النصر لا يأت من عبث

تترك الحرب، بطبيعتها، وبما تتسبب به من موت ودمار، أثارًا عميقةً في وجدان أي إنسان، ولا تشذ الحرب في أوكرانيا عن هذه الحقيقة، لذلك شكّل الغزو الروسي مناسبة جديدة للتنديد بالعنف بشكل عام وبالحرب بشكل خاص. وعلى الرغم من أن الرأي العام العالمي يبدو منحازًا إلى حدٍ بعيدٍ لدعم حق الشعب الأوكراني بالدفاع عن أرضه وسيادة دولته، كما تعبر عن ذلك الوقفات الشعبية الاحتجاجية، وما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك مجريات اجتماعات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، كان من اللافت، في المجتمعات الشرقية عمومًا، مدى اتساع دائرة الاختلاف في الموقف تجاه هذا الغزو، فقد تفاوتت تلك المواقف بين متفهِّم ومبرِّر ومدافع أو معجب بشخصية الرئيس الروسي وبالخطوة التي أقدم عليها وبين مشكِّك ومندِّد ومعارض لها أو له، وكما في كل مناسبة أو حدث لم تغب نظرية المؤامرة عن الحضور، ومسؤولية الغرب عن كل حدث يقع في هذا العالم.

صحيح أن الموقف الشعبي، في المشرق عمومًا وفي البلاد العربية خصوصًا، يميل إلى معارضة أو ربما معادة السياسات الغربية والأميركية بشكل خاص، إلا أنه من الواضح أيضًا مدى تأثير الآلة الإعلامية التابعة للأنظمة الحاكمة في المنطقة، المتحالفة أو الداعمة للنظام الروسي، وهذا الدور الإعلامي لم يقتصر على الحلفاء أو الداعمين التقليديين كالنظام السوري والإيراني وأتباعهما من التنظيمات مثل حزب الله في لبنان، والقوميين العرب في العراق والأردن، والتيارات اليسارية العربية بشكل عام، بل إن أنظمة أخرى بدت وكأنها تسعى للتحالف فعلًا مع النظام الروسي، مثل الإمارات العربية المتحدة والسعودية، أو إنها ربما تهدف إلى ابتزاز الموقف الأميركي في ما يتعلّق بإيران، فقد لعب إعلام هذه الدول دورًا بارزًا في التأثير في الرأي العام في المنطقة العربية. ثم أخيرًا، يضاف إلى كل هؤلاء تنظيمات وحركات الإسلام السياسي في مجملها، والتي على الرغم من أنها لم تكن داعمة لروسيا، إلّا أنها كانت في إعلامها معادية لأوكرانيا، ربما لأسباب أيديولوجية أو برغماتية. صحيح أن حرية الفرد أو الصحافة في التعبير عن الرأي والموقف من قضيةٍ ما بالقول أو الكتابة أو بالفن هي أمرٌ مقدسٌ، ومن نافل القول إن الحوار والجدل والنقاش هي من بين أبرز الخصائص التي تميز مجتمع الإنسان عن غيره من مجتمعات الكائنات الحية الأخرى، لكن هذا الحق لا يمكن الأخذ به على إطلاقه، إذ لا بدّ من أن تكون له محددات قانونية وأخلاقية، بما يضمن ألّا يتحول إلى وسيلة تجيز لأي منا تبرير الجريمة أو إنكار الحقيقة تحت حجة اختلاف في وجهات النظر، وإذ لا يخفى المعتدي على أحد، فإنه من غير المبرر أو الجائز تحميل أطراف أخرى، غير معنية مباشرة بالنزاع، المسؤولية السياسية أو الأخلاقية عما يجري، لأن في ذلك شيئًا من تزييف حقيقة النزاع، أو شيئًا من تشتيت الانتباه عن أصالة الحق المُنتهك، وعن وحشية الاعتداء المُرتكب.

أمام التطور الهائل في وسائل الإعلام وتجاوز تأثيرها لحدود الجغرافيا، وتنوع مصادر المعلومات وسهولة الوصول إليها من أي مكانٍ، كان لا بدّ لنا من الخوض في هذه المقدمة الطويلة نسبيًا عن الرأي العام العالمي والعربي والإعلام حتى نتمكن من طرح موضوعنا والذي ينحصر نقاشه حول ما يتعلق بالقضية السورية ومقارنتها بالحالة الأوكرانية.

