إلياس مرقص والعمل الفدائي

مقدمة

تنتمي كتابات إلياس مرقص إلى ستينيات القرن العشرين وسبعينياته، وهي مرحلة خطرة وصاخبة وتأسيسية؛ فقد أسست تلك المرحلة المداميك الأولى لما يجري اليوم في عالمنا العربي من تمزقات في الهوية وتصدعات في بنية الدولة الوطنية الحديثة الاستقلال، التي فشلت في إنجاز عملية الاندماج الوطني، وحل المسألة القومية (الوحدة وتحرير فلسطين)، وفي الانتقال من حالة اللادولة إلى حالة الدولة. وسجالات تلك المدة ومجادلاتها الكثيرة معظمها كانت تجري في سياق التحولات الفكرية والسياسية المتسارعة من البعث إلى الناصرية (عبد الله الريماوي وجمال الأتاسي وفؤاد الركابي) أو من الفكر القومي إلى الفكر الماركسي مثل تحول مجموعات من البعثيين إلى الماركسية بعد انفراط عقد الوحدة المصرية – السورية في عام 1961. وفي هذا السياق ظهرت (حركة لبنان الاشتراكي)، من مؤسسيها أحمد بيضون ووضاح شرارة وفواز طرابلسي ومحمود سويد وآخرون، وكذلك (منظمة الاشتراكيين اللبنانيين)، وهي مجموعة كانت تنتمي إلى حركة القوميين العرب، وتحولت بالتدريج من الناصرية إلى الماركسية، ومن أركانها محسن إبراهيم ومحمد كشلي وغيرهما، وقد اندمجت هاتان المجموعتان في سنة 1971 تحت اسم (منظمة العمل الشيوعي) في لبنان. وعلى هذا الغرار ظهر (حزب العمال الثوري العربي) على أيدي ياسين الحافظ وحمدي عبد المجيد وراتب نشواتي وطارق أبو الحسن وغيرهم، ممن كانوا أعضاء بارزين في حزب البعث العربي الاشتراكي. لكن هذه التحولات سرعان ما تصدعت؛ فتعرضت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لانشقاق قاده نايف حواتمة، واتخذ اسم (الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين) بذريعة استقلال التيار الماركسي عن التيار القومي التقليدي، وانشقت مجموعات كبيرة من الشيوعيين العراقيين عن حزبهم ليشكلوا الحزب الشيوعي – القيادة المركزية (عزيز الحاج وبعض رفاقه)، وانشق الحزب الشيوعي السوري على نفسه ليظهر جناح (المكتب السياسي) (رياض الترك)، على خلفية المسألة القومية. واللافت أن اليسار العربي الجديد لم يظهر في مجرى تحولات اليسار الشيوعي القديم، بل ظهر نتيجة الهزة العميقة التي أحدثها انفكاك الوحدة السورية – المصرية في سنة 1961، ثم، وبقوة كبرى، نتيجة لهزيمة الخامس من حزيران/ يونيو1967([1]). وكانت الماركسية آنذاك ملجأ أيديولوجيًا بعدما تخلخلت ركائز الفكر القومي بنسختيه البعثية والناصرية. وذاك اليسار الجديد (كان، في أحد وجوهه، رد فعل ضد حالة سابقة، ضد الأحزاب الشيوعية السوفياتية الاتجاه، يرافقه بعض التعاطف المفهوم والمشروع مع الصين، ومع العالم الثالث، وميل ما إلى مناهضة الاتحاد السوفييتي (…). ولكن هذا النَفَس- مناهضة الاتحاد السوفياتي – يشوه الرؤية)([2]). ومع ذلك يصف إلياس مرقص ظهور المد اليساري والمد الفلسطيني والأحزاب الشيوعية الجديدة بـِ (فوشة وهوشة) (أي معارك بلا قيمة)، ويرى فيها تعويضًا عن إلياس وهربًا من شعور اليأس لدى كثيرين. وهذه (الفوشة والهوشة) تحولت، بحسب رأيه، إلى تيار من الشباب فاقد الصبر([3]).

كانت عُدة السجال في تلك المرحلة القراءة؛ مَن يقرأ أكثر، أو يعرف لغات أجنبية أكثر، يُسّجل نقاطًا في شباك خصمه. وكان إلياس مرقص مستغرقًا في القراءة، بل غارقًا في الكتب والمجلات والمنشورات بصنوفها المختلفة، خصوصًا أنه يجيد الفرنسية والإنكليزية. وبهذه الصفة صار حجة في اللينينية وفي تاريخ روسيا والدول الاشتراكية، وفي الثورات العالمية وخلافات الماركسيين. غير أن هذه العُدة لم تلبث أن نبت، بسرعة. فما إن اندلعت الحرب الأهلية في لبنان سنة 1975 حتى صمتت المجادلات الماركسية معظمها، وحلّ في محلها الكلام على الطوائف والتدخل الخارجي وإسرائيل والعمالة وإجهاض اليسار الثوري.. إلخ. وهكذا طاحت الحرب الأهلية في لبنان كثيرًا من هذه المجادلات. ولما زار الرئيس المصري أنور السادات القدس في 19/11/1977 (تشقلب) كل شيء، وبدأ عصر التصالح مع إسرائيل وخروج مصر من الصراع العربي – الصهيوني. وقد جعلت سنة 1979 من الأفكار الماركسية واللينينية العربية بضاعة منتهية الصلاحية، وفي مجراها انفرط عقد الميثاق القومي بين العراق وسورية، وانتصرت الثورة الاسلامية في إيران، واجتاح الجيش السوفياتي أفغانستان الأمر الذي أدى إلى إشعال جمار الجهاد في أفغانستان. وهذا الحدث، معطوفًا على الثورة الايرانية، أدى إلى تحوّل مجموعات كثيرة من اليساريين العرب والمفكرين العرب إلى الاسلام أمثال عادل حسين ومحمد عمارة ومنير شفيق وعادل عبد المهدي وآخرين كثيرين غيرهم.

تزامن رحيل إلياس مرقص([4]) عن هذه الدنيا مع اندثار الاتحاد السوفياتي، وبداية عصر أميركي جديد تمثل في منطقتنا بالحرب الأميركية على العراق في سنة 1991، بذريعة إخراج الجيش العراقي من الكويت التي اجتاحها في 2/8/1990. ولهذا لم يشهد التبدلات الهائلة في السياسة والثقافة والعلم، التي اجتاحت العالم كله، وعصفت به أيما عصف، وكان من بين تجلياتها ثورة المعلومات وصعود الهويات الإثنية والقومية والطائفية والإرهاب التكفيري وانفجار الصراعات المذهبية في العالم العربي، ولا سيما في العراق واليمن والسودان ثم سورية ومصر، علاوة على توقيع إعلان المبادئ الفلسطيني – الإسرائيلي (اتفاق أوسلو) في حديقة البيت الأبيض في واشنطن في 13/9/1993. ولو عاش إلياس مرقص حتى أيامنا هذه لربما (فقع) من القهر بعدما تخلت الأحزاب الشيوعية العربية عن تاريخها الحافل بالنضال وراحت فاعليتها تخبو بالتدريج، والتحقت جماعات منها بالتيارات الإسلامية أو بالرأسمالية العقارية.

لسوء حظ إلياس مرقص أن الوقائع كثيرًا ما كانت تسبق أفكاره. ففي النصف الأول من ستينيات القرن المنصرم شُغل بنقد ستالين والستالينية، بينما كان نقد الستالينية قد انتهى في أوروبا بعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي (1956)، وبعد حوادث المجر والقضاء على حركة إيمري ناجي في سنة 1956 أيضًا، ثم القضاء على الحركة الإصلاحية في بولندا بقيادة فلاديسلاف غومولكا في العام نفسه. وكان إلياس مرقص قد عُني بالبحث عن إطار مشترك للماركسيين والناصريين العرب لتجاوز عقابيل الصراع الدامي الذي نشب في العراق في سنة 1959 (ثورة الشواف في الموصل)، وفي مصر وسورية قبيل الوحدة المصرية- السورية وبعدها. لكن هزيمة 1967 دهمت الجميع، وجعلت المناقشة في هذه الموضوعات متقادمة، بل قليلة الفائدة.

 

المجادلات التائهة

يحار الدارس كيف يقرأ اليوم نصوص إلياس مرقص التي كتبها قبل نحو نصف قرن، فهو (يفصفص) المصطلحات والشعارات والمفهومات ويفككها، لكنه، في أحيان كثيرة لا يعيد تركيبها. ومنهجه مبني على كشف التناقضات وعدم الانسجام في تحليلات خصومه. وطريقته في المساجلة تجعل الباحث، في بعض الأحيان، يفهم نصوصه خلافًا لما يريد الكاتب، وهذه مسؤوليته في صوغ عباراته في نهاية المطاف. ويضاف إلى ذلك ان لغة إلياس مرقص وجُمَله لا تتيح اكتشاف ما يريده حقًا إلا بعد إعادة قراءتها مرارًا، وطريقته الاستطرادية وكثرة الجمل الاعتراضية الطويلة تشتت ذهن القارئ وتؤثر في انسيابية الفكرة وبرهانها، بحيث يصبح من الضروري بذل الجهد مضاعفًا (أو مرفوعًا إلى الأس اثنين بحسب تعابير إلياس مرقص نفسه) كي نتتبع الفكرة ومعانيها. ويلوح لي أن الأفكار تهرب منه باستمرار لأن دماغه يضج بالأفكار الكثيرة المتداخلة والمتشابكة. ومع ذلك، سأستخدم طريقته في مناقشة أفكاره في شأن فلسطين والكفاح المسلح وحرب التحرير الشعبية واليسار الفلسطيني… إلخ.

