حزب الله في سورية

فَقْدُ التوازن بين (المقاومة الوطنية) والمصالح الطائفية

 

بندتا برتي ويورام شفيتسر([1])

رحب حزب الله باندلاع (الصحوة العربية) قبل عامين ونصف – تلك الموجة الهائلة من الحراك الاجتماعي والسياسي التي هزت بقوة الوضع الراهن في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتعامل مع ذلك بمشاعر مختلطة من الأمل والحماس. تلاشت اليوم – من مفارقات القدر- الاحتفالات في وقت مبكر بعد أن وجد حزب الله اللبناني الشيعي نفسه متأثرًا بصورة مباشرة من وصول الربيع إلى حليفه وراعيه لمدة طويلة بشار الأسد. وقد تميز العام الماضي بمشاركة حزب الله المتزايدة في الحرب الأهلية السورية، والتحول من الدعم السياسي الحذر والمشورة العسكرية إلى الدعم المالي والسياسي والعسكري الكبير، والدعم المباشر للأسد في الحرب ضد معارضيه في الداخل.

أصبح حزب الله بالفعل طرفًا مقاتلًا في حرب داخلية مستمرة، ما يهدد شرعيته المحلية وشعبيته الإقليمية، في مقابل خطر محتمل لدوره المركزي في لبنان. ويحلل المقال موقف حزب الله من الصراع الدائر في سورية، مشددًا على مصالح التنظيم ويصف التطور التدريجي في روايته ومشاركته الفعلية في سورية. ويركز المقال أيضًا على فهم التأثير الإقليمي والداخلي للإستراتيجية الحالية لحزب الله في سورية، ويقيم كيف أن القرارات الأخيرة التي اتخذها التنظيم يمكن أن تضر به على المدى القصير والمتوسط.

بصورة عامة، يشكل التحدي الذي تضعه الحرب الأهلية في سورية لحزب الله أحد أكثر التهديدات الأيديولوجية والسياسية والعسكرية أهمية للتنظيم منذ إنشائه في بداية الثمانينيات، وربما أيضًا أكبر تحد للتنظيم وصورته منذ انسحاب إسرائيل من لبنان في عام 2000.

 

إستراتيجية حزب الله في سورية: مصالح وأيديولوجية ونشاط

في البداية رحب حزب الله بالصحوة العربية، وأعرب عن تضامنه ودعمه للاحتجاجات والمطالب. عرف الثورات بأنها تنتمي للفقراء الأحرار، المحبين للحرية والرافضين للذل والعار. وأنها نتيجة للخضوع والاستسلام لإرادة أميركا وإسرائيل.

كان دعم التنظيم قويًا بصورة خاصة في حالات مصر والبحرين، وذلك بسبب العداء العلني لنظام مبارك والنظام الملكي في البحرين. ولكن سرعان ما اتضح أن دعم حزب الله القوي للشارع العربي والثورات انتقائي، وينطلق من مصالح التنظيم. يبدو أن من شكّل موقف حزب الله من ثورات المنطقة هو التنوع السياسي والطائفي بدلًا من قيم مشتركة أو أيديولوجية. في الواقع، عندما انتشرت الاحتجاجات في سورية وقف حزب الله على الفور مع الحكومة ضد المتمردين، ليقلل من قوتهم، ويشكك في دوافعهم. وهذا الموقف مصحوب بتعاون على المدى الطويل والإستراتيجي بين النظام السوري والتنظيم اللبناني الشيعي: ومنذ نهاية الحرب الأهلية في لبنان، شكل الدور السياسي والعسكرى لسورية في لبنان قوة مضاعفة كبيرة لحزب الله، الذي في إطاره راعت دمشق مصالحه وأكدت أن ترسانته العسكرية في بلاده ستبقى آمنة ومحمية.

لم يضعف إنهاء الحماية السورية على لبنان في 2005 العلاقة بين نظام الأسد وحزب الله، بل على العكس من ذلك، فقد واصل حزب الله دعم المصالح السورية في لبنان كجزء من القيادة الفعلية لمعسكر 8 آذار/ مارس – التحالف السياسي الموالي لسورية؛ حزب الله وحركة أمل – ثاني أكبر حزب شيعي، والتيار الوطني الحر (المسيحي) بقيادة الجنرال ميشيل عون.