تاريخيًا، غالبًا ما تتشابه الحروب في آثارها أو نتائجها المباشرة على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي. بالنسبة إلى السوريين، تتقاطع بعض أوجه الحرب في أوكرانيا مع الحرب في سوريا، فعلى سبيل المثال لا الحصر، أحد أطراف النزاع، وتحت القيادة نفسها، ما زال يشارك بشكل فاعل في النزاع في سوريا، وكان له دور حاسم في تغيير مجريات التاريخ فيها. يضاف إلى ما سلف التشابه في مجريات الحرب من استهداف المدنيين ومساكنهم ومصادر رزقهم وحصارهم وما نتج من ذلك من موجات هائلة من ملايين اللاجئين في كلا البلدين. مع ذلك تبقى القضية في سوريا مختلفة، فحتى وإن تشابهت الجوانب الظرفية أو مظاهر الحرب ونتائجها الاجتماعية إلى حد بعيد، فإن الجانب الموضوعي والظرف الجيوسياسي بالتحديد مختلفان كليًا، الأمر الذي يجعل من النظر إلى القضيتين بوصفهما متشابهتين، أمر غير دقيق، والانطلاق من هذا التشابه المفترض، من أجل تحليل المواقف ومقارنة ردة الفعل الدولية تجاه القضيتين، يتطلب الحذر والحيادية والدقة، وذلك منعًا من الانزلاق إلى نتائج تفتقر إلى الموضوعية.

في أوكرانيا، نحن أمام حالة غزو خارجي مباشر لبلد يقع في منطقة مستقرة نسبيًا على الصعيد الجيوسياسي، ويرتبط بعلاقات اقتصادية وثقافية وسياسية جيدة مع جميع دول القارة الأوروبية، ومحكوم بنظام سياسي منتخب ديمقراطيًا ولا شائبة في شرعيته، وكان في خضم عملية تحول سياسي واقتصادي مدعومة شعبيًا من أجل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. شكل مطلب أوكرانيا بالانضمام إلى حلف الناتو، بالنسبة إلى الرئيس بوتين، الحجة الرئيسية المعلنة لشن الغزو، وعلى الرغم من أننا لسنا في صدد البحث في أسباب الحرب، ولكن لا بدّ من الإشارة إليها على عجالة، لما لعبته هذه الأسباب من دور مهم في التضامن مع أوكرانيا كدولة، إذ إن العديد من الآراء السياسية والصحفية طعنت في صدق الحجج الروسية في تبرير الغزو، وركز كثير منها على مخاوف بوتين من التحول الديمقراطي والنمو الاقتصادي الذي تشهده الجارة الأقرب ثقافيًا إلى روسيا، وأثر ذلك في الشارع الروسي وما قد ينتج منه من مطالب شعبية بنظام حكم ديمقراطي وبنظام اقتصادي حر. هذه الصورة الواضحة والرئيسة لأسباب الحرب، بما تقدمه من دلالات عن الصراع بين الدكتاتورية والديمقراطية، بغض النظر عن الصراعات الأخرى الموازية أو الخفية أيًا كانت طبيعتها وأهدافها، شكلت رافعًا قويًا لاكتساب أوكرانيا تضامنًا عالميًا كبيرًا. لكن هنا في قضية الدعم يجب الانتباه إلى عدة عوامل أخرى أيضًا، أولًا، قضية الفرق الهائل في القوة بين الدولتين المتنازعتين، وموقفنا الإنساني الفطري بالتضامن مع الطرف الضعيف، ثانيًا السرعة الهائلة في تطور الأحداث، فخلال أسابيع قليلة كان على العالم مواجهة أزمة لجوء جديدة لنحو أربعة ملايين إنسان، ثالثًا، مكان الحرب، أي القارة الأوروبية، بما يحمل من رمزية وتأثير في الاستقرار العالمي والمصالح الدولية كلها.

