. حددت أربعة مواضيع رئيسة من البيانات باستخدام نهج استقرائي أو من أسفل إلى أعلى وهي : أولًا: انعدام الأمن الاقتصادي، ثانيًا: مخاوف تتعلق بالأمان، ثالثًا: النوع الاجتماعي، ورابعًا. حالة الهجرة.

ثم استخدم التقاطع نهجًا نظريًا لاستكشاف كيفية تفاعل البنى الأربعة المحددة على أنها نقاط ضعف اجتماعية تؤثر في بعضها بعضًا في ما يتعلق بممارسات زواج الأطفال. كانت البيانات تراجع عند الحاجة لتحديد التقاطعات وفقًا للإطار النظري المطوّر والمستخدم استقرائيًا. بدلاً من التفسير التقليدي للتقاطعات، مثل دراسة كيفية تضافر الهويات الاجتماعية والسياسية لتفاقم التمييز، كما قدمها كرينشوا Crenshaw (1989) وعلماء آخرون، يدرس هذا التحليل التقاطعات بين نقاط الضعف البنيوية المختلفة في زواج الأطفال بعد النزوح. وبشكل أكثر تحديدًا، جرى اتباع نهج تصنيفي أو تصنيفي داخلي ضمن التقاطع، كما وصفه ماك كال McCall (2005) في محاولة لفهم طبيعة العلاقات بين نقاط الضعف الاجتماعية المحددة، وكيف تغير وما زال يتغير دور هذه العلاقات  بدلالة التهجير من سورية الى لبنان.

من الجدير بالذكر أننا اعتمدنا توظيف الجنس/ النوع الاجتماعي على أنه متغير متقاطع مع كل من المواضيع الثلاثة المحددة: انعدام الأمن الاقتصادي، مخاوف السلامة/ الأمان، وحالة الهجرة، على العكس من عده هوية مستقلة كما قدمه كرينشو (1989) Crenshaw. اتخذنا هذا القرار بناء على ثلاثة أسباب. أولًا، أظهرت الدراسة السابقة اللأساليب المختلطة ذاتها (Bartels et al., 2018) اختلافات كمية كبيرة بين الجنسين في كيفية النظر إلى زواج الأطفال، ما يؤكد الحاجة إلى مزيد من التحقيق اعتمادًا على نوع الجنس، وبنهج متعدد الجوانب. ثانيًا، نظرًا إلى أن وجهات نظر الرجل طرفًا أول غالبًا، ما كانت غائبة عن دراسات زواج الأطفال (على وجه الخصوص، وجهات نظر الشباب والآباء صغيري السن)، فقد اعتقدنا أن تضمين حلقات نقاش مركزة للذكور يمثل فرصة فريدة لسد الفجوة في سياق فهم زواج الأطفال في مجتمعات النازحين. باتباع هنري Henry، فإن إدراج وجهات نظر الرجال في تحليلنا المتعدد الجوانب لم تبعده بعيدًا عن “الامتياز والسلطة الذكورية” (Henry, 2017). أخيرًا، يعد الفهم العميق للعوامل التي تؤثر في زواج الأطفال من منظور جنساني /جندري أمرًا حيويًا لأن الرجال غالبًا ما يكونون صانعي القرار الرئيسين في الأسرة (مرتضى وآخرون، 2017).

 

المراجعة الأخلاقية

حصل بروتوكول البحث على موافقة مجلس أخلاقيات البحوث بجامعة كوينز للعلوم الصحية والمستشفيات التعليمية التابعة لها مسجلة برقم (6020027). كان الأفراد الذين تزيد أعمارهم عن 13 عامًا مؤهلين للمشاركة، وتم تعيين أعضاء حلقة النقاش المركزة من داخل البرامج المجتمعية التي يقدمها مركز موارد أبعاد للمساواة بين الجنسين في كل من المواقع الثلاثة. أعطى المشاركون كلهم موافقة شفهية واضحة قبل بدء حلقات النقاش المركزة. وفقًا لعمل ريما حباب، ندرك أن الموافقة الحرة والصريحة تمثل تحديًا عند إجراء بحث مع اللاجئين الذين يعيشون في بيئات محفوفة بالمخاطر، نظرًا إلى أن الاستقلالية المقيدة والأوضاع الأخرى قد تؤدي من دون قصد إلى أوضاع قسرية (حبيب، 2019). ومع ذلك، حاول فريق البحث أن يكون حساسًا تجاه هذه الحقيقة أثناء تنفيذ الدراسة. على سبيل المثال، أجريت عملية التوظيف من فرق أبعاد الميدانية، وامتنعنا عن استخدام حراس بوابات المجتمع مثل “شاويش” لتحديد المشاركين في الدراسة، من أجل تقليل احتمالات الموافقة القسرية بسبب اختلال توازن القوى بين أفراد المجتمع وحراس البوابة. كما طُلب من المشاركين عدم مشاركة الأسماء أو معلومات تعريفية أخرى أو الكشف عن تفاصيل حلقة النقاش خارجها. قدمت مرطبات للمشاركين في حلقات النقاش وتكاليف التنقل فقط، ولم يقدم أي تعويضات أو حوافز مالية أو غيرها.

الموقع

المشاركون

العدد

بيروت / جبل لبنان

فتيات

12

نساء

16

رجال

9

البقاع

فتيات

2

حلقة بحث مركزة من النساء 1

15

حلقة بحث مركزة من النساء 2

15

رجال

11

طرابلس

فتيات

3

نساء

12

رجال

4

الجدول رقم 1 يوضح عدد المشاركات والمشاركين في كل حلقة نقاش بحسب الموقع

 

النتائج

يوضح الجدول رقم 1 أعلاه أعداد المشاركين والمشاركات في كل من حلقات النقاش المركزة بحسب الموقع.

كما هو موضح في الشكل 1، حدد هذا التحليل الموضوعي ثلاثة عوامل مرتبطة بما بعد الهجرة، ساهمت في زواج الأطفال لدى عائلات اللاجئين السوريين في لبنان: هذه العوامل هي حالة الهجرة، الأمان، وانعدام الأمن الاقتصادي. في هذه الدراسة، يشير مصطلح “حالة الهجرة” إلى الجنسية ووضع اللاجئ والإقامة القانونية. يشير مصطلح “اللاجئ السوري” إلى مواطن سوري عرّف نفسه على أنه قد نزح إلى لبنان نتيجة النزاع المسلح في سورية، بغض النظر عما إذا كان مسجلاً رسميًا لاجئًا لدى المفوضية أم لا. كان “عدم الاستقرار الاقتصادي” مصطلحًا مشتقًا مباشرة من البيانات، وتم اعتماده ليعكس حالة عدم القدرة على التنبؤ بالغد، والتغيرات التي سترافقه في دخل الأسرة (سلبية غالبًا).