إضافة إلى ذلك، كانت سورية في العقود الأخيرة حلقة الوصل بين حزب الله وإيران، ومثلت طريقًا آمنة لنقل الأسلحة والدعم اللوجستي للتنظيم، واتصالًا مستقرًا للتحالف الثلاثي. وعلاوة على ذلك، منذ أن اعتلى الأسد السلطة في عام 2000، تعمقت العلاقة الشخصية بينه وبين أمين عام حزب الله حسن نصر الله، وتوثقت أكثر فأكثر العلاقة بين الطرفين.

نتيجة لهذه الأسباب كلها، كان هدف المصلحة السياسية والعسكرية والإستراتيجية المباشرة لحزب الله منذ بداية المواجهة هو المساعدة في المحافظة على الوضع الراهن في سورية. والواقع أنه كانت مصلحة حزب الله في دعم الأسد ثابتة منذ بداية التظاهرات السياسية ضد النظام في ربيع عام 2011، ومع ذلك فإن رواية التنظيم ومستوى التدخل في سورية قد تطورا بصورة كبيرة خلال العام الماضي.

مع اندلاع الاحتجاجات ضد الأسد ركز حزب الله في الوقت نفسه على المحافظة على مكانه في هامش الصراع، وذلك من خلال تقليل مشاركته في أي تدخل مباشر، والتحول إلى دعمه العلني للنظام بتصريحات تصالحية حول ضرورة الإصلاح. وأكد أمين عام حزب الله حسن نصر الله في مناسبات عدة أن ((السوريين معظمهم يثقون في النظام، ويؤيدون بشار الأسد))، ويعلن أن ((الفرق بين سورية والثورات العربية هو أن الرئيس الأسد مقتنع بأن الإصلاح ضروري، على عكس البحرين ودول عربية أخرى))، وحث ((السوريين جميعهم على المحافظة على بلدهم وعلى النظام الحاكم، الذي هو نظام مقاومة، وإعطاء قادتهم فرصة للتعاون مع الطوائف جميعها في سورية لتنفيذ الإصلاحات اللازمة)).

روج حزب الله لدعم الأسد لفكرة (المقاومة)، ورفض الاتهامات الموجهة ضد حزب الله بأنه يتبنى المعايير المزدوجة في ما يتعلق بالثورات العربية، ويسلط الضوء على الموقف الثابت ضد (مصالح أجنبية) في المنطقة. وبناء على ذلك، شدد التنظيم على أن نظام الأسد – لأنه النظام الوحيد المقاوم بجدية للمصالح الأميركية الإسرائيلية في المنطقة – يستحق الدعم من حزب الله. وأكد حزب الله على الأثر السلبي للقوات الأجنبية في الصراع، مبينًا أن أميركا والغرب وإسرائيل وبعض الأطراف في المنطقة يريدون تدمير سورية، لأنهم يريدون التخلص من الداعم الرئيس للمقاومة في لبنان وفلسطين، وأنهم يريدون الانتقام من الدولة السورية والشعب والقيادة والجيش الذين دعموا المقاومة في لبنان والمقاومة الفلسطينية.

مع تصاعد الصراع في سورية، حيث أصبحت حربًا أهلية، وجد حزب الله نفسه يقلل بالتدريج من قيمة كلامه بشأن ضرورة الإصلاح والتسوية، مع تسليط الضوء على أهمية دعم الأسد، والتركيز على إبراز الدور السلبي لعناصر أجنبية ورغبتهم في تدمير ((سورية دولة، وشعبًا، ومجتمعًا وجيشًا)). ثم تصاعدت اللهجة في الأشهر الأخيرة، عندما أعلن نصر الله في خطاب له يوم 30 نيسان/ أبريل 2013 أن ((سورية لديها أصدقاء لن يسمحوا لها أن تقع في يد الولايات المتحدة أو إسرائيل أو الجماعات التكفيرية)).

