مسار التطبيع في المنطقة

احتمالات تطبيع العلاقات بين "النظام السوري" و"إسرائيل"

المحتويات

أولًا: مقدمة

ثانيًا: محطات السلام العربي-الإسرائيلي

ثالثًا: احتمالات تطبيع العلاقات بين “النظام السوري” و”إسرائيل”

  1. تمهيد
  2. هل التطبيع أحد خيارات النظام السوري؟
  3. روسيا وإيران وخيار التطبيع بين النظام السوري و”إسرائيل”
  4. أميركا و”إسرائيل” وخيار التطبيع
  5. خلاصة
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on email
Email

أولًا: مقدمة

أجرت عدة أنظمة عربية مؤخرًا، معاهدات سلام وتطبيع بينها وبين “إسرائيل”، وذلك بعد توقف هذا المسار ردحًا من الزمن، وتحديدًا، منذ اتفاقية وادي عربة في عام 1994 بين الأردن و”إسرائيل”. وقد طرحت اللحظة السياسية لموجة التطبيع هذه، أسئلة عديدة، بدءًا من علاقتها بالحال الذي وصل إليه الربيع العربي، مرورًا بمحاولات تفسير تأكّل الغضب الرسمي والشعبي الذي عهدناه في كل محطة “سلام” سابقة، وصولًا إلى طرح السؤال الذي أصبح بديهيًا، بعد تسارع موجة التطبيع الأخيرة، “من التالي؟” ومن المُستثنى منها؟ ومن جملة ما تم التساؤل عنه، احتمالية تطبيع العلاقات بين نظام الأسد و”إسرائيل”. وهذ ما سنحاول مقاربته سردًا وتحليلًا.

نقصد بالتطبيع، في سياق مقاربتنا، جعل العلاقات طبيعية بين دولتين أو أكثر، بعد أن كانت غير ذلك، فهو يأتي بعد فترة عداء أو قطيعة أو توتر، ويأخذ صفة رسمية، أي بموجب اعتراف رسمي من الدول المعنية، يليه إقامة علاقات علنية ورسمية على مستوى الحكومات والمؤسسات التابعة لها. لكن تجب ملاحظة أن هذا التحديد لمفهوم التطبيع، لا ينفي وجود أنظمة عربية قائمة، لها تاريخ طويل من العلاقات غير الرسمية مع “إسرائيل”، بمستويات مختلفة.

 

ثانيًا: محطات السلام العربي-الإسرائيلي

تعدّ اتفاقية “كامب ديفيد” الموقعة بين مصر و”إسرائيل” عام 1979، أول معاهدة سلام بين طرف عربي و”إسرائيل”، والذي عدّها كثيرون أول خرقٍ للموقف العربي السائد، الرافض أو المقاوم لمبدأ الاعتراف بـ “إسرائيل” والتعامل معها بصفتها “دولة” أولًا، و”غير معادية” ثانيًا. تضمنت المعاهدة وثيقتين:

الأولى: وضعت إطارًا عامًا غير محدَّد للسلام في الشرق الأوسط، تضمن إجراء مفاوضات للفلسطينيين والضفة الغربية وغزة. والثانية: انسحاب القوات الإسرائيلية على مراحل من سيناء، على أن يسبق ذلك إجراء مفاوضات للوصول إلى معاهدة سلام بين مصر و”إسرائيل”.

 وقد أكدت هذه الاتفاقية على التزام إطار السلام في الشرق الأوسط، المتفق عليه في كامب ديفيد في 17 أيلول/ سبتمبر 1978، ومما ورد في نص الاتفاقية “وإذ تلاحظان -مصر و”إسرائيل”- أن الإطار المشار إليه، إنما قُصد به أن يكون أساسًا للسلام، ليس بين مصر و”إسرائيل” فحسب، بل أيضًا بين “إسرائيل” وأي من جيرانها العرب -كل في ما يخصه- ممن يكون على استعداد للتفاوض من أجل السلام معها على هذا الأساس، ورغبة منها في إنهاء حالة الحرب بينها وإقامة سلام تستطيع فيه كل دولة في المنطقة أن تعيش في أمن، واقتناعًا منهما بأن عقد معاهدة سلام بين مصر و”إسرائيل” يُعدّ خطوة مهمة في طريق السلام الشامل في المنطقة، والتوصل إلى تسوية للنزاع (العربي-الإسرائيلي) على المستويات كافة.”[1]، ومما نصت عليه الاتفاقية: إنهاء حالة الحرب بين البلدين، وانسحاب “إسرائيل” من سيناء على مراحل خلال 3 سنوات، وإقامة علاقات طبيعية وودية بعد المرحلة الأولى من الانسحاب، إضافة إلى خفض الوجود العسكري على الحدود بين البلدين.

وفي عام 1981، خلال قمة فاس، طرحت المملكة العربية السعودية مبادرة للسلام، تألّفت من ثماني نقاط، وتضمنت اعترافًا ضمنيًا بدولة “إسرائيل”، كما أقرت المبادرة بحق دول المنطقة كافة في العيش بسلام. ودعت إلى إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، وقد اصطدمت المبادرة عندما طرحت على قمة فاس الأولى في تشرين الثاني/ نوفمبر 1981 بالخلافات العربية، حيث استمرت القمة مدة أربع ساعات فقط، لتنتهي بفشل كبير كان مرده إصرار دول مثل سورية والجزائر وليبيا والعراق، إضافة إلى منظمة التحرير الفلسطينية على حذف البند السابع من الخطة الذي يتحدث عن اعتراف ضمني بـ “إسرائيل”، ليعاد طرحها من جديد في قمة عربية ثانية عقدت في فاس أيضًا، بعد ذلك بعدة أشهر في عام 1982، حيث أقرّتها القمة رسميًا، بعد أن رأى المشاركون فيها، ومنهم سورية، أنها لا تتضمن أي تنازل عن الحقوق العربية، وأنها تتفق مع قرار مجلس الأمن (242). وأصاب الفشل هذا المبادرة في عقب الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982.