في حين تم توثيق عنصري الأمان والفقر توثيقًا جيدًا على أنهما مساهمين منفردين في زواج الأطفال خاصة في الإطار الإنساني، فإن هذا التحليل يساهم في دراسة التقاطع بين حالة الهجرة والأمان، وكذلك التقاطع بين حالة الهجرة وانعدام الأمن الاقتصادي. من خلال القيام بذلك، فإننا ندرك الدور المركزي الذي تؤديه حالة الهجرة في تفاقم المخاطر المعروفة المتعلقة بفقدان الأمان وانعدام الأمن الاقتصادي للفتيات المراهقات اللاجئات. يرتبط الأمان وانعدام الأمن الاقتصادي ببعضهما بعضًا بعلاقة ثنائية الاتجاه، وسيتم استكشاف هذا التقاطع أيضًا. ننظر إلى نوع الجنس على أنه عامل رابع حاسم وشامل، يتخلل كل من التقاطعات الثلاثة المذكورة أعلاه. بدلاً من دراسة نوع الجنس عاملًا مستقلًا، سيتم دمجه في كل من التحليلات المذكورة أعلاه نظرًا إلى أن كل تقاطع يتم اختباره بشكل مختلف من قبل الرجال /الأولاد والنساء /الفتيات كما هو موضح في الرموز الجنسانية على الأسهم في الشكل 1. سنعرض مقتطفات من حلقات النقاش المركزة لتوضيح التجارب الجنسانية في كل من التقاطعات الثلاثة المعروضة أدناه.

التقاطع 1: حالة الهجرة والأمان

أثيرت بوضوح مخاوف تتعلق بالسلامة والأمن في جميع حلقات النقاش المركزة، وفي حالات كثيرة كان يُنظر إلى هذه المخاوف على أنها ناتجة من كون الشخص لاجئًا سوريًا في لبنان. أفاد العديد من المشاركين أنهم وأفراد عائلاتهم تم تحديدهم كأهداف للعنف القائم على النوع الاجتماعي والسرقة والعنف وما إلى ذلك، ما جعلهم يخشون على سلامتهم لأنهم سوريون. في حالات أخرى، منعت الممارسات والسياسات التمييزية الملموسة داخل لبنان اللاجئين السوريين من الحصول على الوثائق القانونية المطلوبة التي تسمح لهم بعبور نقاط التفتيش التابعة للشرطة، والتمتع بحرية تنقل آمنة. في حين أثيرت مخاوف أمنية لجميع أفراد الأسرة، كانت سلامة النساء والفتيات السوريات قضية خاصة في المناقشات التي جرت في المواقع الثلاثة. مرة أخرى، كان هناك شعور واضح بأن النساء والفتيات مستهدفات على وجه التحديد لأنهن سوريات. وكما قال أحد الرجال في بيروت، “إنهم [اللبنانيون] يهينون الفتيات السوريات ويقولون كلمات بذيئة، بل إن بعضهم يدخلون ويخلعون ملابسهم”. شعر مشاركون عديدون أنه ليس لديهم آلية أو سبيل يلجؤون إليه، لأن إقامتهم غير قانونية في لبنان. كان ثمة شعور أن أفراد المجتمع المضيف فد أدركوا هذا الضعف، وأن بعض السوريين استُغلوا عن قصد لأنهم كانوا مهاجرين غير شرعيين إلى لبنان. على سبيل المثال، ذكر رجل آخر في حلقة النقاش المركزة في بيروت:

عندما تمشي فتاة سورية في الشوارع، يرى الشباب اللبنانيون أنها سهلة المنال. “يمكنني التحدث معها، يمكنني التحرش بها.” هذا بسبب الوضع المالي، وليس هناك من يحميها. إنها فريسة سهلة. في حين أن شابًا لبنانيًا لا يقترب من فتاة لبنانية، إما لأن والدتها تعمل في القطاع الحكومي، أو لأن عائلتها معروفة، أو لديهم المال. الفتاة السورية ليست محمية. إذا اتصلن بالشرطة وقعن في مشكلة أن أوراقهن غير صالحة.

إذا ذهب اللاجئون السوريون إلى السلطات لتقديم شكوى، فسيُطلب منهم أولًا إبراز وثائقهم المجددة، ومن دون هذه الوثائق، سيكونون عرضة للسجن أو الغرامة أو حتى الترحيل. قالت امرأة في بيروت: “يقولون لها،” إذا لم تفعلي هذا، سأبلغ الشرطة/ الأمن “. إنهم ليسوا سوريين بل لبنانيين. إذا لم تفعلي ما نقول، فلن تبقي في هذه المنطقة“. في بعض الحالات، كان من الواضح أن المشاركين الذكور شعروا أنهم غير قادرين على حماية زوجاتهم من التحرش، كما عبر عن ذلك رجل في طرابلس:

اعتادت النساء على الخروج [في سورية]، وكان لديهن حريتهن، وكان هناك أمان. ولكن الآن إذا لم يكن الرجل معها، فلن يشعر بالأمان إذا خرجت. قد يتحرش بها شخص ما لفظيًا. إذا تركت زوجتي تخرج وحدها و”عاكسها” أحد ما، لا يمكنني فعل أي شيء لأني سوري.

حتى في الحالات القصوى التي تنطوي على اعتداء جنسي، شعر أغلب المشاركين بشكل قاطع أن السوريين في لبنان بلا حماية، وكان هناك شعور بالاستسلام لضرورة تحمل مثل هذه الانتهاكات. وهكذا، إضافة إلى المخاوف من إبلاغ الشرطة بتجربة ضحايا العنف القائم على النوع الاجتماعي في معظم أنحاء العالم، أعربت النساء والفتيات السوريات عن وجهة نظر مفادها أن وضعهن غير المستقر من حيث الهجرة أدى إلى تفاقم انعدام الأمان لديهن. كما قالت إحدى المشاركات في طرابلس:

لا يمكنك الذهاب إلى الأمن وتقديم شكوى ما لم يكن لديك أوراق صالحة. هذا مهم جدًا. إذا قاموا بضربك أو التحرش بك أو اغتصابك، فلا يمكنك الذهاب إلى الأمن إلا إذا كانت لديك أوراق سارية. عليك أن تصمتي. لا يوجد أمان.