ترجع أهمية هذا البيان إلى أنه يكشف وجهة نظر نصر الله الأصيلة في ما يتعلق بالصراع أو الخطاب، وعلاقاته العامة المتطورة التي تهدف إلى تبرير سياسته المثيرة للجدل بشأن سورية. كما توضح التصريحات رواية حزب الله التي وفقًا لها الجبهة السورية تمثل المقاومة الوطنية ضد المصالح الأميركية الإسرائيلية. ووفقًا لحزب الله، فإن تلك العناصر الأجنبية ليست موجهة فقط لإسقاط النظام وإخراج سورية من محور الشر، ولكن تريد أيضًا تحويلها الى دولة فاشلة. وفي هذا الصدد، ربط نصر الله الأحداث في سورية بالنضال الفلسطيني أيضًا، قائلًا: ((بصرف النظر عن الهدف، ما يحدث الآن في سورية أمر خطر، ما يشكل تحديًا يهدد سورية ويضر بها جدًا وبالنضال الفلسطيني، كما كنا نقول في الأيام الأولى، تحاك اليوم مؤامرة لخلق مستقبل مبهم، وضبابي للنضال الفلسطيني وغير معروف، أمام الغطرسة الإسرائيلية وعودة القوات الأميركية في المنطقة)). وفي مناسبة أخرى، بعد بضعة أسابيع، أوضح نصر الله العلاقة بصورة أكثر صراحة، مدعيًا بأن ((سورية هي العمود الفقري للمقاومة ويجب تقديم الدعم لها، ولا يمكن أن نقف مكتوفي الأيدي عندما يقومون بكسر ظهر المقاومة. وإذا سقطت سورية فسوف تضيع فلسطين وتضيع المقاومة في فلسطين، كما ستضيع أيضًا غزة والضفة الغربية والقدس)).

على الرغم من أن خطاب نصر الله وضع خطوطًا تربط بين سورية وفكرة المقاومة الوطنية والقضية الفلسطينية، لكن يبدو أنه في الأسابيع الأخيرة تبنى التنظيم تدريجيًا طابع مواجهة أكثر تطرفًا.

في خطاب آخر ألقاه في 25 أيار/ مايو 2013 ادعى نصر الله أنه حاول التوسط بين نظام الأسد والثوار، ولكن فشلت هذه المبادرة بسبب رفض معارضي الأسد إيجاد حل سلمي لسورية. وألقى الذنب على الثوار فقط في مواصلة الصراع، بما في ذلك الاتهام بالتطرف، وأعطى حزب الله خطًا واضحًا بين قوى مؤيدي الأسد ومعارضيه، كل من سورية ولبنان. وعلاوة على ذلك، فقد أشار نصر الله مرارًا إلى العناصر الجهادية بين الثوار على أنهم تكفيريون، وهي أكثر كلمة تشير إلى موقف التنظيم العدائي تجاه تلك الجماعات.

في الوقت نفسه زاد التعصب الطائفي، على سبيل المثال، عندما أكد نصر الله أهمية الدور الذي يلعبه تنظيمه في حماية الأماكن المقدسة للشيعة (وفي مقدمتها، مسجد السيدة زينب في دمشق) والبلدات الحدودية في منطقة القصير. ومع ذلك، فإن حزب الله هو حساس للغاية لهذه القضية، وصرح علنًا ​​في مناسبات عدة أنه لا يعمل من منطلق تعصب طائفي، مشيرًا إلى ((اتهمونا بالتعصب العرقي وهذا هراء. قاتلنا في البوسنة وخسرنا شهداء، دفاعا عمّن؟ دفاعًا عن المسلمين السنة في البوسنة. فلا يوجد شيعة في البوسنة. جميع المصاعب التي عانينا وما زلنا نعاني هي من أجل فلسطين. لا يمكن لأحد أن يتهمنا بالتعصب العرقي)).

وأخيرًا، فإن إستراتيجية التناقض المتزايدة لحزب الله لم تسمح فقط للتنظيم بتفاقم النغمة تجاه الثوار، ولكن قاده أيضًا إلى الاعتراف علنًا بتورطه في الحرب ودعمه العسكري للأسد – بحجة أن التنظيم اجتهد في إنكار خطاب 25 أيار/ مايو أيضًا، عندما أعلن نصر الله في هذا الخطاب أنه من المحتمل مشاركة التنظيم في حرب استعرت بنسبة كبيرة، وبدأت مشاركة التنظيم النشطة قبل شهر فقط. كان نصر الله أيضًا حريصًا في كلامه على عدم استيراد النزاع بين اللبنانيين حول سورية، (وداخل سورية) إلى داخل لبنان. وأكد زعيم حزب الله نية تنظيمه تجنب الاشتباكات العسكرية في لبنان.

عندما اعترف حزب الله علنًا ​​بمشاركته الفعالة في الصراع الدائر في سورية، أكد التنظيم ما يعرفه المجتمع الدولي بالفعل: بأن حزب الله لم يكتف بالدعم المعنوي والسياسي أو الدعم العسكري البسيط لنظام الأسد، ولكن بدأ بإرسال جحافل من المحاربين للقتال إلى جانب الجيش السوري.

