حوار مع جاد الكريم الجباعي؛ الحلقة (1): علاقة الفكر بالواقع

السؤال الأول:

أشرتَ مراتٍ عدة إلى وجود فروق كثيرة بين الفكر والأيديولوجيا، لكنني سأركز على نقطة لها علاقة وثيقة بحياتنا اليومية، وبالسياسة.

أعتقد أنه لا توجد فلسفة أو أيديولوجيا أو دينٌ (سماويًا كان أم أرضيًا (أو فكرة قد هبطت علينا من السماء فجأة أو دفعة واحدة، إذ لا بدّ أنها اعتمدت على ما سبقها؛ مثلًا هل كان لماركس أن يقدم إنتاجه من دون الاعتماد على ما أنتجه هيجل؟ ألم تؤثِّر المسيحية في إنتاج هيجل، وفي مجمل الفكر الأوروبي؟ ألا تشترك الأديان السماوية بمجموعة من المرتكزات والمبادئ الأساسية؟

ما أقصده هو أنّ الفكر يلحظ، ويهتم بالخطوط الواصلة بين الثقافات والأديان والأيديولوجيات والفلسفات والأفكار كلها، ومن ثمّ يستطيع أن يرى المشتركات بينها، والتأثير المتبادل فيما بينها، ما يجعله بعيدًا عن التعصب والانغلاق، وأميل إلى الانفتاح على التجديد والإبداع، وأكثر اقترابًا على الدوام من العالمية والإنسانية، وأكثر احترامًا لقناعات البشر ومعتقداتهم، في حين أنّ الأيديولوجية تهتم بإظهار نفسها أنّها على قطيعةٍ تامةٍ مع ما سبقها، وكأنها هبطت فجأة من السماء، وأنها ختام المعرفة إلى الأبد، ولا تستطيع أن ترى المشتركات بين البشر أو الأشياء أو الأفكار، إنها -ببساطة- لا تستطيع أن ترى إلّا نفسها. إلى أي مدى ترى هذا الكلام مقنعًا؟

جاد: السؤال، ما لم يكن استجوابًا، هو عصفٌ للذهن، ومحكٌ للفاهمة، وداعٍ إلى الانتباه والتيقظ والاهتمام والحضور في العالم، ومفتاح لأبواب المجهول، بابًا وراء باب، ومصباح ينير طرق المعرفة في عتمة الغيب، لا يكون سؤالًا منتجًا إلّا بقدر ما يؤدي إلى تجديد المعرفة والثقافة، وبقدر ما تؤدي الإجابات الممكنة والمختلفة عنه إلى إعادة إنتاجه سؤالًا جديدًا، لذلك يظلّ السؤال مفتوحًا، وأهمَّ من جميع إجاباته الممكنة. هذا مديح للسؤال، وإطراء لمن يَسأل.

بداية أودّ التشديد على أمرين:

أولهما: أنّ لأي سؤال إجاباتٍ مختلفةً، لا باختلاف المتكلم/ـة، واختلاف قصده/ـا من السؤال فقط، بل باختلاف المخاطَب/ـة، واختلاف استقباله/ـا للسؤال، أيضًا، بحسب موقع كل منهما وزاوية نظره أو نظرها؛ هكذا، يدخل السؤال في التعقيد الاجتماعي، الذي يعيِّن نصاب الحقيقة، وحظَّ كلِّ إجابة منها.

والثاني: أنّ لأيّ سؤالٍ عدّة إجاباتٍ ممكنةٍ. هذا يعني أنّ جميع الإجابات الآتية قابلةً للمراجعة والنقد، وليس أيٌ منها قولًا أخيرًا أو نهائيًا، فليس ثمة من قولٍ أخيرٍ، وليس ثمة من قولٍ أوّلَ معروفٍ على وجه اليقين، لأنّ تاريخ الأفكار أكثر تعقيدًا من تواريخ من تنسب الأفكار إليهم، أفرادًا كانوا أم جماعاتٍ ومجتمعاتٍ وأممًا وشعوبًا، بحكم الطابع الكونيّ للفكر، علاوةً على بعديه النقديّ والمستقبليّ، وكونه شكل العالم، الذي لا يستقرّ على حال. فإنّ نتاج المنظومات الفكريّة والقيميّة ونماذج المعرفة والثقافة لا ينفصل عن عمليات التشكّل الاجتماعي، هنا – الآن، في كل هنا وآن. وإذ تندرج المفاهيم والأفكار والقيم في نسيج هذه الثقافة أو تلك، فتغيّر قمصانها، تغدو المفاضلة بين الثقافات موقفًا أيديولوجيًا، ينطوي على ميولٍ عنصرية. فلا تفاضل بين الثقافات، ولا تفاضل بين المنظومات الفكرية أيضًا، إنّ تصنيف الثقافات والمنظومات الفكرية، لغير دواعي البحث الموضوعي، موقفٌ أيديولوجي خالص. هكذا نكون قد وضعنا أيدينا على سمتين رئيستين فارقتين من سمات الأيديولوجيا، هما المفاضلة وحكم القيمة.

أريد أن أتوقف قليلًا عند ظاهرتين ملازمتين لتاريخ الأفكار الأولى هي ما سماها عبد القاهر الجرجاني (1009 – 1078م) “نظرية النظم”، التي كان عمرو بن بحر الجاحظ (776 – 868م) قد أشار إليها، قبل الجرجاني، والتي مضمونها: المعاني مطروحةٌ في الطريق، إنّما العبرة في نظمها وتأليفها. والثانية هي ظاهرة الحدس، الناتجة من ملكة مشتركة بين البشر كافة، والتي تدحض أيّ زعمٍ بالأوليّة، وتقيم الحد على فكرة التناصِّ، وتقيّدها، إذ يمكن لشخصين في مكانين- زمانين مختلفين أن يحدسا بالأمر نفسه، والأدلة على ذلك أكثر من الحصر. هاتان الظاهرتان لا تنفيان إمكانات التأثر والتأثير المتبادلين بين الثقافات والحضارات، إذ من خصائص الثقافة، بوجه عام، ومن خصائص أيّ ثقافة بوجه خاص، أنّها قابلة لتعدي حدودها المكانية – الزمانية، وقابلة لتعدي حدودها اللغوية ونماذجها المعرفية والاندراج في لغات أخرى مختلفة ونماذج معرفية مختلفة. آية ذلك أنّ من طبيعة البشر أنهم ينتجون المعاني والقيم والرموز والعلامات والصور والرؤى والتصورات، فقد يقع الخاطر على الخاطر، كما قالت العرب، مثلما قد يقع الحافر على الحافر. إنّ كونية الكائن الإنسانيّ المنتج للمعاني والقيم والرموز تضع كونية الفكر؛ هكذا تكون الكونية واقعًا وإمكانًا وأفقًا، وعلامةً فارقةً تميّز الفكر من الأيديولوجيا. الفكر كوني، نقدي، والأيديولوجيا غارقة في الخصوصيّة والمحلويّة والمحاكاة والتقليد.

اختلاف المتكلمين والمتكلمات والمخاطبين والمخاطبات، وصفة الإمكان، الملازمة لأيّ إجابةٍ أو بحثٍ أو تجربةٍ، كلاهما يتقاطعان في نقطةٍ واحدةٍ هي الحرية، بؤرة التفكير؛ فإن الحرية، حرية التفكير وحرية التعبير أو حرية الضمير، هي التي تؤسّس سائر الحريات الشخصية والحريات العامة، وهي التي تحدُّ المساواة، وتعيِّن نصابها، في الحقوق المدنية: الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، وفي الالتزامات القانونية والاجتماعية والأخلاقية… الحرية هي الفيصل بين الفكر والأيديولوجيا؛ الأيديولوجيا قيدٌ صدئ على حرية التفكير، مفتاحه بأيدي “أولي الأمر”؛ هنا مربط فرس الأيديولوجيا، ولكن بوسع الناس دائمًا أن يفكروا بحرية، وبوسعهم أن يتحملوا تبعات ذلك. لذلك سأتناول موضوع الفروق بين الفكر والأيديولوجيا من زاوية الحرية؛ فأدعي أنّ الحرية هي قوامُ الفكر، الذي يستحق اسمه، ونصابُه وعمادُه، ونظامُه أيضًا؛ إذ عملية التفكير، قبل أن تصير منتوجاتها كلماتٍ وجملًا ملفوظة، قولًا وكلامًا، أو قبل أن تصير خطبة وخطابًا، وقبل أن تخضع لنظام اللغة وقيودها، ونظام الخطاب وقيوده، هي لحظة الحرية الأولى، أو الأولية، (قل الطبيعية)، في إهابها النوعي، الإنساني، وهي اللحظة، التي تتأبَّى على أيّ قسر أو إكراه: تستطيع بسلطتك وقوتك أن تجعلني أقول ما تريد، وأن أفعل ما تريد، ولكنك لا تستطيع أبدًا أن تجعلني أفكر كما تريد. لو كان القسر والإكراه يمنعان من حرية التفكير الأولية، لما كان نمو وتقدم، ولختم الاستبداد على العقول والقلوب. ما أسميها الحرية الأولية (الطبيعية) هي واحدة من الخصائص النوعية، التي يمتاز بها الكائن البشري من سائر الكائنات الحية، وهي التي تؤسس الذات الإنسانية.