تحدثت المشاركات بشكل مكثف عن مخاطر “التحرش” التي تتعرض لها الفتيات السوريات في مجتمعاتهن. كشفت متابعة استفسارات الباحثين عن المقصود بالتحرش أنه يمكن أن يعني أي شيء بدءًا من التحرش اللفظي من قبل الرجال في الشارع إلى الاعتداء الجنسي. عندما سُئلت مباشرة ممّ يحتاج الآباء أن يحموا بناتهم، أجابت إحدى المشاركات في بيروت، “إنهم يريدون حمايتهن من الاغتصاب بشكل أساسي“. توثق الأدلة الحديثة أن النساء والفتيات السوريات يواجهن مستويات عالية من أشكال متعددة من العنف القائم على النوع الاجتماعي في لبنان (مايكل وآخرون، 2018)؛ فالمخاطر المتصورة التي ناقشها المشاركون كانت مبررة.

كان ثمة شعور أن وجود ابنة لك في لبنان سيجلب مسؤولية إضافية تتمثل في الاضطرار إلى مرافقتها في كل مكان لأنه من غير الآمن لها أن تخرج بمفردها. قد تشكل هذه المسؤولية الإضافية في بيئة تعاني أصلًا من ضغوط عالية عاملًا مساهمًا إلى حد بعيد في زيادة تزويج الآباء بناتهم مبكرًا، خاصة إذا كانت المسؤولية الإضافية لمرافقتهم ستشغل الوالدين عن فرص عمل. كان هناك بعض الحديث في حلقات النقاش المركزة بين النساء والفتيات حول رغبة الفتيات في الحرية، على الرغم من المخاوف الموثقة جيدًا من قبل الرجال بشأن الأمان، والإشارة إلى أنه كان من الصعب في بعض الأحيان ضمان وجود الفتيات آمنات في المنزل. وعلقت إحدى الأمهات في البقاع على النحو التالي: “إنهن لسن محميات، ولا نسمح لهن بالخروج بمفردهن. إذا تركت ابنتك تفعل ما تريد، فستفقدها. الليلة الماضية هاجم مخمورون المخيم“.

كان يُنظر إلى لبنان على أنه أكثر “تحررًا” وأكثر “غربية”، ما أدى إلى القلق من أن الفتيات سيكنّ أكثر عرضة للانحراف عن القيم الثقافية. وقد أدى ذلك أحيانًا كثيرة إلى قيام الآباء بتقييد حركة الفتيات لكونها وسيلة لمنعهن من الانخراط في سلوكيات محفوفة بالمخاطر، وحمايتهن من الأذى. شاركت امرأة في بيروت وجهة نظرها قائلة:

يرتبط الزواج المبكر/ زواج الأطفال بالتقاليد والثقافة، ويخشى أن تنحرف الفتيات [في سورية]. هنا في لبنان أسهل [الانحراف]، هناك المزيد من الحرية والانفتاح الاجتماعي. لذلك، اختاروا [الأهل]  جعل ابنتهم تتزوج حتى لا تنحرف.

كان يُنظر إلى هذه المخاطر الأمنية على أنها عالية جدًا لدرجة أنه في بعض الحالات، لم تغادر النساء والفتيات المنزل مطلقًا، وكان الرجال هم الذين يجرؤون على الخروج إلى المجتمع فقط. قال أحد المشاركين الذكور في البقاع: “تُترك بناتنا في المنزل، والرجال فقط يغادرون المنزل”، وأفادت إحدى المشاركات في بيروت “اعتاد زوجي وأولادي العمل أما أنا وبناتي فنبقى في البيت 24 ساعة في اليوم“. في المثال الأكثر تطرفاً، اعترف مشارك ذكر في بيروت، “زوجتي، لم أخرجها منذ ثلاث سنوات“.

كما ورد في أبحاث أخرى (Abdulrahim et al., 2016; Bartels et al., 2018; Mourtada et al., 2017)، فإن تقييد حركة الفتيات السوريات يحد من فرصهن التعليمية ويساهم أحيانًا في شعور الآباء وكأن الخيار الأفضل هو تزويج بناتهم، إذ ليس لدى الفتيات في المنزل ما يشغل وقتهن مع تضاؤل الأمل بعودتهن إلى التعليم الرسمي”.

يمكن أن يكون تقييد الحركة شديدًا لدرجة أنه يؤدي إلى الشعور بالعزلة، وإلى اختيار بعض الفتيات الزواج وسيلة للخروج من الأوضاع المعيشية غير المواتية في منزل والديهن. وكما قالت فتاة في بيروت صراحة:

أولًا أريد أن أتحدث عن الفتيات اللواتي يتمتعن بالحماية أكثر من اللازم، يبدو الأمر وكأنهن في السجن، ليس لديهن الحرية الحقيقية. لا يمكنهم ببساطة الخروج من المنزل أو الاستمتاع بالهواء النقي أو رؤية شخص ما أو حتى الخروج إلى الشرفة. لا ينبغي أن يكون الأمر كذلك. هناك فرق بين أولئك اللواتي يتمتعن بالحماية الكافية والمحاطات بحماية زائدة.

في الحصيلة، عند تقاطع الأمان مع حالة الهجرة، اعتقد بعض الآباء أن بناتهم معرضات بشكل أكبر للتحرش والعنف لأنهن سوريات، ويبدو أن هذه المخاطر المتصورة تستند إلى أبحاث حديثة (Dionigi, 2016; Michael et al., 2018). غالبًا ما كان هذا مرتبطًا بتصور المجتمعات المضيفة المتزايد عن ضعف النساء والفتيات السوريات، لا سيما أنهن غالبًا ما يفتقرن إلى وسائل الإبلاغ عنه. على هذا النحو، ولحماية الفتيات، لجأ بعض الآباء السوريين إلى تزويج بناتهم في سن أصغر.