من بين الأسئلة التي شغلت الفكر العربي قبل نحو خمسين عامًا، أي بعد هزيمة الخامس من حزيران/ يونيو 1967، وبالتحديد بعد معارك أيلول/ سبتمبر 1970، السؤال التالي: هل هُزمت المقاومة الفلسطينية في سنة 1970، أم ظلت قوة ثورية؟ وثمة سؤال آخر كان يلّح على الكُتاب والمثقفين والمفكرين آنذاك هو: هل إن إسرائيل مشروع موقت غير قابل للحياة مثل الجزائر الفرنسية؟ أم إن التسوية السياسية أفضل من النضال المسلح لأن الغاية تبدو مستحيلة؟ وقد شُغل المؤرخون والباحثون في التفتيش عن أجوبة عن هذين السؤالين وغيرهما مثل: لماذا لم يتمكن الفلسطينيون تأسيس مقاومة صلبة وفاعلة قبل نكبة عام 1948 لمواجهة خطة الاستيلاء على فلسطين وطرد سكانها؟ ولماذا غادر خلال بضعة أشهر نحو 860 ألف فلسطيني ديارهم؟ أَلم يكن في الإمكان بقاء جزء مهم من هؤلاء في قراهم ومدنهم مثلما بقي غيرهم في الناصرة وشفاعمرو والطيبة وسخنين وغيرها؟

لم يتوافر إلياس مرقص على دراسة التاريخ القريب لفلسطين، بل أكبَّ على معالجة الواقع كما هو: المقاومة الفلسطينية واليسار الفلسطيني وشعاراته (الفاسدة)، بحسب تعبيره، وقضايا الماركسية – اللينينية، والفكرة القومية، وحدود الممكن والمستحيل في منهاج الكفاح المسلح. وكانت القضايا التي استولت على عقل الفلسطينيين وكثير من العرب في تلك الفترة متعددة جدًا مثل: الثورة، الحزب، الطليعة، التنظيم، حرب العصابات، العمليات الخاصة، الجماهير، الوعي، المثال الثوري الملائم (أهو المثال الجزائري أم الفيتنامي أم الصيني؟)، البرجوازية، الصراع الطبقي، البروليتاريا الفلسطينية، الوحدة الوطنية، التحالفات العربية، استقلالية القرار، الاشتراكية، القومية العربية، الأنظمة الرجعية والأنظمة الوطنية، التحالفات اللبنانية وكيف نحمي ظهر المقاومة في لبنان؟ دور المثقفين… وهكذا. وكان من بين الأفكار المتداولة آنذاك لدى اليسار الفلسطيني، وبالتحديد الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين التي صب إلياس مرقص كل ما  في جعبته الماركسية عليها لنقدها وتفنيد أطروحتها، شكل الحزب الثوري: أَهو حزب لينين كما صيغ في كتاب (ما العمل؟) والمبني على قاعدة المركزية الديمقراطية؟ أم إن المطلوب هو حزب جديد قائم على الديمقراطية الداخلية وتعدد الاتجاهات؟ وقد تبارى إلياس مرقص مع كثيرين رأوا آنذاك أن جذور الاستبداد في الاتحاد السوفياتي تعود إلى الحزب اللينيني – الستاليني. وفي هذا السياق كتب العفيف الأخضر كتابًا أثار جدالات كثيرة آنذاك هو (التنظيم الثوري الحديث)([5]). ورأى كثيرون ان دفاع إلياس مرقص المستميت عن الحزب اللينيني هو دفاع عن الماضي الذي هُزمت فيه ثورة 25 أكتوبر 1917 بعد سنوات قليلة من اندلاعها من جراء اختيار لينين في سنة 1918 (السياسة الاقتصادية الجديدة) NEP، أي السير نحو دولة رأسمالية من دون رأسماليين، واستنادًا إلى أن تأميم وسائل الانتاج لا يعني البتة أن الدولة اشتراكية المحتوى.

يقول إلياس مرقص: (إن وصول البروليتاريا إلى قيادة الثورة العربية والفلسطينية (…) يمر عبر الوعي البروليتاري، عبر نظرية واستراتيجية وخط وسياسة ماركسية)([6]). ويضيف: (الحزب الماركسي – اللينيني العربي هو حزب البروليتاريا العربية والجماهير شبه البروليتارية في الريف والمدينة. وهو زعيم الشعب وزعيم الأمة، أي إنه يحمل قضية الشعب وقضية الأمة على أكتافه. مواقفه عكس مواقفكم. يفضح البرجوازية والإقطاعية والملوك والأمراء من وجهة نظر المعركة القومية أولًا)([7]).

كانت تلك المجادلات مشبعة بروح التفاؤل على الرغم من هزيمة 1967 العربية، وهزيمة أيلول/ سبتمبر 1970 الفلسطينية. وقد تراءى لكثيرين أن الرد على هاتين الهزيمتين يكون بالسير نحو تأسيس حزب شيوعي عربي موحد وجديد. غير أن تلك الأحلام كانت تخرج من رؤوس المثقفين كما خرجت مينيرفا من رأس جوبيتير([8])، ولم يكن لها إلا صلة بسيطة بالواقع. وفي أي حال، اشتبكت الأفكار آنذاك في شأن قضية (إدخال الوعي إلى البروليتاريا من خارج البروليتاريا) أي إن إدخال الوعي إلى العمال مسألة منوطة بالنخبة أو الطليعة. بينما رأى آخرون أن وعي البروليتاريا يتبلور في معمعان التجربة، وأما الطليعة فسوف تركب البروليتاريا بالتدريج وتقيم نظامًا استبداديًا على غرار الاتحاد السوفياتي أو الصين، وأن الستالينية هي الناتج الطبيعي للحزب اللينيني. وفي خضم هذه السجالات كان الكفاح المسلح الفلسطيني يتطور بمعزل عنها. ولعل هذه السجالات كانت محصورة في المجموعات اليسارية الفلسطينية واللبنانية التواقة إلى ابتداع شكل ثوري للعمل الفدائي. وهنا يتقدم إلياس مرقص بالنصيحة الآتية: (إننا ننصح الرفاق اليساريين بدراسة الإيسكرا ([9]). سيفهمون لماذا يفشلون دائمًا في إنشاء الحزب البروليتاري الذي يدعون إليه([10])، لأنهم في الوقت الذي يتصورون فيه أنهم يسيرون على هدي لينين إنما يسيرون ضد لينين وضد خط لينين في إنشاء الحزب)([11]).

إن إلياس مرقص، على الرغم من صراعه النقدي مع الجميع تقريبًا؛ من الأحزاب الشيوعية العربية (خصوصًا الحزب الشيوعي اللبناني والحزب الشيوعي السوري) إلى الشيوعيين الجدد، ومن خالد بكداش ونقولا الشاوي ومحسن ابراهيم والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين إلى مجموعة (ماتسبن) الإسرائيلية وجماعة ميشال بابلو، لم يتمكن تأليف تيار فكري أو سياسي يتبنى أفكاره، ولعله لم يسع إلى ذلك. وبما أن الزمن كفيل باختبار الأفكار، فإننا اليوم، بعد نحو 26 سنة على وفاة إلياس مرقص، نتساءل: ماذا بقي من أفكاره وأفكار تلك الحقبة المتوثبة؟ والحقيقة أن الكثير من أفكار إلياس مرقص ما برحت، بحسب ظني، راهنة كالموقف من الناصرية، وفهمه للثورات الاجتماعية التي تدفع المجتمعات نحو التطور المتدرج (اللولبي) وليس نحو خط النهاية.([12]) لكن، في الشأن الفلسطيني لم يبقَ الكثير من أفكاره؛ بعد أقل من ثماني سنوات على كتاباته النقدية التي نشرها في كتابيه (عفوية النظرية في العمل الفدائي) و(المقاومة الفلسطينية والموقف الراهن)([13]).

 

نقد المقدسات

جال إلياس مرقص في الشأن الفلسطيني جولات كثيرة، وتساجل في سنة 1971 مع الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، ورد عليه قيس الشامي.([14]) ثم اشتبك مع صادق جلال العظم في كتابه (النقد الذاتي بعد الهزيمة)([15]) ، ورد على الكاتب الفرنسي جيرار شاليان غداة صدور كتابه (المقاومة الفلسطينية)([16]). وفي معمعان هذه المعارك الفكرية ظهر إلياس مرقص مثقفًا كبيرًا وناقدًا للمقدسات اليسارية والقومية التي كانت تتجسد آنذاك في مجموعة من الشعارات مثل (الثورة الفلسطينية) و(الكفاح المسلح) و(حرب التحرير الشعبية) و(الدولة الديمقراطية) و(تحرير فلسطين) و(رفض الحلول التصفوية الاستسلامية). وفي هذا الميدان رأى إلياس مرقص أن العيب الأول في هذه الشعارات هو اسمها، أي إنها محض شعارات. وهنا راح يستلهم عصر الأممية الثانية (1890-1914) حين كان القادة العماليون الماركسيون في أوروبا الغربية يدعون إلى الثورة الاشتراكية، وكانت عبارة (الثورة الاشتراكية) هي أيضًا شعارًا ثوريًا، لكن الممارسات اليومية لأولئك القادة لم تكن ثورية بل إصلاحية([17]) والواقع أنني لم أجد رابطًا متينًا بين شعارات الأممية الثانية وشعارات المقاومة الفلسطينية، فتلك حركة تهدف إلى إحداث ثورة اجتماعية في أوروبا، وهذه حركة تحرر وطني تريد إعادة الفلسطينيين إلى ديارهم الأصلية، والفارق الزمني بين هذه وتلك يربو على ثمانين عامًا. وفي تلك الحقبة التي شهدت ثورة روسية كاسحة (1917) وثورة صينية هائلة وحربين عالميتين وعشرات ثورات التحرر الوطني، تغير العالم بطريقة جذرية تمامًا.