على الرغم من أن هناك تقارير متكررة منذ عام ونصف بوجود قتلى من محاربي حزب الله في سورية، ولكن يبدو أن مشاركة التنظيم في الحرب قد زادت بصورة ملحوظة خلال الأشهر الستة الماضية، وشملت تقديم الدعم إلى الجيش السوري ومهماته الهجومية والدفاعية مجتمعة. مثال مهم على وجه الخصوص لهذا النمط من المشاركة المتزايدة هو الدور الذي قام به التنظيم اللبناني الشيعي في الحرب بمنطقة القصير. وتعد هذه البلدة الحدودية التي تقع في غرب سورية هي مفتاح السيطرة على محافظة حمص والضمان لممر آمن بين سورية ولبنان، ولا سيما لتأسيس اتصال وربط بين العاصمة السورية والمناطق العلوية على طول الساحل الشمالي الغربي للدولة. ويعد دعم حزب الله للنظام الذي تمثل في احتلاله القصير من قوات الثوار، هو ذروة تورط التنظيم المتزايدة في الصراع، والتأكيد على أن حزب الله تحول من عامل ثانوي إلى حليف إستراتيجي للنظام السوري.

 

حزب الله في سورية: تأثير محلي وإقليمي ودولي

صاحب الدور العسكري والسياسي المتنامي لحزب الله في سورية رواية واضحة، تصف معركة دمشق بوصفها جزءًا من فكرة (المقاومة) للتنظيم في لبنان ومن النضال الفلسطيني. بَيْد أن تقديم التنظيم نفسه بوصفه مدافعًا عن المصالح العربية، في محاولة لمنع عملاء أميركا وإسرائيل من إسقاط الأسد وتدمير سورية، لم تنجح في استمالة قلوب معظم سكان الشرق الأوسط وعقولهم. وفي المنطقة كلها، اتُهم حزب الله مرارًا وتكرارًا بأنه يكيل بمكيالين في أسلوب دعمه للثورات العربية، وأنه فضل أن يتصرف وفقًا لمصالحه المحلية الضيقة على المطالبة بالنضال ومقاومة الظلم في المنطقة. ولقد انخفضت في داخل لبنان شعبية التنظيم وشرعيته وساءت سمعته، ولا سيما لدى الطائفة السنية. هذا الاتجاه هو بالتأكيد ليس جديدًا، في ضوء الانقسام السياسي والطائفي بين السنة والشيعة الذي بدأ في 2005 بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري والانسحاب السوري الذي أعقبه، إن لم يكن قبل ذلك. ومع ذلك، أدت الأزمة السورية إلى تفاقم الانقسامات الموجودة: فعلى سبيل المثال، يكشف الاستطلاع الذي أجري مؤخرًا أن خمسة في المئة فقط من الطائفة السنية في لبنان أعلنوا دعمهم لحزب الله، مقابل 94 في المئة من الشيعة في لبنان. كما كشف الاستطلاع أيضًا عن ظهور العزلة المتزايدة ضد حزب الله بين المجتمع المسيحي، وفقط حوالى ثلث المسيحيين في لبنان قد انحاز علنًا إلى تنظيم نصر الله.

عبر وليد جنبلاط، وهو سياسي محنك وزعيم الدروز والحزب الاشتراكي التقدمي (الدرزي) عن استيائه من دعم حزب الله المخلص للأسد بالقول: ((شعرت بالحزن عندما سمعت أن السيد حسن، الذي كان بطلًا للعالم العربي والإسلامي في 2006، يصر على أن يهين نفسه بهذه الطريقة، عندما يدافع عن نظام لن يدوم طويلًا)). وقال جنبلاط أيضًا في الماضي إن ((كل من يدافع عن الفلسطينيين لا يمكن أن يكون ضد الشعب السوري)).