التقاطع الثاني: حالة الهجرة وانعدام الأمن الاقتصادي

أثيرت حالة انعدام الأمن الاقتصادي بشكل متكرر في جميع حلقات النقاش المركزة وفي حالات كثيرة كان يُنظر إليها على أنها تفاقمت بسبب حالة الهجرة. أفاد مشاركون أنه كان من الصعب العمل لكونك سوري، واستئجار سكن هو أمر أصعب، وما إلى ذلك. وفي حالات أخرى، منعت الممارسات والسياسات التمييزية الملموسة السوريين في لبنان من الحصول على الوثائق القانونية اللازمة التي تسمح بالحركة الآمنة والحرة، والعمل بشكل قانوني، وتسجيل أطفالهم في المدرسة، وما إلى ذلك، ماساهم في زيادة فقرهم. أخيرًا، بدا أن الرجال السوريين مستهدفون على وجه التحديد بالسرقة لأنهم لن يكونوا قادرين على إبلاغ الشرطة بهذه السرقات لعدم امتلاكهم الأوراق المجددة التي تسمح لهم بالوجود في لبنان بشكل قانوني.

 أجمعت كل من المجموعات الفرعية من المشاركين في حلقات النقاش المركزة في المواقع المختلفة على أن انعدام الأمن الاقتصادي كان أحد أكبر التحديات التي تواجه العائلات السورية في لبنان. أبرزت الاختلافات بين الحياة في سورية والحياة في لبنان بعض أسباب الفقر، وكذلك المتطلبات التي زادت من الضغوط الاقتصادية، بما في ذلك قوانين خدمات الدولة والوصول إلى العمل والزراعة. على سبيل المثال، علقت امرأة في بيروت قائلة:

كان الأمر أسهل في سورية، فقد كان يستطيع رجل يعمل في الزراعة تأمين عائلته، ليس كما هو الحال هنا في لبنان. في سورية كان كل شيء بالمجان (مدرسة، جامعة، صحة). زيادة عدد أفراد الأسرة وكونك لاجئًا كان له تأثير.

كان من الواضح مدى صعوبة مضي اللاجئ السوري قدمًا بسبب سياسات التوظيف المقيدة التي تساهم في ارتفاع معدلات البطالة، إلى جانب ندرة فرص العثور على عمل للسوري. على سبيل المثال، ذكرت إحدى المشاركات في طرابلس، “وضع بعض [أصحاب العمل] لافتات تقول “لا يُسمح للسوريين بالعمل.”

في الحالات التي ذكر فيها السوريون أنهم وصولوا إلى سوق العمل، أفاد المشاركون أنهم تعرضوا للاستغلال، لأن أجورهم كانت أقل من زملائهم اللبنانيين. مرة أخرى، كان إمكان اللجوء إلى تقديم شكاوى ضئيلًا بين الأفراد الذين هم في حاجة ماسة لكسب الدخل، بسبب عدم توفر وثائق صالحة. دار نقاش مهم حول كيف أن الدخل المكتسب أحيانًا كثيرة لم يكن كافياً لتلبية احتياجات الأسرة واحتياجات الفتيات على وجه التحديد. تعد النتيجة الأخيرة مهمة من حيث التأثير في مسألة زواج الأطفال، إذ يشعر الآباء الفقراء أحيانًا أنهم غير قادرين على إعالة بناتهم، ولذلك يتجهون إلى زواج الأطفال وسيلة لتأمين المستقبل الاقتصادي لبناتهم. أفادت امرأة في طرابلس:

السوريون يعملون ولكن بأجور أقل لأنهم يقبلون ما أعطاهم الله. إنهم يعملون كثيرًا وفي نهاية اليوم يحصلون على 10,000 ل.ل.1 والفتيات لديهن الكثير من الاحتياجات. لكن اللبنانيين لا يعملون كثيرًا ويطلبون المال. إنهم يطلبون وقتًا محددًا لراتب محدد وإذا لم يقبلوا، فلديهم بديل بخلاف السوريين.

جرت بعض الحوارات حول اختيار الفتيات الزواج وسيلةً لتلبية احتياجاتهن المالية والمادية، عندما أدركن أن أسرهن غير قادرة على القيام بذلك بسبب البطالة. قال رجل في طرابلس: “عندما جئنا إلى هنا تغيرت الأمور، فليس أمام الفتيات خيار إلا أن يرغبن في مغادرة منازلهن إذا كان آباؤهن لا يعتنون بهن ماليًا. يقلن، “أريد أن أتزوج حتى تتحسن حياتي لأن والدي لا يعمل ولا يستطيع شراء الأشياء التي أريدها”.

إضافة إلى تلقي رواتب أقل، كان من الواضح أنه في بعض الحالات، كانت تكاليف معيشة السوريين أعلى، وهو عبء تفاقم بسبب تلقي رواتب أقل. وروت امرأة في طرابلس كيف اعترف صاحب العقار بأنه سيؤجر مستأجرين سوريين بمعدل أعلى بـ 1،00،000 ل.ل. شهريًا.

سُلط الضوء على الروابط المتبادلة بين الفقر ووضع الهجرة وأثرهما في امتلاك الإمكانات لتجديد الأوراق الثبوتية من أجل الحصول على الوثائق القانونية اللازمة لحرية التنقل في لبنان.

 أشار رجل في بيروت إلى أن تجديد أوراقه كلفه 1,300 دولار. منع عدم وجود الأوراق المناسبة الكثيرين من اجتياز نقاط التفتيش الأمنية، وهو ما كان غالبًا يحد من قدرة المشاركين على العمل. نظرًا إلى أن النساء يواجهن تهديدات أمنية إضافية في مجتمعاتهن، وفي بعض الحالات ربما كان يُنظر إليهن على أنهن يتمتعن بإمكانات أقل في الكسب، فقد أعطيت أولوية أقل أحيانًا لتجديد وثائقهن، ومن ثم كانت النساء أقل احتمالية للحصول على وظيفة.

كانت عملية الحصول على وثائق صالحة باهظة الثمن، إذ تتراوح الأسعار المعروضة من 800 إلى 1,300 دولار أميركي لكل أسرة. كان انعدام الأمن الاقتصادي غالبًا هو سبب عدم تصحيح الوضع القانوني لوثائق العائلات، فلم تكن قادرة على العمل، ما أدى إلى استمرار دورة الفقر. تحدث المشاركون كيف يطلب منهم وجود كفيل لبناني، وهو الأمر الذي لم يكن ممكناً في أحيان كثيرة بسبب التوترات بين اللاجئين والمجتمعات المضيفة (إلا إذا كان أحدهم محظوظاً بما يكفي لأن يكون أحد أقرباء عائلته لبنانيًا).