مؤتمر مدريد للسلام، في 30 تشرين الأول/ أكتوبر 1991، شاركت فيه وفود عربية منها سورية ولبنان ومصر، وشكل الأردنيون والفلسطينيون وفدًا مشتركًا، واستُبعدت منظمة التحرير الفلسطينية منه. كما اشترطت “إسرائيل” لعقده، ألَّا يجري أي حديث في المؤتمر عن دولة فلسطينية مستقلة، وألّا يكون للمؤتمر أي صيغة إلزامية. في المقابل، اشترطت الدول العربية أن تكون المفاوضات متعددة الأطراف، وألَّا تنفرد “إسرائيل” بأي طرف عربي، في حين أصرّت “إسرائيل” على أن تشمل المفاوضات جلسات ثنائية إلى جانب الجلسات متعددة الأطراف. وُعد الفلسطينيون -خلال المؤتمر- بالمشاركة في مسار تفاوضي يمتد إلى خمس سنوات، على أن يُصار -ابتداءً من العام الثالث- إلى نقاش الوضع النهائي، وهذا ما أفضى إلى توقيع “اتفاق أوسلو” لاحقًا.

في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر، تحدث الرئيس الأميركي، جورج بوش الأب، عن “سلام شامل” تشارك فيه “إسرائيل”، وترتبط بموجبه بمحيطها العربي باتفاقيات اقتصادية وأمنية ودبلوماسية، أما الرئيس السوفياتي آنذاك، ميخائيل غورباتشوف، فتحدث عن تطبيع وجود “إسرائيل”. وأصرت “إسرائيل” على ألّا تبدأ المفاوضات الثنائية في مدريد، واقترحت إجراء المفاوضات بالتناوب في “إسرائيل” وعاصمة عربية معنية. وفي مقابل ذلك، أصرت سورية على بدء المفاوضات فورًا. واقترحت الإدارة الأميركية “حلًا وسطيًا” يقضي بعقد جولة جديدة في واشنطن خلال كانون الأول/ ديسمبر 1991، وبين هذا التاريخ وآب/ أغسطس 1993 عُقدت 11 جولة من المفاوضات الثنائية في واشنطن من دون أي نتائج حقيقية. وفي ضوء ذلك، قاطعت سورية ولبنان أول جولة متعددة الأطراف عُقدت في موسكو مطلع 1992، كما غاب الوفد الفلسطيني لإشكالات تتعلق بتركيبته والجدل القائم حول مشاركة فلسطينيي الشتات. وفي أثناء ذلك، أقام الإسرائيليون اتصالات سرية بالزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، وبدأ مسار آخر تُوِّج باتفاقية (غزة/أريحا أولًا) التي وُقعت في واشنطن، في 13 أيلول/ سبتمبر 1993، ومهدت لقيام السلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة أواسط عام 1994.

وقعت منظمة التحرير الفلسطينية و”إسرائيل” اتفاق أوسلو، والمعروف رسميًا باسم “إعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي”، في 13 أيلول/ سبتمبر، ليليه اتفاقية “طابا” أو “أوسلو2” في 28 أيلول/ سبتمبر 1995، وهو اتفاق بشأن إجراءات تنفيذ المرحلة الثانية من “أوسلو” الخاصة بانسحاب القوات الإسرائيلية من مدن الضفة، والإفراج عن الأسرى الفلسطينيين، وتنظيم الانتخابات التشريعية في الأراضي الفلسطينية.

مع الوضع الدولي الجديد في بداية التسعينيات في إثر انهيار الاتحاد السوفياتي، والانقسام في الموقف العربي الذي أعقب دخول العراق إلى الكويت، وتأييد منظمة التحرير الفلسطينية للموقف العراقي، فُرض حصار مالي وسياسي على منظمة التحرير، وانعكست المتغيرات الدولية والإقليمية كلها على القضية الفلسطينية، وعلى منظمة التحرير، ما فرض عليها السير في طريق التسوية. ومن معطيات ما بعد أوسلو، تمكُن الشعب الفلسطيني من إقامة كيانه السياسي أول مرة على جزء من أرضه، وتحصّله على سلطات وصلاحيات سياسية ومدنية وإدارية واقتصادية وأمنية وتشريعية وقضائية، وإيجاد أرضية ملائمة لإدامة الكفاح الوطني الفلسطيني، بعد غلق الأبواب والحدود والعواصم -ومنها العربية- وانسداد السبل والدروب أمام الشعب الفلسطيني. فيما عدّه آخرون تتويجًا لقدرة أميركا و”إسرائيل” على احتواء الحركة الوطنية الفلسطينية، وانصياعًا كاملًا للمقترحات الأميركية و”الإسرائيلية” بالحل عبر الحكم الإداري الذاتي الذي يقّ كثيرًا عن الحد الأدنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية.

شكلت انتفاضة الأقصى، بعد زيارة شارون للمسجد الأقصى في 28 أيلول/ سبتمبر نهاية مسار “أوسلو”، خصوصًا بعد فشل مؤتمر كامب ديفيد عام 2000 في منح هذا المسار آخر فرصة ممكنة.

اتفاقية وادي عربة، في 26 تشرين الأول/ أكتوبر 1994، وهي ثاني اتفاقيات السلام بين طرف عربي و”إسرائيل”، وجاءت بعد نحو عام من اتفاقية أوسلو. نصت المعاهدة على أن الهدف منها هو تحقيق سلام عادل وشامل بين البلدين، الأردن و(“إسرائيل”)، استنادًا إلى قراري مجلس الأمن 242 و338 ضمن حدود آمنة ومعترف بها، ولتحقيق السلام المنشود ينبغي تخطي الحواجز النفسية بين الشعبين الأردني و”الإسرائيلي”. ومن أهم ما جاء في هذه الاتفاقية[2]:

  • تحدّد الحدود الدولية بين الأردن و”إسرائيل” على أساس تعريف الحدود زمن الانتداب البريطاني.
  • تعتبر الحدود الدولية الدائمة والآمنة، والمعترف بها دوليًا بين الأردن و”إسرائيل”، دون المساس بوضع الأراضي التي دخلت تحت سيطرة الحكم العسكري الإسرائيلي عام 1967.
  • عند تبادل وثائق التصديق على هذه المعاهدة، سيدخل الطرفان في مفاوضات للوصول إلى اتفاقية خلال تسعة أشهر حول تحديد حدودهما البحرية في خليج العقبة.
  • الامتناع عن تنظيم الأعمال والتهديدات العدائية أو المعادية أو ذات الطبيعة التخريبية أو العنيفة، وعن التحريض عليها والمساهمة أو المشاركة فيها ضد الطرف الآخر.
  • الامتناع عن الدخول في أي ائتلاف أو تنظيم أو حلف ذي صفة عسكرية أو أمنية مع طرف ثالث أو مساعدته بأي طريقة من الطرق أو الترويج له أو التعاون معه إذا كانت أهدافه أو نشاطاته تتضمن شن العدوان أو أي أعمال أخرى من العداء العسكري ضد الطرف الآخر.
  • اتخاذ إجراءات ضرورية وفعالة لمنع أعمال الإرهاب والتخريب والعنف من أن تشن من أراضيهما أو من خلال أراضيهما، واتخاذ إجراءات ضرورية وفعالة لمكافحة هذه النشاطات ومرتكبيها.
  • يتفق الطرفان على أن العلاقة الطبيعية بينهما تشمل أيضًا العلاقات الاقتصادية والثقافية.
  • بهدف تحقيق تسوية شاملة ودائمة لكافة مشكلات المياه القائمة بين الطرفين، يتفق الطرفان على الاعتراف بتخصيصات عادلة لكل منهما وذلك من مياه نهري الأردن واليرموك ومن المياه الجوفية لوادي عربة، وذلك بموجب المبادئ المقبولة والمتفق عليها وحسب الكميات والنوعية المتفق عليها.
  • إزالة أوجه التمييز كافة التي تعتبر حواجز ضد تحقيق علاقات اقتصادية طبيعية، وإنهاء المقاطعات الاقتصادية الموجهة ضد الطرف الآخر، والتعاون في مجال إنهاء المقاطعات الاقتصادية المقامة ضد أحدهما من قبل أطراف ثالثة.
  • انطلاقًا من رغبة الطرفين في إزالة حالات التمييز كافة التي تراكمت عبر فترات الصراع، فإنهما يعترفان بضرورة التبادل الثقافي والعلمي في الحقول كافة، ويتفقان على إقامة علاقات ثقافية طبيعية بينهما، وعليه فإنهما يقومان -بأسرع وقت ممكن على ألّا يتجاوز ذلك فترة تسعة أشهر من تاريخ تبادل وثائق التصديق على هذه المعاهدة- باختتام المفاوضات حول الاتفاقات الثقافية والعلمية.
  • الامتناع عن القيام ببث الدعايات المعادية القائمة على التعصب والتمييز، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية والإدارية الممكنة التي من شأنها منع انتشار مثل هذه الدعايات، وذلك من قبل أي تنظيم أو فرد موجود في المناطق التابعة لأي منهما.
  • القيام بأسرع وقت ممكن وبفترة لا تتجاوز ثلاثة أشهر من تاريخ تبادل وثائق التصديق على هذه المعاهدة، بإلغاء كافة ما من شأنه الإشارة إلى الجوانب المعادية وتلك التي تعكس التعصب والتمييز، والعبارات العدائية في نصوص التشريعات الخاصة بكل منهما. وأن يمتنعا عن مثل هذه الإشارات أو التعبيرات في المطبوعات الحكومية كافة.

في قمة بيروت 2002، طرحت السعودية مرة أخرى “المبادرة العربية للسلام”، وأُعلن فيها أن السلام خيار استراتيجي بالنسبة إلى العرب و”إسرائيل”، وطالبت “المبادرة” قبول قيام دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ الرابع من حزيران/ يونيو 1967 في الضفة الغربية وقطاع غزة، تكون القدس الشرقية عاصمتها، كما طالبت بالانسحاب الكامل من الأراضي العربية بما فيها الجولان السوري، والتوصل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، وحينها -وبحسب المبادرة- يُعدّ النزاع العربي-الإسرائيلي منتهيًا، ويتم إنشاء علاقات طبيعية مع “إسرائيل” في إطار هذا السلام الشامل.

في 23 آب/ أغسطس 2020 بدأت موجة جديدة من التطبيع العربي مع “إسرائيل”، وكان عرّابها الرئيس الأميركي، “دونالد ترامب”، ففي هذا التاريخ أُعلن عن اتفاقية السلام بين الإمارات العربية المتحدة و”إسرائيل”، لتلحقها كل من البحرين في 11 أيلول/ سبتمبر، والسودان في 23 تشرين الأول/ أكتوبر، والمغرب في 10 كانون الأول/ ديسمبر 2020.

ومما جاء في اتفاقية السلام بين الإمارات العربية و”إسرائيل” [3]:

  • إقامة السلام والعلاقات الدبلوماسية والتطبيع الكامل للعلاقات الثنائية.
  • يتعهد الطرفان باتخاذ الخطوات اللازمة لمنع أي نشاط إرهابي أو عدائي ضد بعضهما بعضًا في أراضيهما أو انطلاقًا منها، وبرفض أي دعم لمثل هذا النشاط في الخارج أو السماح بمثل هذا الدعم في أراضيهما أو انطلاقًا منها.
  • يبرم الطرفان اتفاقيات ثنائية في المجالات الآتية في أقرب وقت ممكن عمليًا: الرعاية الصحية، العلوم والتكنولوجيا والاستخدامات السلمية للفضاء الخارجي، والسياحة والثقافة والرياضة، والطاقة، والبيئة، والتعليم، والترتيبات البحرية، والاتصالات والبريد، والزراعة والأمن الغذائي، والمياه.
  • تعزيز ثقافة العيش المشترك بين شعبي البلدين من خلال إنشاء برامج لالتقاء أفراد الشعبين، وحوار الأديان، والتبادلات الثقافية والأكاديمية والشبابية والعلمية وغيرها، واتخاذ التدابير المتعلقة بالتأشيرات والخدمات القنصلية لتسهيل السفر الفعال والآمن لمواطني البلدين، ويعمل الطرفان معًا على مواجهة التشدد الذي يحض على الكراهية والانقسام، والإرهاب، بما في ذلك منع التشدد والتجنيد ومكافحة التحريض والتمييز، وسيعملان معًا من أجل إنشاء “منتدى مشترك رفيع المستوى للسلام والتعايش” مكرس للنهوض بهذه الأهداف.
  • يقف الطرفان على استعداد للانضمام إلى الولايات المتحدة لتطوير وإطلاق “أجندة استراتيجية للشرق الأوسط” من أجل توسيع العلاقات الدبلوماسية والتجارية والاستقرار في المنطقة وغيرها من أشكال التعاون الإقليمي.