يلخص هذا البيان تحديًا هائلًا لشرعية حزب الله في لبنان والمنطقة بصورة عامة في ظل القتال في سورية: وقد بنى التنظيم منزلته عندما كان يُنظر إليه على أنه حركة غير طائفية تركز على (المقاومة) الخارجية والدفاع عن لبنان وعن حقوق العرب. وبعد الانسحاب الإسرائيلي الأحادي الجانب من لبنان في 2000، وفي وقت لاحق، بعد أن أعلن عن (نصر إلهي) على إسرائيل في 2006، علت منزلة حزب الله الإقليمية والمحلية وذاع صيته. ولكن تحول هذا الاتجاه في السنوات الأخيرات، لأول مرة عندما وجه التنظيم سلاحه ضد تنظيمات لبنانية أخرى في أيار/ مايو 2008، وبعد ذلك، بعد اتهامات المحكمة الخاصة للأمم المتحدة له بتورطه المباشر في تخطيط عملية اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري وتنفيذها. وكانت سورية هي آخر مسمار في نعش سمعة حزب الله بوصفه زعيم (المقاومة الوطنية)، لأنها تعزز الاعتقاد بأن التنظيم يعمل على أساس طائفي ضيق وذاتي، وتكشف عن تفضيله المحافظة على الشراكة الإستراتيجية مع طهران ودمشق على دوره ومكانته في بيروت. وبصورة مماثلة، هناك شك في ادعاء حزب الله بأن حربه باسم الفلسطينيين في ضوء هجمات النظام السوري الكثيرة على اللاجئين الفلسطينيين في سورية، وذلك في عقب حقيقة أن حماس قد نأت بنفسها عن الأسد وحربه.

اعتمد أعداء حزب الله السياسيين -معسكر 14 آذار/ مارس بقيادة سعد الحريري وحركة (المستقبل)- على هذه التناقضات الواضحة لتعزيز الاتهامات ضد حزب الله في لبنان. وفي آب/ أغسطس 2011 قال سعد الحريري: ((لا توجد أي حركة مقاومة في أي وقت مضى في التاريخ دعمت حاكمًا ظالمًا يقمع شعبه، أو دعمت نظمًا ديكتاتورية تقمع الشعوب التي تطالب بحرياتها؟ إنه لأمر مخز أن ينظر حزب الله للثورة السورية من منظور المصالح الإيرانية، ويغمض عينه عن إرادة الشعوب العربية)).

في الآونة الأخيرة في نيسان/ أبريل2013 أعلن الأمين العام لحركة 14 آذار/ مارس أن دور حزب الله في سورية ((لا يهدد فقط لبنان ووحدته الوطنية، ولكن أيضًا يهدد المنطقة بأسرها وربما أيضًا العالم)). وأضاف أن ((حزب الله قصف القصير، نهاريا، بورهانيا وسقارجى من مواقعه بالقصر وحوش السيد علي. لقد قصفوا مدنيين وقتلوا نساء وعددًا من الأطفال. إذا أُجبرنا سنقوم بإطلاق النار على المدنيين مثلهم. مواطنينا ليسوا أقل شأنا من مواطنيهم. يقتل حزب الله في سورية دون تمييز. وغني عن القول، أن حجج مماثلة تتردد أصداؤها في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وخاصة في البلدان التي تبنت علنًا دعم أو معارضة الأسد مثل دول الخليج)).

حتى الآن، ما تزال الطائفة الشيعية في لبنان تدعم حزب الله ومشاركته في سورية، وربما في المستقبل يتوقع تعثر مثل هذا الدعم في عقب انهيار العلاقات بين الطوائف في لبنان تحت ضغط نشاط حزب الله في سورية، وكلما قُتل كثير من مقاتلي حزب الله في الحرب إلى جانب الأسد. حتى الآن، استخدم القادة الذين يعارضون حزب الله داخل الطائفة الشيعية تورط التنظيم في سورية في انتقاد التنظيم. على سبيل المثال أعلن صبحي الطفيلي، الصديق الذي أصبح عدوًا، في شباط/ فبراير 2013 أن ((لا ينبغي لحزب الله الدفاع عن النظام المجرم الذي يقتل شعبه، والذي لم يصوب ولا طلقة واحدة أبدًا للدفاع عن الفلسطينيين. إن مقاتلي حزب الله الذين يقتلون الأطفال يروعون الناس ويدمرون المنازل في سورية – نهايتهم الجحيم)).