مع قلة فرص العمل، وأجور أقل للموظفين السوريين، وارتفاع تكاليف المعيشة التمييزية، تعتمد عائلات عديدة عملَ الأطفال للمساعدة في تلبية الاحتياجات المالية للأسرة. أفادت إحدى المشاركات في طرابلس أن “معظم الأطفال السوريين ليسوا في المدارس، إنهم يعملون لإعالة الأسرة”. في بعض الحالات، يبدو أن حاجة الأطفال للعمل مرتبطة بكون الأهل لا يملكون الأموال اللازمة لتجديد الأوراق. من خلال العمل، كان الأطفال السوريون يساعدون في تلبية الاحتياجات الأساسية لأسرهم مثل الطعام والمأوى. كما أكدت سيدة في البقاع:

معظم الرجال لا يستطيعون العمل -ليس لديهم أوراق سارية المفعول/ قانونية، لذلك لا يمكنهم عبور حواجز الشرطة. لا يستطيعون التحرك من مكان إلى آخر. مع 10,000 ل.ل. مطلوبة يوميًا ماذا ستفعل؟ يُجبر الأطفال على العمل حتى نتمكن من دفع إيجار الخيمة.

نوقشت الضغوط الاقتصادية وعدم امتلاك الموارد المالية اللازمة للحصول على الوثائق اللازمة للتسجيل في المدارس، وخاصة بالنسبة إلى الفتيات السوريات. هذه النقطة جديرة بالملاحظة لأنه من الموثق جيدًا، سواء في أزمة اللاجئين السوريين أو في أماكن أخرى، أن إبقاء الفتيات في المدرسة هو استراتيجية مهمة لتأخير الزواج. أوضح أحد الآباء في بيروت: “كانت لدي مشكلات في التسجيل [في المدرسة]، يجب أن تكون أوراقها صالحة. لا يمكننا وضعها في المدرسة. لدي فقط الأوراق من المستشفى والمختار”.

ناقشت إحدى الحلقات كيف كان الخاطبون اللبنانيون المحتملون يهتمون في أحيان كثيرة بالزواج من النساء والفتيات السوريات لأن مهر العروس ونفقات الزفاف كانت عادة أقل، هذا يعني أن الزواج أسهل. أما من وجهة نظر الأسر السورية، فقد أفادت التقارير أنه بسبب انعدام الأمن الاقتصادي، يقبل الآباء الآن عروض زواج قد لا يقبلونها في أوضاع مختلفة. الفكرة النمطية المُقترحة أن العروس السورية ليست متطلبة مثل العروس اللبنانية ربما تعكس عدم تمكين النساء والفتيات السوريات نسبيًا، والاستعداد المحتمل للاستقرار في مواقف أقل من مثالية عندما يُنظر إلى محدودية الفرص المتاحة لمستقبل أفضل. قال رجل في بيروت:

لهذا السبب يضطر الناس إلى السماح لأطفالهم بالزواج في سن مبكرة مثل 13-14 لأن وضعهم المالي سيء. إنها عبء. أنا ضد زواج الأطفال -كيف يمكن لطفل أن يربي طفلاً؟ كلاهما يبكيان. نحن ضد [زواج الأطفال] ولكننا مضطرون لفعل ذلك بسبب الوضع المالي. نحن الرجال، لا نوفر احتياجات نسائنا، حتى الاحتياجات الأساسية مثل الطعام.

في الحصيلة، يتقاطع وضع الهجرة وانعدام الأمن الاقتصادي لخلق نقاط ضعف خاصة للفتيات السوريات، إذ تكافح العائلات في أحيان كثيرة لتوفير احتياجات بناتها من الطعام والمأوى، فضلًا عن القدرة على تعليمهن. مع أن الأبحاث السابقة حول زواج الأطفال أثبتت وجود صلة واضحة بين الوضع الاجتماعي والاقتصادي المنخفض للأسر وارتفاع معدل زواج الأطفال، فإن اكتشافنا أن النزوح يزيد من تكثيف هذا الارتباط هو أمر مهم. في ظل هذه الظروف، غالبًا ما يلجأ بعض الآباء السوريين، مثل الآباء الذين يواجهون محنًا مماثلة في أجزاء أخرى من العالم، إلى زواج الأطفال كونه الخيار الأفضل لكل من الأسرة والفتاة نفسها.

التقاطع 3: الأمان وانعدام الأمن الاقتصادي

 التقاطع الثالث الذي يساهم في زواج الأطفال لدى أسر اللاجئين السوريين في هذه الدراسة هو تقاطع الأمان مع انعدام الأمن الاقتصادي. كما نوقش أعلاه في ما يتعلق بتقاطع كل منهما مع حالة الهجرة، كان كل من عاملي الأمان وانعدام الأمن الاقتصادي من الموضوعات البارزة التي أثارها المشاركون في جميع حلقات النقاش المركزة في المواقع الثلاثة في لبنان. في بعض الحالات، شعر المشاركون بعدم الأمان بسبب القيود المالية  التي تركتهم في مواقف كان يُنظر إليها على أنها تزيد من ضعفهم (النقل العام، الإسكان، إلخ). علاوة على ذلك، فإن سياسات التوظيف التقييدية إلى جانب الافتقار إلى الأمان قريبًا من نقاط التفتيش التابعة للشرطة، وانعدام حرية الحركة تعني أن الآباء السوريين غير قادرين على العمل لتلبية الاحتياجات الاقتصادية لأسرهم، ما وضعهم في ضغوط اقتصادية أكبر مما كانوا سيواجهونه لو استطاعوا الخروج إلى العمل بأمان.

تركز إحدى تقاطعات الأمان/ الفقر المهمة حول أماكن الإقامة مع بعض المشاركين الذين أشاروا إلى أن السكن الميسور التكلفة للاجئين السوريين كان يقع عادة في أحياء غير آمنة وغير مرغوب فيها. تولدت الإشارة إلى العيش في مجتمعات أقل يسرًا في سياق مناقشة سلامة الفتيات السوريات. مع شعور الآباء بعدم وجود بديل للعيش في مثل هذه الأماكن أو عدم وجود بديل عنها، قد يقرر بعض الآباء تزويج بناتهم، ظناً منهم أن هذا الزواج طريقة لتحسين مستوى معيشتهن وأمنهن. أوضح رجل في بيروت:

  أما بالنسبة إلى الحماية والأمن، ففي الأماكن التي يأتي إليها معظم السوريين، الرخيصة نسبيًا، الناس هناك سيئوا السلوك وقليلوا الأخلاق. لا يمكننا العيش في أماكن الناس المتعلمين.