ما زالت القيادة السياسية الأوكرانية، حتى الآن، تؤدّي دورًا حاسمًا في التأثير في مسار الحرب وفي نتائجها السياسية النهائية على بلادها. صمود الجيش الاوكراني أمام الآلة العسكرية الروسية وروحه المعنوية العالية، وتواصل القيادة السياسية شبه اليومي مع الشعب، وتوجيه رسائل الشكر والدعم للمقاتلين، والشفافية في نقل الخبر والمعلومات، والعمل الجاد من أجل مساعدة المدنيين وإجلاء المحاصرين وإيصال المساعدات الإنسانية، والثقة بالنفس والتحدث مع العالم بخطاب سياسي واقعي، والالتزام بالمصلحة الوطنية فوق أي اعتبار لأي علاقة مع أي دولة أجنبية، حتى أن فكرة التزام جميع أفراد الإدارة باللباس العسكري والامتناع عن الظهور بملابس رسمية للتأكيد على وحدة المصير والحس بالمسؤولية، هذه الصورة التي استفزت كثيرًا الإعلام الروسي والسياسيين الروس، كان لها تأثير بالغ في تماسك الدولة في أوكرانيا، كل ذلك لم يأت من فطرة حب الوطن فحسب أو من عبثية الاستعراض، إنما نتيجة لعمل دؤوب ومدروس ومخطط، ومن الواضح أن الإدارة الأوكرانية نجحت في الحصول على معلومات دقيقة وكانت على يقين من أنها ستواجه غزوًا روسيًا، وهذا يدلل على المستوى الحرفي في الإدارة والتنظيم والتخطيط.

على الرغم من رفض فكرة الحرب كليًا، إلّا أنها في كثير من الأحيان تصبح أمرًا واقعًا لا مفر منه، وفي حقيقة الأمر، ما يختلف من حرب إلى أخرى هو طريقة تعامل أطرافها معها، وهذا الاختلاف هو الذي يؤثر في مسيرتها ونتائجها السياسية النهائية، أو بكلام آخر، هو الذي يرسم الطريق نحو النصر أو الهزيمة. هذه الحيثية، أي طريقة التعامل مع العدوان، قد تكون العنصر الأكثر أهمية لنقاشه بالنسبة إلى السوريين، فطرحها قد يساهم في تبيان مكامن العيوب في أدائهم السياسي، وأسباب فشلهم حتى الآن في إدارة قضيتهم.

لا خلاف حول الدعم الغربي الكبير لأوكرانيا، ولا سيّما الأميركي، ودوره في مجريات النزاع، وهذا أمر يعلنه المسؤولون الأوكرانيون والغربيون من دون أي حرج، ومن المؤكد أن هذا الدعم يصل بنوعيه، المادي بالسلاح والعتاد، واللامادي بالمعلومات الاستخباراتية والتدريب ووضع الخطط العسكرية والسياسية أيضًا، لكن بالتأكيد لم يكن لأي دولة أن تقدم شيئًا من الدعم لو أن الإدارة السياسية الأوكرانية تخلت عن مسؤولياتها واختارت الهرب واللجوء إلى خارج البلاد، كما وقع في أفغانستان عندما هربت القيادة السياسية تاركةً الجيش والشعب في مواجهة قوات طالبان، أو لو أنها تبنت خطابًا لا وطنيًا أو أيديولوجيًا، دينيًا أو غير ديني، لا يتقاطع مع قيم حقوق الإنسان ومبادئ الحرية والكرامة الإنسانية، كتلك الخطابات التي تبنتها معظم التنظيمات السياسية السورية وجميع التنظيمات العسكرية.

في سوريا نحن نتحدث عن قضية نزاع داخلي في منطقة جيوسياسية غير مستقرة ومعقدة في علاقاتها وتقاطع المصالح فيها، وهذا الأمر كان له أثر عميق في طريقة التعامل الدولي الحذرة والمترددة مع هذه القضية، هي انتفاضة شعبية ضد نظام ديكتاتوري، تحولت إلى ثورة، ثم في ما بعد إلى حرب داخلية تدخلت فيها جميع دول الجوار والعديد من الدول الإقليمية والدول الكبرى، وتصاعدت حدة الأحداث فيها بشكل تدريجي وعلى مدى عدة سنوات، وبالوتيرة نفسها تصاعد أيضًا ما نتج عنها من قتل ودمار وموجات لجوء. لا يمكن إنكار ما تلقته الثورة السورية من دعم معنوي وتضامن عالمي واسع، إبان انطلاق التظاهرات الشعبية ضد نظام الحكم، وإن لم يصل ذلك إلى ما حاز عليه الشعب الأوكراني بسبب ما أشرنا إليه سابقًا من عوامل فارق القوة وتسارع الأحداث والظرف المكاني.