لعلّ هذا التأبي على القسر والإكراه، الذي يسم الحرية الأولية، هو الأساس الطبيعي للعقل، والأساس الطبيعي للحكمة. فأول تعارض منتج، يربط الفكر بالواقع، ويربط الشخص المفكر ببيئته وعالمه، هو التعارض بين الحرية الأولية وبين نظام اللغة، ونظام الخطاب، ونظام المجتمع، على اعتبار اللغة معطى اجتماعيًا ذا طابع تاريخي. عملية التفكير، بما هي عملية تعرُّف، هي ظهور المعنى أو انبثاقه من فضاء الإمكان، أو تحوّله من وجود بالقوة إلى وجود بالفعل، في فضاء اللغة – المعرفة، واللغة – الثقافة، وهذا الأخير، أي الوجود بالفعل، هو وجود اجتماعي – إنساني، فيكون الوجود الاجتماعي- الإنساني تعينًا للحرية النسبية، في حياة جمعية واجتماعية، له صفة الضرورة. فليس للحرية أيّ معنى غير اجتماعي وغير تاريخي. نحن نفكر، بصفتنا أعضاء في جماعة/ جماعات، وفي انتظامات وتنظيمات ومؤسسات، وأعضاء في مجتمع، وأعضاء في الجماعة الإنسانية؛ قل نحن أحرار وحرائر وتابعون وتابعات تبعيات متبادلة بالتساوي، متراجحة أو متساوية؛ لأننا أعضاء في جماعة ومجتمع. حالة القطيع، التي عرفتها البشرية في ماضيها البعيد، هي حالة قطيع بشري، ذي خصائص طبيعية نوعية، واستعدادات نوعية، أهمها إمكانية اللغة، وإمكانية الاجتماع، بالتلازم الضروري، فهي، أي حالة القطيع تشير إلى أولية الاجتماع وضرورته، وإلى كونه شرط إمكان اللغة وإمكان المعرفة والثقافة والأخلاق. ومن ثم يكون الاجتماع البشري هو جدل الحرية والضرورة. ما كان إلياس مرقص يسميه “منطق الشكل”، و”منطق التشكل”، هو، بالضبط، جدل الحرية والضرورة، جدل الممكن والواقع.

بوسعنا أن نقول: إنّ كل متعيِّن، وكل ما يتعيَّن، بما في ذلك الفكر، له صفة الضرورة، أي صفة الحرية وقد صارت ضرورة، أو صفة الحرية المموضعة، أو الحرية الموضوعية، بتعبير هيغل، لذلك ينطوي المتعين أو المتشكل أو المتعضي أو المتكون أو المتبلور… إلخ، على تناقض داخلي، يجعله ممكنًا على الدوام، متغيرًا على الدوام. هذا الإمكان الدائم هو الحرية، بصفتها قوة نفي أو سلب في المتعيِّن، وفي العلاقة التي تربطه بغيره؛ ومن ثمّ، إنّ كلّ تقييد لحرية التفكير وحرية التعبير في المجتمع تنتج منه أوهام الثبات والديمومة والاستمرار والاستقرار والاطّراد والتكرار، بما في ذلك ما سمّاه نيتشه “العود الأبدي”. الأوهام، التي مصدرها الاستبداد هي أساس الأيديولوجيا، بصفتها قناعًا ووعيًا شقيًّا. ولا معنى لحرية التفكير من دون حرية التعبير؛ التعبير هو شرط إمكان التفكير، تبعًا للعلاقة الضرورية بين اللسان والأذن، بين القول والسمع، وبين المتكلم/ـة والمخاطب/ـة، من جانب وتبعًا للعلاقة بين المعرفة والعمل من الجانب المقابل، وهاتان العلاقتان: العلاقة بين القول والسمع والعلاقة بين المعرفة والعمل، متلازمتان.

لهذا، يجب أن نلاحظ أنّ كلّ قيدٍ على حرية التعبير، لأيّ سببٍ من الأسباب، هو قيدٌ على حريّة التفكير، قد يعطّل ملكة التفكير الحر، أو ملكة الحكم، وهذا مما لا يدركه كثيرون عندنا. وما يظنه بعضنا “حاجة المجتمع المتأخر إلى الأيديولوجيا”، هو في واقع الأمر إحكام القيود على حرية التعبير، وانسداد آفاق المعرفة، ومن ثم انسداد آفاق العمل المبدع بالضرورة، لأنّ العمل معرفة متعينة. انسداد الآفاق هو ما يجعل المعرفة تذكرًا واستظهارًا واجترارًا وتوهمًا ورجمًا بالغيب؛ تلك هي الأيديولوجيا، حجْرٌ على حرية التعبير، تحت طائلة التكفير أو التخوين أو الهرطقة والانحراف عن العقيدة القويمة. حرية التعبير، بما هي شرط لحرية التفكير، هي السم الناقع المضاد للاستبداد، والمضاد للتعصب والعنف. من هنا تنبع الحاجة الماسة إلى السلطة الرابعة، سلطة الصحافة والإعلام، وإلى الحوار والنقاش العام.

وإلى ذلك، إنّ كلّ قيدٍ على حرية التعبير يترجم اجتماعيًا وأخلاقيًا إلى قيد على السلوك وعلى مبادئ العمل ومبادئ الإنتاج الاجتماعي. هذه العلاقة بين حرية التعبير وبين مبادئ السلوك ومبادئ العمل والإنتاج الاجتماعي هي التي تفسّر العادات والتقاليد والأعراف والشرائع الكابحة للحرية، من جهة وتكشف القناع الأخير الذي يقنِّع الاستبداد من الجهة المقابلة.

غير أنّ الحرية، بصفتها ماهية الذات الإنسانية، تصطبغ بصبغة الثقافة السائدة هنا – الآن. فالذات الإنسانية أشبه ما تكون بالهيولى الأرسطية، التي تقبل جميع الصور، هذا المجاز ضروري للاقتراب من مفهوم الماهية الإنسانية، أي الحرية، قل للاقتراب من مفهوم الذات، التي تنميها المعرفة والثقافة وتطوراتها حتى تصير “شخصية” اجتماعية وسياسية وقانونية وأخلاقية، سواء في هذا شخصية الفرد وشخصية الجماعة وشخصية المجتمع أو شخصية الأمة. فالشخصية بالتعريف هي الذات الإنسانية، التي تشكّلها المعرفة – العمل والثقافة والأخلاق، على نحو لا يستبعد الأيديولوجيا، على اعتبار الأيديولوجيا عنصرًا في الثقافة، في أي ثقافة.

يتوهم بعضنا أنّ الأيديولوجيا جملة من الأفكار والتصورات، يمكن أن نصفها كما نشاء، ويمكن أن نتخلص منها بسهولة ويسر، بمجرد تبني العقلانية مثلًا، أو بمجرد الإلحاح على الواقعية، أو بمجرد تفنيد هذه الأفكار والتصورات ودحضها… هذا التوهم يرجع إلى غموض مفهوم الذات ومفهوم الشخصية، وإلى فصل المعرفة والثقافة عن العارف والمثقف، وعدم التفكر في سيرورة تشكّل الذوات وتبلور الشخصيات. تنغرس عناصر الأيديولوجيا في أذهاننا مع تعلم اللغة، وفي خلال سيرورة التربية والتنشئة، ومراحل التعليم المختلفة، وما تحفل به كلها من تلقين وتوجيه وأوامر ونواه، ليس في وسعنا أن نناقشها أو نتساءل عن أصولها وفصولها، إذ يجب أن نطيع ونمتثل فحسب، ونحن نرى الآباء والأمهات والموجهين والمعلمين يخالفونها، فنتعلم أن نقول شيئًا ونعمل شيئًا آخر، وهذا ليس مجرد انحراف أخلاقي، بل هو التعين الواقعي للأيديولوجيا، أو قل هو ممارسة أيديولوجية، لأنّ الأيديولوجيا لا تتعدى حدود الخطاب.