في وقائع أخرى، أفاد المشاركون أن استخدامهم لوسائل النقل العام (غالبًا بسبب عدم قدرتهم على دفع أجرة سيارة خاصة)، يعرضهم لخطر المضايقة، وهذه المضايقات، غالبًا حول إثبات امتلاك الوثائق الصالحة، كانت على وجه التحديد تستهدف السوريين خلافًا لمواطنين آخرين. وهنا يعلق رجل من بيروت مرة أخرى:

… هناك تمييز ضد السوريين. عندما يركب سوري في الحافلة، سيوقفون الحافلة لأن فيها سوري، على الرغم من وجود مصريين وجنسيات أخرى. بناءً على مظهرنا السوري، يُطلب منا إظهار أوراقنا. لا يتعين على الآخرين القيام بذلك.

في حالات كثيرة، كان من الواضح أن المشاركين يعتقدون أنه من غير الآمن لهم الخروج إلى العمل، حتى عندما تكون هناك فرص عمل متاحة. غالبًا ما ارتبطت المخاوف بشأن الأمان بعدم امتلاك وثائق قانونية صالحة من أجل عبور نقاط التفتيش التابعة للشرطة والجيش، والتي نتجت في النهاية من كونهم لاجئين، ومن مواجهة سياسات تمييزية ضد السوريين. أفاد مشارك في البقاع:

نحن نعيش على الحدود بين لبنان وسورية. ليس لدينا أوراق رسمية. لم نتمكن من القدوم إلى []. لدينا أوراق من الأمم المتحدة لكن الشرطة تخبرنا أن نلف بها سندويشًا، مع أنها تثبت أننا مسجلون.

تضمنت تداعيات عدم وجود وثائق مناسبة غرامات وترحيلًا وسجنًا. تؤثر هذه العقوبات الثلاث بشكل كبير على الموارد المالية للعائلة. قال رجل في حلقة نقاش البقاع إنه “اعتُقل مرتين وسُجن لمدة عامين”. وإدراكًا منها أن الافتقار إلى الوثائق الصالحة يجعل العمل صعبًا أو مستحيلًا، كانت بعض العائلات تستدين المال أو تقترض قروضًا في محاولة لتحصيل إمكان مزاولة العمل.

على الرغم من أنها مفيدة على المدى القصير، لكن مع ارتفاع معدلات التوظيف وبعد ذلك الاضطرار إلى دفع الفائدة، قد يضع هذا السلوك بعض العائلات تحت وطأة مزيد من الديون على المدى الطويل.

ركز تقاطع آخر بين الأمان وانعدام الأمن الاقتصادي على مدى صعوبة الوصول إلى التعليم، نتيجة الضغوط الاقتصادية، ولأنه كان من المتصور أن الفتيات يتعرضن لخطر التحرش سواء في المدرسة أو أثناء التنقل من وإلى المدرسة. في بعض الحالات، بدا الآباء مستسلمين لحقيقة أن بناتهم لن يتعلمن، وفي هذه الأوضاع غالبًا ما يوفر الزواج مزايا إضافية تتمثل في تقليل الضغوط المالية على الأسرة مع حماية شرفها أيضًا، وضمان سلامتها وتصور حصولها على مستقبل أفضل. قال أحد المشاركين في البقاع ما يلي:

 في سورية يمكن للفتاة أن تصبح معلمة أو طبيبة -لديها طموحات. عندما أتينا إلى لبنان تغير كل شيء. الوضع المالي صعب… يؤثر الوضع المالي في كل شيء. الفتاة لا تحب أن تتزوج في سن مبكرة، ولكن الآن ماذا يمكننا أن نفعل؟ نحن بحاجة إلى شخص ما لحماية شرفها. إذا كانت في منزل زوجها، فسيتحمل المسؤولية، وسيقل بعض العبء.

كان هناك نقاش في إحدى حلقات النقاش للرجال حول درجة إجبار الفتيات على الزواج في لبنان. أشار أحد الرجال إلى أنه إذا تقدم العريس المحتمل لابنته، فسيكون الأمر متروكًا لها لتقرر ما إذا كانت تريد الزواج. اختلف معظم الرجال الآخرين في الغرفة مع هذا المنظور مشيرين إلى أن الطريقة السرية التي تم بها إغراء الفتيات للزواج كانت، في جوهرها، وسيلة لإجبارها. على سبيل المثال، قال أحد الرجال في موقع بيروت ما يلي:

إنه يتحدث عن نفسه -الناس مثله هم 1 في المئة فقط. العديد من [الآباء] يجبرون الصغيرات على الزواج، والفتاة غير ناضجة، لذا يخبرونها أن هذا الرجل سيتزوجك، ويخرجك، ويحضر لك أشياء. بهذه الطريقة تجبر الفتاة ولكن بإقناعها.

كان التقاطع الأخير بين الأمان وانعدام الأمن الاقتصادي هو حلقة الفقر التي تؤثر في الفتيات السوريات على كل من المدى القصير والطويل، لأنهن غير قادرات على مواصلة تعليمهن الرسمي نتيجة مخاوف تتعلق بالأمان والمال. من دون تعليم رسمي أو تدريب على المهارات/ محو الأمية، من المرجح أن تعاني الفتيات من زيادة انعدام الأمن الاقتصادي، وسيكون أطفالهن أقل عرضة للتعلم وأكثر عرضة للعيش في فقر، ما يؤثر في الجيل التالي إضافة إلى هذا الجيل. هذه الدورة كانت موضع تقدير من قبل بعض المشاركين. عبر رجل في البقاع كيف تغيرت حياته عندما انتقلت عائلته إلى لبنان:

عندما أتينا إلى لبنان تغير كل شيء. الوضع المالي صعب وحالة الأسرة تؤثر في الوضع المالي. والوضع المالي بدوره يؤثر في التعليم، ثم يؤثر التعليم على الأسرة.  الوضع المالي يؤثر في كل شيء.

في الحصيلة، كان المشاركون أكثر فقرًا بسبب انعدام الأمن، وكانوا أكثر تعرضًا للخطر لأنهم فقراء. نظرًا إلى كون كل من الحاجة الاقتصادية والأمان من العوامل المستقلة المهمة التي تساهم في زواج الأطفال، فمن الأهمية بمكان فهم كيف أن التقاطع بين الاثنين يزيد من ضعف الفتيات، ولا سيما في حالات النزاع المسلح والهجرة القسرية. حتى في سن مبكرة، أدركت الفتيات السوريات أنفسهن أهمية هذين العاملين في ممارسات الزواج. كما شاركت فتاة في بيروت قائلة:

 يجبر بعض الناس أطفالهم على الزواج مبكرًا. إنهم خائفون عليهم -من أن شيئًا آخر سيحدث لهم. يعتمد ذلك على الوالدين أيضًا. يتم رشوة بعض الآباء بالمال لأخذ الفتاة أو يبيع الآباء بناتهم.