ينتقد إلياس مرقص مصطلح (الثورة الفلسطينية)، ولتعزيز نقده بالشواهد يستغرق طويلًا في تعداد ثورات العالم من ثورة بناة الأهرام حتى ثورات العصر الحديث القومية والفلاحية والبرجوازية والبروليتارية، ثم يستنتج أن لها كلها قاسمًا مشتركًا عامًا هو أن المرشحين للقيام بالثورة هم الأكثرية في الأرض. وهذه الحال غير متوافرة في الثورة الفلسطينية لأن اليهود هم ثلثا السكان في فلسطين، وهم ليسوا مرشحين للقيام بالثورة لا الآن ولا بعد مئة سنة([18]). ولا ريب أن إدغام (الثورة الفلسطينية) بثورات الفلاحين في أوروبا أو معايرتها بثورات التوحيد القومي الأوروبية، أو بثورات العبيد في التاريخ الإنساني القديم، أمر غير ممكن علميًا مع أن إلياس مرقص نفسه يؤكد أن فلسطين استثناء، والثورة فيها استثناء، وهذا صحيح بالتأكيد([19])، وهذه المقارنة معيار فاسد بحسب لغة المناطقة والفلاسفة. فالثورات جميعها تقريبًا تقوم بها، في البداية، الأقلية، لكنها بالتدريج تتحول إلى الأكثرية؛ هذا في حال تحقيقها انتصارات حقيقية. والمؤكد أن الاستعمار الاستيطاني في فلسطين حالة استثنائية، وهو يقرُّ بذلك، لكنه لا يستنتج من هذا الاستثناء أي نتيجة. وهذا الاستعمار يختلف في الجوهر عن الاستعمار الاستيطاني الفرنسي في الجزائر مثلًا، أو الاستعمار الهولندي والإنكليزي (الأبيض) لجنوب أفريقيا وروديسيا (زيمبابوي). فهناك استوطن الأوروبيون تلك البلاد ولم يطردوا سكانها الأصليين. أما في فلسطين فجرى إحلال مجموعات مهاجرة في محل السكان الأصليين بعد طردهم إلى دول الجوار. والمقاومة الفلسطينية كان هدفها إعادة أولئك المطرودين (اللاجئين) إلى ديارهم الأصلية. وهنا لا تنفع مقولة الأكثرية والأقلية على الاطلاق.

مهما يكن الأمر فإن إلياس مرقص استمر في تفكيك الشعارات الفلسطينية مثل شعار (حرب التحرير الشعبية)، وأعلن بصراحة إنه ضد ذلك الشعار([20])، وجزم بأن حرب التحرير الشعبية (أسطورة وخدعة)، وهي (الغطاء الأيديولوجي الممنوح للدول والجيوش المتهربة من القتال، وهي واقعيًا تساوي عدم تعبئة الطاقات كالجيوش والبترول وغيرها)([21]) ، واستنتج أن حرب التحرير الشعبية هي نقيض الحرب النظامية ([22])، ثم تساءل: هل حرب التحرير الشعبية مجدية وممكنة؟ وأجاب: (إذا صَحَت المقاومة الفلسطينية واستأصلت الأيديولوجية الوهمية من جذورها وتوحدت، أي إذا وقفت الآن وأعلنت أن كل خطها السابق الفكري والسياسي والاستراتيجي خطأ في خطأ، ثم صححت، باعتبار أن هذا التصحيح شرط لبقائها ونموها ودوامها في الخمسين أو المئة سنة القادمة، وإذا سار العرب في طريق الوحدة والعقل، ولو أصبحت عمان هانوي ودمشق هافانا والقاهرة بكين [عند ذلك] يمكن ويجب أن ننتصر)([23]).

لا أعلم على وجه اليقين لماذا وصف إلياس مرقص شعار (حرب التحرير الشعبية) بـِ (الخدعة)؟ وهل أرادت حركة فتح في سنة 1965، وهو تاريخ انطلاق العمل الفدائي، أن تجعل من تلك الانطلاقة غطاء أيديولوجيًا للدول والجيوش المتهربة من القتال حقًا؟ هذا الكلام مجازفة كبيرة، بل مخاطرة فكرية غامر بها إلياس مرقص، الأمر الذي جعله خارج نطاق التأثير الفكري في الأوساط الفلسطينية، ولم يكن لآرائه تلك أي أثر ملموس في تفكير النخب الفلسطينية المنخرطة في المنظمات الفلسطينية اليسارية من مثل الجبهة الديمقراطية والجبهة الشعبية، أو القومية من مثل جبهة التحرير العربية والصاعقة، أو الوطنية من مثل حركة فتح، بل إن بعضهم راح يتندر على مواقفه باختطاف اسمه وتحريفه ليصبح (إلياس يرقص). ولسوء حظ توقعاته، فإنه في اللحظة التي كان يكتب فيها هذه النصوص كانت الجيوش والطاقات تُعبّأ سرًا استعدادًا لحرب تشرين الأول/اكتوبر 1973، ولم يمنع شعار حرب التحرير الشعبية (القدرة على تعبئة الطاقات والجيوش. وكان يُصر على أن حرب التحرير الشعبية لدى أصحاب هذا الشعار هي نقيض الحرب النظامية. ولم أجد في الأدبيات الفلسطينية الرسمية مثل هذا التفسير على الاطلاق بل إن الآراء الغالبة كانت تعد حرب التحرير الشعبية رديفة للجيوش العربية، وهدفها جعل الاحتلال خاسرًا باستمرار وعبئًا متماديًا على المحتل، وهو ما تلجأ إليه الشعوب عادة. فالثورة الجزائرية كانت أضعف بكثير من الاستعمار الفرنسي. والفيتكونغ كانوا أقل مقدرة بكثير من الجيش الأميركي، والمقاومة في لبنان أضعف بما لا يمكن القياس عليه من الجيش الإسرائيلي. لكن ثورة الجزائر وثورة فيتنام والمقاومة في جنوبي لبنان وفي غزة جعلت الاحتلال عبئًا على المحتلين فأرغمتهم على الانسحاب.

لم يقف إلياس مرقص عند حدود التحذير من المبالغة في الأهداف والشعارات التي كانت تطلقها المنظمات الفلسطينية المقاتلة، بل انتقل إلى الحط من قيمة المقاومة الفلسطينية وتطلعاتها ومصائرها، وها هو يخاطب قادة الفصائل بالقول: (هيمن عليهم الاعتقاد بأن الجماهير العربية تطالبهم بتحرير فلسطين، بتكرار معجزة الجزائر أو معجزة فيتنام في فلسطين. كلا! إن أحدًا من الجماهير العربية لم يطالبهم ولا يطالبهم ولن يطالبهم لا بتحرير فلسطين ولا بتحرير فلسطين العربية([24]) التي احتُلت في حزيران 1967، أو بتحرير شبر واحد من أرض فلسطين)([25]). واللافت في هذه العبارات هو ذلك اليقين الحاسم والقطعي، كأنه لم يكن مطلعًا على تدفق المناضلين العرب على صفوف المقاومة الفلسطينية بفصائلها المختلفة بعد معركة الكرامة في 21/3/1968، خصوصًا العراقيين الشيوعيين بعد فشل تجربة العمل المسلح في الأهوار، وبعد خروج جماعة عزيز الحاج (القيادة المركزية) من الحزب الشيوعي العراقي. وكذلك تدفق السوريين واللبنانيين وأعداد متفاوتة من العرب، حتى إن نصف عدد شهداء المقاومة الفلسطينية حتى سنة 1982 هم سوريون ولبنانيون وعراقيون وأردنيون ومصريون ويمنيون ومغاربة. أما فكرة (حرب التحرير الشعبية) فكانت في البدايات إعلانًا عن طموح اللاجئين الفلسطينيين إلى خوض كفاح مسلح ضد الاحتلال الإسرائيلي في سبيل عودتهم. ولم يتكلم أحد قبل هزيمة 1967 على أن حرب التحرير هي بديل من الجيوش العربية([26])، بل إن التسميات السياسية كانت كلها تتضمن فكرة (التحرير) مثل جيش التحرير الفلسطيني وقوات التحرير الشعبية وحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين… وهكذا. وعندما أعلنت حركة فتح وجودها العسكري في 1/1/1965 شددت على أن الشعب الفلسطيني لا يستطيع وحده تحرير فلسطين بمعزل عن العرب؛ فالمعركة قومية والفلسطينيون هم رأس الرمح في تلك المعركة. لكن، بعد هزيمة 1967 راحت فكرة حرب التحرير الشعبية تكتسي معاني جديدة منها الاعتماد على الشعب لا على الجيوش، وهذا الأمر منطقي تمامًا في سياق تلك الحقبة التي جرى فيها التنظير لسقوط البرجوازية الصغيرة العربية (أي البعث وجمال عبد الناصر)، وأن الأوان قد حان لوصول الطبقات المسحوقة إلى السلطة، وهذا ما تصدى له إلياس مرقص بالنقد والنقض([27]). وفي هذا الحقل لن أكون عادلًا في مقاربة أفكار إلياس مرقص، لأن ما كتبه قبل ست وأربعين سنة عن فلسطين والعمل الفدائي واليسار الفلسطيني كان يستند إلى الحيوية الفكرية والسياسية والعسكرية التي أطلقها الكفاح المسلح الفلسطيني. لكن العالم كله تغير خلال أقل من نصف قرن، وتغيرت الأفكار والقوى السياسية. والحكمة المتأخرة لا يمكنها محاججة أفكار المرحلة السابقة حتى لو كانت حكيمة حقًا. وعلى سبيل المثال ظل إلياس مرقص يكرر إن إسرائيل تريد التوسع الجغرافي، وهي دولة توسعية بالتأكيد. وكانت هذه الفكرة صحيحة تمامًا، وبرهنت عليها النتائج المباشرة لحرب 1967 حين جرى احتلال الجولان والضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء. وكان الجميع يؤكد هذه الفكرة استنادًا إلى معادلة تقول إن تدفق اليهود والمهاجرين على إسرائيل سيجعلها تتجه إلى التوسع الجغرافي دائمًا. لكن حرب تشرين الأول/ اكتوبر 1973، أي بعد ثلاث سنوات فقط من صدور كتابه (عفوية النظرية في العمل الفدائي: نقد الفكر المقاوم)، جعلت فكرة التوسع الجغرافي متقادمة، إذ راحت إسرائيل ترسم حدودها مع مصر بعد معاهدة السلام (1979)، ومع الأردن غداة اتفاق وادي عربة (1993)، ومع لبنان (2000)، وتكاد ترسم حدودها مع سورية شرقي بحيرة طبرية بنحو مئة متر. أما حدودها مع فلسطين فهي لب قضية فلسطين في هذه الأيام. وفي فلسطين بالتحديد تكمن المنازلة التاريخية بين الفلسطينيين وإسرائيل.

