دور العنف الرمزيّ في تشكيل منظومة الاستبداد

العنف الرمزيّ هو مفهـومٌ سوسـيولوجيٌّ أسّسه عالم الاجتماع الفرنسيّ “بيير بورديو”، وعرّفه بأنّه القدرة على فرض دلالاتٍ ومعانٍ معيّنةٍ بوصفها شرعيّةً وإخفاء علاقات القوّة التي تمثّل الأساس الذي ترتكز عليه هذه القدرة. وهذا يعني وجود سلطةٍ معنويّةٍ تفرض آراءها وتصوّراتها عن العالم وأحكامها القيميّة والأخلاقيّة على المجتمع عبر استخدامها الرموز كأدواتٍ للسيطرة والهيمنة وفرض إراداتها، لتضمن تبعيّة المجتمع لها. وبهذا يكون العنف الرمزيّ عنفًا خفيًّا غير محسوسٍ بالنسبة إلى ضحاياه، ويختلف عن العنف الماديّ والسيكولوجيّ بأنّه عنفٌ مستمرٌّ ومستديمٌ غير منقطعٍ، ويغوص عميقًا ليصبح قارًّا ومستقرًّا في اللاوعي الجمعيّ؛ فيتحكّم بسلوك الأفراد ونمط تفكيرهم وإرادتهم وتوجّهاتهم وسلّمهم القيميّ ونظرتهم إلى العالم وإلى أنفسهم. وعلى الرغم من الاختلافات بين العنف الرمزيّ والعنف الماديّ إلّا أنّ الأوّل يعدّ مفرّخًا ومؤسّسًا وحاضنًا للثاني.

وتعمل منظومة الاستبداد على “إعادة إنتاج” أفراد المجتمع وتشكيلهم ثقافيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا بما يتناسب مع أيديولوجيّتها من خلال العنف الرمزيِّ عبر احتلال الفضاء البصريّ والفضاء السمعيّ والفضاء اللغويّ برموزها وأفكارها وتصوّراتها؛ فتجدها حاضرةً في الساحات والمؤسّسات ومحطّات البثّ الإذاعيّ والتلفزيونيّ والكتب الدراسيّة وحتّى الجدران والشوارع والحدائق العامّة. وهذا العنف الناعم لا يني أن يصبح برمجةً آليّةً خفيّةً تصهر أفراد المجتمع في المنظومة وتتحكّم في أفكارهم وسلوكهم وتصوّراتهم ولغتهم من دون أن يعوا ذلك. وهو ما يعيد تشكيل “الهابيتوس” عند الأفراد في البيئة المستهدفة وفقًا لمنهج تلك المنظومة وأهدافها؛ أي إعادة تشكيل مجموعة الخصال المترسّخة في اللاوعي الجمعيّ، والتي من خلالها يدرك الناس ويفكّرون ويقدّرون وينفّذون ويحكمون على العالم. و”الهابيتوس”، بحسب “بورديو”، يتدخّل في الأفعال اللاعقلانيّة، لأنّ الفاعلين هنا يحدّدون اختياراتهم تلقائيًّا بفعل “الهابيتوس”، وذلك لكونه مندمجًا ومتأقلمًا معهم؛ فهم يتصرّفون من خلاله من دون أن يفكّروا في أفعالهم ما إذا كانت عقلانيّةً أم لا، فهو مستبطنٌ فيهم.

ويظهر العنف الرمزيّ بصورةٍ جليّةٍ في ثنائيّة التقديس والتبخيس التي تقف عليها منظومة الاستبداد عبر تسخير نظامها التعليميّ والإعلاميّ والتربويّ لإعادة إنتاج ثقافة المجتمع وتوجّهاته في نمطٍ يناسبها تجعله السائد ثمّ تعمل على تأصيله في المجتمع ليصبح مستقرًّا فيه، من خلال الترميز في اللغة والصورة والإشارات لتكرّس قداسة رموزها وأنساقها الفكريّة والثقافيّة، وتبخّس من الأفراد لتسهّل عمليّة صهرهم وإعادة تشكيلهم؛ فمثلًا تصف منظومة الاستبداد في سورية زعيمها بالرياضيّ الأوّل والمحامي الأوّل والمعلّم الأوّل و… فتلغي إمكان أن يحصل أيّ فردٍ على هذا المركز، هذا إن فكّر أصلًا بالحصول على المراكز التي تليه، فقد يكون أبناء الزعيم وأقرباؤه هم الأحقّ فيها. وتطلق رموزًا تفخّم الزعيم وتحطّ من شأن الأفراد كوصفه بالأب مثلًا أو راعي الرياضة والرياضيّين، وراعي العمّال والفلّاحين وإلى ما هنالك من أوصافٍ تحمل ضمنًا أنّ باقي أفراد المجتمع هم قصّرٌ يحتاجون إلى الرعاية وغير مؤهّلين ليكونوا مواطنين، بل هم رعايا في أحسن الأحوال. وهو ما يوّلد لديهم إنكار الذات والحطّ من قيمتها، ليكون خطوةً في طريق الاستلاب النفسيّ لنظامٍ من الأفكار والمعتقدات والخطاب الذي سوّدته تلك المنظومة، فيصعب على رعايا تلك المنظومة الخروج منها أو إزالة آثار العنف الرمزيّ المستقرّ في لاوعيهم وسلوكهم وتصوّراتهم؛ فمن الصعب على رعايا منظومة الاستبداد في سورية مثلًا الفصل بين سورية والأسد بعد أن استقرّ في أذهانهم لعقودٍ مصطلح “سورية الأسد” الذي كُرِّس في الإعلام وفي التعليم وفي التربية وكُتِب على الجدران وهتفت به الحناجر، ومن ثمّ يصعب عليهم الفصل بين الأسد والدولة والبلد. ولعلّ إعطاء الزعيم في سورية صفاتٍ مثل “الأبديّة” و”الخلود” تكرّس بتكرارها وامتدادها وتجذّرها في اللاوعي الجمعيّ للمجتمع صورة الزعيم الإله والعباد التوّاقين إلى طاعته.

وبعد أن يصهر العنف الرمزيّ الأفراد في منظومة الاستبداد يبدأ تصنيف وتمييز الأفراد داخلها؛ فمن يدخل أنساق منظومة الاستبداد ويتماهى مع أفكارها وتصوّراتها ولغتها يحوز على “رأس مالٍ ثقافيٍّ” تعتدّ فيه المنظومة وتباركه، وكلّما زاد تماهيه مع المنظومة زاد “رأس ماله الثقافيّ”، ومن يخرج خارج تلك الأنساق يكون عرضةً للإقصاء والتخوين، ومن ثمّ يكون عرضةً للنفي أو السجن أو القتل المعنويّ أو الماديِّ؛ فلطالما وصفت منظومة الاستبداد مواطنها المتماهي معها بالشريف، ومثقّفها المعتنق لتصوّراتها وآرائها بالملتزم والعضويّ، وبهذا تكون قد أخرجت من هم خارج منظومتها من هذا التصنيف. وبمعنى آخر من دخل منظومة الاستبداد واستُلِب لها وحصّل لغتها وتصوّراتها عن العالم أصبح ضمن رعاياها ومثقّفيها، ومن خرج لا تطاله تلك الميّزات والمكاسب إلى حين أن يصبح لديه “رأس مالٍ ثقافيّ” عندها يدخل المنظومة. فالعنف الرمزيّ يفرض السلطة بطريقةٍ تعسّفيّةٍ خفيّةٍ على الأفراد إلى أن يجعلهم قطيعًا في أنساقٍ تكون حاملًا لمنظومة الاستبداد؛ بعدها يأتي التصنيف على معيار الولاء والتبعيّة للمنظومة؛ فكلّما اقترب الفرد من أفكارها وأدبيّاتها وتصوّراتها وأخلاقها حصل على رصيدٍ إضافيٍّ في “رأس ماله الثقافيّ” والعكس صحيحٌ.

وبعد أن يحوز الفرد على “رأس مالٍ ثقافيٍّ” يصبح بإمكانه أن يحصل على “رأس مالٍ اجتماعيٍّ”، فهو بات لديه الكثير من السماحيّات التي تخوّله الدخول في شبكات منظومة الاستبداد الاجتماعيّة والتشبيك معها، فمنظومة الاستبداد منحته الشرعيّة والتفويض والامتيازات والصلاحيّات والإمكانات ليصبح فاعلًا ومشاركًا وأصيلًا في المنظومة يتفاعل مع أفرادها وشبكاتها ويحصّل الثروة والسلطة بحسب رصيد “رأسماله الثقافيّ” وقدرته على استثماره في الولاء لها. وهو ما يفسّر الفساد الممنهج للطبقات التي تدور في فلك تلك المنظومة كمكافأةٍ على الولاء لها وترابطها كطبقاتٍ وشبكاتٍ لا كشعبٍ من مجموعة مواطنين يتمتّعون بالحقوق نفسها وعليهم الواجبات ذاتها.

همام الخطيب

باحث سوري، من مواليد 1980، له عدة دراسات وتقارير وتحقيقات مختصة بالشأن السوري، بشكل منفرد وجماعي، نُشِرت في مركز دراسات الجمهورية الديمقراطية، وجريدة المدن الإلكترونية.