أما البحرين، الثانية خليجيًا والرابعة عربيًا، التي تقيم علاقات رسمية مع “إسرائيل”، فقد وقّعت ما أطلق عليه اسم “إعلان تأييد السلام”، وورد فيه: اتفق صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى بن سلمان آل خليفة، ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على فتح حقبة جديدة من الصداقة والتعاون، يسعى من خلال ذلك البلدان إلى تحقيق الاستقرار والأمن والازدهار لصالح جميع دول وشعوب المنطقة. كما تضمن “الإعلان” الاعتراف بحق كل دولة في السيادة والعيش في سلام وأمن، إضافة إلى مواصلة الجهد للوصول إلى حل عادل وشامل ودائم للصراع الإسرائيلي الفلسطيني. كما اتفق الطرفان على التباحث في اتفاقيات بشأن الاستثمار، والسياحة، والرحلات الجوية المباشرة، والأمن، والاتصالات، والتكنولوجيا، والطاقة، والرعاية الصحية، والثقافة، والبيئة، وغيرها من المجالات ذات المنفعة المتبادلة وصولًا إلى تبادل فتح السفارات.

أما بالنسبة إلى السودان، فقد تزامن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن اتفاقية السلام بين السودان و”إسرائيل” مع توقيعه مرسومًا برفع اسم السودان من القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب. وجاء في الاتفاق، إنهاء حالة العداء بين البلدين، وبدء العلاقات الاقتصادية والتجارية، مع التركيز مبدئيًا على الزراعة. والتفاوض بشأن اتفاقيات التعاون في تلك المجالات، وكذلك في مجال تكنولوجيا الزراعة والطيران وقضايا الهجرة، وغيرها من المجالات لصالح الشعبين. واتفقت الولايات المتحدة و”إسرائيل” على الشراكة مع السودان في بدايته الجديدة، وضمان اندماجه بالكامل في المجتمع الدولي. وتعهدت الولايات المتحدة أنها ستتخذ خطوات لاستعادة الحصانة السيادية للسودان، وإشراك شركائها الدوليين لتقليل أعباء ديون السودان. كما التزمت أيضًا بدفع المناقشات حول الإعفاء من الديون بما يتفق مع مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون.

 

ووقعت أيضًا المملكة المغربية و”إسرائيل” في الرباط، أربع اتفاقيات على هامش توقيع اتفاق استئناف العلاقات بين البلدين برعاية أميركية. استئناف لعلاقات رسمية جُمِّدت في عام 2002 بعد انتفاضة الأقصى، فقد بدأ المغرب علاقاته مع “إسرائيل” على مستوى منخفض في عام 1993، بعد توقيع اتفاقية “أوسلو”. وتزامن إعلان “ترامب” عن هذا الاتفاق، مع اعتراف بلاده بسيادة المغرب على إقليم الصحراء، وفتح قنصلية أميركية بمدينة الداخلة في الإقليم المتنازع عليه بين الرباط وجبهة “البوليساريو”. وشملت الاتفاقيات الأربع بين البلدين، بحسب بيان وزارة الخارجية المغربية، المجال الاقتصادي والتجاري والسياحي[4].

تتعلق الاتفاقية الأولى بالإعفاء من إجراءات التأشيرة بالنسبة إلى حاملي الجوازات الدبلوماسية وجوازات الخدمة، والاتفاقية الثانية، تتعلق بمذكرة تفاهم في مجال الطيران المدني، والاتفاقية الثالثة تتعلق بمذكرة تفاهم حول “الابتكار وتطوير الموارد المائية”، والتي تنص على التعاون التقني في مجال تدبير وتهيئة الماء، والاتفاقية الرابعة كانت في مجال المالية والاستثمار، وتنصّ على إنعاش العلاقات الاقتصادية بين البلدين من خلال التجارة والاستثمار، إضافة إلى التفاوض حول اتفاقيات أخرى تؤطِّر هذه العلاقات، ويتعلق الأمر باتفاقية تجنب الازدواج الضريبي واتفاقية إنعاش وحماية الاستثمارات واتفاقية المساعدة الجمركية.

أما أبرز محطات مفاوضات السلام بين نظام الأسد و”إسرائيل”:

مؤتمر مدريد: وجاء مواكبًا لانهيار الاتحاد السوفياتي، والذي أنهى معه ما عُرف بالحرب الباردة، وواكب أيضًا انتهاء حرب الخليج الثانية، وعُقد بالعاصمة الإسبانية في تشرين الأول/ أكتوبر 1991. وأكد المؤتمر على مبدأ “الأرض مقابل السلام”، وعلى قرارات مجلس الأمن 242 و338 و425. رأسَ الوفد السوري وزير الخارجية الأسبق فاروق الشرع. وانتهى المؤتمر بالاتفاق على المضي لتحقيق مفاوضات سلام بين “إسرائيل” وكل من سورية ولبنان والأردن والفلسطينيين.

في كانون الأول/ ديسمبر 1999، بدأت نقاشات بين الطرفين السوري و”الإسرائيلي” بحضور رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود باراك والوزير السوري فاروق الشرع، وشاركت فيها وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت، “شبردزتاون” بولاية فرجينيا. وفي كانون الثاني/ يناير 2000 ومع استمرار النقاشات تبين أن “إسرائيل” غير مستعدة للانسحاب الكامل من الجولان إلى خط 4 حزيران/ يونيو 1967، وأنها تريد الاحتفاظ بمساحات قرب بحيرة طبريا، ما أدى إلى انهيار المفاوضات. وفي آذار/ مارس آذار 2000 التقى الرئيس السوري حافظ الأسد بالرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون في جنيف لبحث مسألة استئناف المفاوضات. وقد تبنى الرئيس الأميركي موقف “إسرائيل” بشأن تفسير قراري الأمم المتحدة رقمي 242 و338، كما رفض ممارسة ضغوط على باراك لإلزامه الانسحاب من جميع الأراضي السورية التي احتلت في عام 1967، فضلًا عن الخلاف الرئيس بشأن تعريف حدود شواطئ بحيرة طبريا الشمالية الشرقية، وهذا كله أدى إلى فشل تلك المفاوضات.

في كانون الثاني/ يناير 2004، أعلن أرييل شارون استعداده إجراء محادثات سلام مع سورية بشرط توقف دمشق عن دعم ما أسماه شارون بـ “الإرهابيين”، في إشارة إلى حزب الله اللبناني، والمنظمات الفلسطينية المقيمة في سورية. ومن أيلول/ سبتمبر 2004 إلى تموز/ يوليو 2006، تناولت بعض وسائل الإعلام، اجتماعات سرية بين مفاوضين “إسرائيليين” وسوريين جرت في أوروبا وفي تركيا، وأعلنت تلك المصادر أن الدبلوماسي الأميركي عضو مؤسسة السلام في الشرق الأوسط، جيفري أهرونسون، وإبراهيم سليمان، وهو رجل أعمال أميركي من أصل سوري، قد نشطا في تفعيل المفاوضات السورية “الإسرائيلية” في ذلك الوقت، وأن ثماني جلسات تفاوضية قد عُقدت. وفي حزيران/ يونيو 2007، أعلنت “إسرائيل” استعدادها تطبيق مبدأ الأرض مقابل السلام مع سورية، شريطة أن تقطع دمشق علاقاتها بطهران، وأن تطرد من أرضها ما تسميه “إسرائيل” “الجماعات الإرهابية” المقيمة في سورية. وفي آب/ أغسطس 2007، أعلن فاروق الشرع، نائب الرئيس السوري آنذاك، عدم نية بلاده شنّ حرب ضد “إسرائيل” لاستعادة مرتفعات الجولان. وفي 23 نيسان/ أبريل 2008، أعلنت “إسرائيل” استعدادها للانسحاب من هضبة الجولان مقابل السلام مع سورية.

 

ثالثًا: احتمالات تطبيع العلاقات بين “النظام السوري” و”إسرائيل”

  • تمهيد

هذا سؤال دقيق في الحقل السياسي، وتواجهنا مسألتان رئيستان في سياق مقاربته؛ الأولى، ينبغي للإجابة عن سؤال احتمالية التطبيع بين النظام السوري و”إسرائيل” أن تتحلى بقدر كبير من الموضوعية، بمعزل عن الموقف المعارض تجاه النظام وسياساته الداخلية، وبعيدًا عن الرؤى الضيقة التي تنحو باتجاه مقاربة أداء سياسته الخارجية بالأدوات نفسها التي تستخدمها لتشخيص أدائه في الداخل السوري. أما المسألة الثانية، فهي أن أي إجابة عن هذا السؤال يجب أن تتحلى بالتواضع، إذ لا يمكن تأكيد أو نفي أي من الاحتمالات الممكنة بصورة نهائية، لأننا أمام واقع متحرك ومتغيِّر بصورة كثيفة في سورية، وفي الإقليم، فضلًا عن التغيرات الدولية المؤثرة والفاعلة في الوضع السوري والإقليم، وآخرها وصول إدارة أميركية جديدة إلى البيت الأبيض، وهذه سيكون لها تأثير مغاير نسبيًا عن إدارة ترامب في قضايا المنطقة، خصوصًا ما يتعلق بالموقف من إيران. وأخيرًا يمكن أن نضيف أن كثيرًا من الأحداث والتطورات، خلال العقد الفائت، قد فلتت من التحليل السياسي الموضوعي، وكانت مفاجئة، وهذا أمر طبيعي بحكم أننا لا نستطيع إحاطة الواقع بصورة كلية، ومن ثمّ لم يكن من النادر أن يأتي تبرير أو تفسير أي مسار أو موقف أو توجه، بعد الحدث، لا قبله.

 

  • هل التطبيع أحد خيارات النظام السوري؟

لا بدّ لاستقراء احتمالية تطبيع نظام الأسد للعلاقات مع “إسرائيل”، من معرفة جلية بطبيعة هذا النظام، على مستويين أوليين. يتمثّل الأول بخطابه ومقومات وجوده الداخلية، والثاني بدوره الوظيفي في المنطقة، وعلاقاته الإقليمية والخارجية، خصوصًا علاقته بإيران، ولا سيّما في مرحلة ما بعد الثورة السورية. وهذان المستويان يشكلان خصوصية نظام الأسد تجاه مسألة التطبيع مع “إسرائيل”، بما يتوافران عليه من مرتكزات ومعطيات تؤثر في احتمالية حدوث التطبيع.

ما حاجات نظام الأسد في اللحظة الراهنة؟ يحتاج النظام إلى العودة إلى جامعة الدول العربية، والحصول على مساعدات مالية، وإلى إعادة العلاقات مع دول الخليج العربي، بما يؤدي إلى دعمه اقتصاديًا، ويحتاج إلى إيقاف العمل بالعقوبات الدولية المفروضة على سورية، والفكاك من قانون قيصر. ومع هذه الحاجات، يمكننا أن نسأل: هل يمكن أن يلجأ النظام السوري إلى تطبيع علاقاته مع “إسرائيل”، في اللحظة الحالية، للخروج من عزلته والظفر بحاجاته؟

هناك ثوابت علنية معروفة تتعلق بخطاب النظام السوري، لكنها عمومًا ليست كذلك على أرض الواقع؛ فالبراغماتية تطغى في سلوكاته ومواقفه كلها، وقد عودنا على أنه قادر على تقديم تنازلات غير متوقعة أمام الخارج عندما تشتد الضغوط عليه، أو في الأحرى عندما لا يجد أي مخرج آخر باستثناء الاستجابة للضغوط، لكنه لا يقدِّم أي تنازلات في الداخل السوري، حتى لو كانت تتعلق بقضايا بسيطة.

في مثل هذه الأحوال الضاغطة، يمكن أن تلجأ السياسة الخارجية السورية إلى كسب الوقت؛ يطرح النظام مثلًا استعداده لاستئناف المفاوضات مع “إسرائيل”، ويمكن أن يعبِّر عن مرونة فيما يتعلق بطريقة عودة الجولان إلى سورية، تدريجيًا وعبر زمن طويل نسبيًا، مع الاحتفاظ بمساحة مقبولة للمناورة تسمح له بالتنصل من أي التزام، لكنه ربما يتمكن من خلال هذه المناورة، كما حصل في لحظات عديدة في الماضي، من تخفيف الضغوط عليه مؤقتًا بانتظار تطورات أخرى في الواقع.

لذلك، لا يُتوقّع أن يغيِّر النظام السوري مواقفه فيما يتعلق بإسرائيل، والتطبيع معها، إلا في لحظة استثنائية جدًا؛ وصوله إلى لحظة المفاضلة الحادة، والواضحة، بين رحيله من جهة، وبقائه في السلطة بشرط التطبيع مع “إسرائيل” من جهة أخرى، أي عندما يُخيَّر بوضوح بين موته وبين حياةٍ يُمكن أن تُمنح له مقابل التطبيع. وفي حال وصل النظام إلى هذه اللحظة، سيطالب، وحلفاؤه أيضًا، بالحصول على تطمينات كافية لاستمراره مقابل الاستجابة للضغوط بشأن التطبيع. لكننا، نعتقد أن النظام لم يصل إلى هذه اللحظة، وربما لن يصل، أو في الأحرى لا يوجد ما يؤشر على إمكانية وصوله في الأفق القريب إلى هذه اللحظة. فالسياسة الأميركية، بإداراتها المختلفة، بوصفها العامل الحاسم في هذه النقطة، ما زالت تؤكد أن هدفها هو تغيير سلوك النظام السوري لا رحيله، فضلًا عن قوة داعميه وهزالة معارضيه.

على الرغم من رغبته في، وحاجته الشديدة إلى، إعادة تعويم نفسه، لا توجد مصلحة للنظام في التطبيع ذاته مع “إسرائيل”، في اللحظة الراهنة، خصوصًا أنه سيكون بلا مقابل من حيث استعادة الجولان المحتل، بحكم أن ميزان القوى لديه خاسر على المستويات كلها، وقد كان كذلك طوال عقود، لكنه ليس بالدرجة التي وصل إليها اليوم، أكان ذلك على المستوى الداخلي، أو على مستوى علاقاته الخارجية وتحالفاته. من جهة أخرى، سيربك التطبيع، في اللحظة الراهنة، النظام على مستوى إعادة ترتيب توازناته وعلاقاته الإقليمية والدولية التي ما زالت تحافظ على وجوده، على الرغم من هشاشته، تلك العلاقات التي استثمر فيها كثيرًا، خصوصًا مع إيران وحزب الله والأحزاب القومية العربية واليسار العربي عمومًا. وسيخسر أيضًا في الداخل، فحزبه الحاكم ما زال أساس وجوده واستمراره و”شرعيته” هو موقفه المعلن من “إسرائيل” والقضية الفلسطينية؛ فقد شكّل خطاب “المقاومة”، وعلى مر عقود، ركنًا مركزيًا من أركان خطاب نظام الأسد، ومصدرًا رئيسًا من مصادر “شرعيته”، على الرغم مما ارتكبه في حق المقاومة الفلسطينية من جرائم وحصار سياسي في بعض المحطات، وما ارتكبه في حق سورية نفسها، منذ عام 1970 إلى يومنا هذا.

والسؤال الذي يمكن طرحه هنا: هل يمكن في الوقت الراهن أن يحدث تطبيع في العلاقات بين دمشق وتل أبيب في ظل بقاء كثير من الملفات الشائكة والمعقدة من دون حل؟ وهل يمكن للنظام السوري أن يحلّ هذه الملفات في ظل هشاشته وضعفه على مستوى العلاقات الخارجية اليوم، خصوصًا من حيث فقدانه للقدرة على المبادرة بمعزل عن حسابات معقدة تطال استراتيجية إيران في المنطقة، وعلاقتها الصراعية مع الولايات المتحدة؟ لا يمكننا تجاهل الوجود الإيراني في أي خطوة ذات طابع تطبيعي بين سورية و”إسرائيل”؛ فتطبيع العلاقات بين سورية و”إسرائيل” لم يعد شأنًا سوريًا خالصًا، بل له علاقة وثيقة بدور إيران ووجودها في سورية والمنطقة، وبأذرعها المسلحة، مثل حزب الله وحركة حماس و”الميليشيات الشيعية” المتنوعة، فضلًا عن تأثيرات الملف النووي الإيراني.

لعل النقطة الوحيدة، في الوضع الراهن، التي يمكن أن تدفع النظام للتطبيع مع “إسرائيل”، هي استعداد “إسرائيل” لإعادة الجولان، ولو بالتقسيط المريح، فما زال النظام يرهن أي توجه للتطبيع مع “إسرائيل” بتخليها عن هضبة الجولان، وهو أمرٌ بعيدٌ ومستحيلٌ بالنسبة إلى “إسرائيل” في هذه اللحظة، خصوصًا بعد الاعتراف الأميركي بالسيادة الإسرائيلية على الجولان. لذلك، فإن خيار الامتناع عن التطبيع بلا مقابل هو خياره الأمثل، لأنه يبقيه منسجمًا مع خطابه المعلن، ولارتباط هذا الخيار بوجوده أساسًا. هناك عناصر قوة لدى النظام، على الرغم من هشاشته، تساعده في اعتماد خيار الامتناع؛ ثقل إيران في سورية، موقع سورية الجيوسياسي في المنطقة، عدم شرعية الاحتلال الإسرائيلي للجولان دوليًا، وفي قرارات الأمم المتحدة.

لا تدفع الضغوط الأميركية، بدرجتها الحالية، وأهدافها المعلنة، النظام السوري تجاه الإسراع في خيار التطبيع مع “إسرائيل”، وهو يستطيع أن يقاوم هذه الضغوط، ويبقى مستمرًا في الحكم، على الرغم من ضعفه، ومن سوء الوضع الداخلي. وفي الأحرى، يبدو أن الضغوط الأميركية مصمَّمة بطريقة قادرة على إيلام النظام وإرباكه، لكنها لا تتضمن إيصاله إلى لحظة يصبح فيها قاب قوسين أو أدنى من الانهيار.

يُضاف إلى ذلك، أن هناك محطات عديدة سيمرّ بها قطار التطبيع قبل أن يكون هناك احتمال لتطبيع النظام السوري مع “إسرائيل”. ونعتقد أن النظام السوري، إن كان هناك احتمال للتطبيع أصلًا في اللحظة الحالية، لن يُقدم عليه قبل أن تذهب السعودية، وغيرها، في هذا الاتجاه، ليكون النظام آخر “المطبِّعين” بمعنى ما، فهذه نقطة مهمة في تفكيره وخطابه في حال اضطر إلى خيار التطبيع.

 

  • روسيا وإيران وخيار التطبيع بين النظام السوري و”إسرائيل”

يبدو منطقيًا أن تدفع روسيا النظام السوري للسير في مسار التطبيع من أجل إخراجه من ورطته[5]، خصوصًا بعد عجزها عن تسويق رؤيتها إلى الحل السياسي في سورية، وعدم قدرتها على منع العقوبات عنه، وعجزها عن مساعدته اقتصاديًا، فضلًا عن سعيها للاحتفاظ باستثماراتها في سورية، علاوة على أن التطبيع يُمكن أن يُشجِّع العواصم الغربية على غض النظر عن السلوك الماضي للنظام، وإعادة النظر في منظومة العقوبات الدولية المفروضة عليه، ما سيفتح الباب أمام عودته إلى الساحة الدولية، وقد كان درس السودان واضحًا من حيث أنَّ مفتاح التخلص من العقوبات، على ما يبدو، موجود في تل أبيب. لكن سعي روسيا للتوفيق بين النظام و”إسرائيل”، سيكون أيضًا رهنًا بالطريقة التي ستتعامل فيها إدارة بايدن مع كل من إيران والنظام السوري.

أما إيران التي تحاول الإمساك بالملفات الأساسية في المنطقة، ومنها ملف التسوية بين النظام و”إسرائيل”، بما يسمح بخروجها من مأزق العقوبات المتعلقة بالملف النووي، فترى أن النظام يحاول فتح قنوات أو إجراء مقايضات تعيده إلى المجتمع الدولي، وترفع عنه العقوبات، وتساعده في إطلاق إعادة الإعمار، وقد يبدو هذا ظاهريًا أنه يزعجها، لكنها عمليًا، وفي الحصيلة، لا تمانع تحريك المياه الراكدة حول النظام، ولا تقف ضد النظام في بحثه عن هذه المخارج، ويمكنها أن تساعد النظام بموافقتها على انسحاب عسكري جزئي، أو الحدّ من وجود قواتها في سورية، أو الابتعاد عن الحدود مع “إسرائيل” بقدر المسافة المطلوبة أميركيًا وإسرائيليًا، لكن من دون أن تلزم نفسها بالتطبيع مع “إسرائيل”، ولا شك في أن عدم ممانعتها مرهون بحصولها على مكتسبات سياسية واقتصادية إضافية في سورية؛ زيادة ثقلها في بنية النظام، وتغلغلها سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا في سورية. وقد تغلغلت إيران فعليًا في أجهزة الدولة، وفي بيئات اجتماعية عديدة، ما يجعلها مطمئنة، نوعًا ما، لعدم قدرة أي طرف على طردها من سورية كليًا، فضلًا عن ديونها الكثيرة المترتبة على نظام الأسد، في ظل عجز الأخير عن السداد بالطبع.

 

  • أميركا و”إسرائيل” وخيار التطبيع

ما الحاجات الإسرائيلية في اللحظة الراهنة؟  إخراج إيران من سورية، أو على الأقل ابتعادها من الحدود السورية الإسرائيلية بما يحافظ على أمن “إسرائيل”، إخراج قوات حزب الله اللبناني من سورية، إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية السورية. من ثمّ، يمكن أن نسأل: ما المكتسبات “الإسرائيلية” المتوقعة من التطبيع مع نظام الأسد؟ بحسب ما ورد آنفًا من بنود لاتفاقيات ومعاهدات السلام بين الأنظمة المُطبّعة مع “إسرائيل”، هناك سلة من المكاسب “الإسرائيلية” الممكنة، تراوح في أهميتها ما بين المرحلي والاستراتيجي؛ تحقيق الاعتراف بها، ضمان أمنها، التطبيع الثقافي الذي يمهد لانتقال مسألة قبولها والاعتراف بها من دائرة الأنظمة إلى الدائرة الشعبية. لكن “إسرائيل” تريد المكاسب هذه من دون تقديم تنازلات في ما يتعلق بالجولان، خصوصًا مع ميلان ميزان القوى لمصلحتها كثيرًا مقارنة بنظام الأسد، وبدرجة أعلى من أي لحظة سياسية أخرى طوال نصف القرن الماضي. مع ذلك، ترحب “إسرائيل” بحدوث تعاون جزئي أو في مجالات محددة مع النظام، خصوصًا في ظل عدم وجود بديل تطمئن إليه في الساحة السورية.

هل تريد أميركا حدوث تطبيع بين النظام السوري و”إسرائيل”؟ ترغب أميركا في ذلك، لكنها تعلم أن النظام السوري لا يستطيع السير فعليًا في مسار التطبيع من دون الحصول على الجولان، ولو عبر اتفاقات طويلة الأمد، فالحالة السورية مختلفة عن الإمارات والبحرين والسودان والمغرب، وغيرها من الدول التي ليس لها أراضٍ محتلة من جانب “إسرائيل”. وتدرك أميركا أيضًا أن التطبيع بين النظام و”إسرائيل” أصبح مسألة مرتبطة كثيرًا بموقف إيران ودورها ووجودها في سورية، أي أن مسألة التطبيع أصبحت جزءًا أو بندًا لا يمكن السير فيه من دون حل الصراع الأكبر بالنسبة إليها، أي الصراع مع إيران.

هل يمكن أن تغيّر واشنطن سياستها تجاه النظام السوري عبر بوابة التطبيع مع “إسرائيل”؟ يحاول حلفاء النظام تعويمه وإعادته إلى الساحة الدولية وانتشاله من أزماته، لكن محاولاتهم تواجه عقبات عديدة، في مقدّمها الرفض الأميركي المترافق بتحذير الدول من التطبيع مع النظام، فما زالت أميركا تشترط على النظام تغيير نهجه والذهاب إلى حل سياسي للصراع السوري، بحسب قرار الأمم المتحدة رقم 2254، وإن كنا نعتقد أن رهان واشنطن الأساسي هو دفع النظام السوري للابتعاد عن إيران. ولذلك، فإن محاولات بعض حلفاء النظام، مثل روسيا والإمارات العربية، صناعة مبادرات تدعو إلى التطبيع مع “إسرائيل” كمدخل لإعادة إحياء النظام، وتقليم أظافر إيران في سورية، سيكون نجاحها مرهونًا ليس فحسب بدرجة تجاوب إيران وعدم ممانعتها، بل أيضًا برؤية الإدارة الأميركية الجديدة للاتفاق النووي مع طهران، والذي يُعتقد أنه سيكون مرهونًا هذه المرة بعدة مسائل أخرى؛ درجة الوجود الإيراني في سورية ومواقعه، ومراعاة المصالح الإسرائيلية والسعودية في تقليم أظافر إيران في المنطقة.

 

  • خلاصة

في الحصيلة، نعتقد أن الظروف لم تنضج بعد لمرور قطار التطبيع بدمشق، وقد لا تنضج أبدًا، بحكم ارتباط هذا الملف بقضايا أخرى معقدة ومتشابكة، أهمها مصير النظام السوري، وتطورات الموقف الأميركي تجاهه، والعلاقة الصراعية بين أميركا وإيران، والوجود الإيراني والروسي في سورية. أما من جهة “إسرائيل”، فإنها غير مستعجلة، ولا تعاني ضغوطًا على هذا المستوى، وما حصل في سورية طوال العقد الفائت أكبر كثيرًا مما كانت تتمناه في أحلامها، والحالة الوحيدة التي يمكن أن تراها مفيدة لها، في اللحظة الراهنة، هي التطبيع بلا مقابل، واستمرار احتلالها للجولان، والحدّ من الوجود الإيراني في سورية.

[1] وزارة الخارجية المصرية، معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل واتفاق الحكم الذاتي من الضفة والقطاع، 1979، ص43-47.

[2] معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية.. أهم البنود، موقع الجزيرة نت، 3 تشرين الأول/ أكتوبر 2004، https://cutt.us/P6fMg.

[3] النص الكامل لمعاهدة السلام بين الإمارات وإسرائيل التي وقعت في البيت الأبيض، موقع قناة الحرة، 16 أيلول/ سبتمبر 2020، https://cutt.us/LEGmY.

[4] المغرب وإسرائيل يوقعان 4 اتفاقيات تهم المجال الاقتصادي والتجاري والسياحي، 23 كانون الأول/ ديسمبر 2020، https://cutt.us/1KXZe.

[5] جرى الحديث عن لقاء عُقد في قاعدة حميميم، في كانون الأول/ ديسمبر 2020، بين رئيس النظام السوري ورئيس مكتب الأمن القومي علي مملوك من جهة، والجنرال غادي إيزنكوت من رئاسة هيئة الأركان الإسرائيلية، والجنرال السابق في الموساد آري بن ميناشي من جهة أخرى، وبحضور أليكساندر تشايكوف قائد القوات الروسية في سورية، على الرغم من أنه لا يمكن تأكيد حدوث اللقاء.

 

وحدة المقاربات السياسية تقدِّم وحدة المقاربات السياسية دراسات وقراءات ومقالات سياسية تتناول الواقع السياسي والحوادث السياسية في منطقة الشرق الأوسط بصورة خاصة، والمنطقة العربية عمومًا، إضافة إلى الأوضاع والسياسات الإقليمية والدولية المؤثرة، فضلًا عن تقديم تقرير شهري يرصد تغيرات واقع وأوضاع المنطقة، السياسية والعسكرية والاقتصادية، ويمكن لوحدة المقاربات السياسية أن تستقبل إسهامات من خارج ميسلون تُنشر بأسماء أصحابها في حال كانت متوافقة مع معايير النشر المعتمدة. وتسعى وحدة المقاربات السياسية أيضًا لتقديم مبادرات سياسية إلى القوى والتيارات السياسية وأصحاب القرار في المنطقة، تهدف إلى تقديم مقترحات لحلّ إشكالات سياسية محدّدة، وإلى تعزيز الحوار والعمل الديمقراطي. تجتمع وحدة المقاربات السياسية بشكل دوري مرة كل أسبوع، للتشاور حول الوضع السياسي في المنطقة، ولتكليف أحد أعضائها بكتابة المسودة الأولى للدراسة التالية، وبعد إنجازها توزّع على بقية الأعضاء لوضع ملاحظاتهم، ومن ثمّ تصدر في صيغتها النهائية.