لا يغير هذا الانتقاد العام من حقيقة أن حزب الله ما يزال يعتمد على دعم الطائفة الشيعية في لبنان وعلى حلفائه المسيحيين بمساعدة الجنرال ميشيل عون، ربما سيكون من المعقول أن نفترض أن سلوك التنظيم في سورية يؤكد كلام منتقديه. وليس من المستغرب، أن تفاقم مشاركة حزب الله المتزايدة في الحرب الأهلية علاقات التنظيم المضطربة بالمعارضة السورية. في الأيام الأولى للاحتجاجات أحرق المتظاهرون مرارًا أعلام حزب الله، وطالبوا التنظيم اللبناني الشيعي اللبناني علنًا الانسحاب. وزاد مؤخرًا العداء بين الطرفين أكثر، عندما تحول مقاتلو حزب الله إلى مقاتلين أعداء للمعارضة السورية وأعلن قائد الجيش السوري الحر الجنرال سليم إدريس: ((إن مقاتلي حزب الله يغزون الأراضي السورية، وإذا ما استمروا في فعل ذلك دون أن تتخذ السلطات اللبنانية إجراءات لوقفهم، أظن أنه من حقنا محاربتهم داخل لبنان)). حزب الله موسوم كمحتل أجنبي، ومُهدد بأن وجوده في الأراضي السورية سيصطدم بمقاومة محلية. ويُصور حزب الله في الأوساط السلفية داخل سورية وخارجها أيضًا على أنه عدو للثورة السورية، ويسمى التنظيم باسم حزب الشيطان وتنظيم الإرهاب.

وأدى تورط حزب الله إلى توجيه انتقادات إقليمية مماثلة. وسأل نائب رئيس وزراء تركيا بكر بوزداغ: ((كيف يمكن لحزب يطلق على نفسه اسم “حزب الله” خوض حرب لقتل رجال ونساء وأطفال أبرياء. ويجب أن يغير اسمه إلى حزب الشيطان))، أما مجلس التعاون الخليجي فقد أطلق على حزب الله منظمة إرهابية، وعمل على وضع يده على الأصول المالية للتنظيم. كما أطلق رجل الدين السني الشيخ يوسف القرضاوي تصريحات شديدة اللهجة ضد حزب الله ووصفه بأنه ((حزب الشيطان))، وقال: ((زعيم حزب الشيطان يأتي لمحاربة السنة. والآن نحن نعرف ما يريده الإيرانيون. يريدون مواصلة ذبح السنة)). إضافة إلى ذلك، دعا القرضاوي السنة إلى الانضمام إلى الجهاد ضد الأسد.

بصورة عامة، تضرر مستوى الدعم الإقليمي لتنظيم نصر الله نتيجة مشاركته في الحرب الأهلية في سورية. على سبيل المثال، انخفض الدعم الشعبي لحزب الله بين 2010 – 2012 بنسبة عشرة في المئة في مصر، وبنسبة 26 في المئة في الأردن. وبطبيعة الحال، توسعت هذه النظرة السلبية أيضًا فشملت الداعمين البارزين لنظام الأسد، بما في ذلك روسيا وإيران. وقد تعزز النقد الإقليمي المتزايد حول دور حزب الله في سورية أيضًا نتيجة للاتجاه الطائفي المتزايد للحرب الأهلية. وبهذا المعنى، يمكن للتوترات الداخلية التي تتصاعد من داخل لبنان أن تُفسر انعكاسًا لتوجه إقليمي كبير وأكثر إثارة للقلق. أما دوليًا، فيجب أن يتآلف الجهد للضغط على حزب الله بسبب مشاركته في سورية، حيث توجد لائحة اتهام ضده في قضية اغتيال الحريري، واتهامات وجهتها الحكومة البلغارية له لمشاركته المباشرة في الهجوم الإرهابي في بورغاس في تموز/ يوليو 2012، وكلها تداعيات أدت بالاتحاد الأوروبي إلى تغيير موقفه المحايد تجاه حزب الله، ووصفه بالتنظيم الإرهابي. وفي يوم 22 تموز/ يوليو 2013، قرر الاتحاد الأوروبي إرسال إشارة سياسية قوية ضد النشاط الإقليمي والدولي المتزايد لحزب الله عن طريق وضع علامات الجناح العسكري لحزب الله على قائمة التنظيمات الإرهابية. ويسهم هذا الوصف في إضعاف الشرعية السياسية للتنظيم ومنزلته الدولية. ومع ذلك، من الناحية العملية تجدر الإشارة إلى أن هذا الوصف للاتحاد الأوروبي لا يحمل أي عقبة عملية كبيرة لضرر جسيم بحزب الله.