الآثار المترتبة على تدخل السياسة

أبرزت هذه الدراسة وبعد عشر حلقات نقاش مع ما مجموعه 99 من الفتيات والسيدات والرجال السوريين في لبنان الدور المتكامل للهجرة في التوسط بين انعدام الأمن الاقتصادي والأمان، كونها عوامل خطرة مساهمة في زواج الأطفال. تفاقم انعدام الأمن الاقتصادي والأمان نتيجة عدم وجود إقامة قانونية أو وضع لاجئ في لبنان. كان العكس صحيحًا أيضًا -فقد أدى انعدام الأمن الاقتصادي والمخاوف المتعلقة بالأمان إلى زيادة صعوبة الحصول على إقامة قانونية في لبنان. تم تصنيف التجارب في كل من التقاطعات الثلاثة التي تمت دراستها بين الجنسين حيث تم اختبارها بشكل مختلف من الذكور والإناث، ويبدو أنها كلها تساهم في قرارات تزويج الفتيات في سن أصغر. في حين أن حالة الهجرة وانعدام الأمن الاقتصادي والأمان قد يكون لها آثار سلبية أخرى على الرجال والفتيان (مثل التعرض للعنف، وتصورات ممارسات الزواج، وما إلى ذلك)، فقد تم تأطير المناقشات الحالية بشكل أساس حول النساء والفتيات. على الرغم من ذلك، تشير النتائج إلى أن سلامة الرجال واستقرارهم المالي يتأثران بوضعهم كمهاجرين. هناك حاجة إلى مزيد من البحث لتعميق فهمنا لتجارب الرجال والفتيان في أماكن النزوح القسري وكيف قد تتأثر هذه التجارب أو لا تتأثر بحالة الهجرة الخاصة بهم.

في عام 2015، نفذت الحكومة اللبنانية إجراءات جديدة لثني اللاجئين السوريين عن طلب اللجوء في لبنان. جعلت السياسة الجديدة من تجديد تصاريح الإقامة في لبنان أكثر صعوبة وأكثر تكلفة مع مطالبة جميع السوريين في الوقت نفسه بالحصول على وثائق رسمية تشير إلى مكان إقامتهم (Dionigi, 2016). نتيجة لهذه الإجراءات الجديدة التي تبدو تمييزية (Janmyr, 2016)، في عام 2018، كان ما يُقدر بـ 74 في المئة من السوريين في لبنان يفتقرون إلى الوضع القانوني وكانوا عرضة للاحتجاز بناء على وجودهم غير القانوني في البلاد (هيومن رايتس ووتش، 2018). أثارت هيومن رايتس ووتش مخاوف بشأن سياسة الإقامة في لبنان التي تجعل من الحفاظ على الوضع القانوني أمرًا صعبًا على السوريين، ما يزيد من مخاطر الاستغلال والانتهاك ويقيد وصول اللاجئين إلى العمل والتعليم والرعاية الصحية (هيومن رايتس ووتش، 2018). عدم وجود الصفة القانونية للجوء أو الإقامة يحرم النازحين من حقوقهم الأساسية ويحد من قدرتهم على الوصول إلى الخدمات والعدالة في لبنان (Dionigi, 2016). يكمن جوهر الموضوع في حقيقة أن لبنان لم يوقع على اتفاقية اللاجئين لعام 1951. علاوة على ذلك، لا يوجد في لبنان أي تشريع محلي رسمي خاص باللاجئين (Janmyr, 2017). نتيجة لهذه القرارات السياسية، لا يُمنح اللاجئون في لبنان أي وضع سوى “الرعايا الأجانب”، ما يجبرهم على العيش في البلاد بشكل غير قانوني، وغالبًا في ظل أوضاع قاسية ومهمشة (Janmyr, 2017). وبهذا، فإن لبنان ليس مُلزمًا بتوفير حق اللجوء للاجئين، وغير مطالب بمنح حق الوصول إلى المحاكم أو التعليم الابتدائي أو وثائق السفر. علاوة على ذلك، نتيجة عدم إجازة اتفاقية اللاجئين، لا يحق للاجئين في لبنان الحصول على الخدمات العامة وسوق العمل نفسها مثل المواطنين اللبنانيين.

لم يقدم التحليل الحالي أي رؤى حول ما إذا كان امتلاك بطاقة مفوضية شؤون اللاجئين الصالحة يخفف من التأثير السلبي لوضع الهجرة على الأمان و/ أو انعدام الأمن الاقتصادي. في الواقع، كان النقاش حول التسجيل لاجئًا غائبًا بشكل ملحوظ عن حلقات النقاش على الرغم من أن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين سجلت ما يقرب من مليون لاجئ سوري بين عامي 2011 و2015. وبدلاً من ذلك، كان التركيز بين المشاركين الحاليين على الحصول على الإقامة القانونية أو تجديد تصاريح الإقامة في لبنان. يجب أن تستكشف الأبحاث المستقبلية إلى أي مدى يحمي الحصول على وضع اللاجئ من المفوضية من الآثار السلبية لانعدام الأمن الاقتصادي والأمان في ما يتعلق بزواج الأطفال.