تقييد حرية التعبير، بوجه خاص، وعدم وجود أي مساحة أخلاقية للحوار، علاوةً على التفاوت الاجتماعي وعدم العدالة في توزيع الثروة والسلطة والخيرات الاجتماعية وعوامل الإنتاج بين الأفراد والفئات الاجتماعية هي العوامل التي تحول دون ترقي التعارضات الاجتماعية، التي لا يخلو منها أيّ مجتمع، إلى تمثلات فكرية، واتجاهات ثقافية، وتيارات سياسية أو أحزاب سياسية وجماعات ضغط، ما يترك التعارضات الاجتماعية على حالها، مشحونةً بالعنف والتعصب والكراهية، بل يزيد من توترها. فنحن، حتى اليوم، لم نتعلم النظر إلى السياسة والحياة السياسية بصفتها أرقى أشكال الحياة الاجتماعيّة، التي تمثلها الدولة الوطنية الديمقراطية، أي الدولة التي تكون الديمقراطية قوام وطنيتها، وهي ذاتها الحياة الأخلاقية للشعب، بتعبير كارل ماركس. فالسياسة، إذا شئتم، هي نزع العنف والتعصب والكراهية والتجنب من العلاقات الاجتماعية، التي تنسج البنى الاجتماعية وتعين قواعد إنتاج السلطة، وفقًا لقواعد إنتاج المعرفة والقيم الحاكمة. فلا بد من إعادة تعريف السياسة على نحو يلم بجميع خصائصها وجميع وظائفها، أي بكونها تشاركًا حرًا ومبدعًا في الحياة العامة وحياة الدولة، وإدارة الشؤون العامة، وإدارة الاختلاف، بمقتضى العقل والحكمة، وفقًا لمبدأ المنفعة العامة، ومبادئ العدالة (المساواة والحرية وتكافؤ الفرص وتساوي الشروط)، وحل التعارضات الاجتماعية الملازمة بطرق وأساليب وأدوات سلمية.

انبثاق المعنى، على النحو المشار إليه، وتعيُّنُه في الحياة الاجتماعية لغةً، لا بوساطة اللغة، لأنّ اللغة ليست مجرد وسيلة أو أداة للتعبير والتواصل والتعارف، هو اندراجه في العلاقات المتبادلة بين الأفراد؛ والتبادل هو الذي يُظهر الـ “ما صدق” من المعنى، ويمنحه قيمةً اجتماعية وإنسانية، ويشكّل “الوعي الاجتماعي”، ويعيِّن نصاب الحقيقة ومعايير الأخلاق. فليس للمعاني والقيم من مصدرٍ آخر سوى الحياة الاجتماعية، التي قوامها علاقات متبادلة بين الأفراد والجماعات والمجتمعات، وبين الأفراد وبيئاتهم الطبيعية، وهذا مما يزيد بنية المجتمع تعقيدًا. الـ “ما صدق”، الذي يظهره التبادل والذي يعين نصاب الحقيقة ومعايير الأخلاق هو الذي يعين معنى الحرية وأشكال ممارستها وعوامل كبحها في أي مجتمع، ما يعني أنّ ثمة علاقة خافية بين الحقيقة التواصلية، التي تنتجها علاقات التبادل والتفاعل وبين الحرية؛ ذلكم هو البعد التحريري للحقيقة التواصلية، وهو نقيض البعد التقييدي للأيديولوجيا على طول الخط.

هكذا تكون أشكال التبادل بين الأفراد والجماعات، ومجالات التبادل مؤشرات أساسية لتمييز الفكر من الأيديولوجيا. فحين ينحصر التبادل في نطاق جماعة دينية أو مذهبية أو إثنية، أو في نطاق عائلة ممتدة أو عشيرة… إلخ تتعطل إمكانات الابتكار والإبداع، وتجديد المعرفة والثقافة، ويعاد إنتاج الأفكار والتصورات والقيم ذاتها مرة تلو مرة، فتنقطع الأفكار والتصورات والقيم عن مجرى الصيرورة التاريخية الكلية، وكذلك حين يقتصر التبادل على تبادل السلع، على سبيل المثال.

أريد أن أفتح قوسًا هنا لتأويل القول الدارج: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا” إذ إنّ معنى الحرية في هذا القول الدارج هو الاستقلال عن الطبيعة؛ (الخروج من الرحم، أو من الجنة)، ذلك الاستقلال الذي هو شرط إمكان معرفة الطبيعة والتأثير فيها، وتغيير أشكالها واستخراج ثرواتها والتمتع بجمالياتها؛ وشرط معرفة الطبيعة البشرية ذاتها والتأثير فيها وتغيير أشكالها واستخراج ثرواتها والتمتع بجمالياتها. وهو، أي الاستقلال النسبي عن الطبيعة، الفارق النوعي بين الإنسان وسائر الكائنات الحية على كوكب الأرض، والفارق النوعي، من ثم، بين “حرية طبيعية” مجردة من المعرفة، وبين حرية مدنية قوامها المعرفة. الاستقلال النسبي، أو الاستقلال الذاتي أو الخروج من الرحم هو تفتح الحواس وتشكّل الفاهمة والذوق والذاكرة والخيال، وانبثاق الرغبة والهوى من الحاجة، وانبثاق الإرادة من الرغبة والهوى… الاستقلال النسبي هو شرط إمكان المعرفة، وشرط إمكان الحرية بالتساوي. المعرفة، في الميثولوجيا الدينية، كانت سبب “الخروج من الجنة”، في حين هي، أي المعرفة، نتيجة ذلك الخروج البهي، الذي لولاه ما صار الإنسان إنسانًا. الاستقلال النسبي عن الطبيعة هو الذي أسس استقلال الوجدان وحرية الضمير عن البنى المعرفية السائدة وعن البنى الاجتماعية والسياسية والأخلاقية السائدة.

الاستقلال الذاتي أو الاستقلال النسبي عن الطبيعة مغروز في الاختلاف الطبيعي أو الفيزيقي النسبي، وفي الاختلاف المورفولوجي النسبي بين الأفراد بوجه عام وبين الإناث والذكور بوجه خاص، وهو الذي يترجم إلى استقلال معرفي وثقافي وجمالي وأخلاقي، أي إنه يترجم إلى حرية. ولذلك افترضت أنّ الاختلاف هو شكل تعين الحرية، وجعلت شعاري: نحن أحرار وحرائر لأننا مختلفون ومختلفات.

الحرية، على اختلاف تجلياتها في الحياة الاجتماعية، الاقتصادية والثقافية والسياسية والأخلاقية، هي الفارق النوعيّ أو الجوهري بين الفكر والأيديولوجيا. الأيديولوجيا لا تترك لمعتنقيها أيَّ هامش لحرية التفكير والتعبير، وتغالي في القيم، على حساب المعاني. فهي، أي الأيديولوجيا، قيمٌ حصرية منتفخة ومعان هزيلة، أفكار فات أوانها وتصورات سقيمة. لعلّ التوازن بين المعاني والقيم، هو الصيغة النظرية المجردة للتوازن الاجتماعي، والانسجام والتناغم بين الفئات الاجتماعية المختلفة، والصيغة العملية للاعتدال، والاعتراف المتبادل بالحريات والحقوق والتساوي في الجدارة والاستحقاق، والتشارك الحر والمبدع في الحياة العامة.

سؤال الفكر والأيديولوجيا يُحتِّم علينا أن نحدّد معنى كلٍّ منهما أو معانيه ودلالاته أولًا. الفكر، كما تبدو ملامحه في السؤال، مفهوم شديد الغموض والإبهام، (ولذلك لا يُعرَف بلا وصف، وصفاته كثيرة)، يُنسب له “الاهتمام بالخطوط الواصلة بين الثقافات والأديان والأيديولوجيات والفلسفات والأفكار كلها”، ولكنه لا يكون كذلك، في اعتقادي، إلّا بقدر ما يهتم بالخطوط الفاصلة بين الثقافات والأديان والأيديولوجيات والفلسفات، و”كل فصل هو وصل، أو من أجل وصل”، كما علّمنا إلياس مرقص، أعني الفصل المعرفي، لا الفيزيائي. قال برتولد بريخت: “…. كان يفكر في رؤوس الآخرين؛ وفي رأسه كان هناك آخرون يفكرون؛ هذا هو التفكير الحقيقي”. هذا الإيجاز المدهش يضع الفرق مباشرة بين الفكر والأيديولوجيا، بإبراز البعد الاجتماعي – الإنساني للفكر، الذي لا يقصي ولا يستبعد.

الفكر، بصفته تعينًا للحرية، هو الذي ينتج السياسة حياةً أخلاقية للمجتمع والشعب، وهو عامل رئيس من عوامل نمو الحياة الأخلاقية وتطورها؛ ولكنه يأبى أن يكون أداة للسياسة، التي ينتجها؛ يأبى أن يختزل في عقيدة حزب قومي أو اشتراكي أو إسلامي أو غير ذلك؛ وحين يتحول إلى صيغة من هذه الصيغ الحصرية أو غيرها يتحول إلى أيديولوجية، فالأيديولوجية، وهذه الحال، هي فكر تحول إلى أداة، أي إلى عقيدة لحزب أو عصبية قوامها “مطالبة ومدافعة”، بتعبير ابن خلدون، وتبرير وتسويغ، وقناع يحجب الواقع. الأيديولوجية، فكر كفّ عن النمو، وكف عن تنمية السياسة وأدواتها.