 

نقد اليسار الفلسطيني

كتب إلياس مرقص كتابين في سجاله مع اليسار الفلسطيني هما:(عفوية النظرية في العمل الفدائي: نقد الفكر المقاوم) (بيروت: دار الحقيقة، 1970)، و(المقاومة الفلسطينية والموقف الراهن) (بيروت: دار الحقيقة، 1971). وكتابه (عفوية النظرية) بلغ 350 صفحة، وهو مكرس للرد على كُتيب بعنوان (حول العفوية والنظرية في العمل الفدائي الفلسطيني) (40 صفحة)، الذي ظل يرى أن محمد كشلي هو الذي كتبه، وتبين لاحقًا عدم صواب ذلك الظن. والكراس صدر عن المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين. واللافت هنا أن إلياس مرقص رد بـ 350 صفحة على كراس من 40 صفحة. ويبدو هذا الأمر نافرًا. غير أن إلياس مرقص كان مغرمًا بالاستطراد والشرح والتفصيل. وكتاب (عفوية النظرية في العمل الفدائي) صبّه كله على نقد الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين وماركسيتها (المزعومة). وفي هذا المجال يقول: (دخلت الماركسية إلى حركة المقاومة الفلسطينية فلم تُلقِ عليها نورًا بل ضبابًا. لم تكن أداةً تُمزقُ الأقنعة عن الواقع، بل قناعًا جديدًا يحجب الواقع، حاجزًا يقف بين أصحابه وبين الواقع، وبالتالي لم تكن الماركسية عامل توحيد بل عامل تقسيم إضافي)([28]). ويضيف: (إن الأيديولوجيا الماركسية – اللينينية لا تبدو أداة توحيد [للحركة الفدائية] بل أداة انقسام إضافية)([29]).

وصف إلياس مرقص، في كتاب (عفوية النظرية في العمل الفدائي) اليسار الفلسطيني واللبناني، الذي كال الكثير من النقد لجمال عبد الناصر بعد هزيمة 1967، بقوله: (هذا اليسار الزائف لا علاقة له بالماركسية)([30]) ، وإن (اليسارية في العمل الثوري هي منهج التهور والتهوير)([31]) ، وإن (ماركسية العمل الفدائي فاسدة في الأساس وفي الجذور، فسادها في جذرها الاقتصادي اليساري)([32]). وفي هذا الميدان راح ينتقد النزعة الاقتصادية في فهم إسرائيل لدى الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وطالبها بفهم وتمثل نضالات لينين ضد شبان اليسار الأقصى أصحاب مذهب الاقتصادية الإمبريالية لأن (بدون هذا الفهم والتمثل ستعملون بإخلاص وتفانٍ واستبسال مئة سنة من دون أن تصلوا إلى قيادة شعبكم. بهذا الفهم والتمثل تحققون هذا الذي تريدون)([33]). ويضيف: (تجنبت الجبهة الشعبية الديمقراطية الواقع الاجتماعي السياسي الإسرائيلي حتى تمرر المنهج الاقتصادي المناهض للماركسية – اللينينية، وحتى (تمشّي) باسم هذا التزييف الكامل للماركسية – اللينينية عداءها للوحدة العربية (…). وهذا الخط الفكري النظري الإستراتيجي السياسي بالغ الخطورة والخطر. خطره على الشعب العربي من الخليج إلى المحيط. تيار يسعى إلى إغراق العقل تحت سيل الألفاظ، ويجهض الاختمارات الثورية الحقيقية، ويحبط النشوء التاريخي للحزب البروليتاري العربي الماركسي – اللينيني، ويخرب المعركة القومية، ويمارس الابتزاز اليساري على نطاق لم يُشهد له مثيل)([34]).

لا أجازف في الاستنتاج إذا قلت إن هذه اللغة الغاضبة تنتمي إلى الغلو حقًا. ولا أظن أن هذا اليسار الذي انبثق بعد هزيمة الخامس من حزيران/يونيو 1967 وقبلها أيضًا من صفوف البعث وحركة القوميين العرب، على هشاشته ومحدوديته، كان يريد مناهضة الماركسية- اللينينية، وتمرير العداء للوحدة العربية، وإغراق العقل تحت سيل الألفاظ، وإجهاض الاختمارات الثورية في بلادنا العربية، وإحباط النشوء التاريخي للحزب البروليتاري العربي الماركسي- اللينيني، وتخريب المعركة القومية، وممارسة الابتزاز اليساري. إن هذه الغايات تحتاج جيشًا من المفكرين والسياسيين والمقاتلين. وواقع الحال إن اليسار الفلسطيني ورصيفه اللبناني ظل محدودًا وهامشيًا إلى حد كبير، ويمكن تعبئتهم كلهم بعشر شاحنات على ما كانت حركة فتح تتندر عليهم.

أما كتاب (المقاومة الفلسطينية والموقف الراهن) فهو استمرار للمجادلات مع نايف حواتمة والباهي محمد وصادق جلال العظم وسعد الدين ابراهيم وآخرين. واليوم، بعد ست واربعين سنة على صدور الكتاب، ألاحظ كم هو صعب اشتيار العسل من تلك المجادلات، خصوصًا أن العناوين الرئيسة في ذلك السجال اندثرت تمامًا من الحياة الفكرية والثقافية والسياسية العربية مثل اللينينية والتحريفية والماوية والتروتسكية والتيتوية والصراع الطبقي والبرجوازية الصغيرة والحزب الثوري… إلخ. ومهما يكن الأمر فإن إلياس مرقص كان رائيًا إلى حد بعيد، واستفزته لغة الماركسيين الجدد وانتفاخاتهم الفكرية، ورغب في تبسيط فهم العمل الفدائي وعدم إغراقه بالشعارات والأفكار اليسارية المدعية، فيقول: (منطق المقاتل الفلسطيني مفهوم وصائب في تسعة أعشاره (…). مكافحون يحملون السلاح ضد دولة اسرائيل. معركتهم قومية: فلسطين وإسرائيل، عرب فلسطينيون ويهود إسرائيليون. ماذا يقال لهم؟ طبقات، صراع طبقات، اقتصاد، إمبريالية؟ لا يمكن السكوت عن هذه الماركسية، ويجب تفنيدها وإزالتها)([35]). وفي هذا الميدان استرسل في الهجوم على ماركسية الجبهة الديمقراطية بالقول: (إن الماركسي- اللينيني لا يلعب بالثورة، ولا يلعب بالحرب. الجبهة الشعبية الديمقراطية تلعب بالاثنتين)([36]).

على أهمية النقاشات والمجادلات والسجالات التي خاضها إلياس مرقص في المسألة الفلسطينية، إلا أن تلك المجادلات والسجالات ظلت محدودة الأثر في الفضاء الثقافي الفلسطيني، ومحصورة في ثنايا اليسار الفلسطيني الذي ما إن دهمته الحرب الأهلية في لبنان حتى اختفت الفوارق بينه وبين بقية القوى السياسية التي كان اليسار يتهمها باليمينية. فالجبهة الديمقراطية تبنت في بداية ظهورها عام 1969 خطًا ناقدًا للاتحاد السوفياتي وللأحزاب الشيوعية الدائرة في فلكه. والجبهة الشعبية تبنت خطًا يساريًا قريبًا من الصين وكوبا. لكن لم يطل الأمر كثيرًا حتى صارت الجبهة الديمقراطية سوفياتية إلى حد كبير، خصوصًا بعد حرب 1973، وابتداع فكرة (الدولة الفلسطينية) استنادًا إلى تحليل ساذج كان يزعم إن موازين القوى الجديدة بين العرب وإسرائيل تتيح لمنظمة التحرير الفلسطينية أن تنتزع دولة مستقلة على الضفة الغربية وقطاع غزة. وتبين لاحقًا أن هذا التحليل كان سرابًا. وفي الحالات القليلة التي التفت فيها إلياس مرقص إلى المنظمات اليسارية الأخرى سخر منها أيضًا، ووجد بين صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (أشخاصًا أكثر يسارية ماركسوية ثوروية من الخصم اليساري [يقصد الجبهة الديمقراطية] أمثال هاشم علي محسن)، ثم سخر من تصريح له في مجلة (الحرية) (2/8/1965) يقول فيه: (نجحنا في تحقيق وحدة الطبقة العاملة حول الاتجاه الاشتراكي الوحدوي)([37]). وكان يعيب على حركة فتح عفويتها، أي افتقارها إلى النظرية الثورية، وأنه لا يرى (ثورة فلسطينية بل عملًا فدائيًا محدودًا ينطلق من الأغوار، من الأردن، من سورية، من لبنان إلى داخل فلسطين).([38])

