ورقة خلفية للعدد السادس من مجلة (رواق ميسلون) السلطة والعنف

تُعَدُّ العلاقة بين العنف والسلطة علاقة قديمة قدم المجتمع الإنساني، فقد شهدت المجتمعات الإنسانية في مختلف مراحل تطورها أشكالًا مختلفة من العنف، وقد استُخدم العنف بصورة خاصة في الحقل السياسي حيث كان أحد أدوات السياسة الأولى لامتلاك السلطة وإخضاع الخصوم وتأسيس مجتمعات معينة أو هدم أخرى. ولا يزال العنف يُستخدم حتى يومنا هذا من جانب السلطات الديكتاتورية وسيلةً لفرض السيطرة وبثّ الرعب في أنفس الأفراد والتحكم في جميع جوانب حيواتهم. غير أن لجوء هذه السلطات إلى العنف لا يقتصر على رغبة في التحكم والسيطرة، فالسلطة تستمد شرعية وجودها من خلال العنف نفسه. في هذا الصدد تقول حنّا أرندت: “إن كانت السلطة لا تحتاج إلى تبرير، فإن العنف هو ما يبررّها ويجعلها مسيطرة. فلا يمكن تصوّر سلطة من دون استحضار عتادها العسكري والأمني الذي تطبق به عنفها المشروع”.

يبدو عمومًا أنّ ما هو سياسي يحمل حكمًا في جوهره مفاهيم الإخضاع والسيطرة والعنف. تذكر أرندت في مؤلّفها (ما السياسة؟) أن السياسة “ضرورة قهرية للحياة الإنسانية، سواء تعلق الأمر بالوجود الفردي أو الجماعي”، فالأفراد في أيّ مجتمع يشتركون في هدف وجودي يتمثّل بالعيش في سلام داخل دولة سياسية تملك شرعية استخدام العنف لمنع حرب الكلّ ضدّ الكلّ. فتطبيق القانون وحفظ الأمن يحتاجان إلى سلطة تمارس العنف أحيانًا، فإن “كان جوهر السلطة ممارسة القيادة، من الواضح أن ليس ثمة سلطة أكبر من تلك التي تنبع من فوهة البندقية” كما ترى أرندت.

من ناحية أخرى، ليست العلاقة بين العنف والسلطة علاقة مباشرة أو ثابتة، فهي علاقة سياسية اجتماعية بصورة أساسية، وإن كانت في جزء منها علاقة نفسية أيضًا، وقد يتقارب طرفا هذه العلاقة أو يتباعدا تبعًا للأفكار والإيديولوجيات السائدة. وقد بدأ التباعد بين طرفي هذه الثنائية بصورة خاصة مع نشوء الدولة الحديثة وظهور الأفكار العقلانية والإنسانية وأنظمة الحكم الديمقراطية، ما أدى إلى تطوير مفاهيم عدة في العنف السياسي لتنظيم العنف ووضع قواعد وقيود قانونية على استخدامه، على عكس النهج الذي اعتمدته الأنظمة السياسية التسلطية والقمعية التي تهدف إلى تعطيل القوانين من أجل تشريع استخدام العنف وتقليص حريات الأفراد ورغباتهم، كما في العديد من الدول العربية، حيث تحضر ثنائية العنف والسلطة حضورًا قويًا فعالًا يتجسد بصورة أساسية في صعود المؤسسة العسكرية إلى الحكم واحتكارها السلطة والسلاح والعنف.

وعلى الرغم من ذلك، يبقى هذا التباعد موضع خلاف، ففي حين ترفض طائفة من المفكرين المطابقة بين السلطة والعنف وترى أن العنف ليس ملازًما للسلطة، تماثل طائفة أخرى بينهما من خلال التركيز على ولادة أشكال العنف البنيوية المتطورة والمتغلغلة في المجتمع. وتبقى العلاقة الجدلية بين السلطة والعنف قائمة باستمرار، وتزداد تعقيدًا مع ظهور العنف المضاد الذي يستمد قوته وكثافته من عنف السلطة نفسه، ما يحيلنا إلى المجال الأخلاقي الذي يتقاطع هنا مع السياسي والذي يطرح أسئلة حول طبيعة السلطة نفسها، أشكال العنف المختلفة التي قد تمارسها السلطة، منابع العنف، مدى شرعية العنف أو عدم شرعيته، وارتباط ذلك بطبيعة الأنظمة السياسية.

إن ظاهرة العنف السياسي حاضرة بقوة في المنطقة العربية، فالسلطات السياسية في المنطقة تقوم منذ عقود على العنف السياسي، وهي تاليًا في حاجة إلى التحليل والدراسة والمقاربة المنهجية. في هذا السياق، يسرّ مجلة رواق ميسلون دعوتكم إلى المشاركة في هذا العدد من خلال تقديم ورقة بحثية أو مقالة في أحد المحاور الآتية:

  • علاقة العنف بالسلطة.
  • أشكال العنف السياسي الشرعي وغير الشرعي.
  • العنف بوصفه فعلًا إقصائيًا للممارسة السياسية العقلانية.
  • العنف السياسي المادي والرمزي.
  • العنف في التقاطع بين الأخلاق والسياسة.
  • التمييز بين العنف السياسي والصراع السياسي.
  • العنف والعنف المضاد.
  • العنف بين الأنظمة الديمقراطية والأنظمة التسلطية.
  • أيديولوجيا العنف السياسي؛ الخطاب السياسي العربي، الرسمي والمعارض، وارتباطه بالعنف.
  • العنف والمؤسسة العسكرية الأمنية في المنطقة العربية.
  • الأبعاد السوسيولوجية والثقافية للعنف السياسي في المجتمعات العربية؛ ألا تشكل الانتماءات الدينية والقبلية والطائفية، في ظل عدم تحييدها سياسيًا، مواردَ غنية لإنتاج العنف السياسي؟
  • كيف يمكن التحكم في ظاهرة العنف، المجتمعي والسياسي، في سياق الانتقال الديمقراطي؟

 

 

هيئة التحرير