مرجع الفكر هو الفرد الإنساني الحي، هنا – الآن، (المفكر، أو اسم الفاعل) أعني الـ”أنا أفكر”، من دون الشطر الثاني لكوجيتو ديكارت. الأنا أفكر في رؤوس الآخرين، وفي رأسي آخرون يفكرون. عالم الإنسان، المجتمع والدولة، من إنتاج الإنسان نفسه، أي من إنتاج المعرفة – العمل؛ والفكر هو شكل العالم، في صيغة رموز وعلامات وروابط وصلات وصور وتمثلات، هو عملية ترميز ومفهمة للواقع، (عملية إنشاء صورة العالم في الذهن، بتعبير إلياس مرقص، وإعادة إنشائها مرة تلو مرة)، وهذه عملية لا تني، ولا تتوقف، ولا تكتمل. الفرد الإنساني الحي، (المفكر)، هنا – الآن، أي فرد على الإطلاق، هو مرجع الفكر، لا “الواقع”، كما تفترض النزعة “الواقعية” أو المذهب الواقعي، الذي يخلط الفكر بالأيديولوجيا، بحكم ما ينطوي عليه من تأويل يصعب تلافيه.

“الواقع” ليس معيارًا عامًا، أي ليس معيارًا كونيًا؛ إذ ثمة صلة مؤكدة بين العمومية والكونية؛ الفرد الإنساني هو المعيار العام، هو النموذج الواضح والفصيح للكونية الإنسية، في أفق الإمكان المفتوح، في أفق الحرية. الأيديولوجيا تنفي الفردية بقدر ما تنفي الحرية. هل ثمة تلازم بين الحرية والفردية؟ أنا أقول: أجل، بكل تأكيد. ثمة رؤيتان مختلفتان، بل متعارضتان في هذا الصدد: الأولى تقول: إن الأسرة هي الخلية الأولية للمجتمع، وهي رؤية موضوعية لا غبار عليها، تشير إلى الجذر الطبيعي للمجتمع. والثانية تقول: الفرد (الذكر والأنثى) هو الخلية الأولية للمجتمع، فتفصح عن الجذر الاجتماعي – الإنساني للمجتمع، من دون أن تنفي “الأصل” الطبيعي. ربما تكون الرؤيا الأولى هي الأساس الذي نهضت عليه الأيديولوجيا بالمفرد والجمع. نستدل هنا بموقف العقائد الدينية عمومًا، وموقف الإسلامويين خصوصًا من المرأة، أي الموقف السلطوي – الذكوري المقنَّع بدعوى الحفاظ على سلامة الأسرة وقيمها وتماسكها.

بموجب هذا الافتراض تتغير دلالة “المطابقة”، “مطابقة الفكر أو عدم مطابقته للواقع”، فتغدو المطابقة مطابقةَ الفكر أو عدم مطابقته لحياة الفرد الإنساني، وفقًا لتلبية حاجاته الفردية والنوعية، وما يتمتع به، في المجتمع المعني، من حريات وحقوق، وما يتوقعه من المجتمع والدولة والجماعة الإنسانية، وما يتوفر عليه من قوى مبدعة وممكنات أخلاقية، بحكم ملكة التحسُّن الذاتي، التي يمتاز بها الإنسان من سائر الكائنات الحية. بتعبير آخر، تتغير دلالة المطابقة وفقًا لمعايير الأمن والسلام والرفاهية والسعادة.

لذلك تعدُّ حرية الفرد، (الأنثى والذكر، والرجل والمرأة والطفل والطفلة والشاب والشابة… إلخ) واستقلاله الذاتي، وحقوقه المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وتمكّنه الكياني ورفاهيته وسعادته معايير كونية، أو يفترض أن تكون. بهذا الاعتبار تكون الجملة المرجعيّة والإطار المرجعي للفكر جملةً كونيةً وإطارًا كونيًّا. وعلى هذا الأساس فقط يمكن أن يرتقي الفكر العربي إلى مصاف الكونية، لا على أساس مطابقة الفكر للواقع، التي يمكن أن تؤوًّل تأويلًا أيديولوجيًا، ثوريًا أو محافظًا. حتى على صعيد اللغة، لا يستقيم المعنى إلّا بمطابقة الفعل للفاعل/ـة، الذي يفعل وتفعل في الواقع، ويشارك وتشارك في الوجود.

أعتقد أنّ هذه الإزاحة أو النقلة من مطابقة الفكر للواقع إلى مطابقة الفكر لمقتضيات الحياة الإنسانية، هنا – الآن، في راهنها وآفاقها، في واقعها العيني وممكناتها، تدخلنا في مغامرة روحية، تصير معها جميع الحدود المفهومية والواقعية، بما فيها الحدود الجغرافية والسياسية والإثنية والدينية …. إلخ، لا مجرد حدود فاصلة – واصلة، وأحيانًا فاصلة فصلًا فيزيائيًا فقط، بل تصير مجالات تبادل حر وتشارك مبدع في الكلية العينية، في جميع الكليات العينية، التي تؤلف الجماعة الإنسانية. هذه المغامرة قد تجعل مقارباتنا لمشكلات مجتمعنا مختلفة عما كانت عليه، وعما هي عليه اليوم، فلا تعود الوحدة العربية حتمية وشرطًا لازمًا للتقدم، على سبيل المثال، بل تصير إحدى الممكنات الواقعية الناجمة عن ازدهار الحياة الإنسانية، وقيمة مضافة إلى الازدهار، ولا تعود الوحدة الوطنية أهم من حرية الفرد وحقوق الإنسان والمواطن/ـة. هذا ليس من قبيل إعادة ترتيب الأولويات، فقط، بل من قبيل إعادة ترتيب الذهن.

الإزاحة المفترضة والمغامرة الروحية المنشودة، هي، في الأوضاع السورية الراهنة، نوع من “ثورة كوبرنيكية”، لا تغير نظام العالم، بل تغير زاوية النظر إليه، بحسب عبد الله العروي. فليس بالإرادة تتشكل المجتمعات، وليس بالإرادة تتحقق الأهداف والغايات، بل بالعمل، الذي هو معرفة بالفعل أو معرفة متحققة في الواقع، وقيم حاكمة، وبالتبادل الحر، والتشارك المبدع. الإرادة شيء والحرية شيء آخر، فقد تكون الإرادة ضد الحرية، كإرادة القوة النيتشوية، وإرادة السلطة الطغيانية، ولا فرق، إذا اعتبرنا السلطة علاقات قوة، بحسب فوكو، أو إرادة تغيير المجتمع، وتغيير العالم وفقًا لنموذج بعينه، إسلامي أو قومي أو اشتراكي، على سبيل المثال. من هنا يأتي نقد الإرادوية أو مذهب الإرادة، وهو نقد واجب.

وعلى سبيل الاستباق أيضًا، إنّ مرجع الفكر، أعني الحياة الإنسانية، حياة الفرد الإنساني، هنا – الآن، أي في شروط وجوده التاريخية، وكون الفكر ترميزًا ومفهمة للعالم الديناميكي والمتغير، فارقان نوعيان آخران بين الفكر والأيديولوجيا. الفكر، وفق هذا التحديد المقتضب، ممكن دومًا، ومن ثم، متجدِّد دومًا، لأن مرجعه، أي الفرد الإنساني، ممكن دومًا ومتجدِّد دومًا. وهذا فارق نوعي آخر يميز الفكر من الأيديولوجيا. والفكر أخيرًا، ليس منظومة أحكام قيمة وأحكام واقع، فقط، بل طريقة إنتاج هذه الأحكام، وطريقة نقدها ونفيها. وهذه، أي طريقة إنتاج المعرفة أو مبادئ إنتاجها متجدِّدة، تتغير بتغير شروط الإنتاج، وتنمو بنمو المعارف والخبرات. هنا نضع يدنا على قاسم مشترك بين الفكر والأيديولوجيا، هو أن كلًا منهما منظومة أحكام قيمة وأحكام واقع، ومبادئ إنتاج هذه الأحكام، مع الفرق. الفرق هو أن الأيديولوجيا منظومة أحكام قيمة وأحكام واقع غير مستقلة عن طريقة إنتاجها، أو عن معايير ومبادئ إنتاجها، وغير مؤثرة في هذه المبادئ والمعايير، وغير مستقلة عن شروط إنتاجها أيضًا، لذلك لا تتجدد. مبادئ إنتاج الأيديولوجيا يقينية وقطعية إثباتًا ونفيًا، وكذلك أحكامها. ثمة صلة قوية بين اليقينية القطعية على الصعيد المعرفي وبين الاستبداد على الصعيد السياسي، علاوةً على الاستبداد بالرأي و”امتلاك ناصية الحقيقة”.