لكن الآثار المترتبة على المشاركة الحالية لحزب الله في سورية هي وراء التأثير في سمعة التنظيم وشرعيته، فضلًا على أنها تهدد منزلة التنظيم السياسية في لبنان.

خلق موقف حزب الله تجاه سورية خلافًا مع حلفائه السياسيين السابقين حتى وقت قريب، مثل الطائفة الدرزية، وقوضت في الوقت نفسه العلاقات السياسية التي كانت متوترة بالفعل مع معسكر 14 آذار. وبصورة عامة، أدى ذلك إلى زيادة في التوتر بين الطوائف داخل لبنان، والصراعات العسكرية المتكررة بين المعارضين من مؤيدي الأسد – معظمها حول المناطق المعرضة تاريخيًا إلى الاضطرابات مثل المدينة الحدودية طرابلس – ثاني أكبر مدينة في لبنان التي تقع في شمال شرق البلاد. وغذت الحوادث المتعددة الاستقطاب المتزايد في المجتمع اللبناني وتعزيز نفوذ وقوة التنظيمات السلفية السنية التي حثت أتباعها على دعم الثوار السوريين على نطاق واسع، حيث إنها تتخذ موقفًا عدائيًا تجاه حزب الله. حتى الآن، كانت الاشتباكات التي وقعت علنًا بين السنة الداعمين لمعارضي الأسد وبين حزب الله في لبنان قليلة جدًا، ولكن الأحداث الأخيرة – بما في ذلك هجوم صاروخي أيار/ مايو 2013 ضد منطقة حزب الله في جنوب بيروت وحي الضاحية –  تشير إلى أن العلاقة بين الطوائف في لبنان وصلت إلى الحضيض.

كانت اعتبارات حزب الله بأن مشاركته في سورية لن تؤدي إلى تصعيد حرب أهلية داخلية في لبنان – وهو السيناريو الذي كان يهدد منزلته في البلاد، وربما إضعافها. ومع ذلك، فالجو الداخلي في لبنان متوتر للغاية، ولا سيما في ظل حالة الشلل السياسي الحالي في عقب سقوط حكومة نجيب ميقاتي التي لم تستمر عقب التوترات الداخلية التي تفاقمت بسبب الحرب الأهلية في سورية.

يبدو أن الانتخابات النيابية المقبلة في لبنان لن تعقد كما كان مقررًا في صيف عام 2013، وتبقى البلاد في حالة من الضعف وعدم الاستقرار السياسي. على ضوء تلك الأمور، وإعلان حزب الله للحرب في سورية، يمكن أن يعقد حقًا وضع التنظيم في لبنان.

 

حزب الله في سورية: نظرة مستقبلية

حتى الآن يمكن القول إن دعم حزب الله القوي والشامل والعلني للأسد هو مقامرة خطرة. فقد وصل التنظيم الآن إلى نتيجة مفادها أن الثمن يستحق المخاطرة، عندما رجحت إسهامات حزب الله العسكرية الكفة لصالح الأسد، وأنه أعاد الحياة مجددًا للجيش السوري المستنزف. مع العلم أن خسارة لبنان من شأنها أن تعرض منزلة التنظيم السياسية والعسكرية والإقليمية للخطر، لكن حزب الله قرر أن يسبح عكس التيار.

من وجهة نظر إسرائيل، تضع الإستراتيجية الحالية لحزب الله في سورية التنظيم في وضع صعب، وبصورة عامة في موقف ضعيف. هذا الوضع هو نتيجة لتدني هيبته ومنزلته السياسية في لبنان والمنطقة، وبسبب تدخله العسكري الكبير في الحرب الأهلية أيضًا.

على المدى الطويل، قد يتضح أن قرار حزب الله بدعم الأسد والتدخل مباشرة في الصراع خطأ إستراتيجي خطر للتنظيم. وقد انعكس هذا الرأي في الخطاب الأخير لرئيس أركان الجيش الإسرائيلي في مراسم حفل تخريج دورة الأركان العامة لسلاح الجو الإسرائيلي، الذي وصف الوضع بالحريق الذي يجتاح عباءة نصر الله، ما يهدد في المستقبل منزلته في لبنان وخارجه.

