ما أكثر ما تعترض المرء من التعاريف والمقاربات حول هذا المفهوم الحميم المعروف ولكن المتأبي على التعريف والضبط. إذ الحرية معنى أصيل في الذات البشرية، تعرفه بالحدس أكثر مما تعرفه بالحد، وتأنس إليه مع الفقد، فتطلبه بغاية الإلحاح مهما مُنِعَت عنه، كما تَضِنُّ به ولو دون تمام الوجد، فتَسْتَميتُ دونه بل تودُّ لو تمضي في سبيل ذلك إلى ما لا يحدُّه حدّ.

غير أن مشكل الحرية ما زال يطرح علينا في السياق الفكري العربي والإسلامي من وجوه ثلاثة رئيسة: وجهٍ تأثيلي ووجه تأصيلي ووجه تنزيلي. ونقصد بالتأثيل[1] صناعة المفهوم في اللغة، وكذا تشَكُّلَه في التاريخ أو قل إجمالًا (في الثقافة)، ونقصد بالتأصيل صناعته في المرجعية الفكرية أو قل (في الفكر)، ونقصد بالتنزيل صناعته في الممارسة والسلوك أو قل (في الواقع).

  • فأما ما يتعلق بالوجه التأثيلي للمشكل ففيه مستويان: مشكل تأثيل المفهوم في اللغة ومشكل تأثيله في التاريخ.

ومعلوم أن المفهومات لا تؤتى عمقَها الفكري وقوتها الدلالية وحركيتها الإجرائية في ثقافة أمة إلا إذا تَـبَـيَّـن معناها في الأذهان وتَـبَـيَّـأ مبناها في اللسان، أما تبيُّن المعنى فركنٌ لا سبيل إلى المدركات من دونه. إذ المفهوم بصيغته المفعولية يعني أول ما يعني ما فُهِم في ذاته على ما هو عليه قبل أن يصار إلى ما يكون منه. وأما تبيؤه في اللسان فنقصد به طريقة الاصطلاح عليه -وإنْ لا مشاحة في الاصطلاح كما يقال- ولكن لأن الاصطلاح القويم هو الذي يُدخِلُ المفهوم في حقل دلالي واشتقاقي غني، لأنه بذلك يفتحه على إمكانات اللغة، ويفتح اللغة على إمكاناته؛ أو قل بعبارة أخرى أنه يغتني بغَنائها، وتغتني به. فتحصل بذلك المقاربة التي تكاد تكون تامة (وهي أبدًا لا تكون) بين المنطوق والمفهوم، تتضافر فيه دوائر الدلالة التي يتيحها الجذر الذي صير إلى التعبير من خلاله عن المراد حتى تحتشد حول (المفهوم) محل النظر، فتصيب قلبه، وتلملم ذيوله، وتجمع أشتاته ما استطاعت. وبهذا تتفاوت الاصطلاحات في القدر والقوة.

ولفظ “الحرية” بهذا الاعتبار غير قائم بكفاء السول في دلالته على المفهوم المراد به لأسباب يفطن إليها كثير من النظار العرب على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم، ويكفي أن أحيل في هذا الباب على مثالين دالّين: العلامة التونسي محمد الطاهر بن عاشور والمؤرخ والمفكر المغربي د.عبد الله العروي. فأما ابن عاشور، فنجده رحمه الله في (أصول النظام الاجتماعي في الإسلام) يقول: ((… إن لفظ الحرية وما اشتق منه في العربية يفيد معنى مضادا لمعنى الرقب والعبودية […] فلا يتصور معناها إلا بعد ملاحظة معنى الرق والتوقف عليه […] وليست الحرية التي نبحث عنها هي هذه))[2]. وأما العروي، ففي كتابه الشهير (مفهوم الحرية) نجده أيضًا يقول: ((إن الكلمة العربية ضيقة بالنسبة للمفهوم الأوربي))[3].

وقد اهتما -كما اهتم غيرُهما ممن تناول هذا المفهوم بالدرس- بأصول المصطلح في المعجم العربي، وأوضحا جوانب قُصوره عن الدلالة على ما يراد به ومنه في السياق الحديث للدلالة على مفهوم “La Liberté” كما تأسَّس في الثقافة الفرنسية، وبعدها في الثقافة الغربية بصورة عامة.

وإذا كان العروي قد هوّن من هذا الجانب اللغوي في النظر إلى هذا المفهوم، إلا أنه أفادنا كثيرًا في تلمُّس ما لا يدل عليه، وهو ليس بالشيء القليل في إطار تعريف الشيء بنفي ما ليس منه. فإذا كان العروي قد فعل ذلك، فإن ابن عاشور رحمه الله قد زاد بأن اقترح مقابلًا أو بالأحرى مقاربًا -وقد فعلها قبله رفاعة الطهطاوي، وإن وجدتُ الطاهر بن عاشور أدقَّ وأوفق- فقد أشار ابن عاشور إلى أنَّ لفظي (الانطلاق) و(الانخلاع) أقوى في الدلالة على مقصدنا من لفظ (الحرية)[4]. ولكنه عاد فأثنى على ركوب مركب هذا اللفظ (الحرية)، لما في حقله الدلالي الأساس من غنى وأصالة في الثقافة العربية، ربما شطَّت بالمتلقي، ولكنها لا تذهب به بعيدًا.