الرؤية الواقعية تقوم على اعتبار الواقع مرجعًا وحيدًا للفكر؛ هذا مهم بالتأكيد، لكن الواقع مفهوم شديد الالتباس، وشديد الغموض، “يراه” كل شخص أو يدركه من موقعه، وزاوية نظره، على نحوٍ مختلفٍ عمّا يراه أو يدركه غيره، فيكون من يصفون الواقع المعني، و”يحلِّلونه تحليلًا ملموسًا”، مثل عميان يصفون فيلًا، كل واحد منهم يصف ما تقع عليه يده، وهنا تتجلّى أهمية “النظر”، بصفته رمزًا للفكر، لذلك لا يعد “الواقع” مرجعًا موثوقًا به، ولا يعد مرجعًا عامًا. ولذلك أيضًا يمكن أن تكون الواقعية تأويلًا أيديولوجيًّا، لواقع مُفتَرض، هو مجرد دليل على فكرة وهميّة مسبقة أو تبرير لغاية منشوده، وليس موضوعًا للفكر والعمل، كاعتبار الكون المنظم تنظيمًا مدهشًا دليلًا على وجود الله، أو اعتبار “التجزئة الكولونيالية” تبريرًا لمطلب الوحدة القومية على سبيل المثال. الواقع الفيزيقي ليس مجرد أشياء تُدرَك بالحواس، فقط، بل هو جملة أحداث تحدث للزمان – المكان، في كل جزء من الثانية، ولا تُدرَك بالحواس، فما بالك بالواقع الأخلاقي، واقع المجتمع والدولة، وعالم المجتمعات والدول؟!

ربما على أساس هذه الواقعية، (الاختزالية)، واعتبار الواقع مرجعًا للفكر، يقيم بعضنا فروقًا نوعية بين “فكر غربي” و”فكر عربي”، على سبيل المثال، لتأكيد الخصوصية والتمايز والتميُّز أيضًا؛ إذ “الواقع العربي” غير “الواقع الغربي”. لذلك أقترح أن يكون الفرد الإنساني، هنا – الآن، هو مرجع الفكر؛ أي إنّ الإنسان، في واقعه المعيش وشروط وجوده، هو معيار الفكر، لا أدلجة “الواقع”. بهذا لا تعود الفروق بين الفكر العربي والفكر الغربي أو الشرقي سوى فروق في شروط إنتاج الفكر، فروق في الظروف المتغيرة، والبيئات المختلفة، لا تثلم كونية الفكر، المرتكزة على كونية الإنسان، بل تؤسسها. ومن ثم، إنّ مشكلتنا، اليوم، مثلما كانت أمس، هي مشكلة المعاصرة والكونية، أي مشكلة المشاركة الحرة والمبدعة أو عدم المشاركة في إنتاج المعارف والقيم والخيرات الإنسانية، ومشكلة المعايير، التي تحكم فكرنا وممارستنا.

لعلّ قضية المعايير من أهم القضايا، التي يتوقف على حسمها إمكان تجدد المعرفة والثقافة، وتجدد الوعي، وعي الذات ووعي العالم، وإمكان تشكل مجتمع سوري وشعب سوري ودولة سورية، بحيث تكون صفة السوري والسورية مرادفتين للعمومية، أي للوطنية. ومسألة المعايير مسألة حاسمة في تحديد رؤيتنا للتراث والتاريخ وما إذا كان يجب علينا التفكير في رؤوس أسلافنا، الذين يفكرون في رؤسنا، وتقديس ما كانوا يقدسونه وتدنيس ما كانوا يدنسون. مسألة المعايير مرتبطة أشد ارتباط وأوثقه بالزاوية التي ننظر منها إلى العالم. حين تنبثق معاييرنا من منظومة حقوق الإنسان والمواطِن/ـة قد تخلتف كثير من الأمور اختلافًا جذريًا.

عن علاقة الفكر بالواقع

كتب تولستوي في روايته الشهيرة آنا كارينين في وصف أحد أبطاله: “كان استيفان أركادييفيتش يقرأ جريدة متحررة، غير مغالية في اتجاهها التقدمي، وإنما هي في الاتجاه الذي تسير عليه الأغلبية. ومع أنه لم يكن كلِفًا بالعلم أو الفن أو السياسة فإنّه كان شديد التمسك بأراء الأكثرية، وآراء صحيفته حول هذه الموضوعات جميعًا، ولم يكن يبدل هذه الآراء إلّا إذا بدلت الأغلبية منها، أو على الأصح لم يكن يبدل من آرائه، وإنما كانت هي التي تتبدل، على نحو غير ملحوظ.

لم يكن ستيفان أركادييفيتش يختار اتجاهاته وآراءه، بل إنها كانت تأتيه من ذاتها؛ لم يكن يختارها كما لم يكن يختار أشكال قبعاته وستره: كان يختار ما يلبسه الناس. ولكن الحرص على أن تكون له آراؤه في مجتمع تغدو فيه الفعالية الفكرية ضرورة مع تقدم السن كان أمرًا لا بد منه، شأنه شأن القبعات التي يلبسها. وإذ كان يفضل الاتجاه التحرري على الاتجاه المحافظ الذي كان يسير فيه عدد كبير من الناس في عالمه فليس ذلك لأنّه كان يرى الاتجاه التحرري أقرب إلى العقل والصواب، بل لأنه أكثر تطابقًا مع نمط حياته. كان الحزب التحرري يقول: إنّ كل شيء في روسيا يسير سيرًا سيئًا، وفي الواقع إن ستيفان أركادييفيتش كان مرهقًا بالديون، ولم يكن يملك إلّا القليل من المال. وكان الحزب التحرري يقول: إن الزواج مؤسسة عفى عليها الزمن ولا بد من إصلاحها، وفي الواقع لم تكن الحياة الزوجية تحمل إلى ستيفان أركادييفيتش إلّا القليل من المباهج، وكانت تدفعه إلى الكذب والنفاق، وهو شيء تأباه طبيعته. وكان الحزب التحرري يقول: أو على الأصح يوحي بأن الدين ما هو إلّا عائق في وجه الشطر الأمي من السكان، ولم يكن ستيفان أركادييفيتش يستطيع أن يتحمل، دون وخز في ساقيه، أقصر صلاة، وأن يفهم من هذه المواعظ الرّاعبة الفخمة عن العالم الآخر، في حين يمكننا أن نلهو ما وسعنا اللهو في هذا العالم. وفضلًا عن ذلك، فقد كان ستيفان أركادييفيتش يحب النكتة اللطيفة، يستسيغ عند الحاجة أن يثير حفيظة الناس الوادعين إذ يقول لهم: إذا كنا نفخر بأصلنا فليس من الملائم أن نقف عند (الأمير) “روريك” وأن ننكر جدنا الأول: القرد. وهكذا غدا الاتجاه التحرري عادة لدى ستيفان أركادييفيتش، وكان يحب صحيفته، كما يحب السيجار بعد العشاء طلبًا لذلك الضباب الخفيف الذي يحدثه في دماغه”. (انتهى الاقتباس)

السيد استيفان هذا، هو نموذج كوني، لشخص من الفئات الوسطى، في أيّ مجتمع، على الرغم من صفاته الشخصية، وشروط حياته الخاصة. تتشكل معارفه من ثلاثة مصادر الأول هو التربية والتنشئة والتعليم/ التعلم، والثاني هو المهنة، والثالث هو العلاقات الاجتماعية وما تنطوي عليه من معان وقيم. هذه المصادر لا تشكل معارفه فقط، بل تشكّل شخصيته، وتعين اتجاهاته وتفضيلاته، وتعين أكثر من ذلك نمط تفكيره وإدراكه وتمثله وتقديره وعمله. فإن كتلة الإنتلجتسيا والمتعلمين والمتعلمات من الفئات الدنيا ينهلون معارفهم، التي تبثها النخبة وتنشرها المؤسسات الثقافية والإعلامية، من المجتمع مشربة بالقيم والتفضيلات والمحرمات والمقدسات الاجتماعية، إلى جانب الموروث الشفوي، الذي يشكل وعي الفئات الدنيا. ثمة فارق نوعي بين معرفة مصدرها المجتمع ومعرفة مصدرها الطبيعة، بما في ذلك طبيعة الإنسان ذاته، التي هي موضوع العلوم الإنسانية؛ الأولى تشكل ثقافة العامة؛ أما الثانية فتشكل ثقافة الخاصَّة أو ثقافة النخبة. بتعبير آخر، ثمة فارق نوعي بين معرفة مستمدة من “الرأي العام” ومعرفة مستمدة من مفهمة الحياة الاجتماعية – الاقتصادية والثقافية والسياسية والأخلاقية، وكشف أسرار الطبيعة وقوانين عملها. فالاتجاهات الثقافية والسياسية لأكثرية المجتمع تتعين بمدى مطابقتها مع أنماط الحياة الاجتماعية المختلفة والمتفاوتة، لا بمدى مطابقتها للحقائق الاجتماعية وحقائق الطبيعة، التي هي مصدر الحياة وشرط استمرارها وشرط نموها وتحسُّنها.