العمل الفدائي لا يقوّم بغاياته، بل بفاعليته؛ فهو الذي نقل جموع الفلسطينيين من لاجئين إلى شعب يتطلع إلى حريته واستقلاله. ومهما يكن الأمر، فلماذا تعقيد الأفكار؟ المقاومة الفلسطينية بالتعريف كانت حركة وطنية مسلحة أرادت عودة اللاجئين إلى ديارهم باستعمال العنف. وهذه الحركة، من جراء الاصطدام بالواقع واكتشافها حدود الممكن والمستحيل في السياسات العامة، تقلصت أهدافها إلى مجرد دولة فلسطينية على جزء من بلادها التاريخية. وفي أي حال، فالمقاومة الفلسطينية، مثلها مثل حركات التحرر الوطني جميعها في العالم الثالث، هي عنف مشروع نشأ كرد على عنف الاحتلال. وفي معمعان كفاحهم من أجل العودة لم يترك الفلسطينيون وسيلة إلا استعملوها: انخرطوا في الأحزاب القومية التي كانت تنادي بتحرير فلسطين كالناصرية والبعث، وفي الأحزاب الإسلامية، كالأخوان المسلمين، وأسسوا أهم حركتين سياسيتين في المشرق العربي في النصف الثاني من القرن العشرين هما حركة فتح وحركة القوميين العرب، علاوة على حزب التحرير الإسلامي، وقاتلوا إسرائيل عبر الحدود، ومن البحر (عملية فندق سافوي في تل أبيب سنة 1975 وعملية كمال عدوان التي قادت إحدى مجموعاتها دلال المغربي في سنة 1978)، ومن الجو (عملية شهداء قبية التي نفذها الحلبي خالد أكر بطائرة شراعية سنة 1987، علاوة على خطف الطائرات مع التحفظ على ذلك النهج). ثم قاتلوها وجهًا لوجه (الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987 والانتفاضة الثانية عام 2000)، وجربوا التفاوض العلني والسري، ولم يتمكن اتفاق أوسلو (1993) الوصول إلى غايته… أخطؤوا وأصابوا، ومع ذلك ما برحت قضية فلسطين بلا حل. لماذا؟ لا لأن انتفاضة الحجارة برهنت على خطأ الأيديولوجية الفدائية الحربية العسكرية كما يقول إلياس مرقص([39])، بل لأن المقاومة الفلسطينية هي أصعب ثورات التحرر الوطني في التاريخ المعاصر؛ فهي غير موجودة على أرضها، وهي واقعة بين النفط و (المسألة اليهودية). وانتفاضة الحجارة ليست برهانًا على خطأ أيديولوجية الفدائيين، بل هي تحول في طبيعة الجغرافيا والمواجهة. فحين كانت المقاومة الفلسطينية ثورة لاجئين كان الجهد النضالي يتركز في خارج فلسطين، وكان العمل الفدائي عبر الحدود هو الشكل الممكن. وعندما انتقل ثقل الكفاح الفلسطيني إلى داخل فلسطين بعد سنة 1982 صارت الانتفاضة هي الشكل الأمثل.

كرس إلياس مرقص صفحات كتابه (المقاومة الفلسطينية والموقف الراهن) لتفنيد (الفكر المقاوم لدى ن. خ. أون. ح. أو ص. ج.ع.) وللرد على كراس (العفوية والنظرية في العمل الفدائي: الذي كتبه ن. خ.)([40]). واستخدم صلح بريست – ليتوفسك بين روسيا وألمانيا في سنة 1918 ليبرر القبول بالقرار 242([41]). وواقع الحال أن ذلك الصلح استخدم كثيرًا في ما بعد لتبرير معاهدة الصلح المصرية – الإسرائيلية في سنة 1979 تمامًا مثلما استُخدم صلح الحديبية بين النبي محمد واليهود في السياق نفسه. وفي الأحوال جميعها فإن الاستناد إلى وقائع بعينها من التاريخ القديم أو الوسيط، والاستقواء بها لتبرير وقائع جديدة ظهرت في شروط مختلفة يتيحان تبرير أي شيء بما في ذلك ارتكاب المجازر. وفي أي حال، فإن المحتوى القومي لكتابات إلياس مرقص واضح جدًا، خصوصًا في كتابه (عفوية النظرية في العمل الفدائي)، ولم يتردد، وهو الماركسي- اللينيني، في القول: (لا مكان لأمتين، لسيادتين في أرض العرب القومية (…). وإن سيادة الأمة العربية على أرضها القومية هي في خط تحرر البشرية، في خط الثورة الاشتراكية – العالمية (…)، والسلام بين الإمبريالية والشعوب، بين الصهيونية والعرب، مستحيل)([42]).

كان إلياس مرقص مقتنعًا أن الثورة الاشتراكية جارية على النطاق العالمي، وربما تجسد ذلك، بحسب رؤيته، في ثورات فيتنام ولاوس وكمبوديا، وهي ثورات تحرر وطني في الأساس، أو في ثورات السوار الإفريقي (ناميبيا وأنغولا وزيمبابوي)، وهي ثورات ضد العنصرية البيضاء والاستعمار في آن معًا. ثم إن (السلام المستحيل) الذي تحدث عنه إلياس مرقص في سنة 1971، لم يمر أكثر من ست سنوات حتى كان أنور السادات يزور القدس. ولم تمضِ سنتان أخريان حتى وقّعت مصر معاهدة السلام مع إسرائيل، وقد خذله الواقع مرارًا، وخذل عفويته واندفاعه وصدقه ونزاهته، فقد كان يرى (إن الصراع العالمي قائم بين الإمبريالية الأميركية وبين الثورة الاشتراكية (…)، والكل هو اليوم الثورة الاشتراكية العالمية المناهضة للإمبريالية. وعلى صعيد العالم العربي، وفي نطاقه، الكل هو الثورة العربية القومية الديمقراطية الاشتراكية الوحدوية المناهضة للإمبريالية والإقطاعية والرأسمالية والصهيونية)([43]). ويشرح مفهوم لينين عن الإمبريالية بقوله (إن الإمبريالية ليست فقط نظام اضطهاد وسحق طبقات لطبقات، بل هي أيضًا نظام اضطهاد وسحق أمم لأمم (…). والعالم ليس مجتمعًا اقتصاديًا مؤلفًا من طبقات، بل إنه مؤلف من أمم وشعوب)([44]) ، وهذا ما يندرج، بالتأكيد، في المسألة القومية. وأخشى أن أجد في بعض صياغاته المندفعة ولغته المتوثبة ما يشبه الشطح أحيانًا، فهو وصف (الثورة العربية) بـِ (القومية والديمقراطية والاشتراكية والوحدوية والمناهضة للإمبريالية وللإقطاعية والرأسمالية والصهيونية)، وهي مهمات تنوء بها البشرية مجتمعة، وتكاد تلامس المحال، ومع ذلك فهو يرى (إن القضاء على الاضطهاد والاستغلال والظلم وإقامة العدالة والمساواة والإخاء وإنشاء المدينة الفاضلة، هذا كله، هذا الهدف الكبير، هو في نظرنا شيء قليل(…)، لأن نظرنا يتوجه صوب الواقع والممارسة والمنطلقات والطريق والمراحل والسبل والقوى والهجوم والدفاع والأرض والبشر والدول والجيوش والطبقات والالكترونات)([45]). وهنا أتوقف متعجبًا من هذه اللغة الدفاقة لكن غير الدقيقة، فقد كان إلياس مرقص يصر على (أن خطأ منظمة التحرير الفلسطينية الأكثر أهمية، ومصيبة فكر الحركة الفدائية كله، أن هذا الفكر غارق في العموميات، جزئي، يقبض على أشياء وتفلت منه أشياء)([46]).أليس النص المذكور أعلاه هو العموميات متجسدة؟

قصارى القول في هذا الميدان، إن إلياس مرقص كان يريد أن يسير الماركسيون العرب في ركاب الناصرية كما سار هو. حسنًا، لقد سار كثيرون في ركاب الناصرية، كالبعثيين المتحولين إليها أمثال عبد الله الريماوي في فلسطين وفؤاد الركابي في العراق وجمال الأتاسي في سورية، علاوة على حركة القوميين العرب المتحولة بدورها إلى الناصرية، وكذلك التيار الناصري العربي بمجموعاته الكثيرة. فهل أفلح هؤلاء؟ وحتى القرار 242 نفسه الذي جهد إلياس مرقص بقوة للدفاع عن قبول مصر به، فإن الرئيس عبد الناصر نفسه كان قد قال لياسر عرفات إن من غير الضروري أن يقبل الفلسطينيون به، فهو خاص بالدول المتحاربة في سنة 1967 (مصر وسورية والأردن وإسرائيل). وفي أي حال لم تكن المنظمات الفلسطينية وحدها من رفض ذلك القرار، بل رفضته أيضًا سورية والسعودية والكويت والجزائر والعراق واليمن الجنوبي واليمن الشمالي. لكن اللائمة انصبت على رأس اليسار الفلسطيني آنذاك وحده.

