تبدّلات مفهومي اليسار واليمين في أوروبا، وضرورة التمييز بينهما عند المهاجرين

من فرنسا، وفي أثناء الثورة الفرنسية، بدأ استخدام مصطلحي اليسار واليمين؛ اليساري هو من يجلس إلى يسار الملك في الجمعية العامة الملكية، ويطالب بمطالب إصلاحية تقدمية للنظام الملكي الحالي، ومن يجلس إلى يمينه كان يسمى بالمحافظ، وهذا يريد الإبقاء على النظام الحالي في صف الملك.

كانت الجمعية العامة في ذلك الزمن تتألف من ثلاث طبقات مجتمعية هي طبقة النبلاء، طبقة رجال الدين، والبورجوازية الصغيرة أي أصحاب المهن والحرفيين والعمال الذي يدفعون الضرائب، هذه الطبقة الأخيرة بمعظمها (وليس كلها) كانت تجلس إلى يسار الملك مطالبة بتحقيق التوازن بين مساهمتهم المالية في الدولة وبين قدرتهم على تغيير القوانين التي يتم إقرارها من أغلبية النبلاء ورجال الدين.

في ذلك الوقت تشكّلت الخطوط الأساسية الأولية لمصطلحي اليسار واليمين، فقد ارتبط مفهوم اليسار بمفاهيم مثل مطالبته بالمساواة (بين الأفراد)، والتضامن الاجتماعي (بين الأفراد)، والتكافؤ الثقافي الاجتماعي (بين الأفراد)، وأن تحقيق هذه العناصر الثلاثة مجتمعة “بالضرورة ” سيؤمن التقدم الاجتماعي في الدولة، ولذلك كانوا يسمون بالتقدميين، الذين يريدون، على سبيل المثال، عدالة توزيع الثروة وحفظ حقوق العمال وتأمين التعليم المساواتي للجميع. باختصار هناك عاملان رئيسان يحكمان المنهجية اليسارية: الاقتصاد والمجتمع. بشكل أولي يمكننا تقسيم الأحزاب اليسارية إلى يسار اشتراكي، وهو ما يسمى أيضًا يسار وسط، ويسار أقصى هو الشيوعية. وقد وضعت تعبير (بين الأفراد) داخل قوسين لأدلِّل على الأهمية الكبيرة لمفهوم الفرد وعدم ثبات هذا المفهوم في معرض تحليل التشابك المعقد وتحولاتهم الكثيرة بين اليمين واليسار حتى زمننا المعاصر.

ليس صعبًا إذًا أن نحدِّد المعايير الأولية لليمين الذي تتمثل مطالبه بالحفاظ على الثقافة والتقاليد (الشعبية)، الحفاظ على الأمن (الجماعي أو الشعبي)، حيث تكون حريات الأفراد متركزة أكثر، على عكس اليسار، في حرية التصرف بأمواله وممتلكاته، وبالتالي تخفيف قيمة الضرائب المفروضة عليه.

نستطيع أن نجمل هذا التوضيح الأولي للفرق بين اليمين واليسار (في نظام الجمهورية) بثلاثة أمور مهمة:

على الصعيد الاقتصادي: اليسار مع زيادة الضرائب، اليمين مع تخفيفها.

على الصعيد الاجتماعي: اليسار مع المساواة بين الأفراد، اليمين مع التراتبية واحترام أو تقدير مفهوم السلطة والعائلة.

على الصعيد الثقافي: اليسار مع التحرر من التراث وإعادة قراءة التاريخ، اليمين مع حرية الجماعة في الحفاظ على ثقافة شعبها وقيمه.

وسأترك مفهوم الحرية لتوضيحه لاحقًا، من جهة لأنه موضوع محوري، ومن جهة أخرى لأنه بالغ التعقيد.

هامش: هذا لا يعني أن اليمين لا يريد أو لا يقوم بإصلاحات في النظام السياسي، لكن الفرق في هذه المرحلة يظهر في أن اليمين يريد إصلاحات كمية، في حين يريد اليسار إصلاحات نوعية سريعة وجذرية.

لذلك تشكّل، في أثناء الثورة الفرنسية، حزبان رئيسان في فرنسا، هما اليعاقبة والجيرونديون.، اليعاقبة هم اليساريون الذين يريدون الانقلاب على النظام الملكي بشكل كامل، إحداث ثورة وتشكيل نظام على أساس جمهوري. أما الجيرونديون، فعلى الرغم من أنهم كانوا يريدون بعض الإصلاحات إلا أن إصلاحاتهم كانت كمية، وتتمثّل بتقييد سلطة الملك على السلطة التنفيذية واتخاذ القرارات، ما يشير إلى أن مطالبتهم كانت شيئًا أشبه بالتبشير بنظام كالنظام الملكي البريطاني الحالي.

بهذا المعنى، انتصر اليسار في أثناء الثورة الفرنسية، إلا أن هذا اليسار نفسه قد تحول، بعد إعلان قيام الجمهورية الفرنسية الأولى، إلى يمين سياسي لأن الأدوار قد تبدلت، كما أن المفاهيم قد تغيرت وتطورت، هذه المفاهيم الأولية التي على أساسها يمكننا إطلاق تسمية يمين أو يسار على فئة محددة أو حزب أو تيار.

من جهة، يصبح اليسار الثوري يمينيًا من حيث إنه يطالب بـ “الحفاظ” على منجزات الثورة، أي الحفاظ على الجمهورية والنظام السياسي الذي رسخه، ومن ثمّ سيتحول هذا اليسار، من يسار الملك، إلى يمين الجمهورية، والمعارضون الذين كانوا يطالبون بتعديل بعض أسس هذا النظام أو تغيير بعض القوانين أصبحوا يسارًا في الجمهورية بعدما كانوا على يمين الملك.

يُذكر أن أحداث الرعب بعد إعلان الجمهورية الفرنسية وانتصار اليسار وتسلمهم مناصب الحكم، قد تمت أكبر الاعتداءات على المعارضين لهم تحت نظام الجمهورية، فخلال مرحلة الرعب لم يسمح المحامي اليساري المنتصر روبسبير بأي معارضة له، وأراد الحفاظ على جميع منجزات الثورة الفرنسية اليسارية التي أطاحت الملك، فأطاح بعد ذلك اليساريين الجدد، اليمينيين القدامى (الجيرونديين).