فإن الفكر، وهذه الحالة، تنتجه النخبة، وتفلتره أو تصفيه الإنتلجتسيا، وتعممه المؤسسات الإعلامية والثقافية، والمؤسسات التعليمية أيضًا، ولا سيّما مؤسسات التعليم ما قبل الجامعي، على افتراض أنّ التعليم الجامعي والتعليم العالي أقرب إلى معرفة النخبة. فإن معظم الأفراد لا يختارون اتجاهاتهم/ـن وآراءهم/ـن، بل إنّ الاتجاهات والآراء تأتي من ذاتها، بحكم علاقات التبادل والتفاعل بين الأفراد والجماعات. كما أن معظم الأفراد لا يبدلون من آرائهم/ـن، بل إن الآراء هي التي تتبدل، مثلما تتبدّل “الموضة”. وإلى ذلك لا يجوز إغفال سلطة الرأي العام والتقليل من شأنها وأهميتها وأثرها في تشكيل الوعي الفردي والجمعي، وهي، أي سلطة الرأي العام، سلطة حراس التقاليد و”سدنة هياكل الوهم”، السلطة التي تجعل الدين عائقًا في وجه الشطر الأعظم من السكان الأميين وأنصاف المتعلمين.

تبدو لي “علاقة الفكر بالواقع” علاقة معقدة، وموسَّطة، أي ليست علاقة مباشرة بين الفكر والفئة الاجتماعية أو الفئات التي يستهدفها، على نحو ما كنا نظن، فالحواجز والعقبات، التي تعترض حركة الفكر، والسلطات، التي تتحكم فيها، هي حواجز وعقبات وسلطات في أذهان الأفراد، لا في الواقع فقط، ومن شأن هذه الحواجز والعقبات والسلطات أن تحوِّر الأفكار وتعيد تأويلها بما يتفق ومصالح السلطات المعنية، السياسية منها والدينية، أي بما يتفق مع “الواقع”، لا بما يتفق مع حاجات هؤلاء الأفراد ومطالبهم ومع حاجات النمو والتقدم. لذلك اقترحت أن تكون الحياة الإنسانية هي معيار الفكر ومعيار الحقيقة.

إن حياة السيد أركادييفيتش تعلمنا أن السلطات السياسية والدينية، في سائر المجتمعات التقليدية، هي التي تشكل “الواقع”، وتشكل “الرأي العام” ومعادله “العقل السليم”؛ إذ المعرفة والثقافة، في هذه المجتمعات، أداتان من أدوات السلطة؛ فمطابقة الفكر للواقع، في هذه المجتمعات، هي مطابقته لغايات السلطة.

وأما الأيديولوجية، فهي، في جميع مجالات تداولها واستعمالها، وعلى اختلاف دلالاتها، منظومة أحكام قيمة وأحكام واقع، غير مستقلة لا عن مبادئ إنتاجها، ولا عن شروط إنتاجها، منظومة تُنتَج أو تستعاد لتبرير المطالب والتطلعات والأهداف والغايات، أي إنها إما أن تُنتج بدلالة مستقبل منشود، وإما أن تستعاد من فردوس مفقود، إنتاجها بدلالة المستقبل يجعل منها يوتوبيا، تتحول اليوتوبيا إلى أدلوجة، والأدلوجة تتحول إلى فولكلور. واستعادتها من الماضي يجعل منها حنينًا (نوستالجيا). ثمة فارق ملحوظ في الحياة اليومية بين الممارسة الفولكلورية والممارسة الواقعية، النفعية، إلّا حين تكون الأولى حرفة لمن يسمون “رجال الدين” أو الإكليروس، و”بطاركة السياسة”.

أعتقد أن تعريف الأيديولوجيا بأنها “علم الأفكار” تعريف ملتبس؛ على الصعيد اللغوي هي مركَّبة تركيبًا إضافيًا من Iedia وLogic، ما يجعلها منطق الأفكار لا “علم الأفكار”، إلّا على اعتبار أن المنطق قد احتل منزلة العلم، منذ زمن أرسطو إلى زمن هيغل واستطالاته. أما اليوم فلم يعد جائزًا أن يُعدَّ كذلك، بعد تطور علوم الطبيعة والعلوم التطبيقية والرياضيات والعلوم الاجتماعية والإنسانية أيضًا. ما يعني وجوب إعادة التركيب الإضافي (أيديا -لوجيا) إلى أصله “منطق الأفكار”. وبهذا تكون الأيديولوجيا نمطًا من أنماط التفكير، يتأرجح بين الحنين والانتظار، (انتظار المعاد أو الآخرة، لا انتظار الموت، بل انتظار عودة المسيح، والمهدي الغائب، وانتظار الخلاص)، نمط يتأرجح بين بداية معلومة وخاتمة محتومة، وينتج منظومة من أحكام القيمة وأحكام الواقع متماسكة شكلًا، يتشابك في بنيانها العلم والفلسفة والدين. المنظومة ونظامها هما منظومة ونظام لمجتمع معين في زمكان معين. تغير الزمان – المكان، وتغير شروط الحياة وأشكال الوجود الاجتماعي، وثبات المنظومة ونظامها، هما مما يحول المنظومة إلى أيديولوجية، ليس في وسعها سوى إعادة إنتاج ذاتها، وليس في وسع معتنقيها سوى إنتاج الكلام من الكلام الموسوم بالاتساق ولزوم النتائج الصورية عن أسبابها الصورية. “الأيديولوجية ليست علمًا، وليست دينًا، وليست فلسفة”، كما وصفها داريوش شايغان أفضل وصف.

صحيح أنه” لا توجد فلسفة أو أيديولوجية أو دين (سماويًا كان أم أرضيًّا) أو فكرة قد هبطت علينا من السماء فجأة أو دفعة واحدة، إذ لا بدّ أنها اعتمدت على ما سبقها؛ وصحيح أنّ ماركس ما كان ليقدم ما قدمه من دون الاعتماد على ما أنتجه هيجل، وصحيح أن المسيحية أثرت في إنتاج هيجل، وفي مجمل الفكر الأوروبي، وصحيح أن الأديان السماوية تشترك في مجموعة من المرتكزات والمبادئ الأساسية”، ولكن المسألة أبعد من ذلك قليلًا، وقد تكون غير ذلك.

الأبعد من ذلك قليلًا يستحضر فكرة “القطيعة المعرفية”، بين ما قبل الإسلام وما بعده، وبين العصور الوسطى والعصر الحديث، مثلًا، أو بين هيغل وماركس، مثلًا آخر، أو بين اليهودية والمسيحية، وبين المسيحية والإسلام، مثلًا ثالثًا، وقائمة أمثلة أخرى طويلة جدًا، في مجالات الحياة وحقول المعرفة. الأمثلة المضروبة على الاتصال، في السؤال، هي ذاتها أمثلة على الانفصال والانقطاع؛ القطيعة المعرفية لا تنفي العلاقات والروابط، ولا تنفي التأثير والتأثر، ولا تنفي اشتراك الأشياء المفردة في كلية مفهومية، كلية عينية، واشتراك الأفراد في النوع أو الجنس، ولا تنفي اشتراك الظواهر المفردة في ظاهرة كلية، كونية وتاريخية، كالظاهرة الدينية، ولكن الفصل ضروري عقليًا، بقدر ما هو قائم وماثل واقعيًا.

والـ”غير ذلك” يتعلق بمفهومي القبل والبعد، أو السابق واللاحق، والماضي والحاضر؛ (مسالة التأثير والتأثر مسألة أخرى تتعلق بالمجالات التداولية والتفاعلية، تبادل المعارف والخبرات ومنتوجات العمل والفاعلية) أي إن الأمر يتعلق بكيفية إدراكنا للزمان والمكان، إما على أن كلًا منهما مطلق ومستقل عن الآخر، وإما على اعتبارهما متصلين، أو وجهين للكائن، وشكلين لوجوده، وجهين للكينونة، بما هي لحظة فحسب من لحظات الصيرورة.