هذا عن اللغة؛ أما عن التاريخ، فإن مشكلتنا مع (الحرية) لتنطرح ابتداء بالنظر إلى سياق تشكلها في الغرب وسياق تشكلها (أو بالأحرى اقتباسها) عندنا مفهومًا يحيل على عناصر تنداح على أبعاد فلسفية ميتافيزيقية ونفسانية وسوسيولوجية لا تتحملها بداهة اللفظ كما استقر في تراثنا. فقد كانت من عقابيل تغيير اجتماعي ثوري استبدل توازنًا اجتماعيًا وحضاريًا معينًا بتوازن اجتماعي وحضاري آخر، ووفق شروط تاريخية استدعت ما كان، فطاوعته. فجاءت مهجوسة بل حتى منوجدة داخل الوعي فائضة على خارجه. في حين إن شروط اقتباسنا لها على حاجتنا الماسة إليها وتوقف صلاحٍ كبير في اجتماعنا عليها، لم تكن مهجوسة ولا منوجدة بل صدم الوعي العربي بها وبغيرها في سياق تدافع حضاري ثقافي وديني واقتصادي وسياسي وعسكري مع من نشأ فيهم، وتشكل عندهم مفهومها، وتراكبت عناصره وتراحبت أبعادُه.

ولعلنا نسوق كلامًا يلخص هذا المعنى في ما كتبه د.العروي في (مفهوم الحرية)، و د.عزمي بشارة في كتابه (مقالة في الحرية).

فأما د. عبد الله العروي، فيقول: ((… ما يهمنا في هذا المجال […] كونُ المجتمع العربي الإسلامي كان لا يفهم من كلمة الحرية ما تفهمه أوروبا الليبرالية. إن كلمة حرية في اللغات الأوربية كانت عادية لدى الغربيين في القرن التاسع عشر والمفهوم كان بديهيا لدرجة أنه لا يحتاج في الغالب إلى تعريف. أما علماء وفقهاء الإسلام فإنهم كانوا لا يستعملون عادة الكلمة التي لم تعرف رواجا إلا كترجمة اصطلاحية للكلمة الأوربية، وكانوا كذلك لا يتمثلون بسهولة ودقة مفهوم الحرية))[5] ثم يخرج من هذا التحليل اللغوي إلى التاريخي فيخلص إلى أن ثمة ((…تخارُجا بين مفهوم الحرية ومفهوم الدولة في المجتمع العربي الإسلامي التقليدي. كلما اتسع مفهوم الدولة ضاق مجال الحرية […] إذا تصورنا -خطأ- الدولة الإسلامية على نمط الدولة الليبرالية فإننا بالطبع سنلاحظ أنها تنافي وتعارض حرية الفرد، ولكن إذا نظرنا إليها في واقعها التاريخي سنجد أن مجالات واسعة تنفلت من وطأتها، وبالتالي أن الفرد يحافظ داخل تلك المجالات على حرية أصلية…))،[6] ويؤكد قائلًا: ((… لا يجوز إذن أن ننطلق من مفهوم مسبق ونتسائل عن مضمون مفهوم آخر في ضوء ذلك المفهوم المسبق، لا يجوز أن نطلق من الدولة الليبرالية […] ونتساءل عن الحرية في الإسلام…))[7].

هذا المعنى سوف يسهب فيه د.عزمي بشارة على طول فصل كامل، حيث سيُنَبِّه ابتداءً إلى ما كان من انتقائية في التعامل مع فكرة الحرية (المستوردة) في ما سماه : ((…تجاهُلُ الليبراليين العرب الأوائل تاريخيةَ هذه الأفكار وحذف سياقات تطورها. وهذا الحذف هو، كما يبدو، من متطلّبات عملية تطبيقها جاهزة على تاريخ آخر…))[8]؛ وهو ما يؤكده بعد ذلك قائلًا: ((…علينا أن نحذر من محاسبة الحضارة الإسلامية في الماضي بموجب مصطلحات ترتبت عن تجارب استمرت قرونا في حضارة أخرى…))[9]. ولا يكتفي د. بشارة بأن ينبهنا إلى هذا البعد التاريخي المهم الذي أدرجناه في الوجه التأثيلي للمشكل، بل يصحبنا إلى جذوره في محاولة بديعة لفهم أساسه، وذلك عندما يناقش تطور مفهوم الدولة من الجماعة/القبيلة إلى الجماعة/الوطن ومفهوم المواطنة من الفرد عضو القبيلة إلى الفرد المواطن، وارتباط الحرية بوصفها ((…معنى قائما على العقل وحرية الإرداة عند الأفراد…))[10] وليس ((…بمعنى عدم التعبية لسلطة سياسية…))[11]، فيشير مثلًا إلى تعلّق مفهوم الحرية بالفرد كما تأسّست في سياقها الأوروبي في مقابل تعلّقها بالجماعة في السياق العربي، فيقول: ((… ليست الفردية حريةً في نظر البدوي، فالحرية عنده تنطبق على الجماعة، وذاتيته لا تكمن في كونه سيد نفسه، أو حريته الفردية بل في كونه عضوا في قبيلة حرة …))[12]. حتى إذا صير إلى زمن الدولة العربية الحديثة التي احتكرت السلطة لنفسها وركزتها في يدها : ((…انتشر البحث في الحرية عربيا. أصبح الإنسان يولد في الدولة ويموت فيها […] الدولة التي أصبحت العنوان الرئيس لمطلب الحرية…))[13].

في ختامنا لهذا الذي سميناه بالوجه التأثيلي للمشكل بشقيه اللغوي والتاريخي، نؤكد على الخلاصات الآتية:

  1. إن أهمية هذا الوجه من وجوه المشكل في كونه ينبهنا إلى خطر الرافد اللغوي والثقافي عمومًا لأنه يحيل على خطر (المكر) الذي تمارسه الثقافة (من خلال اللغة خصوصًا)، علمًا بأن النظار العرب في مشكل الحرية تفطنوا جميعًا تقريبًا إلى قصور اللفظ العربي، وحاولوا معالجته كل على طريقته، ولكنه كان تفطنًا (قاموسيًّا)، وليس من جهة طريقة تشكل المفهومات.
  2. إنَّ لفظة الحرية في القاموس العربي لا تقوم بكفاء المفهوم الذي يصطلح عليه به. وإن هذا الاصطلاح السائد يحيل على غير المقصود منه، ويقصر عندما يحيل عليه.
  3. إنّ سياق تشكُّل المفهوم في الوعي العربي لم يكن في الغالب مستنبتًا مهجوسًا، فلم يتخلق منه بل هجسه غيره فانهجس له لأسباب ذاتية وموضوعية معينة. 