أستطيع ذكر العديد من التبدلات التي حدثت، والأدوار التي تغيرت، على صعيد اليسار واليمين بعد الحرب العالمية الأولى، وبعد الحرب العالمية الثانية، وما بينهما، على الصعيد السياسي والاقتصادي، والأمثلة كثيرة إلا أن استعراضها بشكل تاريخي جاف لن يقدم الفائدة المرجوة من هذه المقالة، لذلك سأروي المراحل الأساسية التي تظهر التحولات الكبرى التي اعترت مفهومي اليسار واليمين. إن معرفة هذه التحولات لا غنى عنها لفهم تغير الاستراتيجيات الفكرية، سواء لجهة تحقيق نجاح ما، أو إخفاق ما، ليسار أو يمين ما في مرحلة تاريخية، وهي التي سيُبنى عليها لاحقًا لرسم الخطوط الثقافية التي أسَّست لبناء الأحزاب السياسية المعاصرة، اليسارية واليمينية.

من أجل فهم هذه التحولات، يجب معرفة الإيديولوجيات الفكرية والفلسفية المصدرية التي تعطينا الحق بربط فكرة ما باليمين أو اليسار، فالإيديولوجية هي مجموعة من الأفكار والاعتقادات التي تتبناها جماعة من الناس، وتنتقل بها إلى التحقيق الفعلي الواقعي عبر تأسيس حركات أو أحزاب سياسية.

سنحاول تحديد هذه الأفكار والإيديولوجيات عبر استعراضها أولًا، ومن ثم نحاول إتمام عملية الارتباط السياسي الناتج عنها.

يتنقل اليسار واليمين بين إيديولوجيات وتيارات عدة، أهمها: الشيوعية، التشاركية، الأناركية، الليبرالية، المحافظون، الإيكولوجية، وحتى الفاشية.

الأناركية: يُفهم منها أنها تدعو إلى التحرر من أي سلطة تعارض حرية الفرد الذاتية، الفرد في هذه الصيغة يدعو إلى التخلص من القوانين الكثيرة التي تقيده، ويكره السلطات والقوانين الناظمة التي يعتقد أنها تحد من الإبداع الفردي. الأناركية في هذا الصدد يمكن عدّها الشكل اليساري الأقصى.

الشيوعية: تهدف إلى جعل ملكية وسائل الإنتاج ملكية عامة، وتعارض تمامًا الرأسمالية، إنها تجعل من مذهب المساواة استراتيجية عريضة لها، تخدم فكرة أنه لا يجب أن يكون هناك تفاوتات طبقية بين الأفراد، أي تسعى لتحقيق مساواة كاملة في المجتمع بغض النظر عن التمايز بين الأفراد، وبالتالي ترى أن فكرة الثراء الشخصي أو اقتناء الممتلكات الخاصة واستثمارها لمصلحة شخصية هي أشياء سلبية، وتخلق تفاوتًا اجتماعيًا، وبالتالي اختلافًا ثقافيًا، وهو بما يحدّ، من ثمّ، من حريات الأفراد، ويفرض قيودًا ورقابة شديدين حتى على حياتهم الخاصة. وكمثال على الشيوعية هناك نظام الحكم الصيني الحالي والاتحاد السوفياتي السابق. يمكن عدّ الشيوعية الشكل اليساري الاشتراكي المقيد والموجّه ثقافيًا واقتصاديًا.

الاشتراكية: هي في الواقع أقل تقييدًا من الشيوعية، بحيث أنها تشجب التفاوت الطبقي القائم في المجتمع، وتعمل قدر الإمكان في سبيل تخفيف هذا التفاوت بين فئات الشعب، ولكنها على عكس الشيوعية، لا تهدف إلى حرمان الأشخاص من الثراء، بل تدعو إلى توزيع عادل للثروة بطريقة تضمن المساواة الاجتماعية. إن الفرق بين فكرة العدل والمساواة، مسألة فلسفية مصدرية سنتعرض لها لاحقًا عند الحديث عن الأشكال المعاصرة للحركات السياسية. يمكن تصنيف الحزب الاشتراكي الفرنسي كيسار وسط.

الإيكولوجية: إيديولوجيا حديثة نسبيًا، تدعو ليس إلى إدخال المفاهيم البيئية في علم السياسة وصناعة القرارات فحسب بل أيضًا إلى الانطلاق مصدريًا من فكرة البيئة، كمصدر وحيد لتحديد سياسات الدولة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهي بذلك تستطيع أن تتدخل في حياة الناس العادية واعتقاداتهم أكانوا أفرادًا أم جماعات. مثال: دعا الحزب الإيكولوجي في فرنسا مؤخرًا إلى عدم وضع شجرة الميلاد في أعياد الميلاد ورأس السنة بحجة أنها ضدّ البيئة، ودعا أيضًا إلى إلغاء مسابقة دراجات فرنسا بسبب مرافقة سيارات أو دراجات نارية تعمل على الطاقة الأحفورية للمسابقة. ويدعو الحزب أيضًا إلى تغيير وجبات الأطفال، من دون الإسناديات العلمية الموثقة، بحيث لا تحتوي على اللحم الحيواني، وبذلك، يمكن لهذه الإيديولوجية، من باب بيئي صرف، أن تهدم تراثًا أو تقليدًا شعبيًا أو ثقافة تتبناها مجموعة من الناس انطلاقًا من دواعٍ بيئية فحسب. الحزب الإيكولوجي بشكله العام يساري، ويمكن أن نضعه بين اليسار الوسط واليسار الأقصى.

الليبرالية: إيديولوجية تدعو إلى الحرية الفردية، تعتقد أن الفرد مسؤول عن أعماله، وله حق التعبير عن قدراته وأفكاره بالطريقة التي يراها من دون أي روادع مجتمعية أو أخلاقية نمطية وسائدة، وبالتالي تطالب بالحدّ من سلطة الدولة على الفرد، وكمثال عليها نذكر الحزب الليبرالي الأميركي.

يمكن عدّ الليبراليين يمينًا ويسارًا في الوقت ذاته، بسبب أنهم من جهة مع الحريات الشخصية (يمين)، ويطالبون بالحدّ من سلطة الدولة (يسار)، ولذلك نشأ مفهوم آخر هو الليبرالية الديمقراطية أو الليبرالية التشاركية التي يتعزّز فيها ذراعها المجتمعي من خلال مفهوم المساواة.