عند النظر في موضوع زواج الأطفال بين السكان النازحين قسرًا، تشير النتائج الحالية إلى أنه يجب إدراج السياسات المتعلقة بالإقامة القانونية في نهج أكثر شمولًا. على الرغم من أننا نوصي بأن يوافق لبنان على اتفاقية اللاجئين لعام 1951، إلا أن ذلك يظل بعيد الاحتمال في خضم أزمة اللاجئين الحالية، ونظرًا إلى أن الحكومة اللبنانية لم توقع عليها على الرغم من الضغوط الدولية الكبيرة على مر السنين. في غياب الموافقة على اتفاقية اللاجئين، هناك حاجة إلى الضغط المستمر على لبنان من قبل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين واليونيسف ووكالات حقوق الإنسان المحلية وغيرها لتوفير مساحة حماية للاجئين، ويجب التعامل مع الأزمة من منظور إنساني لا سياسي. من الملح بشكل خاص تسليط الضوء على كيفية تأثير سياسات الهجرة في صحة الأطفال وحقوقهم، ولا سيما صحة وحقوق الفتيات والشابات اللاتي يجبرن على الزواج قبل الأوان. إضافة إلى ذلك، يجب أن يقترن جهد مراجعة السياسات الخاصة بالسن القانوني للزواج في لبنان بالخدمات المجتمعية التي تهدف إلى زيادة آليات الحماية، والحد من انعدام الأمن الاقتصادي، وتوفير الوصول إلى التعليم. كما اقترح التسلسل في هرم ماسلو للاحتياجات (ماسلو، 1943)، تحتاج العائلات والمجتمعات إلى تلبية احتياجاتها الأساسية للبقاء على قيد الحياة (الغذاء، والمأوى، وما إلى ذلك) ويجب أن يشعروا بالأمان، لتجنب استراتيجيات المواجهة السلبية مثل زواج الأطفال. بشكل أكثر تحديدًا للسياق، كما طرحت ياسمين ومغليان (2016)، هناك حاجة إلى نهج بنيوي للتصدي للعنف القائم على النوع الاجتماعي، بما في ذلك زواج الأطفال، في الحالات الإنسانية، مع جهد التدخل الذي يهدف إلى معالجة الحواجز البنيوية مثل الفقر والتمييز فضلًا عن نزع التسييس عن النضالات الاجتماعية ضد النقص في الاحتياجات الشخصية للفتيات وأسرهن (ياسمين ومغليان، 2016).

من المهم تفسير النتائج الحالية في سياق محددات البحث التالية. أولًا، تيشتمل عينة المشاركين على فئة ملائمة من المستفيدين الذين كانوا يحصلون على الخدمات والبرامج التي يقدمها مركز أبعاد للمساواة بين الجنسين. هم لا يمثلون النازحين السوريين في لبنان، لذلك لا يمكن تعميم النتائج. لم يتم جمع المعلومات الديموغرافية التفصيلية من المشاركين في حلقات النقاش المركزة ومن المحتمل جدًا أن الأفراد المعرضين للخطر أو المهمشين بشكل خاص قد فقدوا من العينة بسبب عدم قدرتهم على الوصول إلى الخدمات والدعم. ثانيًا، تم جمع البيانات باللغة العربية ولكن تمت ترجمتها إلى اللغة الإنجليزية لتحليلها. في هذه العملية، من الممكن أن تكون بعض الفروق الدقيقة الثقافية والسياقية قد ضاعت. ومع ذلك، فقد تمت الترجمة من قبل متحدث أصلي باللغة العربية في لبنان للمساعدة في التخفيف من هذه المخاطر، وكان مدير البرنامج المحلي والباحث بارعًا في اللغتين، وأعاد مراجعة النصوص العربية الأصلية بحسب الحاجة. وأخيرًا، أدركنا، نحن الباحثين، موقفنا، ولاحظنا أن تفسير النتائج قد جرى في إطار خلفياتنا وتصوراتنا الخاصة، بصفتنا أكاديميين غير سوريين (SB وAB) ومدافعين عن حقوق المجتمع المدني (SM).

 

الاستنتاجات

توضح نتائجنا العلاقة بين حالة الهجرة وانعدام الأمن الاقتصادي، وكذلك بين حالة الهجرة والأمان. إن القيام بذلك يسلط الضوء على أن وضع الهجرة قد يكون عاملًا مساهمًا مهمًا في زواج الأطفال في أوساط اللاجئين السوريين في لبنان. تؤكد نتائجنا كذلك على التأثير الجنساني لهذه العوامل في تعرض الفتيات والنساء للعنف الجنسي بشكل عام، وزواج الأطفال على وجه الخصوص. لذلك، فإن المطلوب هو استراتيجيات مشتركة بين القطاعات، بما في ذلك النظر في سياسات الهجرة. في نهج أكثر شمولًا لمعالجة زواج الأطفال، نوصي بإجراء مزيد من البحث وتحليل السياسات لفهم أفضل لكيفية تأثير سياسات وتشريعات الهجرة على الفتيات النازحات في زواج الأطفال، والتأثير في ممارسات الزواج للأسر النازحة على نطاق أوسع.

Child Marriage among Syrian Refugees in Lebanon: At the Gendered Intersection of Poverty, Immigration, and Safety

عنوان المادة الأصلي بالإنكليزية

1

سوزان أ. بارتلز، ساجا ميشيل، آني بونتينغ

Susan A. Bartels , Saja Michael & Annie Buntingi

اسم المؤلف بالعربية والإنكليزية

2

Journal of Immigrant & Refugee Studies

مصدر المادة

3

15 كانون الأول/ ديسمبر 2020

تاريخ النشر

4

https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/15562948.2020.1839619

رابط المادة على الشبكة العنكبوتية

5

 

[A] في أقسام طب الطوارئ وعلوم الصحة العامة، جامعة كوينز، كينغستون، أونتاريو، كندا.

[B] مركز مصادر أبعاد للمساواة بين الجنسين، بيروت، لبنان.

[C] قسم العلوم الاجتماعية، جامعة يورك، تورنتو، أونتاريو، كندا.

[D] SB, SM, AB هي الأحرف الأولى من أسماء الباحثين الثلاثة القائمين على هذا البحث -المترجم.

مشاركة المقال:

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn
Share on telegram
Telegram
Share on whatsapp
WhatsApp

وحدة الترجمة

وحدة الترجمة مسؤولة عن أعمال الترجمة في مؤسسة ميسلون، من اللغات الأوروبية إلى العربية، وبالعكس؛ ترجمة ما تُصدره مؤسسة ميسلون باللغة العربية، وفقًا لاختيار إدارتها، إلى عددٍ من اللغات الأخرى، بهدف إيصال دراساتها إلى الناطقين باللغات الأخرى، وترجمة البحوث والدراسات والمقالات المهمة من اللغات الأخرى إلى اللغة العربية بهدف تعريف المثقفين والباحثين والمهتمين في منطقة الشرق الأوسط ببعض ما ينشر عن المنطقة في مراكز البحوث العالمية.

ترجمة: عمر حداد

كاتب ومترجم سوري، له مجموعة من المقالات والترجمات في مجال الفكر والسياسة، يحمل إجازة في الهندسة المدنية، مهندس تخطيط وإدارة مشاريع.