 في ما يتعلق بالوجه التأصيلي؛

فمعلوم أن التأصيل في الاصطلاح الرجوع بالأمر إلى أصله في الفكر تمامًا كما إن التأثيل الرجوع به إلى أصله في اللغة. والمفهومات بما لها من حمولة فلسفية وقيمية لا بد محيلة على أصولها، واشية بهويتها الفكرية في حركيتها التي هي من صفاتها وخصائصها. ومن الطبيعي أيضًا أن تكون لها حدودٌ دنيا وحدود عليا في التأصيل تمامًا كما أن لها حدودًا دنيا وأخرى عليا في التأثيل، وبعد ذلك أيضًا عندما يُنظَر فيها عند التنزيل.

فأما حدودها الدنيا فهي على العموم لا تطرح إشكالات تذكر، لأنها لا تتبرج بالتمام ولا تظهر، إلا بما يتواضع عليه الناس جميعًا وترضاه قابلياتهم دونما حاجة إلى ذكرٍ لتأصيل، ولا احتراز عند تنزيل. وهذا أمر شائع موجود عند الأمم جميعها وفي الثقافات جميعها. وهو ما عشناه ونعيشه حتى مع هذا الذي نعمل على مقاربته، فقد رأينا كيف يتم تقييده والتحرز له وتحديده في سياقات سياسية إقليمية ودولية معينة ومع فئات اجتماعية أو دينية أو إثنية معينة.

ومعلوم أيضا أن مفهوم (الحرية) مُحيلٌ – من حيث تشكله وتراكبُ عناصره – على سياقات تشكله الفكرية والقيمية. لذا فإننا إذ نسعى إلى تلمس معالمه في إطار الإسلام كما نفهمه، وباعتبار ما يكتنفه من سياقات ثقافية وحضارية، فإنه يلزمنا الوعي بأنه يحيلنا على مناحٍ فلسفية وأخلاقية خاصة تتلاقح ومخرجات الفكر الإنساني المختلفة، وتؤثر فيها، وتتأثر بها.

إننا نبدأ بالوجل من المفهومات الكبرى التي لا خلاف حولها عمومًا عندما تشاكس قناعاتنا وتزاحمها، سواء كانت هذه القناعات ذات طبيعة دينية أم إيديولوجية، أو تعلق الأمر فيها بأعرافنا الاجتماعية أو ما استقر عليه الأمر عندنا سياسيًّا وثقافيًّا. ولكن إذا كان مفهوم ما أصيلًا في قوم ولو على مستوى بؤره الدّلالية الأساس مع انطراحه أمامهم مشكلًا يملأ دنياهم ويشغلهم، فلا شك في أن ثمة جزء منه أو تشكُّلٌ من تشكلاته يقفهم موقف التعارض أو التناقض معه، فيجرهم جرا إلى (المفاوضة) معه أو عليه! لا بدَّ أن هذا الناتئ من هذا الأصيل شَكْلٌ صِيرَ إليه ولم يُقْصَد، أو انزياحٌ زلَّت به القدم على طريق القصد وما أَمَّمت، أي أن ثمة قابلياتٌ في المفهوم الـمـبَـيَّـئ كامنةٌ لم تواكبها الاستقبالية الملائمة في المجالين المعرفي والثقافي الـمـبَـيِّـئين له. وغايَةُ القول في هذا الباب أننا نحتاج في تأصيلنا لمفهوم “الحرية” ومعالجتنا لمشكلته إلى أن نَصِلَ إليهِ لا أن ننطلق منه، ما دمنا قد وعينا ما قررناه آنفا على مستوى المحطة التأثيلية. وعليه فقد لَزِمَنا أن نَصيرَ إلى تَلَمُّس أبعاد هذا المعنى/المفهوم، وتحديد أقانيمه الكبرى وعناصره الرئيسة لرسم صورة مثلى وفضلى عنه.

وإنَّ للحرية ملمحًا وجوديًّا من حيث هي معنى مجرد ومثال مطلق، أو قل من حيث هي (قيمة) يراود العقلَ سؤلُ تصورها وتمثُّلها. كما أنَّ لها ملمحًا ذاتيًّا من حيث هي مطلب للأفراد في سعيهم إلى التحصل عليه والتحقق به أو قل من حيث هي (خُلُق). وإنَّ لها ملمحًا اجتماعيًّا وسياسيًّا من حيث هي عنصر في قوام النظام الاجتماعي والسياسي للمجتمعات الذي تتحصل مصالُحهم الماديةُ والمعنويةُ في إطاره وتصان، أي من حيث هي (مصلحة). فالحرية بهذا الاعتبار (قيمة) تُحَقُّ، و(خلق) يتحقق به، و(مصلحة) يتم تحقيقها.

أولًا: في أن الحرية (قيمة)

إن القيمة استبطان لمعنى فاضل في ذاته، متى ما أضيف إليه غيره ناله من الفضل بقدر إضافته. وقولنا (الحرية قيمة) هو إسباغ للفضل عليها بما يجعلها فاضلة في ذاتها متعدية به إلى ما ومن أضيف إليها. ولا تعرف القيمة إلا بالحاجة إليها، إذ لا قيمة لما لا حاجة إليه. وإذا كانت القيمة الحقة هي التي تثبت الحاجة إليها بوجود من يحتاج إليها، فإنها لا تضاف إلا لمستحق لها. فمن لا أهلية له فلا حق له فيها. والحرية في بعدها الأنطولوجي لا تفتأ تنطرح بوصفها حاجة للناس أفرادًا ومجتمعات يجب إحقاقها، وبوصفها شأوًا يجب استحقاقه. فهي حقٌّ لهم من جهة وحق عليهم من جهة أخرى.