المحافظون بدورهم هم من يدافعون عن الثقافة والتاريخ والتقاليد الشعبية، ويرون أن إحلال الأمن العام هو المصدر لأي حرية فردية، وبالتالي هم يتحدثون عن سلطة القضاء واحترام القوانين الناظمة، هم بذلك يعارضون التقدميين الذين يرون أنه إن كان لا بدّ من تقدم ما فيجب إحداث انتصار على التقليد، والتخلص من أيّ عوائق ثقافية أو تراثية.

من خلال هذا الاستعراض السريع والبسيط لهذه الإيديولوجيات، يتبادر إلى الذهن سؤال أولي عند الحديث عن الديمقراطية، هل هي مفهوم يساري أم يميني؟ هل الديمقراطية مفهوم يتعلق بالفرد أم بالجماعة أم بالشعب؟ ما معنى (يسار ديمقراطي)، (يمين ديمقراطي)، (يسار ليبرالي)، (يمين ليبرالي)؟ ويبزغ أيضًا من تعريف الديمقراطية المبسّط (حكم الشعب بنفسه وعبره ولأجله) سؤال مصدري عن مفهوم الشعب؛ ما هو الشعب؟

بمعنى آخر، كيف نستطيع تشكيل الإرادة العامة الشعبية التي تتيح تحقيق الديمقراطية، والتي هي بدوها ستكون معبِّرة عن هذه الإرادة الشعبية؟

يتناول جان جاك روسو هذه القضية في كتابه العقد الاجتماعي، ويفرِّق بين الفرد والجماعة، بين الحقوق الطبيعية والحقوق المدنية. للفرد، أي فرد، حقوق طبيعية مفروضة بالفطرة علينا، ولا يحقّ لأحد التدخل فيها، وهو ما يعبّر عنه، بالصيغة الهيغلية، بالحرية الجزئية.

يقول روسو في معرض شرحه للإرادة العامة إن الحقوق المدنية شيء منفصل عن الحقوق الطبيعية، هذه الحقوق تقدم للأفراد من خلال بناء عقد اجتماعي، عندها يصبح الفرد مواطنًا، ويكتسب حقوقه المدنية في الدولة، حيث إن الحق، قانونيًا وفلسفيًا، هو آخر مرحلة في بناء هيكلية أي مجتمع منظم، فالإرادة العامة (الشعبية) أولًا، يليها التشريع المعبر عن هذه الإرادة، ثم تنصيب القوانين المجسدة لها، وأخيرًا القوانين الناظمة التي تعطي الحقوق للأفراد الذين أصبحوا مواطنين متساويين في الحقوق والواجبات.

لو توقفنا لحظة من الزمن، وحاولنا تصنيف جان جاك روسو وهيغل وفق مفاهيم اليسار واليمين لرأينا بوضوح أنهما يمينيان إن لم نقل في أقصى اليمين، فهيغل نفسه يقول إن تكامل الحرية الجزئية مع الحرية الجمعية لا يتحقق إلا في الدولة، الحرية أو الروح الكلية. بل إنه يقول إن الدولة عبارة عن محمية للأفراد، ويضيف موضحًا ومؤكدًا: بين الأفراد المتفاهمين مع بعضهم! هذا يعني أن عقدًا تفاهميًا، وقيمًا مشتركة تجمعهم، تتشكل بناء عليها الدولة، الدولة بشكلها الجمهوري. يُذكر أن الجمهورية مصطلح لاتيني res publica Res  تعني القضية التي يتم التعامل معها قضائيًا في محكمة والجزء الآخر يعني الشيء العام، ولذلك تعني الجمهورية (الشيء المشترك)، بالتحديد الشيء المشترك المنظم في دولة، هذا الشيء العام المشترك يسمى المصلحة العامة، وبناء عليها يتشكل برلمان وحكومة لتحصيلها، وقضاء لتأمينها، وسياسة عامة لتطويرها، وأخيرًا تأتي الدولة التي تأخذ هيكلية نظام جمهوري، وربما نظام ملكي.

لننظر إلى بعض شخصيات اليسار في المرحلة الزمنية ذاتها، ولنأخذ مثالًا فريدًا هو فيكتور هيغو، لقد عارض الجمهورية في البداية، ثم أصبح أشدَّ المدافعين عنها، حيث كان يرى أن الوقت لم يحن بعد لإنشاء هذه الجمهورية الديمقراطية، فالقلب يريد الملكية، والعقل يريد الجمهورية، إلا أنه كان من أشد المدافعين عن وجود الجيش الفرنسي في الجزائر قائلًا مقولته الشهيرة: نحن إغريقيو العالم، ومهمتنا تنويرهم.

يصف فيكتور هيغو نفسه بنفسه عن تحولاته السياسية والفكرية في كتابه أفعال وأقوال، حيث يقول: هذه هي المراحل المتعاقبة التي مرّ بها وعيي الذي تقدّم بلا انقطاع، ومن دون أن يتراجع يومًا: 1818 ملكي؛ 1824 ملكي ليبرالي؛ 1827 ليبرالي؛ 1828 اشتراكي ليبرالي؛ 1830 ليبرالي اشتراكي وديمقراطي؛ 1849، ليبرالي، اشتراكي، ديمقراطي وجمهوري. ويُذكر أن بداية الكولونيالية في الجزائر بدأت عام 1830 عندما بدأ هيغو يصبح اشتراكيًا.

فيكتور هيغو مثال واضح على تبدّل أفكاره من اليمين إلى اليسار الجمهوري عبر مراحل حياته، ولكن بعد سقوط الملكية وبناء الجمهورية يمكننا بناء العديد من المواقف، فالأحزاب السياسية كلها تدعو إلى الديمقراطية وقيم الجمهورية، وهناك يمين جمهوري، ومثله يسار جمهوري، هناك يمين ديمقراطي ومثله يسار ديمقراطي، إذًا لم تعد هيكلية نظام الدولة هي المعيار، ولا قيمها العليا في الديمقراطية، بل فهم أو تأويل هذين المصطلحين، أي بعبارة أخرى؛ إذا كنا نؤمن نحن الاثنان بالجمهورية والديمقراطية، إذًا على أي أسس ستوضع القوانين في الدولة، ما الأفكار الفلسفية التي ينطلق كل منا لوضع قوانين عادلة بحسب أيديولوجيته الفكرية؟

السؤال الذي يلخِّص كل شيء هو طريقة صناعة المجتمع، هنا نستطيع أن نلحظ فرقًا جذريًا بين رؤية اليمين واليسار، وبناء عليه سيختلفون تقريبًا في كل شيء يتبعه، مفهوم الإنسان وعلاقته بالعمل (تحديد مفهوم آخر للعمل)، الحرية، القدرة، الأمن والاقتصاد. فاليمين يعتقد أنه لكي يكون المجتمع أفضل، يجب أن يكون الأفراد أفضل. في المقابل، يعتقد اليسار أنه لكي يكون الأفراد أفضل، يجب أن يكون المجتمع أفضل.