وفق الاعتبار الأول تكون العصور الوسطى ماضي العصر الحديث، والعصر الحديث حاضر العصور الوسطى ومستقبلها، بقدر ما يسري الماضي في عروق الحاضر، ويلبث في ثناياه، وتكون الهيغلية ماضي الماركسية، والماركسية حاضرها ومستقبلها، وتكون اليهودية ماضي المسيحية، والمسيحية حاضرها ومستقبلها، وتكون المسحية ماضي الإسلام، والإسلام حاضرها ومسقبلها، وتكون الكتب السماوية للديانات الثلاث الكبرى”ثلاثَ نسخ لكتاب واحد”، كما يزعم كثيرون، منهم عبد الله العروي، في كتابه “السنة والإصلاح”، ومحمد شحرور في كتابه “الإسلام والإيمان”. وهذا ما يقال عن اشتراك الديانات السماوية في المرتكزات والمبادئ الأساسية، كالإيمان والتقديس، وقصة الخلق، والمبدأ والمعاد، والحلال والحرام، والثواب والعقاب، على سبيل التمثيل.

أما وفق الاعتبار الثاني، أي وفق وحدة الزمان والمكان (الزمكان)، فلا مكان لتسلسل تاريخي، على النحو المعروف، ولا معنى لزمن خطي، أو متموج، هو تتابع آنات: ماض، حاضر، مستقبل، وتتابع عصور وحقب… إلخ، بل ثمة تواريخ مختلفة، متداخلة ومتراكبة؛ لكل كائن مفرد تاريخه الضارب لا في تاريخ النوع أو الجنس، الذي ينتمي إليه، بل في تاريخ الوجود، وتاريخ الحياة، ولكل ظاهرة مفردة تاريخها. ما يسمى تاريخًا عامًا هو مجرد تعمية واختزال. ثمة فارق نوعي بين التاريخ، بصفته توقيع ممكنات على حساب ممكنات أخرى، بتعبير إلياس مرقص، أو بصفته سيرورات تشكُّل وتبنيُن وتعضٍ… وتفكك وتفسخ وانحلال، وتحول ما هو موجود بالقوة إلى موجود بالفعل، وبين السرديات، التي تسمى كل منها تاريخًا، كتاريخ العرب وتاريخ الإسلام… إلخ. العمليات أو السيرورات، التي هي لبّ التاريخ لا نشعر بها، لأن شعورنا الطبيعي بالأجسام وتحولاتها والظاهرات ونموها أو انحلالها، محدود جدًا، بحدود حواسنا الطبيعية، لذلك نستنجد بالحس السليم والعقل السليم. غير أن طبيعتنا البشرية مزودة بإمكانات غير محدودة تجعلنا “نشعر”، بجميع الأجسام الكونية، من أكبرها إلى أصغرها، وجميع تحولاتها؛ إذ الأدوات والأجهزة الحساسة استطالات لحواسنا، بل هي حواسنا الصنعية، وأدوات لفاهمتنا وترجمة لخيالنا، لذلك نظل نشترط “شهادة التجربة” على صحة ما نلاحظه أو نشعر به. فقد يأتي يوم تقنعنا فيه اللغة الرياضية المغرقة في التجريد بصحة هذه النظرية أو تلك بدلًا من التجارب العملية، إذ قادت المعادلات الرياضية، في حالات عدة، إلى كشوف علمية أثبتت التجارب صحتها.

لعله من غير المنطقي أن نعترف بأفرادية الواقع الفيزيقي والواقع الأخلاقي، أي المجتمع والدولة واختلاف أفرادهما، ثم نتحدث عن تاريخ شعب بعينه أو أمه بعينها أو تاريخ ثقافة… إلخ. أفرادية الواقع واختلاف أفراده وتفاوتهم تقدم لنا معنى مختلفًا للتاريخ، هو بالأحرى حاصل جمع تواريخ الأفراد والجماعات في علاقاتهم المتبادلة، والتي لا تستقر على حال.

ليس هنالك حاضر مطلق أو ماض مطلق؛ فإن حاضر الكرة الأرضية، على سبيل المثال، ليس هو نفسه حاضر الشمس أو أي نجم آخر؛ نحن لا نرى الشمس عند بزوغها والنجوم عند ظهورها إلّا على نحو ما كانت عليه في ماضيها القريب أو البعيد، بحسب بعدها أو قربها منا، أي قبل المدة، التي يستغرقها الضوء لكي يصل من الشمس أو من نجم من النجوم إلى الأرض. وهذا مما ينفي مفهوم التزامن، أي وقوع حدثين في الوقت نفسه في مكانين متباعدين.

العقل السليم يصدق التزامن لسببين: أولهما لاعتقاده بأن الزمان مستقل عن المكان، والثاني لأن القرينة التي يستند إليها الحكم بالتزامن هي الزمن المطلق المستقل بذاته، والوقت الذي هو نفسه في القطب الشمالي والقطب الجنوبي (الساعة كذا من يوم كذا من شهر كذا بتوقيت كذا). في حين أن القرينة الحقيقية للحكم هي من يلاحظ وقوع الحدث، ومن يشارك في حدوثه، أي الإنسان، الفرد الإنساني؛ والثالث أن الحكم بالتزامن ناتج من معرفة مباشرة، غير موسطة، هي معرفة ذاتية، على الأغلب، وغير مطابقة لواقع الحدث أو الكائن أو الظاهرة. المعرفة الموضوعية معرفة موسَّطة؛ الموضوع هو ما يتوسط بين الذات وبين أحكامها، (ذات – موضوع – حكم)، سواء كانت الأحكام أحكام واقع أم أحكام قيمة. الحوادث التي تحدث، في عالم الإنسان وبيئته غير معزولة لا عمن يصنعونها ولا عمن يعيشونها أو يتأثرون بها من قريب أو من بعيد، ولعلّ استجابات من يعيشون الحوادث ومواقفهم مما يحدد مسار الحوادث، ويحدد مآلاتها. وبهذا يكون الفرد مشاركًا في جميع الحوادث التي تقع في عالمه المباشر وبيئته الضيقة، مشاركة إيجابية أو سلبية، فلا يستقيم أن يكون الإنسان مشاركًا في الوجود، ولا يكون الفرد مشاركًا في حوادث مجتمعه وبيئته.

هذا من أهم الدروس التي يمكن تعلمها من ثورات الربيع العربي. لم لا نفكر في واقع أن التفاوت الاجتماعي في الثروة والسلطة والمكانة يولد وعيًا شقيًا، ينسب التأثير للأقوياء، من ذوي الثروة والسلطة والمكانة، ويقصر التأثر على الضعفاء، ويولد من ثم، “الحاجة” إلى قادة وزعماء وأبطال، وشخصيات كاريزمية؟ أود أن أشير هنا إلى أنّ مفاهيم رأس المال الاجتماعي والثقافي والرمزي، وعلاقتها برأس المال المادي والمالي تنفي مثل هذه الحاجة. وأزعم أن تحول رأس المال الاجتماعي من رأس مال جمعي، عائلي أو عشائري أو إثني، إلى رأسمال فردي هو علامة على ولادة أفراد أحرار ومستقلين، ينتج كل منهم/ـن رأسماله/ـا الاجتماعي، الذي يؤسس لرأسمال اجتماعي مجتمعي أو وطني.

لقد أطاحت نسبية أينشتاين بتصوراتنا عن المكان والزمان والحركة؛ وأطاحت نظرية الكم بتصورنا لطبيعة المادة. فإذ ينبثق الضوء، وينطلق على شكل كمَّات، تسمى فوتونات، تحمل خصائص الجسم الذي انطلقت منه، تتجلى مادة الضوء في شكل موجات أحيانًا وفي شكل جسيمات أحيانًا أخرى، لكن الضوء لا يكون موجة وجسيمًا في وقت واحد، بحسب ماكس بلانك. إضافة إلى أن نظرية هايزنبيرغ في عدم التحديد تضع اللايقين مبدأ رئيسًا للمعرفة. فإن اللاحتمية، التي تُعدُّ لب فيزياء الكم، تكمن في صلب الطبيعة ذاتها، فهي، أي اللاحتمية، ليست مجرد نتيجة لقصور في تكنولوجيا القياس، أو مجرد إهمال من المجرِّب أن يقيس الموقع وكمية الحركة (السرعة) في الوقت نفسه، بل إن الجسيم ليس له قيمتان دقيقتان متزامنتان للموقع والسرعة (المكان والزمان). هذا المعنى الأصيل والعميق للاحتمية يختلف عما نعرفه من اللاحتمية في الواقع المعيش، كما في لعبة النرد أو في البورصة، أو في الديناميكا الحرارية، على سبيل المثال. ذلك، لأن الجسيم لا يتحرك في الفضاء على مسار واضح ومحدد، فهو ينتقل من مسار إلى آخر لأسباب غير معروفة تمامًا. أي إن اللاحتمية هي من طبيعة المادة ذاتها، ومن طبيعة العالم. وإلى ذلك إن النظريتين كلتيهما تغيران إدراكنا لموقعنا على خارطة الوجود، بل على خرائطه، بصفتنا مشاركين في الوجود، لا مجرد “مخلوقات” متطفلة وعابرة.