ومن الآيات القرآنية المؤسسة لهذا المعنى في التصور الإسلامي والفياضة بالدلالة على معنى الحرية بوصفها قيمة يتأسس عليها الحق فيها كما يتأسس عليها الحق بها، قوله سبحانه: 

« .. وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ * وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ * فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم..»[14]

ولعلي أورد تأملًا نفيسًا للفقيه المقاصدي د.أحمد الرسوني في هذه الآية، إذ يقول:

« .. رجعتُ إلى البدء فوجدتُ أن أوّلَ تعليمٍ عَلَّمَهُ الله تعالى لآدم عليه السلام هو الكلام والتعبير […] ليقول كل ما يريد ويعبر عن كل ما يريد وليسمي الأشياء كلها بمسمياتها […] أما الذين “يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم”[15] أو الذين “يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك”[16] فإنما هم منافقون، أي زائفون مزيِّفون..» إلى أن يقول: «.. وإذا ثبت واتضح أن خاصية البيان والتعبير هي صفة فطرية خِلقية في الإنسان، فمعناه أنها تفوقُ درجة “الحقوق المكتسبة” وترتقي إلى درجة “الحقوق الطبيعية” أو لنقل إنها ليست فقط حقا من حقوق الإنسان بل هي قبل ذلك صفة من صفات الإنسان. وفرق كبير بين أن يجرَّد الإنسان -أو ينتقص- من بعض حقوقه، وأن يجرّد -أو ينتقص- من بعض صفاته الذاتية. ففي هذه الحالة الثانية يُصابُ الإنسان في صميم إنسانيته وليس فقط في بعض حقوقه..»[17]

 

ثانيًا: في أن الحرية (خُلُق)

إننا نشرع في الحديث عن الحرية حينما يتحقق عندنا شرط الخروج من الطبيعة إلى الاجتماع (أي إرادة الخروج والقدرة عليه). فالحرية اختيار نخرج به من الوجود بالطبيعة إلى الوجود في الطبيعة، أو قل: هي اختيار الخروج من وجودنا الـخِلْـقي إلى وجودنا الـخُلُـقي.

 فالحرية أولا وأخيرا خُلُق، إذ الخُلُق إعادةُ تركيبٍ للطَّبائع على كيفياتٍ مخصوصة، وهو إعادةُ تشكيل للوجود الخِلقي الطبيعي إلى وجود خُلُقي مُرَكَّب.  وقد صُنِّفَت الحرية المجرَّدَة مِنَ الإرادةِ والوعيِ في الفلسفة الأخلاقية الكلاسيكية بـ: (حرية الدرجة الدنيا)، واصطلح عليها بـ (حرية اللامبالاة) (Liberté d’indifférence)[18] أو قل (الحرية الغافلة). فالحرية مُكابَدَةٌ ومجاهدَةٌ لبلوغ الكمال فيها شأنها في ذلك شأن غيرها من الأخلاق. وعليه فهي في بعدها الفردي النفساني تنطرح بوصفها (تحقُّقا) يتشوف إليه طالبه متوسلًا بعمل يصل به إلى ما يطيقه من حسن التحقق به.

ولما كانت الحرية خُلُقاً يتشوف إليه ويطلب لما علم فيه من (قيمة) وفضل كانت من الأخلاق التي بعث نبي الإسلام إلى إتمامها مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». وبالتبع فإنه يجوز في حقها ما يجوز في حق الأخلاق في التصور التربوي الإسلامي من صنوف المكابدات والمجاهدات التي تسعى إلى تحقيق الفرد بتمام التحلي بها بمعرفة مساربها ومفاتيحها ومغالقها، والحذار من عوائقها ومزالقها، والتدرج في منازلها تشوّفًا نحو شأوها ومثالها.

 

ثالثًا: في أن الحرية (مصلحة)

يحيل مفهوم (الحرية) في تجليه الاجتماعي والسياسي إلى الإكراهات التي يولدها تأطير وتدبير الاختيارات في اختلافها وتباينها تناقضًا وتعارضًا وتضافرًا وتكاثرًا، وما يترتب على ذلك من تعدديات في شتى الأسس. والشأن في الاجتماع أن تُدَبَّرَ المصالح بالعدل، وتُقَسَّمَ الثروات بالميزان. وهو ما يوجب تقييدًا لما كان في أصله مباحًا ناهيك عما سواه. ولعل أول ما يعنيه الوعي بهذا الأمر أن (الحقيقة) و(الصواب) وما في بابهما يغدوان من الأمور النسبية بسبب من تعددهما. فلا أحد يحتكرها لنفسه، ولا يمكنه أن يفعل إن أراد إلا من خلال نوع من العسف الذي يعد في ذاته من أعظم المفاسد. فنكون أمام (حريات) بوصفها الوجه الآخر لتعدد الاختيارات وتعدد مجالات التماس التي تتخلق منها الإكراهات المختلفة، التي بدورها تضعنا أمام فكرة (الحرية) المرة بعد المرة. فيأخذ مفهوم (الحرية) على هذا المستوى بعدًا جديدًا يتمثل في أن (الحرية) تغدو تدبيرًا تجلب به المصالح الممكن (إفلاتها) من التناقض، وتدفع به المفاسد الوارد (وقوعها) من التعارض. ويظهر على سلم القيم مفهوم جديد للحقيقة والصواب يأخذ منحى وطابعا اجتماعيين. فتغدو الحرية بهذا الاعتبار مصلحة يراد تحقيقها؛ لأنها من جهة تحيلُ على إمكان الخلوص إلى (إجماع مُلْزِم) من دغل التناقض بين التوجهات والاختيارات في المجتمع، ومن جهة أخرى على التمكين لمجتمع حر ومتعدد في ظل تقييدات (إجماعاته الملزمة). فبهذين يتحقق السلم الاجتماعي والاستقرار للمجتمعات. فالحرية بهذا الاعتبار إذن: مصلحة.

وإن الأصل في القضايا التي هذه طبيعتها -مما يتمخض عنها الاجتماع البشري ويحدسها الناس بفطرهم السليمة وأذواقهم وفُهومهم- أن يُتَحيَّز فيها إلى العقل، ويغلغل فيها النظر بما من شأنه أن تنصلح به الأحوال وتنتظم به الحياة، لا فرق في ذلك بين مسلم وغيره بل هم فيه سواء. غير أن المسلم وهو يقرر هذا يغصّ بمحذور التسليم الذي هو أول مفهوم من منطوق إسلامه، وهو ما عبر عنه بيغوفيتش بأجمل عبارة في خاتمة كتابه (الإسلام بين الشرق والغرب)[19]، فالمسلم يقرأ قوله تعالى ((وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم))؟[20] بلى! فإن الله تعالى قد قرر بأوضح بيان أن (لا إكراه في الدين)[21] .. وقال ((ولو شاء ربُّك لآمن من في الأرض جميعًا، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين))[22] وقال ((فلعلك باخع نفسك على آثارهم وإن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا))[23] وقال ((ولو شاء ربُّكَ لجعل الناس أمةً واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم))[24]

والقضية في الباب أنه متى ما جيء إلى التفكير في مشكلات من مثل تلك المرتبطة بالعمل الإصلاحي سواء في شقه النظري أو العملي، كان الأصل في النظر المنعوت بالإسلام المنتسب إليه هو ذلك النظر المنعوت بالإنسانية المنتسب إليها؛ فإسلاميته في إنسانيته؛ ومتى ما ترسخت إنسانيته (أي تحققت لها به مصالحها ودُرئت عنها به مفاسدها) ترسخت إسلاميته (أي تحقق بروح الإسلام وروح شريعته التي تدور مع المصلحة حيث دارت إعمالًا لقاعدة (حيثما وجدت مصلحةٌ فثمَّ شرعُ الله)). وهو ما يقرّره الفقيه المقاصدي د.أحمد الريسوني، إذ يقول : «..ما ثبتت صحته من الناحية العقلية السليمة فهو يكتسب -في نظرنا- الشرعية الإسلامية..»[25]. وقد أورد ابن قيم الجوزية كلامًا لابن الخطيب في “أعلام الموقعين” يقول فيه: «غالب أحكام الشريعة معللة برعاية المصالح المعلومة»[26].

وفي ختامنا لهذا الوجه التأصيلي لمشكل الحرية نورد الخلاصات الآتية:

  • أنّ الحرية بوصفها (قيمة) لتتأصل لتكون (قيمة إسلامية).
  • أنَ الحرية بوصفها (خُلُقا) لتتأصل لتكون (خُلُقا إسلاميًّا).
  • أنّ الحرية بوصفها (مصلحة) لتتأصل لتكون (مصلحة إسلامية).
  • أنّ أهمية هذا الوجه في أنه يحدد لنا كيفيات تحَصُّل المفهوم في الفكر/المرجعية بحيث ننتقل به من كونه مطلبًا للفكر يَصِلُ إليه إلى كونه مطلبًا للفكر يشتغل به. وهو ما رأيناه قابلًا للتحقق متى ما أخضع هذا المفهوم لمزيد اشتغال معرفي من طرف النظار الأصوليين. ولربما ارتقى به هذا الاشتغال إلى مستوى الحكم الوضعي الذي يترتب عليه غيره من الأحكام الشرعية.

في ما يتعلق بالوجه التنزيلي؛

فإن (الحرية) بالنظر إلى كونها موقفًا يحيل على صراع  الذات الدائم مع الخوارم المعترضة لما استقر في فطرتها من حقيقة جوانية مستحوذة على وعيها وإرادتها ومستعصية على التحقق في عوالم الإمكان اجتماعيًّا وسياسيًّا تحققها في عوالم الوجدان نفسيًّا وتصوريًّا، وأن الفرد في صراع دائم ومستمر مع سلطات متعددة سالبة لحريته أو منازعة لمطلقيتها بالنسبة إليه، سواء كان ذلك في سياق مجتمعه أم في وجوده في الطبيعة، حيث تتقابل الإرادة الفردية في السياق الاجتماعي مع إرادات الأفراد الآخرين، ومع الأعراف السائدة، ومع الثقافة، ومع السلطة القانونية التي تمثلها الدولة ومؤسساتها، ومع السلطة الدينية التي ربما زاحمت الفرد حتى على مستوى ضميره أو جسده ومجموعة من مسلكياته الواقعة خارج نطاق رقابة الدولة والمجتمع. أو مع ما عبر عنه الطاهر بن عاشور بقوله ((فلما وقع الازدحام وقع التحجير))؛ فإن مشكلتها لا تنطرح إلا في إطار من الوعي بحتمية الصراع في إطارها. وهي بالتبع لذلك لتطرح بالضرورة مشكلات تتنوع بحسب سياقات ورودها في مجالات الاجتماع والسياسة والدين. فتدخل في حوار وتقاطع مع مفهومات أخرى لا تنفك عنها من مثل المسؤولية والاختيار، والواجب والمصلحة، ومفهوم السلطة بشتى تجلياتها الدينية والقانونية والسياسية والاجتماعية.

ولذلك فإننا ننطلق في بيان وجهه التنزيلي بمحاولة الإجابة عن أسئلة ثلاثة رئيسة، والتي هي على التوالي:

  1. هل نحن أحرار؟ وما الذي يجعلنا أحرارا؟، وهو سؤال متعلق بالحرية/القيمة.
  2. كيف نكون أحرارا؟ وهو سؤال متعلق بالحرية/الخُلُق.
  3. كيف نمارس حريتنا في تضاربها مع حرية الغير أو مع عوائقها بصورة عامة؟ وهو سؤال متعلق بالحرية/المصلحة.