سنبحث الآن من خلال هذا التناقض الجذري، تماسك أفكار كل طرف في دفاعه عن أفكاره، وربطها بالواقع الحالي، بالعودة إلى المنطلقات الأساسية الفكرية لليمين واليسار.

تقوم فكرة اليسار على أنه لكي نحصل على مجتمع سليم، يجب أن يكون لدينا أطباء، مهندسون، حرفيون، وسائر المهن الأساسية الأخرى التي تشكل خدمة ضرورية للإنسان، وبالتالي، إن من واجب الإنسان، المواطن في الجمهورية، دفع الكثير من ضرائبه من أجل تأمين المورد المالي لإنشاء البنية التحتية والخدمات التي توفر بيئة سهلة وآمنة لأي إنسان للتطور وتخليصه من العوائق المالية عبر أناس آخرين يعملون ويدفعون الضرائب، ومن ثمّ سيكون الأفراد-المواطنون، بهذه الطريقة، أفضل لأن لديهم مجتمعًا أفضل فيه الكثير من التضامن الاجتماعي.

بينما تقول فكرة اليمين: إن هذا التصور لبناء المجتمع يوتوبي وشديد المثالية، وليس فيه حنكة اقتصادية كبيرة، فاليسار يفترض وفقًا لتوزيع الثروة بهذا الشكل على باقي الأفراد، أن هؤلاء متساوون بالقدرة على العمل والإنتاج. كذلك، يرى اليمين أن اليسار يدعو إلى صرف مبالغ كبيرة مقابل فاعلية غير متناسبة مع حجم الدعم، وهذا بالتالي يؤدي إلى إثقال كاهل المواطن الذي يعمل بالضرائب الكثيرة، في مقابل آخر أقل انتاجًا ومساهمة في الدولة.

الأمر الآخر الذي يخالف فيه اليمين رؤية اليسار يتعلق بطريقة صناعة المجتمع، إذ يرى اليمين أن اليسار يخلق مجتمعًا غير تنافسي، لأنه يحد من القدرة على التطور والتنافس الاقتصادي، على صعيد الفرد وعلى صعيد المجتمع، أي أن ناتج الاقتصاد الكلي في مجتمع يخلق المنافسة، يختلف عن ناتج الاقتصاد الكلي في مجتمع يدعو إلى المساواة بغض النظر عن المنافسة في السوق المحلية أو العالمية.

يمكن أن نلخص نتائج كل إيديولوجية؛ فاليسار يريد مجتمعًا تسود فيه المساواة بغض النظر عن النوعية الاقتصادية، بينما يريد اليمين مجتمعًا تسود فيه روح المنافسة مع محافظة أقل على المساواة. لذلك يؤكد اليسار دائمًا في أغلب طروحاته على زيادة الضرائب المفروضة في برامجه الانتخابية، بينما ينادي اليمين بتخفيف حدّة الضرائب سواء أكانت على الأفراد أو الشركات من أجل تطوير سلع الإنتاج ووسائله، وأيضًا زيادة قدرة النمو.

هذا الأمر له علاقة بفكرة اجتماعية وفلسفية تقول: إننا سنخلق في الفرد، وفق وجهة نظر اليمين، روح الإبداع والتطور عندما نقدِّم له مزيدًا من الحرية وحدًا أقلَّ من الضرائب، حيث إنه، من الناحية النفسية قبل الأخلاقية، لا تمكن المساواة بين الأفراد بالنظر إلى أن طاقاتهم واحدة، بين مواطن يعمل بجد وآخر فقط ليحصل على راتبه الشهري، لا نستطيع في المجتمع اليساري تقدير جهد المواطن بشكل يتناسب مع انتاجه، لأن اليسار يرفض فكرة التفاوت الطبقي، يرفض فكرة وجود ثراء وفقر، ويدعو إلى المساواة بين جميع الناس بغض النظر عن إنتاجاتهم أو قدراتهم الشخصية.

هذا يحيلني على فكرة فلسفية مهمة أخرى؛ موضوع الأخلاق وتبدّله تاريخيًا وصولًا إلى وقتنا الحالي، العلاقة بين الفرد، الإنسان، ومفهوم العمل وطريقة صناعة المجتمع، هذه العلاقة التي ستقدم مزيدًا من الإضاءة على الفرق بين اليمين واليسار، وسأختم هذه المقالة عبر ربطها بالواقع الحالي لكليهما.

في الفلسفة الإغريقية هناك ما يطلق عليه الأخلاق السقراطية، وهي تمثِّل في عمقها الأخلاق السائدة التي كانت تميز الشعب اليوناني كمجتمع، وتميز فلاسفتهم كفلسفة، فقد كان أرسطو وأفلاطون يريان أن هناك تراتبية طبيعية للأفراد من حيث أن قدراتهم مختلفة وغير متساوية، فهناك الكائن الممنوح قدرات طبيعية أكثر من غيره، والمجتمع الجيد أو القائد الجيد في النظرية الإغريقية عن الديمقراطية ليس هو المنتخب من الشعب بل من يعطي لكل ذي حق حقه، بطريقة تتناسب مع إنتاجه، هذا يعني أن الفرد الجيد في الأعلى، والمتوسط في الوسط، والسيء في الأسفل، وهذا الترتيب كان ناتجًا عن نظرية إغريقية تقول إن ما هو تمام، هو كل شيء يحاول الاكتمال أو الاقتراب من الطبيعة الإلهية لآلهتهم، هذا يعني محاولة الاقتراب من الكمال عبر تطبيق القانون الطبيعي، محاولة الوصول إلى المثال، إتمام مثاله الطبيعي، تحقيق المثل العليا المتناسبة مع طبيعتنا هي الفضيلة بذاتها لأنها ناتج أخلاقي للفرد نابع من احترام الطبيعة الممنوحة له.

لذلك في جمهورية أفلاطون، كان الفيلسوف في المرتبة الأعلى حيث يمثل الذكاء والعقل، وهو يوجد في أعلى الرأس، إنه (النوس noûs)، وفي الوسط هناك الفضيلة مثل الشجاعة، وإقدام المحاربين والجنود الذين يحمون المدنية، وهذه المشاعر مرتبطة بالإرادة أي بالشجاعة والغضب والخوف، وكل ما يتعلق بالقلب في وسط جسم الإنسان، وهو مفهوم يطلق عليه الـ Le thumos، وفي الأسفل هناك العمال والمهنيون الذين يزوِّدون المجتمع بالأشياء الضرورية والأولية epithumia  حيث الشهوة المادية والعمل الجسدي.

قد يجد القارئ أنه لا اختلاف جذريًا في واقعنا المعاصر عن التصنيفات الاجتماعية والطبقية التي كانت موجودة قبل ألفي عام في زمن الإغريق، وأننا بشكل ما نطبِّق هذه المفاهيم الفلسفية في الحكم أو التصنيف على باقي الأفراد، فنعطي أحكامًا من قبيل: هذا يمتلك ذكاءً أكثر من غيره، ذلك شجاع أكثر من الآخر، وهناك من يعمل بجد أكثر من شريك له في العمل ذاته، بل نقول بكل رضى أخلاقي: الرجل المناسب في المكان المناسب، وفي الوقت نفسه نطالب بالمساواة! التي تعني شيئًا مختلفًا فلسفيًا عن العدالة.

هذا يعني أيضًا أننا نمارس تراتبية أخلاقية ربطًا مع القدرات الطبيعية الموجودة في كل فرد، بما يعني أننا نعطي الرضى الأخلاقي لذواتنا عندما نقول: لكل ذي حقٍّ حقّه، أو كل امرئ يحاسب على عمله، ومن ثم نخرج برضى أخلاقي وضميري في أننا نعطي قيمة أخلاقية عادلة، في مقابل قدرات طبيعية وإنتاجية مختلفة للأفراد.

لذلك كانت الفضيلة لدى الإغريق ليست في معاداة الطبيعة، بل في إعطائها حقها، بمعنى التناسب والتقويم؛ جعلها قدراتنا الطبيعية مقوّمة هي عين الفضيلة.

يذكر أن هذا التعبير (عين الفضيلة) هو مصطلح شائع نستخدمه يوميًا، ويعود إلى فلسفة أرسطو، فهو من أطلق هذا المصطلح، بمعنى العين الممتازة والمقوّمة، أي العين التي تستطيع تقويم الأشياء، إرجاعها إلى أصلها لتناسب قانونها الطبيعي. وهذا يختلف عن تعبير العين البصيرة أو الثاقبة المرتبطة بمفهوم آخر يختلف عن تقويم القدرة، أي الذهاب أو النظر إلى أبعد مما هو مرئي أو ظاهر، كما أنها لا تعني “عين الوسط” بما يعني أنها وسطية كما فهمها محمد عابد الجابري حتى ولو قال أرسطو إنها عين بين طرفين حادين. لن أطيل الشرح هنا لأن هذه الفكرة تحتاج إلى مقالة أخرى لتوضيحها بشكل تفصيلي.

إلا أن هناك مفهومًا مهمًا جدًا، يستخدم في أدبيات بعض المفكرين، وسائد أيضًا في حياتنا العامة، مفاده أن الارستقراطي، ومن هو في الأعلى وفق التصنيف الأفلاطوني، هو شخص لا يعمل، وأن الأشخاص في الوسط والأسفل فحسب هم من يعملون. فالشخص في الأعلى، حيث يوجد الذكاء والعقل والحكمة، يقوم بممارسة تمرين للعقل، وهذا شيء يختلف جذريًا عن مفهوم العمل، وعن مفهوم الطبقة العاملة، ومرتبط تمامًا بفلسفة الإغريق عن الفضيلة التي ترى أن الفرد عبارة عن قدرة طبيعية ممنوحة له، وهذا يعني أنه لا يقوم بتحويل قدرته الطبيعية إلى عمل، بل يقوم فقط بتقويمها وجعلها مثالية، وهذا يمرّ عبر التمرين، إنها محاولة لالتقاط الحدّ المثالي لطاقته، إنها محاولة نشاط، وبمعنى أصح هي عملية تنشيط وإعادة شحن وتحديث، ما يؤدي إلى زيادة جودة هذه الطاقة الطبيعية. أما من خلال العمل، فإننا نحوِّل كامل هذه الطاقة والقدرة، أي إننا نقوم بتحويل طبيعتنا كلها، وذواتنا معها، إلى عمل، وهذا شيء يتنافى مع الأخلاق الأرسطية.

هذا المفهوم الأرسطي والأفلاطوني ظلِّ سائدًا حتى قيام الثورة الفرنسية، إذ حصل انقلاب في المضمون على هذا النوع من الأخلاق، فأصبحت الفضيلة والأخلاق تعني من جهة التحكم في الطبيعة والجسد، بل ومعاداتهما، ومن جهة أخرى فرض مفهوم العمل نفسه بشكل معاكس لمفهوم العمل الأرسطي، فأصبح تقدير الأشخاص لا يحدث بناء على قدراتهم الطبيعية المولودة معهم وعملية تقويمها وتنشيطها، وأصبحت الأخلاق الجيدة تعني محاسبة الأشخاص على نتائج أعمالهم مهما اختلفت قدراتهم الطبيعية. هذا يعني أنه قد تم تحييد العامل الطبيعي في مفهوم العمل، وأصبح الإنتاج متناسبًا مع كمية العمل، بعد أن كان سابقًا متناسبًا مع القدرة أو النوعية.

لذلك، كان الشعار الأول للثورة الفرنسية هو: المساواة بين الأفراد، لأن طبيعتهم أصبحت واحدة، وأصبح الفيلسوف ورجل الدين في الأعلى على درجة المساواة نفسها مع العامل والحرفي في الأسفل. من هنا بدأ مفهوم آخر للعمل؛ عليك أن تعمل بجد بعد أن حصلت على المساواة، ومنه ستحصل على المكانة الاجتماعية المتمايزة عن الفرد الآخر. بمعنى آخر، لم يعد للذكاء والحكمة قيمة أخلاقية هنا، لقد أصبحت كمية العمل والمثابرة هما من يعطي القيمة الأخلاقية على التساوي بين عامل نظافة وباحث في محطة فضاء دولية.

هذا ينسحب على أسلوب التعليم في المدارس، فأصبح تقويم الطالب على سبيل المثال يجري بناء على الجهد المبذول الذي يقوم به، وليس بناء على ذكائه. يستطيع المرء أن يجد علامات مدرسية أو جامعية كتحصيل أعلى لطالب مجتهد مع أخلاق أرسطية أقل، من طالب آخر يحمل قدرًا أكبر من الذكاء والقدرة، ولكنه أقل عملًا. بناء عليه، من الممكن أن نفهم التغيرات في المعايير السائدة كنتيجة لهذا النوع من التفكير، تلك المعايير الجديدة التي تحكم السوق الاجتماعي ومسألة التكافؤ الاجتماعي والمساواة بين الرواتب وجودة السلع، وغيرها.

كان أفضل من يعبر عن هذا الأمر هو الفيلسوف فريدريك نيتشه الذي أرسل في عام 1887 رسالة إلى صديق له يصف مدرسته Royal Porte College ونظام التعليم فيها التي دخلها لمدة ستّ سنوات، من عمر 14 عامًا إلى العشرين من عمره، وهي مدرسة تحكمها قواعد صارمة في اللوائح الداخلية كما إنها نخبوية للغاية، حيث كانت إحدى اللوائح تنصّ على تنازل الآباء عن جميع حقوقهم الأبوية لهذه المؤسسة لتهتم بالتعليم الأخلاقي والروحي لأطفالها، حيث يقول:

وفقًا للنظام الطبيعي السائد في مؤسسة مبدئية. من يريد الأشد اجتهادًا يحتل المرتبة الأولى، من يتبع الأخلاق مرآة جميع الفضائل، الثاني، وأما الكائن الاستثنائي، الثالث فقط!

إلا أنه مع ذلك سوف يلقي نظرة إيجابية وممتنة لسنوات تكوينه، وسيعتبر أن الانضباط والصرامة وضبط النفس الذي تتطلبه المؤسسة التعليمية هي الوحيدة القادرة على إنشاء شخصيات قوية، بقوله: إن مثل هذه المدرسة ضرورية لكل شيء.

في هذا السياق إذًا، حُوربت الطبيعة البشرية بمحاولة تشويهها؛ بمعنى أن الإنسان إذا تُرك على طبيعته فإنه سيتكاسل وسيفكر في نفسه فقط، لذلك عليه التحكم في نفسه والانتصار على طبيعته، وهذا يتم بتحويل هذه الطبيعة المتكاسلة كلها إلى عمل، تحويل طبيعة الإنسان نفسها إلى إنسان يعمل فحسب.

إن تحليل ايريك فروم لمفهوم الإنسان عند ماركس يوضح نظرة اليسار العميقة للإنسان وعلاقته بالعمل، حيث يقول: إن الطريقة التي يعبِّر بها الأفراد عن حياتهم هي التي تحدِّد كينونتهم. ما “يكونونه” يتطابق إذًا مع إنتاجهم، مع ما ينتجون ومع الكيفية التي ينتجون من خلالها. بالتالي، فإن طبيعة الأفراد تعتمد على الشروط المادية التي تحدِّد إنتاجهم.

طوّر اليسار من خلال هذا المفهوم، بدءًا من ستينيات القرن الماضي في زمن الحرية الليبرالية المطلقة اليسارية، مفهومًا ثقافيًا أصبح سائدًا حاليًا، إذ يرى اليسار، انطلاقًا من مبدأ المساواة والتكافؤ، أن هناك مساواة ثقافية بين الشعوب، وليس هناك أفضلية لثقافة على أخرى. لم يعد النوع أو الجودة أو التاريخ أمورًا مهمة، فالآخر أصبح مساويًا لنا، لأنه مختلف فحسب. المفهوم الآخر هو مفهوم الفردانية المطلقة، بمعنى أن الأخلاق الفردية يجب أن تكون متساوية في القيمة، أي ليس هناك حكم أخلاقي ولا تفضيل أخلاقي لتصرفات الأفراد وأفكارهم. يُذكر أنه في تلك المرحلة، وكنتيجة لهذا النوع من التفكير، تم التوقيع من جانب عدة مفكرين وفلاسفة يساريين مشهورين، مثل ميشيل فوكو وجاك لاند (رئيس معهد العالم العربي في باريس) وجان بول سارتر، على المصادقة على فكرة ممارسة الجنس مع أطفال بما أنها فكرة متناسبة مع فكرة الإخلاص المطلق للذات الفردية، بمعنى بما أنه هناك حرية للأفراد، وبما أن هناك مساواة ثقافية وأخلاقية بين جميع الأفراد، فهذا يعني أن ناتج أعمالهم وشهواتهم هي في موضوع المساواة ما دامت متطابقة مع أخلاق الفرد الفردانية ورغباته.

من هنا بدأ الفصل الجذري السياسي والثقافي بين اليمين واليسار، بين حرية فردية مطلقة ينادي بها اليسار بغض النظر عن التمايز الثقافي لأنهم في الحكم الأخلاقي يعاملون بالمساواة، وبين اليمين الذي ينادي بحرية فردية متوافقة مع قيم عامة شعبية تحكمها الأخلاق المكونة لمجتمع متماسك له تاريخ وقيم مشتركة.

ينادي اليسار بفتح الحدود وجعل العالم قرية واحدة لأن البشر متساوون في جميع أنحاء العالم ولهم حرية التنقل والهجرة والسفر، بينما اليمين ينادي بضبط الحدود والحفاظ على التمايز والاختلاف الثقافي للشعوب وتنظيم الهجرة واحترام تقاليد وثقافة البلد. يعتقد اليسار أنه لا توجد ثقافة خاصة ببلد ما، بمعنى أنها ليست شيئًا تاريخيًا وناتجًا عن مراحل تطور شعب ما، ويرى أن الثقافة نتاج مجتمعي لأفراد، نتاج تواصلهم في بقعة جغرافية متقاربة، تحدِّدها طرق ووسائل إنتاجهم التي تشكل ثقافة المجتمع المتغيرة باستمرار. بينما اليمين يعتقد أن هناك أفضلية لحضارة أو ثقافة شعب ما على شعب آخر، ناتجة من تاريخ طويل من القيم المشتركة والممارسات لشعب موحد في إطار هذه القيم التي تشكل إرادة عامة تسمى الديمقراطية، أي أن الديمقراطية وفق اليمين هي إرادة عامة لشعب تجمعه قيم ثقافية مشتركة. بينما بالنسبة إلى اليسار، الديمقراطية هي إرادة مشتركة، تشاركية لأفراد يعملون بغض النظر عن اختلافاتهم الثقافية.

يعتقد اليسار أن المكانة الاجتماعية تحدِّدها كمية عمل الفرد، بينما اليمين يعتقد أن المكانة الاجتماعية منفصلة عن كمية العمل، لكنها ترتبط بقيمته، وتحدِّدها قيم الفرد الثقافية والأخلاقية. يعتقد اليسار أن مفهوم الوطن ليس مفهومًا ثقافيًا، بل هو المكان الذي يسمح لك بأن تعمل لتعيش بحرية. اليسار ينادي بحرية من نوع: كن أنت، (مفهوم سقراطي يعني التطابق والمثال مع الذات). أما اليمين فينادي بحرية من نوع: أنت كائن يجب أن تتجاوزه بمعنى: أنت تصبح، وليس أن تكون، مفهوم الصيرورة وليس الكينونة. لذلك يعتقد اليمين أن مفهوم الوطن ثقافي، وأن الثقافة هي من تطور هامش الحرية، وبالتالي القدرة على العمل.

ينسحب الأمر أيضًا على الإعلام والجرائد وكتابة المقالات، إذ يمكن تحديد خطها السياسي والفكري بسهولة، إن كان يمينيًا أو يساريًا، ولنأخذ مثالًا على ذلك الفرق في كيفية التعاطي مع مفهوم الجريمة، العنف والإرهاب.

إن أغلبية ناشطي اليسار، يتناولون مفهوم الجريمة والإرهاب الحاصل في بعض مناطق أوروبا، من فكرة يسارية تقول: إن الإهمال الاقتصادي للضواحي، وللمهاجرين، والفقر، هي العوامل الرئيسية التي تؤدي إلى العنف والجريمة وربما الإرهاب، ولا يضعون العامل الثقافي لمرتكب العنف أو المجرم في تحليلاتهم. بمعنى أن هناك فصلًا بين شخصية الفرد الفكرية وبين ناتج عمله، بمعنى أنه ما دام الأفراد جميعهم على قدم المساواة ثقافيًا، فهذا يعني أن تحليل العنف يجب أن يستند فحسب على نتائج الفرد، نتائج أعماله فقط، ومن هنا ينطلق تحليل العنف على أنه ناتج لعمل ما، ليس عمل الفرد، بل هو نتيجة للشروط الاقتصادية التي حدَّدت الفرد وأوصلته إلى هذا السلوك العنفي، أي أن اليسار يعتقد أن العنف هو محصلة تخلخل الشروط الاقتصادية الإنتاجية التي أنتجت طبيعة هؤلاء الأفراد العنفيين (انظر إيريك فروم أعلاه).

يقول سارتر، بحسب مبدأ الوجودية، إن الوجود قبل الماهية، أي وجود المرء أولًا ومن ثم تتحدَّد ماهيته، يقصد، كينونته، وليس طبيعته، لأن سارتر يميز بين الشيء بذاته والشيء لذاته، بمعنى أن الأولى تعني علاقة الفرد مع نفسه، والثانية تعني علاقته مع الآخر، مع العالم المحيط، في الأولى تتحدّد هوية المرء الذاتية (كفرد مستقل)، وفي الثانية تتحدّد هويته الاجتماعية (ككائن اجتماعي). إن التمازج بين الهويتين يشكل بالنسبة إلى سارتر، حضور الشخص، شخصيته، مشروعه أمام العالم، وهو ما يسميه “الدازاين (Dasein)” وفق المصطلح الهايدجري.

إلا أن اليسار الحالي يفصل بين شخصية الفرد المستقلة، هويته الثقافية، وبين علاقته مع المجتمع، هويته الاجتماعية، ويحاول أن يلقي كل ثقله حول الشروط الاقتصادية التي تحدِّد الهوية الاجتماعية، عن طريق الوسائل المتاحة وأساليب إنتاجات الأفراد، بمعنى، أنه يريد قطع هذه الصلة بين ثقافة الفرد، وبين ناتج عمله، عنفيًا كان أم سلميًا.

يضيف اليساري شيئًا آخر في تحليله، فهو يرى أن محاولة وضع المستوى الثقافي للأفراد، خصوصًا المهاجرين، كعامل يمكن أن يؤدي إلى الجريمة أو الإرهاب، ليست أكثر من محاولة استعمارية غربية، كولونيالية وفوقية أوروبية، ولذلك يركِّز اليساريون على العامل الاقتصادي كعنصر موجِّه لتحليلاتهم، ويتهمون الآخرين الذين يحاولون وضع عامل الاختلاف الثقافي بالعنصرية أو التعالي الأوروبي. من هنا يحاول اليساري أن يربط تحليله (في محاولة لإضفاء شيء من الرؤية الثقافية المستبعدة في التحليل الأول) بصعود اليمين “المتطرف”، أي أنه في النهاية حتى فكرة العامل الثقافي، استخدمها، لا لكي ينتقد جوهر المشكلة، بدءًا من علاقة الفرد مع ذاته (هويته الثقافية)، وذلك بالابتعاد عن ذكر التمايز الثقافي للمهاجرين، بل لكي يطعن من خلالها “الفوقية الأوروبية” و”العنصرية الثقافية”. ولذلك يركِّز المهاجر واليساري كثيرًا على وصف الأوروبيين بالعنصرية والفوقية، ويحاول الترويج والبحث أيضًا عن أي جريمة حصلت في التاريخ الأوروبي، يذكّرهم كل يوم باستعمارهم، ونفاقهم، ويحاول جعلهم مذنبين عن أحوال العرب أو المهاجرين الحالية، مستعيدًا بذلك منهجية الأصولية الإسلامية ذاتها في مقاربة الأمور، الطريقة التي وصفها جورج طرابيشي بالسلفية اليسارية، أو ما يسمى حاليًا في فرنسا “الإسلام اليساري”. إن هؤلاء اليساريين، والتوصيف أيضًا لطرابيشي، مريضون بعصاب جماعي تجاه الغرب.

أما اليمين فيقدِّم تحليلًا مناقضًا للظاهرة نفسها. إنه يضع الاختلاف الثقافي وعدم اندماج المهاجر بالمجتمع الذي لديه قيم مختلفة عن قيم المهاجرين والأجانب الثقافية، خصوصًا تلك التي في بلاد العرب والمسلمين، ويقول إنها سبب أساسي لولادة العنف. اليمين يضع العامل الاقتصادي على عكس اليسار، في آخر سلم أولوياته عند محاولته لتحليل مفهوم العنف.

إن اليمين هنا يتفق مع هيغل عندما قال إن المجرم هو شخص مسلوب الإرادة، ويجب أن يحاكم المرء أولًا على السماح بسلب الإرادة، لأن الإرادة عندما تتعيَّن، عندما تصبح موضوعًا، تبدأ شخصية الفرد بالتشكل، والشخص الذي بلا إرادة، هو ذات فردية، كينونة لم تتشكل لها شخصية، أو حضور ثقافي.

هذا يعني أن إلقاء اللوم على الشروط الموضوعية التي أدت إلى عمل عنفي، ينفي حقيقة أن المرء له إرادة، أو له شخصية وحضور ثقافي. يظن اليسار أنه يدافع عن الأقليات الثقافية أو المهاجرين، لكنه في الحقيقة يطعن بهم، ويسلبهم إرادتهم الحرة، ومن ثمّ شخصياتهم، ويجعل منها، وسائل إنتاجية، ذواتًا تصدّر نفسها تحت مسمى خطاب الضحية، وبالتالي لا يعود هناك تقديم لنقد الذات قبل نقد الآخرين، وتغدو المعرفة لديهم تمثل بعدًا واحدًا، هو المستقبلات الخارجية، التي تحدِّد مصادر أفعالهم الداخلية، وهم بذلك يتناقضون حتى مع أفكار كانط الأخلاقية.

هناك اختلاف جذري آخر في الجوهر بين اليسار واليمين، أختم به هذه المقالة، هو مفهوم الحق.

إن هناك فرقًا جوهريًا بين حقوق الإنسان والديمقراطية. إن مفهوم حقوق الإنسان هو آخر سمة قانونية في دولة جمهورية، لأن الحق المدني يعطى للأفراد عندما يصبحون مواطنين في هذه الدولة عبر عقد اجتماعي يتعيّن من خلال شعب تجمعه قيم مشتركة، وهذا ما يسمى الديمقراطية. أي الديمقراطية أولًا، والحق تاليًا. ولكننا نتحدث هنا عن الحق الإنساني، لا الحق المدني. لذلك لا بدّ من توضيح الفرق بين حقوق الإنسان والديمقراطية.

ينادي اليمين بالديمقراطية أكثر مما ينادي بحقوق الإنسان، ويرى أن الديمقراطية هي في مرتبة أعلى من حقوق الإنسان.

خلال عدة عقود، استطاع اليسار تحويل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، إلى إعلان حقوق مدني ثقافي في دولة ديمقراطية، وهذا الخلط بين الحق الإنساني (الطبيعي) والحق المدني والثقافي، هو في الأساس ضد نظرية جان جاك روسو نفسها في العقد الاجتماعي كما أسلفت سابقًا.

لذلك، وانطلاقًا من مبدأ الفردانية والليبرالية المطلقة، ينادي اليسار بحقوق الإنسان أكثر مما ينادي بالديمقراطية، ويرى أن الديمقراطية يمكن أن تتشكل بشكل عكسي من خلال مساواة الأفراد بالحقوق، مهما اختلفت تطلعاتهم الثقافية والفكرية، ومهما اختلفت قيمهم الأخلاقية، ومهما كانت هناك علاقة تناقض في ممارسة الحق الممنوح لفرد لا يؤمن بالمساواة على سبيل المثال، ولا يؤمن بالديمقراطية نفسها ربما أيضًا، إلا أنه يستطيع الحصول على الحق الثقافي، بوصفه إنسانًا، وبالتالي، له كامل الحقوق، ويستطيع من خلال حقوق الإنسان هذه أن يفرض حقوقه الثقافية على الآخر، أسلوب حياته، شكل ملابسه، بما أنه لم يعد هناك قيم مشتركة، ولم يعد هناك تفاضل ثقافي أو أخلاقي (نظرية الليبرالية اليسارية في الستينيات من القرن الماضي)، ولم يعد هناك بالتالي جمهورية ديمقراطية، بل أصبحت قوانين حقوق الإنسان في مكانة أعلى من ديمقراطية شعب ما يتمتع بقيم مشتركة جمعية أعلى من الحقوق الفردانية للذوات، هذه القيم التي شكلت على أساسها الديمقراطية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان. باختصار يستطيع الحق، الذي كان أخيرًا في مفهوم الدولة، أن يتنصر على الديمقراطية التي كانت أولًا في الجمهورية.

لذلك، يقال إن أوروبا حاليًا هي أرض حقوق الإنسان، ولم تعد دولها ديمقراطية، لقد تحولت تحديدًا إلى ساحة قضائية لحقوق الإنسان، حيث يستطيع قضاة المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان على سبيل المثال أن ينتصروا على ديمقراطية شعب كامل، أكان ألمانيًا أو فرنسيًا، يصوت شعبه على عدم استقبال مزيد من المهاجرين، إذ ستقول مثلًا مجموعة من القضاة لشعب كامل: الديمقراطية الشعبية ضد حقوق الإنسان.

السوري تحديدًا يمثل قمة العلاقة الشائكة والمتناقضة بين اليسار واليمين، سواء أكان على المستوى السياسي أو الثقافي.

في هذا الصدد، تستطيع أن تجد أن السوريين في أغلبيتهم، يمينيون جدًا في وطنهم، يساريون جدًا في أوروبا.

 

ماركوس القسام

كاتب وصحافي فرنسي من أصل سوري، تحصّل على شهادة في الهندسة البترولية، وعلى شهادة الماستر في علم البيئة، مهتم بالقضايا الفكرية والفلسفية، وله كتاب باللغة الفرنسية قيد النشر.