 

الصهيونية وإسرائيل والسلام

في مقدمة كتاب (الشعب الفلسطيني: اللاسامية، الصهيونية، اليهودية، العنصرية المضادة للعرب ومحاكمة الغرب)([47]) يقول إلياس مرقص (إن الصهيونية العمالية هي أرذل الصهيونيات، أرذل من الصهيونية الأولى العادية البرجوازية الاستعمارية الروتشيلدية (لأنها) تريد أن تقيم في فلسطين أمة صهيونية (…). الصهيونية العمالية تجمع الماركسية والصهيونية (…). إنها تريد أن تقيم في فلسطين لا طبقة برجوازية يهودية فوق السكان العرب والشغيلة العرب، بل مجتمعًا يهوديًا، أمة صهيونية. هذا في قوام الاستعمار الصهيوني في أوائل القرن العشرين. هذه خصوصية المشروع الصهيوني)([48]). أما في كتابه (عفوية النظرية في العمل الفدائي) فيقول: (الطبقة العاملة الإسرائيلية صهيونية في 99% منها)([49]) ، بينما (اليهود الشرقيون، نصف أو أكثر من نصف المجتمع الإسرائيلي، مضطهدون، مستغلون (…). لكن لا توجد قرينة واحدة تشير إلى أن هؤلاء اليهود الشرقيين هم أقل تعصبًا لإسرائيل وأقل عدوانية وتوسعية تجاه الجوار العربي من اليهود الأوروبيين)([50]). وهذا الفهم المبكر للمجتمع الإسرائيلي وللدولة الصهيونية كان يخالف على طول الخط الفهم الشيوعي التقليدي الذي كثيرًا ما زعم أن إسرائيل دولة طبيعية من حيث بنيتها التكوينية وطبقاتها الاجتماعية وفئاتها المختلفة. وفي هذا السياق يسخر من الفهم (الماركسي اليميني) للطبقة العاملة في إسرائيل ويصف الماركسيين اليساريين في إسرائيل بأنهم أكثر غباء من الماركسيين اليمينيين دعاة السلام، ويذكر من بينهم بعض الشرفاء أمثال موشي سنيه وشموئيل ميكونيس([51]). لكن ما لم يكن يعرفه إلياس مرقص هو أن موشي سنيه كان أحد قادة الهاغاناه قبل سنة 1948، وانضم إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي في سنة 1954، وصار أحد أبرز قادته بعد الأمين العام مئير فلنر الذي وقّع وثيقة استقلال إسرائيل في سنة 1948. أما شموئيل ميكونيس فهو الذي اصطحب معه إميل حبيبي إلى بعض دول أوروبا الشرقية في تموز/ يوليو 1948 لجلب السلاح إلى الهاغاناه([52]). وللتذكير فحسب، فإن الحزب الشيوعي الإسرائيلي كان يفتخر بأنه حزب الوطنية الإسرائيلية والأممية البروليتارية، وعمل تحت شعار المساواة على دمج الفلسطينيين في مناطق 1948 بالدولة الإسرائيلية، وعلى تكييفهم مع وجود اليهود الإسرائيليين على أنقاض ديارهم. وليس غريبًا بعد هذا التفكير أن يعلن إميل حبيبي من على منصة مؤتمر السلام في فيينا في سنة 1952 أن (لا وجود في اسرائيل لقوميتين، وإنما يوجد شعب إسرائيلي فقط)([53]) ، وأن يقول أيضًا أمام المؤتمر الخامس عشر للحزب الشيوعي الإسرائيلي: (إن الرفاق اليهود في صفوف الهاغاناه الذين قتلوا في معارك 1948 سفكوا دماءهم دفاعًا عن الوطن)([54]).

استنادًا إلى تحليله طبيعة الدولة الإسرائيلية واندراجها في صلب الإستراتيجية الإمبريالية للمنطقة العربية، يتوصل إلياس مرقص إلى استنتاج صائب ودقيق فيقول: (الاعتقاد أن همّ اسرائيل هو السلام والتعايش اعتقاد يناقض كل التجربة التاريخية والمعطيات العملية النظرية)([55]). لكنه لم ينسَ البتة أن يحول سهامه إلى محسن إبراهيم ونايف حواتمة ولو بعد عشرين سنة، فأعاد التذكير بأن (محسن ابراهيم ونايف حواتمة كانا يبشران بالحل السلمي، ويندبان حظ العرب لأن الحل السلمي يعني الاستسلام والانكسار والخيانة (…). أما نحن فرأينا ان الحل السلمي لن يأتي أبدًا، لأن إسرائيل لن تتراجع، والعرب عاجزون عن فرض التراجع على إسرائيل والقبول بحدود 1967)([56]). وللأسف فإن هذا الاستنتاج هو نصف الحقيقة؛ فحدود 1967، بل أقل منها، صارت المنتهى والمشتهى للأنظمة العربية. والحل السلمي بسط جانحيه على مصر والأردن، وانسحبت إسرائيل من أراضي البلدين بشروط مهينة. أما ما كان يندبه محسن إبراهيم ونايف حواتمة ويخشيانه في سنة 1970 فقد تغير حاله بعد حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973 حين رأت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بلسان نايف حواتمة أن تلك الحرب غيّرت موازين القوى بين العرب وإسرائيل، وبات في الإمكان الحصول على دولة مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة. وتبين أن ذلك محضوهم وسراب، وهو ما يُضاف إيجابًا إلى رصيد إلياس مرقص. غير أن إلياس مرقص لم يجد إلا معادلة ساذجة في حسابات السياسة ليتبناها بديلًا من الدعوة إلى حرب التحرير الشعبية فقال: (إذا كانت إسرائيل مع الحرب فيجب أن نكون مع السلام. إسرائيل ضد الشرعية الدولية، إذًا نحن مع الشرعية الدولية (…) لأن السلام والسياسة هما البديل الأفضل من الحرب)([57]). وهنا يُثار السؤال التالي: ما دامت إسرائيل دولة توسعية، ماذا يكون الموقف إذًا لو أنها شنت الحرب؟ وماذا يفعل العرب والفلسطينيون في هذه الحال؟ أَيرددون أنهم مع السلام والشرعية الدولية أم يدافعون عن أنفسهم؟ وما دامت إسرائيل دولة توسعية، بحسب تشديد إلياس مرقص نفسه، فسيكون من الغباء ألا يستعد العرب للحرب ولمقاومة نتائجها. وهكذا تصبح الدعوة إلى السلام والتزام الشرعية الدولية غير ذات قيمة؛ تلك الشرعية التي قال عنها إلياس مرقص ما يلي: (لا أتصور أن الشرعية الدولية ستكون بعد عشرين سنة صورة طبق الأصل عن حال الشرعية الدولية اليوم. وإذا بقيت الشرعية الدولية كما هي اليوم، فأعتقد أن البشرية تكون في هذه الحال سائرة نحو الفناء)([58]). وهذا الكلام قاله إلياس مرقص في سنة 1990، أي منذ سبع وعشرين سنة. ولا أعتقد أن البشرية سائرة نحو الفناء.

لن أكون عادلًا على الإطلاق في متابعة توقعات إلياس مرقص ومطابقتها على ما جرى بالفعل من الحوادث والوقائع. فالزمن كفيل بتغيير كثير من الاتجاهات والدوافع. وما أتطلع إليه من خلال المقارنات هو اكتشاف الدينامية الفكرية لدى إلياس مرقص التي جعلته يخوض سجالات لا تنتهي في الاتجاهات جميعها. ولا ينتقص من منزلتها الفكرية البتة أن كثيرًا من أحلامه وتوقعاته لم تجد لها مكانًا في الدروب إلى المستقبل؛ وهذا أمر بدهي تمامًا، وفي هذا المعنى يقول دزرائيلي: (إن ما نتوقعه نادرًا ما يحدث، وما نستبعده غالبًا ما يحدث). وعلى سبيل المثال رأى إلياس مرقص أن (الأساس المادي جدًا هو نمو الصهيونية الدائم، عدوانيتها الدائمة، توسعها الإقليمي. إن نواياها ونوايا أميركا التوسعية أكثر مادية من أساسكم المادي. إنها أساس مادي ليس فقط لتصفية قضية فلسطين ومشكلة الشرق الأوسط، بل لتصفية قضية فلسطين واستقلال الشرق الأوسط والوجود القومي العربي (…). وخطر التوسع الاقتصادي الإسرائيلي محدود. إنه ليس إلا جزءًا من المسألة: التوسع الإقليمي، سحق الطاقة العسكرية العربية، الهجرة والنمو السكاني. والحراسة الإمبريالية للتجزئة العربية لها ثقل أكبر في ميزان المشروع الصهيوني([59]). وهذا الفهم ثاقب جدًا في ثقافة بداية سبعينيات القرن العشرين، وهو صحيح تمامًا ما عدا فكرة التوسعية الجغرافية التي انتهت بعد حرب تشرين الأول/ اكتوبر 1973. وفي أي حال، بعد ثماني سنوات فقط، أي في سنة 1979، بدأ الانسحاب الإسرائيلي من سيناء الذي اكتمل في سنة 1981، وانسحبت إسرائيل من قطاع غزة في سنة 2005، وانسحبت من جنوب لبنان إلا من بضع تلال في سنة 2000، وها هي مستعدة للانسحاب من الجولان معظمه. على الأقل هذا هو موقفها قبل اندلاع الحوادث السورية في سنة 2011، أي إن إسرائيل شرعت منذ سنة 1979 في رسم حدودها مع الدول العربية المحيطة بها عدا فلسطين؛ فهناك مقتلها التاريخي، إذ إنها غير قادرة على ضم الضفة الغربية بسكانها، وغير قادرة على طرد السُكان وضم الأرض، وغير قادرة على الانسحاب من الأرض.

 

ملاحظات ختامية

إن استعادة كتابات إلياس مرقص اليوم وإخضاعها للنظر بعيون جديدة، على عدم عدالتها، تبرهن، على الأقل، مدى الحيوية الفكرية والثقافية والنقدية التي اتسمت بها كتاباته قبل نحو سبع وأربعين سنة. وفي تلك المرحلة تغيرت المنطقة العربية أيما تغير، وتلاشت منظمات وأحزاب وأنظمة، وقامت على ظهرها منظمات أخرى وأحزاب جديدة ونُظم ما لبثت أن انهارت، ولم يبقَ من تلك الحقبة إلا أطلال تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد. وفي ميدان هذه الاستعادة يبرز غرام إلياس مرقص بالمصطلحات المفاجئة أو الغريبة أو حتى العجيبة، وتستهويه فكرة الانقلاب على بعض المصطلحات. وعلى سبيل المثال يترجم كلمة Alienation إلى (الانخلاع)، بينما الترجمة المقبولة والسارية هي الاغتراب أو (الاستلاب)([60]). وهو يرفض استخدام مصطلح (فلسطين المحتلة عام 1948) ويقترح بدلًا منه (فلسطين المحتلة والمسكونة باليهود والمهودة والمؤسرلة بين 1880و 1950).([61]) وهي جملة طويلة. ويستعمل مصطلح (الاستعمار السكاني)، فيما المأنوس هو (الاستعمار الاستيطاني الإحلالي)، وهو أكثر دقة وشمولًا([62]).

في جانب آخر يذكر أن نابليون بونابرت كان أول من فكر بتهويد فلسطين([63]). وهذه رواية شائعة عادمة الدقة تزعم أن بونابرت وجه إلى اليهود في سنة 1799 نداء لتحرير القدس وهو في طريقه إلى محاصرة عكا. والحقيقة أن هذا النداء خرافي تمامًا ولا وجود له في أي مصدر علمي، ولم يُعثر على نصه الأصلي في أي مركز مرموق للتوثيق، ولا في محفوظات الدولة الفرنسية. وتبين بعد البحث أن هذا النداء اختراع صهيوني روّجه عدد من الكُتاب أمثال المؤرخ اليهودي الفرنسي بول جيفنسكي والمؤرخ اليهودي النمساوي فرانز كوبلر. وقد دحض كثيرون من دارسي حقبة بونابرت هذا النداء أمثال هنري لورنس الذي فضح نص ذلك النداء الذي يزعم أنه صدر في مقر قيادة بونابرت في القدس. والمعروف أن بونابرت لم يذهب قط إلى القدس. وفوق ذلك فإن أسماء الحاخامين الواردة في ذيل النداء أمثال الحاخام هارون بن ليفي مفبركة كلها([64]). وعلى هذا النحو يذكر تقرير هنري كامبل- بنرمان في أكثر من مكان ويستشهد به (كشاهد على الارتباط بين قضية فلسطين والوحدة العربية)([65]).

إن النص الأصلي لتقرير كامبل – بنرمان غير موجود على الإطلاق. وقد صرف الدكتور أنيس صايغ أسابيع عدة في بريطانيا في أواخر ستينيات القرن المنصرم وهو يفتش عن هذا النص في المتحف البريطاني وفي مكتب الوثائق العامة، ولم يتوصل إلى أي نتيجة. ثم ذهب إلى كيمبردج وعكف عل التنقيب في أوراق هنري كامبل – بنرمان التي أودعها مكتبة (كلية المسيح) فلم يعثر على أي إشارة. ثم عاد إلى جريدة (التايمز) لسنة 1907 فلم يعثر حتى على خبر واحد عن المؤتمر المزعوم الذي عقده كامبل – بنرمان والذي صدرت عنه (وثيقة) كامبل – بنرمان. وتبين لاحقًا أن هذا (التقرير – الوثيقة) مجرد حكاية شفوية لا أكثر ولا أقل، وخلاصتها أن المحامي الفلسطيني أنطون سليم كنعان كان مسافرًا إلى أوروبا في أواخر أربعينيات القرن العشرين، وكان إلى جانبه في الطائرة، مصادفة، راكب هندي، ودار حديث بين الاثنين على الحكم البريطاني في الهند وفلسطين ومساوئه. وهنا أخبر الراكب الهندي المجهول الاسم والصفة رفيقه الفلسطيني أن مؤتمرًا دعا إليه كامبل – بنرمان في سنة 1905، وأن هذا المؤتمر أصدر في سنة 1907 توصيات تنص على كيت وكيت. والكلام كله كان شفويًا تمامًا. وقد افترق الرجلان فور وصولهما إلى مقصدهما. وبنى أنطون كنعان من حديث الرجل الهندي حكاية مؤتمر هنري كامبل – بنرمان ووثيقته الذائعة الصيت، وألقى عنها محاضرة أمام اتحاد المحاميين العرب وفي النادي العربي في دمشق، وكذلك في عمان والقاهرة وفرنسا، ورفع مذكرة في شأنها إلى البابا في 26/9/1949. وعن محاضرات أنطون كنعان ومقالاته التي ليس لها سند نقل الكتبة والصحافيون أخبار ذلك التقرير ومضمونه، حتى صار (وثيقة لا يرقى إليها الشك)([66]).

* * *

رحل إلياس مرقص قبل ستة وعشرين عامًا، ولم تتمكن الفصائل العسكرية الفلسطينية المقاتلة تحرير فلسطين. ووصلنا، بعد نحو سبعين سنة على النكبة، وأكثر من خمسين سنة على انطلاقة المقاومة المسلحة إلى عجزين: عجز الفلسطينيين عن تحرير وطنهم، وعجز الإسرائيليين عن إطفاء شعلة التحرر لدى الشعب الفلسطيني. وبدلًا من أن تتقدم المجتمعات العربية نحو الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية ها هي تغرق في دماء أبنائها. وانتهى الدور القديم للمثقف العربي، وما عاد أحد يقتنع بقدرته على التأثير في مجريات الأحوال لأنه، هو نفسه الذي كان يناضل في سبيل نهوض الأمة، صار يحتاج إلى مَن ينهض به من رقاده الأيديولوجي أو من عطالته الفكرية. وللأسف، فإن كتابات إلياس مرقص في الشأن الفلسطيني صارت، مثلها مثل كتابات حقبتي الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين معظمها، تنتمي إلى عصر اضمحل واندثر مع ما فيها من رؤى مستقبلية كثيرة. لكن مصائر المقاومة الفلسطينية اليوم ليست دليلًا على صحة توقعات المفكرين على غرار ما كانت تصاغ به بيانات الأحزاب الشيوعية قبل عقود خلت، والتي كانت تفتتح بياناتها بجملة مأثورة هي: (لقد أثبتت الأحداث صحة توقعاتنا). لا، لم تثبت الحوادث والوقائع صحة توقعات المفكرين والمنظرين العرب ومن بينهم إلياس مرقص، فالحكمة لا تظهر في البدايات، لكنها، في معظم الأحيان ربما تأتي متأخرة. وهنا أنا اليوم أخاطب اسم إلياس مرقص، ذلك المفكر النزيه والصادق، لأقول: حلمتَ بالوحدة العربية وتحرير فلسطين والاشتراكية، وبالعدالة والتقدم ودحر الإمبريالية. أيها الغائب، هناك الآن دول إسرائيلية عدة في العالم العربي: واحدة تتكلم العبرية، والباقي يتكلم العربية.

 

([1]) راجع: صقر أبو فخر، (هل اليسار ممكن في العالم العربي اليوم؟) مجلة (الآداب)، بيروت، الأعداد 7 و8 و9 (آب/أغسطس- أيلول/سبتمبر)، 2011، ص9.

([2]) انظر: إلياس مرقص مقدمة كتاب (الشعب الفلسطيني: اللاسامية، الصهيونية اليهودية، العنصرية المضادة للعرب ومحاكمة الغرب)، تأليف مجموعة من الكتاب اليهود، إلياس مرقص (ترجمة وتعليق)، (بيروت: دار الحقيقة، 1974)، ص 35.

([3]) راجع: إلياس مرقص، حوارات غير منشورة، صقر أبو فخر (تقديم)، (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، ص151.

([4]) توفي في 26/1/1991.

([5]) (بيروت: دار الطليعة، 1974).

([6]) إلياس مرقص، عفوية النظرية في العمل الفدائي، (بيروت: دار الحقيقة، 1970)، ص 202.

([7]) إلياس مرقص، عفوية النظرية في العمل الفدائي، ص 273.

([8]) مينيرفا إلهة الحرب عند الرومان وإلهة الحكمة أيضًا، وهي تعادل أثينا عند الإغريق. أما جوبيتير فهو كبير آلهة الرومان ويعادل زيوس لدى الاغريق.

([9]) الإيسكرا أو الشرارة هي صحيفة الحزب الشيوعي في روسيا.

([10]) فكرة إنشاء حزب ثوري ماركسي لينيني دغدغت أحلام كثير من الفلسطينيين ليس في الجبهة الديمقراطية وحدها أو في الجبهة الشعبية، بل في داخل حركة فتح أيضًا.

([11]) لياس مرقص، عفوية النظرية في العمل الفدائي، ص 68.

([12]) إلياس مرقص، حوارات غير منشورة، ص 317- 321.

([13]) إلياس مرقص، المقاومة الفلسطينية والموقف الراهن، (بيروت: دار الحقيقة، 1971).

([14]) قيس الشامي هو الاسم المستعار للكاتب السوري عزيز العظمة.

([15]) صدر هذا الكتاب عن دار الطليعة في بيروت سنة 1970.

([16]) صدر بالفرنسية سنة 1970، ثم ترجم لاحقًا إلى العربية.

([17]) إلياس مرقص، المقاومة الفلسطينية والموقف الراهن، ص 20.

([18]) إلياس مرقص، المقاومة الفلسطينية والموقف الراهن، ص 23.

([19]) راجع: إلياس مرقص، حوارات غير منشورة، ص 144.

([20]) إلياس مرقص، المقاومة الفلسطينية والموقف الراهن، ص 30.

([21]) إلياس مرقص، المقاومة الفلسطينية والموقف الراهن، ص 50.

([22]) إلياس مرقص، المقاومة الفلسطينية والموقف الراهن، ص 51.

([23]) إلياس مرقص، المقاومة الفلسطينية والموقف الراهن، ص 40 و41.

([24]) كان يُطلق على الأراضي الفلسطينية التي احتلت في سنة 1967 (فلسطين العربية)، وعلى الأراضي التي احتلت في سنة 1948 (فلسطين الاسرائيلية).

([25]) إلياس مرقص، المقاومة الفلسطينية والموقف الراهن، ص 100- 101.

([26]) يقول إلياس مرقص في كتابه (عفوية النظرية في العمل الفدائي) (ص339- 340) إن (المقاومة الفلسطينية لا يمكن أن تكون حتى ولا بعد مئة سنة بديلًا عن العرب، عن مصر، عن القوة العربية الهزيلة، ولكن الأقوى من المقاومة الفلسطينية حتى الواعية الصاحية. وحرب التحرير الشعبية لا يمكن أن تكون بديلًا عن الجيش النظامي (…). على جيوشنا النظامية أن تقاتل أولًا. وعلى الحرب الشعبية المساندة أن ترتقي إلى مستوى الحرب النظامية).

([27]) يقترح إلياس مرقص على المقاومة الفلسطينية أن تقيم لنظرية حرب التحرير الشعبية الاحتفال المهيب الذي يليق بها وهو احتفال الدفن. انظر: المقاومة الفلسطينية والموقف الراهن، ص 58.

([28]) إلياس مرقص، عفوية النظرية في العمل الفدائي، مصدر ص 15.

([29]) يعرّف إلياس مرقص الايديولوجيا بأنها (شيء غير العلم، بل مناقض للعلم. إنها مجموعة أفكار، أوهام وخليط من حقائق وأباطيل. والماركسية علم وليست أيديولوجيا، أو أنها، بحسب لينين، أيديولوجيا علمية للبروليتاريا (انظر: عفوية النظرية في العمل الفدائي، ص 229-230).

([30]) إلياس مرقص، المقاومة الفلسطينية والموقف الراهن، ص 8.

([31]) إلياس مرقص، المقاومة الفلسطينية والموقف الراهن، ص 65. والتهوير بالعامية الشامية هي التدهور، فيقال (هوّرت السيارة) أي تدهورت.

([32]) إلياس مرقص، عفوية النظرية في العمل الفدائي، ص 232.

([33]) إلياس مرقص، عفوية النظرية في العمل الفدائي، ص 46.

([34]) إلياس مرقص، عفوية النظرية في العمل الفدائي، ص 339.

([35]) إلياس مرقص، عفوية النظرية في العمل الفدائي، ص 233- 235.

([36]) إلياس مرقص، عفوية النظرية في العمل الفدائي، ص 341.

([37]) إلياس مرقص، عفوية النظرية في العمل الفدائي، ص 293.

([38]) إلياس مرقص، عفوية النظرية في العمل الفدائي، ص 213.

([39]) انظر: جاد الكريم الجباعي، جدلية المعرفة والسياسة: حوارات مع إلياس مرقص، (دمشق: دار النايا للدراسات والنشر، 2011).

([40]) ن.ح. هو نايف حواتمة. وص.ج.د. هو صادق جلال العظم. أما ن.خ. فهو نظمي خورشيد مؤلف كراس (العفوية والنظرية في العمل الفدائي)، وهو طبيب أطفال فلسطيني عمل في اليمن وظفار والكويت. وانتهت حياته في الكويت تحت التعذيب في سنة 1991.

([41]) راجع: إلياس مرقص، المقاومة الفلسطينية والموقف الراهن، ص 63.

([42]) إلياس مرقص، عفوية النظرية في العمل الفدائي، ص 152 و153.

([43]) إلياس مرقص، عفوية النظرية في العمل الفدائي، ص 28 و85.

([44]) إلياس مرقص، عفوية النظرية في العمل الفدائي، ص 74.

([45]) إلياس مرقص، المقاومة الفلسطينية والموقف الراهن، ص 26.

([46]) إلياس مرقص، عفوية النظرية في العمل الفدائي، ص 284.

([47]) هذا الكتاب عبارة عن مجموعة من المقالات ظهرت في العدد الأول من المجلة الفرنسية هيريتيم HeryTem (أيار/ مايو 1969). والمقالات بقلم كُتاب يهود هم: مكسيم رودنسون وجيزيل بلوك وبيار بيرمان وعمانوئيل ليفين وجان بوبيرو. وقد تُرجم إلى العربية ونشرته دار الطليعة في بيروت سنة 1974، وقدم له إلياس مرقص.

([48]) مقدمة كتاب: الشعب الفلسطيني، ص 32 و33.

([49]) إلياس مرقص، عفوية النظرية في العمل الفدائي، ص 211.

([50]) إلياس مرقص، عفوية النظرية في العمل الفدائي، ص 338.

([51]) إلياس مرقص، عفوية النظرية في العمل الفدائي، ص 210.

([52]) انظر: سميح القاسم، «التعريف بما هو معروف»، مجلة (كل العرب)، حيفا، 16/7/1993.

([53]) راجع: خضر محجز، إميل حبيبي: الوهم والحقيقة، (دمشق- بيروت: دار قدمس، 2006).

([54]) انظر: جورج كرزم، الحزب الشيوعي الإسرائيلي، (القدس: منشورات الشعلة، 1993).

([55]) راجع: إلياس مرقص، المقاومة الفلسطينية والموقف الراهن، ص 74.

([56]) انظر: إلياس مرقص، حوارات غير منشورة، ص 143.

([57]) إلياس مرقص، حوارات غير منشورة، ص 240 و325.

([58]) إلياس مرقص، حوارات غير منشورة، ص 323.

([59]) إلياس مرقص، عفوية النظرية في العمل الفدائي، مصدر سبق ذكره، ص 59و 115 و116.

([60]) إلياس مرقص، المقاومة الفلسطينية والموقف الراهن، ص 25.

([61]) إلياس مرقص، المقاومة الفلسطينية والموقف الراهن، ص 18.

([62]) إلياس مرقص، عفوية النظرية في العمل الفدائي، ص 94.

([63]) يستشهد بكتاب يوري إيفانوف، احذروا الصهيونية، موسكو: وكالة نوفوستي، 1969 (انظر: إلياس مرقص، عفوية النظرية في العمل الفدائي، ص 30 و209).

([64]) راجع ما دحضه هنري لورنس في: بشارة خضر، أوروبا وفلسطين: من الحروب الصليبية حتى اليوم، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2003)، ص 75-82.

([65]) إلياس مرقص، عفوية النظرية في العمل الفدائي، ص 100 و130 و210 و327. ولإلياس مرقص فضيلة معرفية مشهودة، فقد علم لاحقًا من الدكتور جورج جبور أن (وثيقة كامبل – بنرمان) لا وجود لها، وعلم أنها اختراع عربي (انظر: إلياس مرقص، حوارات غير منشورة، ص 134). لكن، ما لم يذكره إلياس مرقص هو أن مَن كشف عدم وجود هذه (الوثيقة) هو الدكتور أنيس صايغ، وكتب في ذلك مرات عدة، وأنها ليست اختراعًا عربيًا تمامًا، بل هي اختراع هندي بصياغة عربية.

([66]) انظر: صقر أبو فخر، «وعد نابليون لليهود خرافة))، جريدة العربي الجديد، (لندن، 13/11/2014)، ص 16.

صقر أبو فخر

باحث فلسطيني، تحصّل على درجة البكالوريوس في علم الاقتصاد عام 1976. يشغل وظيفة مدير شؤون التحرير في فرع بيروت للمركز العربي للأبحاث ودراسة السّياسات، وهو متخصّص في الشّؤون العربيّة والفلسطينية على وجه التّحديد. وشغل قبل التحاقه بالمركز وظيفة سكرتير التّحرير في ملحق “فلسطين” الصّادر عن جريدة “السّفير” اللّبنانية منذ إنشاء هذا الملحق. وبدءًا من عام 1981، عمل صقر أبو فخر محرّرًا ونائب مدير التحرير في عددٍ من الدوريات العلمية المحكّمة وفي عدد من مراكز الأبحاث، من ضمنها مركز التخطيط التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية ومعهد الدّراسات الفلسطينية. وقد كتب العديد من المقالات عن الثّقافة والتاريخ الفلسطينيّين، وعن وضع اللاجئين الفلسطينيّين في لبنان، وقد تُرجمت كتاباته إلى عددٍ من اللّغات، كالتركية والكردية والفارسية والفرنسية والإنكليزية. علاوةً على ذلك، فهو عضو في عددٍ من المؤسّسات المهنية، مثل الاتحاد العام لكتاب فلسطين، ولجنة الإعلام في المجلس العالمي لفلسطينيّي الشّتات (جنيف)، وهو عضو في المؤتمر القومي العربي، وعضو مؤسّس في “مجموعة عائدون – لبنان”.