وهي أسئلة تتأطر في ثلاثة أقانيم:

الأقنوم الأوّل

وهو الذي يقارب سؤال (هل نحن أحرار؟ وما الذي يجعلنا أحرارا؟)، وهو سؤال جواني قائم في الذات (الحرة). وبَيِّنٌ أنه ترجمة لقناعة راسخة بالحق في الحرية. والحق هنا له بعدان: الحق بوصفه ما يجوز امتلاكه ولا يجوز حظرُه، والحق بوصفه ما يكون صحيحًا الأخذُ به ومراعاتُه، وفاسدًا إلغاؤه واطِّراحُه. وذلكم هو ما يسمى عند النظار في مشكل الحرية بالبعد النفساني لمشكل الحرية. ومظنة المقاربة على هذا المستوى تتم في مناقشتنا جدلية الرغبة والاستطاعة، أو قل هي المعرفة. إذ بالمعرفة تتميز الرغبة الصالحة من الفاسدة، والممكنة من المستحيلة، وبالمعرفة تتحدد الاستطاعة وتتحصل القدرة؛ فالحرية من حيث هي حقّ تتأسَّسُ على المعرفة، فكلما زادت قيمة المعرفة زادت قيمة الحرية.

الأقنوم الثاني

ونقارب فيه سؤال (كيف نكون أحرارا؟) أو قل (كيف نتخلق بالحرية؟)؛ فإذا كانت المعرفة شرطًا في حصول الحرية، فكيف يكون حرًا من تأكد بأنها درجات متراكبة؟ وسبق إلى علمه النقص الملازم للمعرفة. والحرّ عند كل درجة موصوف بالنقيضين: الانعتاق من جهة نظره إلى ما كان عليه من نقص في السابق، والاسترقاق بالنظر إلى ما فاته من كمال في اللاحق. فالحرُّ (وهو في الآن ذته العبدُ) في سيره المنعتق لا ينفك متقلبًا بين حالي العبودية والانعتاق إبقاء وإفناء، فلو نظرت إلى صعوده في الدرجات، فإنه في كل ارتقاء يفني حريته لصالح عبوديته؛ لأنه يراها حرية موهومة ناقصة بالنسبة إلى ما فوقه من كمالات الانعتاق والتحرر، فيبخس ما لديه من حرية لصالح ما يتشوف إليه منها فيما يليه. وفي كل عملية بخس يكون قد نفى حريته لصالح عبوديته. فيمكن القول بأن الحرية في هذه المراقي تفنى، وأن العبودية فيها تبقى إلى نهاية النهايات. ويمكن القول بهذا المعنى أن تمام الحرية أي صورتها النهائية التي ليس بعدها نفي أو بخس هي التي تحقق في تمام العبودية التي لا يخالجها انعتاق.

وذلكم هو المعنى الأصيل للعبودية في الإسلام، بل هو معنى الإسلام لغة واصطلاحًا. إن العبودية في الإسلام انعتاق من ربقة الارتباط بما دون الله تعالى، الذي تمثل صفاته نهايات الكمال وجوبًا. فإذا كانت الحرية بالمفهوم المعاصر تعني في ما نعنيه انتفاء الإكراهات والاستقلال والسيادة، فهي لا تحقق في الواقع إلا مصحوبة بخوارمها المقدرة بحسب سياقاتها، فما يزال الحُرّيُّ مرتقيًا في مدارجها، ما أن يتحرر من إكراه ويستقل عن ارتباط ويتسيد على نفسه في مجال حتى يقع في إكراه ألصق ويرتبط بعلاقة أوثق ويخضع لسيد أفوق، فيحتاج إلى جهد في طلب تحرر واستقلال وتسيد جديد وهكذا. وهو في كل مرة يقع تحت سلطة جديدة تمارس عليه إكراهًا جديدًا وارتباطًا جديدًا وخضوعًا جديدًا إلا يكون أكثر تحررًا من إكراهاته وارتباطاته وخضوعاته القديمة، فكما أنه يقع تحت طائلة ما ينافي حريته من فوق إلا أنه يزيد كسبًا لما يؤكدها لديه من تحت، حتى يصير إلى الفوق الذي ليس بعده فوق، فيكتمل مطلبه من الجهتين، فمن جهة الفوق التي عرج فيها نحو الحرية فقد تمت تحيت سقفها عبوديته، ومن جهة التحت التي أسرى فيها من العبودية فقد تمت فوقها حريته، فكان تحققه بالعبودية تحققا بالحرية وبالعكس.  وقد عبر الإمام أبو العباس أحمد ابن عجيبة رحمه الله عن هذا المعنى في (إيقاظ الهمم في شرح الحكم) بأوثق عبارة وأوفق إشارة فقال: ((فلما وصل صار عبداً لله حراً مما سواه ظاهره عبودية وباطنه حرية)).

تتحقق إذن الحرية في هذا البعد بهذه الجدلية، جدلية العبودية الانعتاق. وتنيخ عند معنى تتحد فيه الحرية بالعبودية. وذلكم هو ما يعبر عنه بالعرفان، وهو اسم ذات للمعرفة التي تتحدد بها حرية الذات بالإمكان والصلاح، حتى إذا ما صارت الذات محلًا مطاوعًا في الإرادة لما هو ممكن تسخيرًا، ولما هو صالح تخييرًا، أي ألا تكون مريدة إلا للحقيقة وللعمل الصالح، صارت المعرفة بالنسبة إليها كالوصف الذاتي الملاصق وليس محض فعل ملحق مفارق، وهو ما نعبر عنه بالعرفان.

فالحرية من حيث هي خُلُق تتأسس على العرفان. فما تزداد عرفانًا إلا وتزداد اتصافًا بالحرية.

الأقنوم الثالث

يحيلنا سؤال: كيف نمارس حريتنا في تضاربها مع حرية الغير أو مع عوائقها بصورة عامة؟ على البعد الاجتماعي والسياسي لمفهوم الحرية، أي كيف تتحقق الحرية/المصلحة في السياق الاجتماعي والسياسي؟. يفرض المجتمع وتفرض الدولة سلطانها على حريات الأفراد كما يفرضها الدين أيضًا. ونحن نعد أنفسنا أحرارا في سياقات نسلب فيها حرياتنا ولا نعد أنفسنا كذلك في سياقات مغايرة، والسلب للحريات فيهما واحد. فالمرءُ يُسْجَنُ من دون أن يعني ذلك أنَّ المجتمع قد سلبه حريَّتَه من حيث الحقُّ فيها أو التحقُّق بها ما دام الحكم صادر عن القضاء الذي يمثل العدل، ومبني على القانون الذي يمثل قيمة الشرعية والمساواة.

وفي السياق الإسلامي نجد أن الإيمان اختيار أي إنه تجل صارخ لممارسة الحرية في جدليتها مع المسؤولية، فالعبودية لله في الإسلام ممارسة الذات للحرية بما هي اختيار لها، وممارسة للحرية بما هي ضمان لحرية الغير في عدم اختيارها، فالحرية المكفولة لا تتقيد إلا بالقانون الذي يحدد للفرد قيودًا على حريته، ويرتب عليها مسؤوليات وبالتبع جزاءات في حالة الإخلال بشرطها، وإذا كان هذا القانون مرتبطًا بالشريعة الإسلامية، فإن إلزاميته للفرد لا تنبع من كونه مؤمنًا، وأن الحكم حقيقة دينية بل من كونه مواطنًا وأن الحكم حقيقة قانونية، فالإلزام هنا مرتبط بالحق العام وليس بالحق الإلهي. كما أن هذا الحق العام ماتح شرعيته من الوثائق الدستورية المتسامية قانونيًّا، وليس من النص الديني المتسامي أخلاقيًّا. ولعله من المفيد إيراد مقطع قيّم للفقيه المقاصدي د.أحمد الريسوني يعالج فيه هذا المشكل حيث نجده يقول : « .. لو أن أغلبية شعب أو قُطرٍ إسلامي وفضت شيئا من الإسلام أو أقرّت شيئا يُخالف الإسلام […] فإن الإسلام قبل أن يكون دولة ونفوذا وسلطة، قبل ذلك هو قناعة واختيار وتعبّد وتدين […] وفائدة الديموقراطية[27] في هذه الحالة هي أنها عرفتنا على حقيقة الأمور […] وهذه هي الفرصة الوحيدة للعلاج إذ كيف نعالج واقعا لا نعرفه؟ فيهمنا أن نطرح هذا التحدي كي نستفيد منه ونكون مسرورين ليس بوجود هذه الحقيقة بل باكتشافها.. »[28]

ولا تظهر هذه الفروق عندما يتوافق الحق الإلهي مع الحق العام، بل عندما يتعارضان. فحينها يرجع في المعاملات إلى أصلها وهو مقتضيات الاجتماع البشري المعرف للمصلحة، وليس إلى مقتضيات النص الديني المعرف لها، على اعتبار أن المصلحة في النص الديني وإن كانت الحق (كما نؤمن به ونسلم لله فيه) فهي غير ملزمة للجماعة التي لا تومن بها والتي يكفل لها النص الديني حرية عدم الإيمان به أو اطراحه عرفانا منه بأن المصلحة لها تحققان : تحقق نظري في النص وتحقق عملي في الأخذ به، فكل من لم يأخذ بالنص فهو في حل (اجتماعيًّا) من هذه المصلحة وإن لم يكن دينيًّا في حل منها على اعتبار أنه من المنكرين الجاحدين.

إنّ المصلحة عند الناس لا تعد مصلحة إلا إذا صدقوا بأنها كذلك، ومتى ما فعلوا تلقفوها بالقبول ولم يكرهوا عليها، فإن لم يفعلوا لم تلزمهم قانونيا (أو قل دنيويًّا) وإن لزمتهم عند المومنين دينيًّا (أو قل أخرويًّا))، وهنا يبرز دور الدعوة في موالاة التدافع لتقريب المفهومات ومقاربة الواقع في ضوئها، بل تبرز أهمية الفصل بين المجالين الدعوي والسياسي؛ باعتبار أن المجال الدعوي يختص بصناعة القناعات عند الشرائح الاجتماعية المختلفة، وأن المجال السياسي يختص بتنزيلها في الواقع وتدبير حياة الناس على ضوئها. وفي المجال الدعوي تعرّف المخالفات على أنها آثام، أما في المجال الاجتماعي والسياسي فتُعَرَّف على أنها مخالفات قانونية.

إن الحرية بوصفها “مصلحة” لا يمكن تحقيقها على هذا النحو الذي أشرنا إلى أطراف منه إلا في إطار التعددية السياسية والثقافية، خصوصا إذا كانت هذا التعددية سمة من سمات الاجتماع وخاصية من خاصياته كما هو حال المجتمعات البشرية اليوم، فمتى ما ألغيت التعددية سقط هذا البناء كله، ولم يبق معنى في الأصل للحديث عن مصلحة لا في الدين ولا في الدنيا. والإسلام يبيئ للتعددية بمفهوم التعارف كما جاء في الآية الكريمة:

«يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ»[29].

وعليه فإنه يمكننا القول بأن الحرية من حيث هي مصلحة تتأسس على التعارف. فكلما زاد التعارف في المجتمع زاد اتصافه بكونه مجتمعًا حرًّا.

وفي ختام هذا الوجه التنزيلي نجمل مسائله بالآتي:

  • إن الحرية/القيمة تتحصل بالمعرفة بوصفها مشاهدة للوجود
  • إن الحرية/الخُلُقَ يتحصل بالعرفان بوصفه مجاهدة للذات
  • إن الحرية/المصلحة تتحصل بالتعارف بوصفه مناشدة في المجتمع

وفي ختام هذه الورقة نقول: إن مفهوم الحرية في الإسلام من خلال تلمسنا بعض عناصره سواء على المستوى التأثيلي أو التأصيلي أو التنزيلي، واعدٌ بقابليات كبيرة من أجل صياغة ملامح مجتمع حديث ملائم لتحديات العصر من دون استلاب للآخر يمسخ هويته ولا انكفاء على الذات يرسخ أزمته. بل هي قابليات واعدة بإمكانية إغناء للفكر الإنساني الذي غاب عنه العطاء العربي منذ زمان ليس باليسير، علمًا بأن القاعدة الراسخة في هذا الزمان (وربما في كل الأزمان) أن الجواب على أسئلة الذات يتحصل في القدرة على جواب أسئلة الآخرين والعكس.

[1]             نستعمل  (التأثيل)  بمقتضى (الإشارة الإضمارية) جريًا على ما  أثبته د.طه عبد الرحمن في الجزء الثاني من  (فقه الفلسفة) وهو كتاب  (القول الفلسفي:  المفهوم والتأثيل)

[2]             محمد الصادق بن عاشور، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، (الشركة التونسية للتوزيع، د.ت)، ص 160.

[3]             عبد الله العروي، مفهوم الحرية، ط6، (المركز الثقافي العرب، د.ت)،  ص14.

[4]             محمد الصادق ابن عاشور، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ص160.

[5]             عبد الله العروي، مفهوم الحرية،  ص12.

[6]             عبد الله العروي، مفهوم الحرية، ص23-24

[7]             عبد الله العروي، مفهوم الحرية، ص24

[8]             عزمي بشارة، مقالة في الحرية، (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)، ص 13

[9]             عزمي بشارة، ص15

[10]           عزمي بشارة، ص18

[11]           عزمي بشارة، ص18

[12]           عزمي بشارة، ص19

[13]           عزمي بشارة، ص21

[14]           سورة البقرة،الآيات 30 – 37

[15]           سورة الفتح،  الآية  11

[16]           سورة آل عمران الآية 154

[17]           الريسوني، أحمد،    مقالات في الحرية

[18]           انظر على سبيل المثال إلى ما أورده ديكارت تأمله الرابع منتأملات ميتافيزيقية، حيث نجده يقول

               «… Afin que je sois libre, il n’est pas nécessaire que je sois indifférent […] cette indifférence que je sens, lorsque je ne suis point emporté vers un côté plutôt que vers un autre par le poids d’aucune raison est : le plus bas degré de la liberté …» Descartes, “Méditation Métaphysiques” – «Méditation Quatrième : Du vrai et du faux»

 [19]           يقول: (( الإسلام لم يأخذ إسمه من قوانينه ولا نظامه ولا محرماته ولا من جهود النفس والبدن التي يطالب الإنسان بها .. وإنما من شيء يشمل هذا كل ويسمو عليه : من لحظة فارقة تنقدح فيها شرارة وعي باطني، من قون النفس في مواجهة محن الزمان، من التهيؤ لاحتمال كل ما يأتي به الوجود  .. من حقيقة التسليم لله إنه استسلام لله .. والإسم إسلام ))، علي عزب بيغوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب، (مؤسسة بافاريا للنشر والخدمات ومجلة النور الكويتية، 1994)، ص396.

[20]           سورة الأحزاب،  الآية : 36

[21]           سورة البقرة،  طرف من الآية : 256

[22]           سورة يونس،  الآية : 99

[23]           سورة الكهف،  الآية : 6

[24]           سورة هود، الآية : 118- 119

[25]           أحمد الريسوني، الأمة هي الأصل : مقاربة تأصيلية لقضايا الديموقراطية، حرية التعبير، الفن، (الشبكة العرية للأبحاث والنشر 2012)، ص:37

[26]           ابن قيم الجوزية، أعلام الموقعين عن رب العالمين،  ج2، فصل ليس في الشريعة ما يخالف العقل، (دار الفكر، 1977)، ص56

[27]           جاء الحديث عن الديموقراطية في هذا المقطع في سياق الحديث عن التعددية التي هي من صميم ما نحن بصدده في حديثنا عن الحرية في بعدها الاجتماعي والسياسي

[28]           أحمد الريسوني، الأمة هي الأصل  مقاربة تأصيلية لقضايا الديموقراطية، حرية التعبير، الفن، (الشركة العربية للأبحاث، 2012)، ص49

[29]           سورة الحجرات، الآية 13

لقراءة الدراسة الكاملة يرجى تحميل النسخة الإلكترونية

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on email
Email

الكاتب: فيصل الأمين البقالي

باحث مغربي، من مواليد طنجة عام 1976، حاصل على ماجستير في الإدارة والتسيير، متخصص بهندسة وتطوير الأنظمة المعلوماتية، مسؤول قسم الإنتاج العلمي والفكري لحركة التوحيد والإصلاح في المغرب، من أعماله: "القومية العربية: نظرات في الفكر والمسار" (مركز نماء 2015)، و"تساؤلات أمام المشروع الإسلامي من أجل حركية فكرية جديدة" (دار الانتشار ومركز صناعة الفكر 2010)، ودواوين شعرية منها "تراتيل إلى غزة" (طوب بريس 2009).

مشاركة المقال:

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on email
Email

من محتويات الموقع:

كتب وإصدارات

كتاب تركيا بعيوني

ثقافة، أدب، ترجمة، فنون
المؤلف : عبد القادر عبد اللي
تحرير: محمد حقي صوتشين