حتى لو حقق الأسد وحلفاؤه فوزًا كاسحًا وتامًا في سورية (وهو سيناريو ما يزال غير واضح في الأفق على المدى القريب)، سيجد حزب الله مع ذلك نفسه في موقف أضعف، بعد أن تجاهل قسمًا كبيرًا من جمهور المؤيدين له في دائرته الإقليمية والمحلية. وهذا الوضع يتحقق ولا سيما إذا بدأ التنظيم في تلقي خسائر كبيرة بين مقاتليه، الأمر الذي يمكن أن يعرض الدعم من الطائفة الشيعية في لبنان للخطر.

وفقًا لهذا السيناريو، تمكن حزب الله المحافظة على الشراكة الإستراتيجية له مع إيران وسورية، ومع ذلك ما تزال تضعف من الناحية السياسية، وستحتاج إلى انتعاش في عقب الثمن الذي دفع في سورية. ونتيجة لذلك، فإن التنظيم سيجد صعوبة في بدء مواجهة مباشرة مع إسرائيل.

في حال انهيار نظام الأسد، فإن وضع حزب الله سواء في سورية أم في لبنان سيكون في خطر كبير: فإن تغيير النظام سيقوي المعارضة، ويضعف حزب الله ومنزلة إيران في الشرق الأوسط. وفي الحالتين كلتيهما، سيخرج حزب الله من الحرب في حالة ضعف واهتزاز، على الرغم من أنه من المرجح أن جناحه العسكري في لبنان وتحالفه مع الطائفة الشيعية في لبنان وإيران سيكون كافيًا لمنع انهياره. إضافة إلى ذلك، من المحتمل أن يضطر حزب الله في المستقبل أن يتجرع من الكأس نفسها التي أعدها بنفسه عندما سيعاني هجمات انتقامية عنيفة من جانب التنظيمات السلفية العنيفة في سورية ولبنان على حد سواء. وبحسب هذا السيناريو فإن حزب الله سيحتاج أيضًا إلى استراحة واستعادة قواة قبل أن يفكر في فتح جبهة عسكرية جديدة ضد إسرائيل.

على الرغم من ذلك، سترتكب إسرائيل خطأ إذا ما فسرت الضعف الحالي لحزب الله على أنه فرصة للتدخل مباشرة في الصراع الدائر في سورية، أو لمهاجمة عدوها بصورة استباقية في لبنان. في النهاية، على الرغم من المشكلات التي تواجهه إلا أن حزب الله ما يزال عدوًا كبيرًا يمتلك قوة عسكرية مهددة، وهو قادر على إدارة حرب طويلة نسبيًا، ويمكنه إلحاق الضرر والدمار والتسبب في إلحاق أضرار كبيرة في داخل إسرائيل. علاوة على ذلك، النظرة إلى إسرائيل على أنها معتدية على سورية أو ما هو أسوأ، على حزب الله في لبنان قد تزيد مرة أخرى من مستوى الدعم للتنظيم وتوحيد البلاد ردًا على العدو المشترك. لذلك، يجب أن تكون إسرائيل حذرة، وتتجنب الانجرار إلى حرب أهلية في سورية أو الحرب في لبنان.

 

 

 

[1]  – بندتا برتي: باحثة في معهد دراسات الأمن القومي. يورام شفيتسر: باحثة في معهد دراسات الأمن القومي. 2013.

أحمد كامل الراوي

أستاذ جامعي مصري، أستاذ اللغة العبرية الحديثة وآدابها بكلية الآداب جامعة حلوان، رئيس قسم اللغة العبرية في كلية الآداب جامعة حلوان 2017، عضو لجنة الترجمة في المجلس الأعلى للثقافة 2012 – 2014، عضو جمعية خريجي اللغات الشرقية، عضو مجلس إدارة جمعية الأدب المقارن المصرية 2012 – 2016، رئيس قسم اللغات الشرقية في كلية الآداب جامعة حلوان 2014 – 2017، له العديد من الأبحاث المنشورة في كتب ومجلات عربية، والكثير من الترجمات، وله العديد من الكتب، منها: المجتمع الإسرائيلي بين إشكالية الاندماج وأزمة الهوية، دراسة في الأدب العبري المعاصر، القاهرة 2007؛ مصر في عيون الأدباء الإسرائيليين بين الواقع والخيال، القاهرة 2009. وله أيضًا العديد من الترجمات، منها: يهودية بلا إله، تأليف يعقوب ملكين، دار نشر رؤية، القاهرة 2016؛ الدولة الإسلامية راية سوداء ترفرف عاليًا، تحرير يورام شفيتسر وعومير عيناف، مؤسسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر، باريس/ إسطنبول، 2017.