المادة التي تولِّد عندنا انطباعات حسية ليست في حقيقتها سوى تركيز شديد للطاقة في حيز صغير نسبيًا. يمكن النظر إلى المادة كأنها مناطق من الفضاء فيها حقل عظيم الشدة… فالحقل هو الحقيقة الوحيدة في الفيزياء الحديثة. هذه الرؤية الجديدة مستوحاة من الإنجازات العظيمة لفيزياء الحقل، ومن واقع النجاح في التعبير عن قوانين الكهرباء والمغنطيسية والتثاقل بشكل قوانين بنية، هي، في أعماقها، صورة للتكافؤ بين المادة والطاقة. مفاهيم القوة والحقل أو المجال وخطوط القوة هي مفاهيم أساسية في الفيزياء الحديثة؛ فالحقل يتضمن جميع خواص منبعه (منبع القوة)، وفيه تتوحد القوتان المغنطيسة والكهربائية، ويتضمن قوة الثقالة أو الجاذبية، لذلك، تبدو خواص الحقل وحدها جوهرية لوصف الظواهر، فهو يترجم القوانين إلى لغة واضحة وسهلة الفهم. الحقل المتولد عن ناقل مشحون كهربائيًا، يعمل بأسلوب شبيه بحقل التثاقل وحقل التيار وحقل المغنطيس، وهو “مستودع طاقة”.

دخلت فكرة الحقل أو المجال في العلوم الاجتماعية والإنسانية والسياسية؛ فصرنا نتحدث عن حقول أو مجالات معرفية وحقول أو مجالات دلالية، ومجالات سياسية وجيوسياسية ومجالات حيوية… إلخ؛ ولكن استعمال هذه المفاهيم لا يزال استعمالًا مجازيًا، في الأغلب والأعم، لا يسهم في تغيير نماذج التفكير والإدراك والتمثل والتقدير والعمل. نتطلع إلى استعمال المفاهيم الجديدة على وجه الحقيقة، لا على وجه المجاز، لكي نعتني بحقول القوة، في مجتمعنا وعالمنا، بسفحيها الطبيعي والمدني، وعلاقاتها المتبادلة، وتأثرها، وكيفية انتظامها، التي يتوقف عليها كل شيء. لكل فرد مجال طاقي (من الطاقة)، ولكل جماعة وكل مجموعة، وكل منظومة وكل مؤسسة وكل مجتمع، هذا المجال هو الذي يعين قوة المنظومة أو المؤسسة أو المجتمع.

الجانب الثوري في مفهوم الحقل أو المجال هو مبدأ اللايقين، الذي ينفتح على فضاء الإمكان والاحتمال، أي على فضاء الحرية، ويستبعد الأحكام القطعية والنهائية على الأفراد والجماعات الحوادث والظواهر. ذلك لأن خطوط القوة في أي مجال، مثل خطوط المجال، التي نعرفها من التجربة المدرسية، (تجربة المغناطيس وبرادة الحديد)، هي المسارات الممكنة، التي يتبعها الجسم أو الجسيم أو المنظومة… إلخ. الممكن هو المستقبل، الذي تتجه إليه خطوط القوة، بما هي نتائج الأفعال الموزعة على مسارات المجال، التي يمكن تخيلها أو تصورها على نحو ما نرى مسارات المجال المغنطيسي المحسوسة. لنتصور مسارات الأفراد في بيئاتهم/ـن، وهي مسارات عشوائية من وجهة نظر الملاحظ (الدارس والباحث)، وما يحمله كل مسار من احتمالات لكي ندرك كم هي معقدة صورة الواقع الاجتماعي الفعلي، لبيئة بعينها، وندرك، من ثم، أن هذه الاحتمالات هي التي تعين المستقبل. مفهوم الحقل، وثيق الصلة بوحدة المكان والزمان)، التي تعيِّن الممكنات، وتنفي فكرة التزامن، وتضع مفهوم التواريخ المتوازية والمتداخلة، أو “حاصل جمع التواريخ” بدلًا من مفهوم التاريخ التقليدي الخطي أو الانسيابي، فتصير مقولتا الاستمرار التاريخي والانقطاع التاريخي نافلتين. (تنوع الحقول المعرفية والحدود الفاصلة الواصلة بين حقول متنوعة، هو ما يسوغ استعمال مناهج مختلفة أو منهج عابر للحقول) وموضوع الإحداثيات؛ إذ تؤثر الإحداثيات القائمة – الممكنة في وصف أي موضوع أو في تحديده، بقدر ما تفيد في تحديده بدقة. الإحداثيات أو نقاط الإسناد أو جملة المقارنة، وبكلمة واحدة المرجع، هي التي تجعل رؤيتنا موضوعية وقياساتنا دقيقة.

أدعو إلى التبصر في مفهوم الراهنية، من الرهن، وجمعه رهون ورُهُن ورِهان. الراهن عندي هو اللحظة التي يتداخل فيها الماضي والحاضر والمستقبل معًا، هي لحظة الكينونة، بصفتها كلية عينية، أو وحدة تناقضية، ناتجة وصائرة. الراهن هو الحاضر والممكن في الوقت نفسه، والراهنية هي الحضور والإمكان معًا، على الصعيدين: الأنطولوجي والمعرفي. مبدأ الراهنية، في عالم الإنسان، معادل لمبدأ اللايقين، في العالم الفيزيقي، لأن كل وجه من وجوه الراهنية الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل، يخفي الوجهين الآخرين، ولا يكون من دونهما؛ معرفة الماضي، كما كان، على افتراض إمكانها، لا تعطينا سوى إمكان هو الحاضر؛ ومعرفة الحاضر لا تعطينا سوى إمكان واحتمال هو المستقبل؛ ومن الصعب أن تعطينا الماضي إلّا في صيغة إمكان واحتمال أيضًا، (يحتمل أنه كان على هذا النحو). ومن ثم، إن الراهنية، بهذه المعاني، تنفي الحتمية، وتنأى عن الجزم والإطلاق، وعن السببية البسيطة، لأن السببية المنطقية البسيطة تفضي إلى الحتمية، وتطمئن إلى اليقين، مع أن السببية البسيطة تظل شغالة في الحياة اليومية، ولديها القدرة على إخفاء طابعها الاختزالي، حتى عندما نتحدث عن السبب اللازم والسبب الكافي، اللذين يحجبان الأسباب الأخرى.

جاد الكريم الجباعي

مفكر سوري من مواليد عام 1945، مجاز في اللغة العربية وآدابها من جامعة دمشق 1968-1969، عمل معلمًا، ثم مدرسًا للغة العربية، حتى عام 1982. مهتم بالفكر السياسي ومسائل الديمقراطية وحرية الفرد وحقوق الإنسان والمواطن. نشر عشرات المقالات والدراسات والبحوث في صحف ومجلات عربية، وعددًا من الكتب منها “المجتمع المدني؛ هوية الاختلاف” و”قضايا النهضة”، و”طريق إلى الديمقراطية” و”من الرعوية إلى المواطنة” و”فخ المساواة.. تأنيث الرجل تذكير المرأة”، وغيرها. شارك في الحياة الثقافية والسياسية في صفوف المعارضة السورية، وفي ندوات ومؤتمرات علمية.

منير الخطيب

كاتب وباحث سوري، يكتب في مجال الفكر السياسي، وله إسهامات عديدة في الصحافة العربية، مهندس مدني.

حازم نهار

كاتب وباحث سوري في الشؤون السياسية والثقافية، له إسهامات عديدة في الصحف والمجلات ومراكز الدراسات العربية، نشر عددًا من الكتب السياسية والثقافية، منها “مسارات السلطة والمعارضة في سورية” الذي صدر عن مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، و”سعد الله ونوس في المسرح العربي”، وله عدة ترجمات، منها: سورية: الاقتراع أم الرصاص لكاريستين ويلاند، سورية: ثورة من فوق لرايموند هينبوش، بناء سنغافورة لمايكل دي بار وإزلاتكو إسكربس، تشكيل الدولة الشمولية في سورية البعث لرايموند هينبوش، سورية الأخرى: صناعة الفن المعارض لميريام كوك، الدين والدولة في سورية لتوماس بيريه، أسّس وأدار عدة مراكز بحثية وثقافية، وعدة مؤسسات ومنظمات مدنية.

مشاركة: