لا ينبغي أن يكون مفاجئًا أن يتنبأ آية الله خامنئي مرة أخرى “بالانحدار السياسي والمدني والأخلاقي” لأميركا عقب الانتخابات الأميركية. لكن هجمات النظام الاستباقية على الرئيس المنتخب بايدن بوصفه “قبضة من حديد في قفاز مخملي”، ومطالبته تعويض إدارته عن أخطاء الماضي، يمثل خروجًا عن نهج الجمهورية الإسلامية الأكثر تحفظًا في التحولات السابقة -وينذر بموجة من التعليقات التي ستصدر من طهران خلال الشهرين المقبلين.

إن فصل الحقيقة عن الخيال، والتمييز ما بين دعاية النظام، وما هو عليه حقًا، سيكون مفتاحًا لقدرة إدارة بايدن على صياغة سياسة متماسكة تجاه إيران.

فيما يلي خمسة ادعاءات يتمسّك بها النظام، ولكن لا أساس لها في الواقع.

  1. إن عداء إيران للولايات المتحدة هو رد فعل على السياسات الأميركية غير العادلة في الشرق الأوسط

غالبًا ما يشير وزير الخارجية الإيراني إلى العدوان الأميركي، في دفاعه عن الإجراءات الإيرانية، على الرغم من أن معاداة إيران لأميركا مدفوعة بالمصالح الذاتية، التي يحتاجها النظام الإسلامي، لتصوير أميركا عدوًا، لتبرير جهوده الرامية إلى إغلاق إيران عن العالم الغربي. هذا هو السبب الذي يجعل المرشد الأعلى الإيراني، لا ينفك عن النفخ في نيران إنكار الهولوكوست، ومؤامرات 11 سبتمبر. ولهذا السبب أيضًا، غالبًا ما ترفض إيران الدبلوماسية، حتى عندما تقترح الولايات المتحدة سياسات مفيدة للبلاد -مثل تواصل الرئيس أوباما مع المرشد الأعلى، ساعيًا إلى بذل جهد أميركي إيراني مشترك، لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية.

الحقيقة أن عداء إيران للولايات المتحدة، هو موقف سياسي هدفه جعل الولايات المتحدة كبش فداء لسياسات النظام الفاشلة. أدرك النظام الديني خلال الحرب الإيرانية العراقية أن أي عدوان، حقيقي أو متخيل، سيجمع الناس حول الراية الإسلامية، وقد استغل هذه المعادلة بذكاء، وغالبًا بما يضر الشعب الإيراني، لإطالة عمره.

  1. أميركا وحدها هي المسؤولة عن انقلاب عام 1953 الذي أعاد تثبيت الشاه

البعض ممن يدافعون عن تحسين العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران، يربطون زورًا بين الدور الأميركي في انقلاب عام 1953، الذي أطاح برئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق، ويُعدّونه خطيئة أميركا الأصلية، وتوتر العلاقات التي كانت تاريخيًا جيدة. إنهم يؤيدون النظرية القائلة: إن الولايات المتحدة هي المسؤولة عن الإطاحة بـ “نظام منتخب ديمقراطيًا في إيران”. حتى يومنا هذا، يردد القادة الإيرانيون هذا، ويصورون الولايات المتحدة على أنها قوة أجنبية معادية عازمة على الإطاحة بحكومتهم.

لكن هذه الحكاية تنهار عند التفحص، فقد تمت إزالة مصدق من السلطة جزئيًا لأن وكالة المخابرات المركزية دفعت عملاء لزيادة المعارضة، وفي الجزء الآخر لأن الملكيين، والقوات المسلحة فضلوا الوضع الراهن على الجمهورية المهزوزة.

  1. 3. الجمهورية الإسلامية تهتم بالمسلمين المضطهدين

كثيرًا ما يصور القادة الإيرانيون بلادهم، على أنها المدافع عن المسلمين المضطهدين، ويصف المرشد الأعلى دعم إيران لفلسطين، بأنه واجب وطني، لكن تصرفات إيران تقول غير ذلك. خذ في الحسبان دعم إيران القوي لبشار الأسد، حتى بعد أن أصبح من الواضح أن الأسد كان يقتل شعبه بالغاز، أو فكر في ما فعلته إيران ردًا على الإبادة الجماعية المستمرة ضد مسلمي الأويغور في الصين: عقدت شراكة استراتيجية مدتها 25 عامًا مع الصين في محاولة يائسة لبيع النفط. كانت إيران دائمًا انتهازية في نهجها تجاه العالم الإسلامي، دعم الجماعات الإرهابية السنية في غزة، مع تجاهل أكبر قمع جار للمسلمين على مستوى العالم في الصين.

  1. إيران ديمقراطية هجينة فيها انتخابات حقيقية وسياسات تنافسية

كثيرًا ما تروج إيران لإقبال الناخبين المرتفع، على أنه دليل على ديمقراطيتها النابضة بالحياة، على الرغم من حشد الناخبين، وحشو صناديق الاقتراع، والكذب مؤخرًا بشأن خطورة جائحة COVID-19 من أجل تضخيم إجمالي الناخبين. لكن حقيقة أن إقبال الناخبين في عام 2020 انخفض إلى أدنى مستوى له منذ ثورة 1979 إنما تدل على الكثير.

على الورق، تشبه إيران “ديمقراطية هجينة” مع مساهمة المواطنين في بعض المكاتب دون غيرها، لكن في الواقع، يتمتع المرشد الأعلى بسلطة كاملة على كل شيء، بدءًا من الاقتصاد إلى الجيش، يجب أولًا فحص كل من يسعى لمنصب عام من هيئة من رجال الدين استبعدت 99.6 في المئة من المرشحين للرئاسة في عام 2017.

  1. لدى إيران مخاوف أمنية مشروعة تجاه إسرائيل

عداء إيران لإسرائيل غير مسبوق على المسرح العالمي. فالمرشد الأعلى، وقائد الحرس الثوري، والرئيس السابق، كلهم يسعون إلى إزالة إسرائيل. ولتفادي فقدان أي جزء من الرسالة أثناء ترجمتها، كتب الحرس الثوري رسالته المليئة بالكراهية بالعبرية على صاروخ، يفترض أنه موجه إلى إسرائيل.

الحقيقة أن النظام الإسلامي يتخذ من مخاوفه الحيوية على اللأمن القومي قناعًا يتنكر خلفه، لإخفاء أصوله المعادية للسامية. في السنوات التي سبقت الثورة، شجب آية الله الخميني اليهود وإسرائيل، وحملهم المسؤولية عن كل الشرور التي يعاني منها العالم الإسلامي. قال الخميني في عام 1970: “أباد الرسول القبائل اليهودية حتى آخر رجل بسبب الأذى الذي أدرك أنهم يتسببون به في المجتمع الإسلامي ودولته وشعبه”. وجعل من معاداة الصهيونية حجر الزاوية في توجه النظام.

المفارقة أن إيران وإسرائيل ليستا خصمتين طبيعيتين، لأنهما لا تشتركان في حدود، ولا تؤدي إيران، الدولة الفارسية الشيعية، أي دور في الصراع العربي الإسرائيلي المستمر منذ عقود. في الواقع، تمتعت البلدان بسنوات من علاقات التعاون قبل ثورة 1979.

إن مشكلة الحرب الباردة الجارية بين إسرائيل وإيران إنما تقع في طهران، حيث يفضل الملالي إنفاق 100 مليار دولار على برنامج نووي، ومليارات أكثر لتسليح وكلاء إرهابيين على حدود إسرائيل، بدلًا من المساعدة في التخفيف من فقر شعبهم.

ليس النظام الإسلامي بذلك العملاق، فإن كان لا بد، فقد شوه صورته في العراق، ولبنان، وتآكلت قوته داخل حدوده. إن إدارة بايدن مهيأة تمامًا للتعامل مع إيران الحقيقية لتأمين التنازلات التي تعزز مصلحة أميركا في المنطقة.

إن استحضار خرافات النظام خطوة أولى جيدة باتجاه التعامل مع طهران، وكما رأينا فإن الرئيس المنتخب بايدن هو الشخص المناسب لمواجهة الأكاذيب الصارخة.

 

نازي مونيان/ Nazee moinian: زميل في معهد الشرق الأوسط ومستشار سابق للسياسة الخارجية بشأن إيران لحملة هيلاري كلينتون عام 2016.

لقراءة الدراسة الكاملة يرجى تحميل النسخة الإلكترونية

مشاركة المقال:

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn
Share on telegram
Telegram
Share on whatsapp
WhatsApp

وحدة الترجمة

وحدة الترجمة مسؤولة عن أعمال الترجمة في مؤسسة ميسلون، من اللغات الأوروبية إلى العربية، وبالعكس؛ ترجمة ما تُصدره مؤسسة ميسلون باللغة العربية، وفقًا لاختيار إدارتها، إلى عددٍ من اللغات الأخرى، بهدف إيصال دراساتها إلى الناطقين باللغات الأخرى، وترجمة البحوث والدراسات والمقالات المهمة من اللغات الأخرى إلى اللغة العربية بهدف تعريف المثقفين والباحثين والمهتمين في منطقة الشرق الأوسط ببعض ما ينشر عن المنطقة في مراكز البحوث العالمية.

نازي مونيان

زميل في معهد الشرق الأوسط ومستشار سابق للسياسة الخارجية بشأن إيران لحملة هيلاري كلينتون عام 2016.

ترجمة: عمر حداد

كاتب ومترجم سوري، له مجموعة من المقالات والترجمات في مجال الفكر والسياسة، يحمل إجازة في الهندسة المدنية، مهندس تخطيط وإدارة مشاريع.