لم تنجح المعارضة السورية في تنظيم نفسها ضمن هيئة سياسية واحدة تمثل مختلف أطياف الشعب السوري أو على الأقل أغلبيته أو حتى مجرد عدد لا بأس به من التيارات الفكرية والسياسية. افتقر أداء تنظيمات المعارضة السورية إلى حس المبادرة والثقة بالنفس، وهي ظلت بعيدة عن قواعدها الشعبية ومعزولة عنها، فتحولت في معظمها إلى مجموعات سياسية محكومة بتأثير الدول الراعية لها ماديًا، لا بالمطالب والرغبات الشعبية. في الجانب العسكري، لم تكن قوى المعارضة المسلحة بأحسن حال، فهي لم تكن، كما يفترض أن يكون في كل حركة مسلحة، تابعة لقيادة سياسية أو ملتزمة بما تطالب به أو تعلنه المعارضة السياسية، بل كان لمعظمها مناهجها الفكرية الأيديولوجية الخاصة، بل إن بعضها لم يكن لديه أي منهجية سياسية أو فكرية، أي أنها كانت مجرد حالة من ردة فعل عفوية دون أي رؤية، وكانت في معظمها حركات محلية عفوية أو حركات أيديولوجية عابرة للحدود، وقد تلقت جميعها دعمًا خارجيًا مقابل تنازلها عن قرارها السيادي لمصلحة أجندة الدولة الأجنبية الممولة، وبالتالي غالبًا ما كانت أهداف ومصالح القوى المسلحة مختلفة عن تلك التي تتبناها القوى السياسية. هذه النقطة الأخيرة يستثنى منها حالة عدد كبير من العسكريين السوريين الذين انشقوا عن النظام، والذين تُركوا من دون أي دعم وجرى أضعافهم وتهميشهم والقضاء عليهم بشكل ممنهج.

لكن الأخطر في كل ما ذكرناه هو أنها، أي المعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري، لم تتمكن حتى اليوم ومنذ العام 2011 من الاتفاق على رؤية وطنية شاملة لمشروعها السياسي، هذه الرؤية التي كان وما يزال وجودها ضروريًا قبل الدخول في أي حوار أو مفاوضات مع النظام الحاكم أو مع غيره من الدول المنخرطة في القضية السورية، من أجل أن تكون هذه المعارضة قادرة على تنظيم نفسها، وعلى تحديد أهدافها ومطالبها التي تخدم تحقيق رؤيتها الوطنية، وعلى معرفة جيدة بمدى ضرورة التمسك بهذه الأهداف أو المرونة في التفاوض عليها بما يخدم فعلًا قضية الشعب السوري، لا قضايا ومصالح أخرى. في مناسبات شخصية عديدة، كان رد بعض قيادات المعارضة السورية على مطلب وضع مشاريع عمل، أنهم أحزاب وتنظيمات سياسية وليسوا منظمات مجتمع مدني، وكأن فكرة وضع مشروع عمل هي حكر على العمل المدني وليست أساس عمل الدول والشركات الكبرى في العالم، وهذا يدلل بشكل فاضح على مدى الجهل الذي تعانيه هذه المعارضة في علوم الإدارة والتنظيم والتخطيط.

العمل المنظم، الذي ظل الغائب الأكبر في الحالة السورية، لا غنى عنه في أي عمل سياسي، وما دامت المعارضة السورية بعيدة عن وضع رؤية وطنية شاملة، سيظل العمل المنظم غائبًا، وستظل الفوضى واللا جدوى يسمان عملها، ويجعلان منها مطية لمصالح الدول الأجنبية.

مهند البعلي

ناشط حقوقي سوري في مجال حقوق الإنسان والمنظمات المدنية غير الحكومية، محامٍ متخصِّص بقانون الأحوال المدنية وقضايا مكتومي القيد، وعديمي الجنسية، والزواج المختلط. لديه بحث في واقعة الولادة في القانون السوري لنيل لقب أستاذ في المحاماة ٢٠١٠، معاون مدير الأحوال المدنية في وزارة الداخلية ٢٠٠١ – ٢٠٠٨، عضو مؤسِّس في تجمع المحامين الديمقراطيين عام ٢٠١١، منسِّق مشروع الشبكة السورية لبناء السلام ٢٠١٢ – ٢٠١٣، مدير العمليات في منظمة ايتانا للتوثيق ٢٠١٤ – ٢٠١٥، عضو مجلس إدارة تجمع منظمات حقوق الإنسان في مدينة انجيه في فرنسا منذ العام ٢٠١٥، ناشط في منظمة فرنسا أرض اللجوء منذ العام ٢٠١٨.