أقلية ونضال وعسكر

المصير المحتّم للعلويين

ولد حافظ الأسد في 6 تشرين الأول 1930 في القرداحة في قلب ما اصطلحنا عليه اسم بلاد العلويين قبل أن تتخلى فرنسا عن سنجق إسكندرون في عام 1939 لتركيا. يشغل 350000 علوي تقريبًا الجزء الأساسي من الأرض الواقعة بين أنطاكيا في الشمال والنهر الكبير الذي يفصل لبنان عن سورية في الجنوب، والمتوسط من الغرب، ونهر العاصي من الشرق تقريبًا. وبعد الضربة الموجعة لسورية من قبل فرنسا، أصبح مئة ألف عربي، غالبيتهم من العلويين، في ظل الإدارة التركية. العلويون الآخرون، ومنهم عائلة الرئيس السوري في المستقبل، بَقَوْا في ظل الإدارة الفرنسية حتى تم إعلان الاستقلال السوري في أيلول 1941 بوضوح من قبل الجنرال كاترو.

درج المؤرخون والجغرافيون على عادة تقسيم البلاد العلوية السورية إلى أربعة قطاعات وهي من الغرب إلى الشرق: الشاطئ نفسه مع مدنه الثلاث (اللاذقية وبانياس وطرطوس)، والسهل الساحلي وهو منطقة ملكيات زراعية كبرى، والجبل الذي يقسم هو نفسه إلى تلال منخفضة ومرتفعة؛ وأخيرا البلاد الداخلية. إذا كان العلويون أغلبية في الريف وفي الجبل، فَهُم في المقابل أقلية في المدن. ويشكل المسلمون السنة في مدة ولادة حافظ الأسد ثلاثة أرباع سكان اللاذقية (26000 نسمة) تقريبًا. كما إن الطوائف المسيحية حاضرة بقوة في المدن الساحلية، إذ تشكل 15 في المئة باللاذقية و30 بالمئة في طرطوس. ويتبين مما سبق أن العلويين في المدينة هامشيون تقريبًا.

 

طائفة منبوذة

ستشكل الأصول الريفية أو الجبلية للعلويين عبئًا ثقيلًا على مصير الطائفة، فتاريخها غير معروف بصورة جيدة. عانت هذه الطائفة -مثل غيرها من الطوائف ذات الأصول الشيعية- كثيرًا انتصار الإسلام الأرثوذوكسي أي السني، الذي لا يجد أفضل من العمل على شطب غالبية النصوص ((الإلحادية)) أي البدع. وكما يذكر جان ويلرس ((يندر أن يتعرض شعب إلى هذا القدر من الاضطهاد عبر التاريخ))[1].

ولدت الطائفة العلوية في العراق مهد الشيعة في عام 859 م. في هذه المرحلة يعلن ابن نصير، وأصله من البصرة، انتماءه للإمام أي للخليفة العاشر بعد علي، صهر الرسول (صلعم). ومن المعروف، -بصورة عامة مختصرة- أن الإمامة لدى الشيعة هي بمنزلة الخلافة عند السنة، إلا أنه يجب أن ينتمي الخليفة بالنسبة إلى السنة إلى قبيلة قريش، قبيلة النبي محمد، وهو ليس سوى قائد زمني مكلف بحماية الدين، في حين يجب أن يمتلك الإمام بالنسبة إلى الشيعة علمًا يتجاوز البشر (فوق بشري أو إلهي)، وتعاليمه لها قيمة مطلقة.

ويجسد علي أيضًا بوصفه خليفة أو إمامًا رابعًا؛ الألوهية في نظر الشيعة، وبالطبع في نظر ابن نصير مؤسس الطائفة العلوية، فهو وأنصاره دفعوا إلى الذروة الطقوس التي ينسبونها إلى علي في شيء من التأليه، فهو (أي علي) يتمثل المعنى ((الجوهر))،  أما النبي فدوره أقل أهمية عند العلويين مما هو عند أهل السنة: فهو ليس سوى الاسم ((الغطاء)) للإله. وأخيرا سلمان، أحد الصحابة الأساسيون في عهد محمد، فهو بمثابة الباب أو التلميذ. هذا الثلاثي العلوي أخذ أشكالًا عدة عبر تطور العالم. تشكل من هذه الأسماء الثلاثة (علي ومحمد وسلمان) اسم ثلاثي مقدس ((عمس))، وهو خاص بالأتباع فقط[2].

انتشرت العقيدة النصيرية بسرعة شمالي سورية عبر الأمراء الحمدانيين في حلب الذين سمحوا للأفكار الشيعية بالانتشار في كل مكان، إلا أن طرد الصليبيين من سورية، والعودة القوية للسنة من غير العرب، شكلا ضربة قاصمة للأقليات الإسلامية، خصوصًا للعلويين والإسماعيليين. في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، قامت قوات السلطان المملوكي الظاهر بيبرس، من منطلق (الغايات تبرر الوسائل)[3]، باجتياح الأرض العلوية والإسماعيلية، واحتلت قلاعهم ومعاقلهم وحاولت إدخالهم في الدين بالقوة عبر بناء المساجد في الأمكنة كلها. ومنع أي شكل من أشكال الدعوة لمعتقداتهم. وتم تتويج ذلك بقيام ابن تيمية، أحد أهم العلماء في بداية القرن الرابع عشر، بإصدار فتوى بحق العلويين، فتوى يستخدمها الإخوان المسلمون حتى اليوم، كتب يقول ((الحرب المقدسة هي مشروعة ومحببة لله ضد هؤلاء أصحاب المعنى المخفي (الباطنية)، فهم أكثر إلحادًا من المسيحيين ومن اليهود، أكثر إلحادًا أيضًا من أشد المشركين الذين ألحقوا الأذى بدين محمد أكثر من المشركين المقاتلين، كالإفرنج أو الترك أو غيرهم))[4].

تراجع العلويون إلى جبالهم مهزومين ومسحوقين، كما فعل الدروز والإسماعيليون والموارنة، وظلت معتقداتهم ثابتة، لم تتطور أبدًا.

ومن المدهش أنه يجب الانتظار سبعة قرون، وعودة ((الصليبيين الجدد)) حتى نلحظ استيقاظ العلويين. في أثناء هذه المرحلة الطويلة، لم يكن جبل الأنصارية –الكلمة مشتقة من ((نصير))– سوى منطقة منسية من قبل الإمبراطورية المملوكية ثم الإمبراطورية العثمانية.

على الرغم من تحطيمهم من قبل قوات بيبرس ومن خلفه، بقي العلويون منبوذين من قبل إمبراطورية استمرت بالحذر منهم، ومن أشكال الهرطقة والإلحاد كلها. كما إن بؤسهم المروع ثقافيًّا وماديًّا جعل منهم كائنات خاصة. إذ لم يتمكن أعداؤهم من الإجهاز عليهم، فقالوا إنه ((يستحيل السيطرة عليهم))، ((من غير الممكن حكمهم)). في الواقع يلعب المشايخ دومًا، بسلطتهم العليا في القبائل العلوية، دور الوسيط مع القبائل العلوية الأخرى، ولا سيما مع السلطات المركزية[5].

يرسم ابن بطوطة المؤرخ والجغرافي العربي الشهير الذي تنقل في المنطقة في منتصف القرن السادس عشر؛ لوحة معبرة: ))لا يدخلون المساجد ولا يهتمون بها. غالبًا حتى قطعانهم وحيواناتهم تلجأ إليها. غالبًا أيضًا يحصل عندما يصل رجل غريب إليهم يدخل المسجد ويدعوهم للصلاة، فيجيبون حينئذ: ((لا تنبح، أوه حمار سنعطيك غذاءك)) هؤلاء الناس عددهم مرتفع جدا))[6].

تعد شهادة ابن بطوطة، على الرغم من الشك الذي تحمله، واحدة من الشهادات النادرة التي تضمنت بعض التفاصيل المتعلقة بتلك المرحلة من التاريخ العلوي، ويشير أيضًا إلى بعض الانتفاضات التي قمعت بقسوة. ففي عام 1317، قام أحد ((أنبياء)) العلويين بقيادة أتباعه للثورة على المدينة الإسلامية الساحلية جبلة، إلا أنه تم صدّ المهاجمين بسرعة، ثم مطاردتهم، ووقع أكثر من عشرين ألف قتيل في صفوفهم، ولكن هذا لم يكف السلطان الذي لا يريد أن يسمع بالحديث عن العفو عنهم. ويذكر ابن بطوطة أن أمير طرابلس تدخل لدى السلطان في القاهرة بهدف حماية أرواح الفلاحين العلويين: ((هؤلاء الناس يعملون في الأرض العائدة للمسلمين، فإذا ما قتلوا، يؤدي ذلك بالضرورة إلى إضعاف المؤمنين))[7].

هذه اللمحة المدهشة تعبر أفضل تعبير عن المصير القاسي للشعب العلوي: سذاجته ومعاناته والتسامح الذي أفاد منه، فرضته الاعتبارات الاقتصادية فقط، وحاجة ((المؤمنين)) لعملهم.

تمكن الأتراك العثمانيون خلفاء السلاجقة من طرد المماليك في عام 1516م. لم يكسب العلويون من هذا التغيير، لأن الباب العالي يسخر تمامًا من أناسه، وما يطلبه منهم ببساطة أن يدفعوا ضرائبهم بالتمام والكمال.

 

شعب مهمش

بدء في عام 1535 حدثٌ كبير وجديد في المنطقة، تمثل بتوقيع نظام الاستسلام الذي سمح للقوى الأوروبية الكبرى على رأسها فرنسا بالتجارة مع الشرق الأوسط. وبدأنا نشهد عودة سورية، وخاصة حلب والمدن الساحلية، لتدخل حركة التجارة الدولية. انتشر القناصل الفرنسيون في هذه المدن المعروفة باسم ((سلم الشرق)) جميعها. لكن، على الرغم من أن الأتراك واليونان والعائلات الإسلامية الكبيرة أو المسيحية استقروا جميعهم في المدن الكبرى، وجمعوا الثروات أو كافحوا ببساطة لتحسين ظروف حياتهم اليومية، بقي ((الشعب العلوي)) غريبًا بالكامل عن هذا النظام الجديد الصاعد، فهم ثابتون في السهول الساحلية حيث لا تعود ملكية الأرض إليهم، أو هم معزولون في جبالهم، يبقون على قيد الحياة في ظروف بائسة. كما إن ظروف حياة الفلاحين في السهل شديدة القسوة، لأنه من المستحيل الإفلات من مراقبة رجال الباشا وأزلامه[8]. بالمقابل، تمكن الجبليون كالموارنة في لبنان من الاحتفاظ باستقلال شبه تام.

في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، شهدت حياة الفلاحين العلويين انقلابًا كبيرًا، فالإمبراطورية العثمانية أصبحت متقدمة في طريق التفكك، في الوقت الذي يواجه فيه نابليون بونابرت بقوة أعداءه الأوروبيين الكثيرين. يدفعهم دومًا الفقر ولكن أيضًا الفوضى التي انتشرت من حولهم، فهم –العلويين- أكثر حرية في الحركة. بدأت العصابات العلوية تنهب، وتأخذ الرهائن، مما تطلب تدخل جيوش كاملة لدفع العلويين نحو جبالهم، وتضاعف إعدام الفلاحين بين طوائف متنافسة، كما يحدث اليوم في لبنان، فما يحدث ليس سوى تصفية حسابات على نطاق واسع.

في عام 1808، انفجر الغضب عندما قام اثنان من العلويين بقتل أمير الإسماعيليين في معقله مصياف. وتوالت المجازر بعد ذلك، ولكن باشا دمشق الذي دعي من قبل الإسماعيليين، لم يتمكن سوى من دفع القبائل العلوية إلى جبالها التي يستحيل دخولها. بعد حوالى قرنين من هذا التاريخ ما تزال الكراهية القوية المتبادلة حية في الذاكرة الجمعية للطائفتين كلتيهما نتيجة هذه الواقعة المروعة. فالدروز والموارنة لم يبتكروا شيئًا في هذا المجال.

يشكل فتح سورية في عام 1833 من قبل الحاكم المصري محمد علي امتحانًا جديدًا للعلويين، بعد تأسيسه الدولة المركزية، ويريد محمد علي بسط السيطرة على المناطق كلها. كان هذا التدخل لا يطاق، مما قاد العلويين إلى الثورة، إلا أنهم أضعف من مواجهة الجيش المصري، فقادتهم معظمهم واجهوا المقصلة.

لم يستمر الوجود المصري سوى مدة قصيرة، ففي عام 1840، توجب على جيش محمد علي الانسحاب المذل أمام التحالف الذي يضم إنكلترا والنمسا وتركيا. لا يحتاج الجبليون العلويون أكثر من ذلك، فهم مفعمون بالنشاط، وسرعان ما بادروا بقيادة زعيم قبلي صغير ((إسماعيل بك)) بتأكيد قوتهم. أفاد من حنكته بسرعة لنيل اعتراف شبه رسمي من الحكومة العثمانية التي كانت عاجزة عن إخضاعه، إلا أن طموحاته أودت به، حيث قتل بعد ذلك بقليل.

لاحظ لوكروا سكرتير أرنست رونان الذي رافقه خلال رحلته في الشرق في عام 1861، أن العلويين ((هم جماعات فقيرة دائمًا في حرب مع السلطات التركية))، ويضيف أيضًا إنهم ((يرهبون السوريين))[9].

لم تحمل نهاية القرن التاسع عشر أي تغيير للطائفة التي توجب عليها، زيادة الأخذ في الحسبان إعادة تنظيم الوجود العسكري العثماني. ولكن هذه اليقظة للإمبراطورية تتزامن مع صعود القومية العربية. وأدت الحرب العالمية الأولى إلى انهيار تركيا ويقظة كثير من الخصوصيات المحلية. وتحول جبل الأنصارية إلى ملجأ للفارين من أصول مختلفة جميعهم، وفي الحقيقة فتح باب عودة الغرب إلى المنطقة بعد سبعة قرون.

 

متعاونون وقوميون عرب

في أيار 1916 وجد المنتصرون على العثمانيين -الفرنسيون والإنجليز- بحسب اتفاق سايكس- بيكو، أنفسهم على رأس منطقة شاسعة مفككة تمامًا، تمتد من الغرب إلى الشرق، من المتوسط حتى الخليج، ومن الشمال إلى الجنوب، من الجبال التركية طوروس وحتى صحراء الجزيرة العربية. على هذه المساحة التي تعادل مساحة فرنسا مرة ونصف، تتعايش عشرات الطوائف والأعراق قليلًا أو كثيًرا، ويشكل العرب المسلمون السنة بالتأكيد الغالبية، ولا سيما في سورية وفي فلسطين، إلا أن العرب الشيعة هم أكثرية في العراق، كما لا يمكن تجاهل الأقليات العربية المسيحية؛ فهي تلعب دورًا نشطًا جدًا، ولاسيما في الميدان الاقتصادي. أخيرًا يطرح سكان الجبال جميعهم مشكلات كبرى على السلطات المركزية، سواء أكانوا أكرادًا أم دروزًا أم موارنة أم علويين.

إذا أضفنا إلى ذلك ما يحرك البريطانيين والفرنسيين من أفكارة مضمرة عدة، والوعود المتناقضة التي أعطيت للمجتمعات المحلية وحرضتها واحدًا ضد الآخر أحيانًا، وأخيرًا التأثير الذي تركته أفكار توماس وودرو ويلسون المناهضة لأي احتلال إمبريالي، يمكننا أن نتخيل أن المهمة الموكلة إلى باريس ولندن من قبل عصبة الأمم لن تكون سهلة على الإطلاق.

وصل أول جندي فرنسي في 8 تشرين الثاني عام 1918 إلى اللاذقية، وكان أول قرار لقائد القوات الفرنسية الملازم الأول جان دولاروش[10]، حل الحكومة المؤقتة التي شكلها وجهاء المدينة بعد مغادرة آخر الموظفين العثمانيين في 9 تشرين الأول السابق. لم تكن هذه الحكومة قادرة على السيطرة على البلاد العلوية، فأعلنت انضمامها فورًا إلى المملكة الهاشمية للشريف فيصل. فرض دولاروش مباشرة السيادة الفرنسية، ولكن بقدر ما كان إخضاع المدينة سهلًا، بقدر ما طرح موضوع الجبل مشكلة، إذ لم يكن الأمر سهلًا هناك.

بالنسبة للعشائر الجبلية، كما يذكر بحق ويلرس: ((حكومة نظامية، مهما كانت ودية، تبقى دائمًا حكومة، يعني أنها تبقى شيئًا مزعجًا بطبيعتها، ويصعب تحملها)). فهي لن تتراجع إلا بالقوة. في شباط 1919، أراد الفرنسيون التحكيم في أزمة بين العلويين والاسماعيليين، وبدأت المواجهات بين قوات الانتداب والعلويين. وتعرضت القوات الفرنسية إلى هزيمة أمام بلدة الشيخ بدر الواقعة في منتصف الطريق بين طرطوس ومصياف. وأصبح الزعيم العلوي الشيخ صالح العلي، المهندس الحقيقي للنصر، أصبح سيد الجبل. تلقى الشيخ صالح دعمًا من مبعوثي فيصل على الفور، وكذلك من العصابات التركية التي قدمت من أنطاكيا. واستمرت المواجهات حوالى عام كامل، من تموز 1919 إلى تموز 1920، واستمر الفرنسيون بإطلاق النار ضد المجموعات العلوية المسلحة. في الواقع، كان لموت دولة الشريف، وهروب فيصل في لحظة الاعتراف بالانتداب الفرنسي رسميًا، الدور الحاسم في نهاية المواجهة. أصبحت البلد العلوية بعد ذلك  ((أراض مستقلة)) في ظل السيادة الفرنسية في 31 آب 1920.

استمرت المقاومة العلوية 15 شهرًا حتى استسلام الشيخ صالح في تشرين الأول 1921، وخيم الهدوء النسبي بعد ذلك -قليلًا أو كثيرًا- حتى مغادرة الفرنسيين.

تنشأ في داخل الطائفة العلوية -كما هو الحال لدى كثير من الطوائف- أزمة يتواجه فيها الوجهاء التقليديون والشخصيات القومية التي تضم كثيرًا من الشباب والمثقفين. وقد امتلك الاتجاهان كلاهما بسرعة مجلته، وكانت مجلة ((بلاد العلويين)) للاتجاه الأول ومجلة ((العروبة)) للثاني[11]. كان تصميم حافظ الأسد على إجراء مصالحة بين العلويين واحدة من أهم الخصائص المميزة له بعد سيطرته على السلطة في عام 1970، وكأنه احتفظ منذ طفولته بذكريات مؤلمة عن الانقسامات التي تمزق طائفته.

لاحت في الأفق مرحلة مهمة، حيث تعد فرنسا تقليديًا، حامية الأقليات المسيحية في الشرق الأوسط، وسّعت هذا الدور ليشمل الأقليات الإسلامية والإثنية، ومن بينها العلويون. وينسجم ذلك كله مع رؤية الانتداب ومبادئ ولسون التي تدافع عن حق الشعوب في تقرير المصير، إلا أنه كان من الصعب تطبيق ذلك، فإعادة التنظيم الإداري التي اعتمدها الفرنسيون، أثبتت أنها غير كافية للتحول المفاجئ لشعب من الفلاحين المتخلفين إلى إداريين ناجحين، إلا أن التخلف التاريخي الذي عرفه العلويون لم يكن السبب الوحيد في ذلك، لأن ((الأراضي المستقلة)) أي منطقة العلويين -في الواقع- لا تملك الوسائل لتحقيق طموحاتها، فهي في الوقت نفسه شديدة البؤس، وضيقة جدًا، لذا حاول الفرنسيون دمج هذه الأراضي في مجموعة دول الشرق.

وفي 12 تموز عام 1922، تصبح ((الأراضي المستقلة)) الدولة العلوية، وتدخل ضمن فدرالية الدول السورية التي تتضمن دولتي دمشق وحلب أيضًا، ولكن بعد ثمانية عشر شهرًا، انسحب الممثلون العلويون من المجلس الفدرالي، حيث كانت التناقضات على درجة كبيرة من الحدة مع الشركاء السوريين. وفي 5 من كانون الأول 1924، ألغى الجنرال ويغان الفدرالية، وأقام ((الدولة المستقلة للعلويين))، ولم يكن هذا الاستقلال إلا استقلالًا شكليًا تمامًا، ويجب الاعتراف بذلك، لأنه من حيث المنزلة العضوية، تم تعيين حاكم فرنسي بتاريخ 14 أيار 1930، يساعده مديرون ومستشارون، ضباط فرنسيون ينتمون إلى الأجهزة الخاصة في جيش الشرق، وهم يسيطرون الحقيقة على الإدارة المحلية مجملها.

منذ عام 1923، أوجد الفرنسيون مجلسًا تمثيليًا، يفترض له المشاركة في إدارة الدولة. ويتألف هذا المجلس من ستة عشر عضوًا؛ تسعة من العلويين، وثلاثة من السنة، وثلاثة مسيحيين، وواحد إسماعيلي، وكان يتم تسمية الربع فقط من قبل الحاكم، أما الباقون فيُنتَخبون بتصويت عام.

مع تصاعد تأثير القوميين العرب الذين أصبحوا أكثر نشاطًا، قامت فرنسا في عام 1930 بتعديل الاسم من ((دولة العلويين المستقلة)) -وهي تسمية مستفزة جدًا- إلى ((حكومة اللاذقية))، إلا أن هذا لم يغير شيئًا أساسيًا في مصير 250000 من السكان الخاضعين لهذه الإدارة.

ويبدو في الواقع أن الضغوط التي مارسها الوطنيون الدمشقيون بهدف الاستقلال؛ أثرت مباشرة في توجهات العلويين، ولكن قبل أن تعترف فرنسا، استنادًا إلى معاهدة 9 أيلول 1936 بالسيادة السورية على حكومة اللاذقية، وحاول القادة الرئيسون في الطائفة العلوية للمرة الأخيرة قلب الأوضاع إلى صالحهم، في وقت كانت المفاوضات جارية بين الفرنسيين والسوريين؛ ففي رسالة أرسلت بالتزامن إلى ليون بلوم رئيس الحكومة الفرنسية، وإلى قادة الحزب الاشتراكي الفرنسي، كتب المسؤولون العلويون، ومعهم سليمان علي الأسد[12] جد حافظ الأسد ما يأتي:

(المذكرة الرسمية التي سجلت في وزارة الخارجية الفرنسية برقم 3547، وبتاريخ 15 حزيران 1936).

((بمناسبة المحادثات التي تجري بين فرنسا وسورية في الوقت الحالي، لنا الشرف نحن وجهاء الطائفة العلوية في سورية بأن نلفت انتباه حكومتكم والحزب الاشتراكي إلى النقاط الآتية:

  • الشعب العلوي الذي حافظ على استقلاله على مر السنين مقابل تضحيات كبيرة، يختلف بمعتقداته الدينية وتقاليده التاريخية عن تلك التي تخص الشعب المسلم السني. ولم يخضع الشعب العلوي أبدًا إلى سلطة المدن الداخلية.
  • يرفض الشعب العلوي أن يكون مرتبطًا بسورية المسلمة لأن الدين الإسلامي يعد الدين الرسمي للدولة، وإن الإسلام يعد العلويين كفارًا. لهذا السبب، نود أن ننوه لكم بالتهديد الذي سيقع علينا إذا تم ارتباطنا بسورية عندما ينتهي الانتداب، حينئذ ستطبق سورية النظام والقانون الإسلاميين.
  • بالتأكيد، إعطاء سورية استقلالها إنهاء الانتداب يمثل تطبيقًا جيدًا للمبادئ الاشتراكية في سورية شريطة أن لا تنسوا بأن استقلالًا كامًلا للبلاد سيؤدي إلى سيطرة بضع عائلات مسلمة على الشعب العلوي في كيليكيا، وإسكندرون، وفي جبال النصيرية. بالنسبة لوجود برلمان وحكومة دستورية، فلن يضمنا الحريات الفردية (…) وفي الحقيقة، لن يؤدي ذلك إلا إلى خلق نظام يفرض تعصبه الديني على الأقليات. هل يريد القادة الفرنسيون أن يكون الشعب العلوي تحت سيطرة المسلمين؟
  • يتميز المسلمون العرب بالتعصب تجاه كل من هو ليس مسلمًا، وليس هنالك من بوادر أمل بتغيير هذا الوضع. لهذا السبب، ستواجه الأقليات في سورية خطر الموت عندما ينتهي الانتداب.

نشعر كذلك بالأسى اليوم للطريقة التي يتعامل بها المواطنون المسلمون في دمشق مع اليهود الذين يسكنون في أحياء المدينة، بإجبارهم على توقيع وثيقة يتعهدون بموجبها بعدم إرسال المؤن الغذائية إلى إخوتهم اليهود من سكان فلسطين. كما إن وضع اليهود في فلسطين هو الإشارة الأوضح إلى عنف المسألة الدينية عند المسلمين العرب تجاه كل من لا يرتبط بالإسلام. نعم، هؤلاء اليهود الطيبون الذين حملوا إلى هؤلاء العرب المسلمين الحضارة والسلام، ونشروا الذهب والخيرات في أرض فلسطين، والذين لم يضايقوا أحدًا، ولم يأخذوا شيئًا بالقوة، وعلى الرغم من ذلك كله، أعلن المسلمون عليهم حربًا مقدسة، ولم يترددوا بقتل نسائهم وأطفالهم. وهذا، على الرغم من وجود بريطانيا في فلسطين وفرنسا في سورية. ولتلك الأسباب كلها، ينتظر اليهود والأقليات الأخرى مصيرًا مشؤومًا، عندما تنتهي الانتدابات، ويتم تحقيق وحدة سورية المسلمة مع فلسطين المسلمة، الهدف الأسمى للعرب المسلمين….))

 

أُرخت هذه الوثيقة التي تتضمن بعض النقاط الأخرى بالروح نفسها في 15 حزيران 1936 وسجلت برقم 3547 في وزارة الخارجية الفرنسية[13]. وقع هذا الاتفاق إضافة إلى جد حافظ الأسد كل من عزيز آغا الحواش، ومحمد بك الجنيد، وسليمان المرشد، ومحمد آغا جديد (والد صلاح جديد رجل سورية القوي بين 1966 إلى 1970)، ومحمد سليمان الأحمد المعروف باسم بدوي الجبل. هذا النص المدهش يشكل مؤشرًا كاشفًا على أنهم منبوذون عبر قرون من قبل الإسلام السني. ويبدو أن كثيرًا من زعماء العلويين ليس لديهم الرغبة في رؤية الفرنسيين يغادرون، فهؤلاء كانوا في الواقع أول محتلين لسورية يعترفون بالهيمنة العلوية على الآخرين جميعهم غربي البلاد. ويشكل أعضاء في المجلس التمثيلي ((لحكومة اللاذقية)) الأغلبية. ولم يحدث إطلاقًا أن أظهرت قوة أجنبية كبرى هذه الأهمية كلها نحوهم، كما إن الإشارة إلى رفض الطائفة سيطرة ((سلطات المدن الداخلية)) هو أيضًا غني بالمعاني؛ فكل تاريخ سورية الحديث شأنه شأن العراق، يمكن رؤيته تحت هذا العنوان الخاص من الكفاح والمواجهة المستمرين بين أبناء المدن وأبناء الريف من أجل السيطرة على السلطة. وعلى سبيل الطرفة، تجدر الإشارة إلى التوازي الذي أقامه المسؤولون العلويون بين مصير طائفتهم ومصير هؤلاء ((اليهود الطيبين)) في فلسطين، وأقل ما يمكن أن يقال في هذا المجال أن حافظ أسد كان أقل تأثرًا بجده.

 

     العلويون وحزب البعث

ليس العلويين جميعهم مؤيدين لفرنسا على الرغم مما سبق، وبوجه خاص إذا كانوا قد درسوا في باريس، كما هو حال زكي الأرسوزي الذي كان السبب غالبًا في دخول حافظ الأسد في حزب البعث[14]. وزكي الأرسوزي علوي من لواء إسكندرون، مركز المنطقة التي سميت باسمه وأعطتها فرنسا إلى تركيا عام 1939، أسس الأرسوزي في عام 1933 مع صبري العسلي رابطة العمل القومي، وهي حركة قومية عربية، تتميز في الوقت نفسه ببعض الأفكار النازية –حيث حلت العروبة محل الجرمانية- كما تأثرت أيضًا ببعض الجمعيات السرية من مثل ((العهد))، و((الفتاة)) أو ((القحطانية)) التي ازدهرت بين عام 1900 وعام 1920، في نهاية الإمبراطورية العثمانية.

تهدف رابطة العمل القومي إلى إحياء الماضي المجيد للعالم العربي، وإعادة الأهمية للغة العربية ونقائها بوجه خاص. وكان أعضاؤها مناوئين بشدة للشيوعية. فقدت الرابطة كثيرًا من تأثيرها في سورية مع مغادرة العسلي في 1936، الذي قدم نفسه لاعبًا بالورقة الفرنسية، إلا أن دور الرابطة تعزز بالمقابل عند الدروز، وعند العلويين أيضًا. يجب التأكيد هنا على الدور المهم الذي قام به فرع الرابطة في إسكندرون، حيث عمل المناضلون كثيرًا لإرباك الفرنسيين، فهم المناضلون أنفسهم الذين شكلوا كتائب البعث الأولى[15].

انتهى الأرسوزي بالدخول إلى دمشق، بعد أن قاد المقاومة ضد الأتراك بعض الوقت، وأغفل الرابطة، وشكل في تشرين الثاني 1940 حركة جديدة سماها البعث العربي أو الإحياء العربي. إلا أن حركة الأرسوزي لم تنجح أبدًا، وبعد ثلاث سنوات ترك الأرسوزي الحياة السياسية النشطة، وانضم تلامذته معظمهم إلى حركة سياسية مشابهة سميت بالبعث العربي أحيانًا، وبالإحياء العربي أحيانًا أخرى. تأسست هذه الحركة من قبل طالبين درسا سابقًا في فرنسا؛ ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار.

بعد مضي نصف قرن، يصعب القول ما هي بالضبط إسهامات الأرسوزي في حزب البعث. ويبدو واضحًا في المستوى الأيديولوجي أن الخصيصات الروحية (الصوفية) لمفهومه للقومية العربية أثرت بقوة في فكر عفلق والبيطار، كما توضح أيضًا أنه دفع كثيرًا من أبناء طائفته العلوية للانتساب إلى الحزب.

فيما يتعلق بحافظ الأسد وصلاح جديد اللذين تربعا على قمة البلاد في أواسط الستينيات، تتلمذا على أفكار البعث بواسطة وهيب الغانم الذي هرب من الإسكندرون مع الأرسوزي في الوقت نفسه، واستقر في اللاذقية[16]. في عام 1945، كان الشاب الأسد عمره 15 سنة، يناضل بنشاط في الاتحاد الوطني للطلبة، كما هو حال كثير من شباب الأقليات الطائفية. لم تستند أيديولوجية البعث[17] كما قدمت في المؤتمر الأول للحزب في عام 1947، بطابعها الأصلي مباشرة إلى الإسلام، على الرغم من أن عفلق ألح دائمًا على الدور الجوهري لهذا الدين في مراحل أمجاد العالم العربي.

يحب حافظ الأسد الملاحم التاريخية، كما سيكتشف بعد ثلاثين سنة هنري كيسينجر، ولدى هذا المراهق أسباب أخرى ليكون شديد الحساسية لحجج الأرسوزي. يعبر التاريخ الشخصي لمعلمه المطرود من مدينته الأصلية بعد التنازل عن لواء إسكندرون لتركيا أفضل تعبير عن العجز العربي المخيف، وعدم القدرة على مواجهة المؤامرات الغربية، ولن يغفر السوريون لفرنسا فقد هذا الجزء العزيز من أرضهم[18]. وبدءًا من ذلك الحدث، يمكن أن نتخيل أحلام استعادته التي تؤرق آلاف الشبان السوريين. كما شكلت مأساة فلسطين في الوقت نفسه ((صدمة عنيفة أخرى))، حيث عملت بريطانيا على تصفية فلسطين، ولكن قبل الولوج في المسار السياسي لرئيس سورية المستقبل، لنعد إلى القرداحة، بلدته، حيث ولد وأمضى سنوات الطفولة كلها.

 

القرداحة مهد عائلة الأسد

تقع في قلب البلاد العلوية، في المرتفعات الأولى من جبال الأنصارية، وتبعد قرابة 15 كم جنوبي شرق اللاذقية، شكلت القرداحة في عام 1930 تجمعًا كبيرًا يضم أكثر من 2000 نسمة. وتعد أغنى منطقة في جبال العلويين، وأكثرها خصبًا. ((التنوع في الأرض يضاعف مستوى الموارد، منطقة أشجار مثمرة ممتازة، أشجار التين والرمان والمشمش والتفاح تشكل روضة حقيقية، من دون الحديث عن شجيرات العنب)) كما يذكر جاك ويلرس الذي زار المنطقة في تلك المدة[19].

على الرغم من ذلك، يجب ألاّ نذهب بعيدًا، ونتخيل أن الأشياء كلها عسل وحليب. حافظ الأسد هو من أسرة ريفية متوسطة، لا ينتمي إلى عائلات الشيوخ ولا إلى العائلات المالكة، طفولته مختلفة تمامًا عن تلك التي يعيشها أبناء البرجوازية الحلبية أو الدمشقية. فالأرض التي يملكها والده تكفي لتأمين التعليم الابتدائي والثانوي لبعض أبنائه فقط. على الرغم من ذلك، فإن والد حافظ وجدّه، شجاعان يطمحان إلى السلطة، ومن اللافت للنظر سيطرة فكرة السلطة دائمًا على عائلة الأسد؛ فالجد سليمان علي كان في خدمة العائلات الغنية المسلمة والمسيحية التي تريد تشديد قبضتها على الفلاحين العلويين المعاندين. تمثل عائلة الأسد في الواقع بوضوح تام الفكرة القائلة بأنه ثمة خطان عند العلويين دائمًا: الأول انفصالي انقسامي متعاون مع الأجنبي، والآخر مندمج يرغب في البقاء ضمن الإطار العام، ومنه حافظ.

ينمتي والد حافظ الأسد ينتمي إلى جيل من القرويين الذين يعملون كل شيء من أجل أن يتمكن أطفالهم من متابعة الدراسة. استفاد الأسد من هذه الرؤية، ومن الواقع أيضًا، حيث صار العلويون للمرة الأولى مواطنين بالمعنى الكامل بفضل الاستعمار، كما هو الحال كذلك بالنسبة إلى باقي طوائف الأقليات. يمكّننا ذلك من فهم أفضل للغلوّ العلوي اليوم ضد الإسلاميين الذين يريدون ببساطة إعادتهم إلى حالهم التي كانوا عليها في مرحلة ما قبل الاستعمار.

استأجر علي الأسد غرفتين في اللاذقية من دون كهرباء، بعد أن ضغط موازنته إلى الحد الأقصى، ليتمكن أبناؤه من متابعة الدراسة، ولكن إذا لم تكن العائلة غنية، فإن حياتها اليومية ليست أقل يسرًا إذا قورنت بالأغلبية الساحقة من العلويين، فهم أميّون معظمهم، يعيشون في البؤس، سواء في السهل أم في الجبل، في بيوت منخفضة قليلة الارتفاع، تفتقر إلى الأساسيات الصحية، مبنية من الحجارة المقطعة تقطيعًا أوليًا، والبيوت معظمها لا تتضمن أكثر من غرفة، ولا تسمح إلا بالوقوف لا أكثر. لم يكن استعمال الإسمنت معروفًا، هناك تردد واضح في البناء المرتفع.

علي الأسد، فلاح ميسور الحال نسبيًا، ليس لديه غرفة رئيسة من حجم مهول فحسب، وإنما أضاف إليها أخرى للاستقبال ((السلاملك)) تسمح بالفصل بين الجنسين عندما يكون ثمة زائرون غرباء. ومن نافلة القول أن الأثاث متواضع جدًا؛ فالطاولة والكراسي غير معروفة، وكل شيء على الأرض. كما إن الرجال والنساء والأطفال ينامون معًا على الحصير. وتوجد جرار كبيرة يزيد ارتفاعها على 150سم، يخزن فيها الزيت والحبوب والنبيذ أحيانًا. إلا أن الأمر مختلف عن البيوت التقليدية الرائعة في جبال لبنان، الدرزية منها أو المسيحية، وهي أقرب في الحقيقة إلى بيوت كردستان أو أفغانستان.

في الثلاثينيات، تختلف القرية العلوية تمامًا عن القرية المارونية في الجبال، فأهلها لا يعرفون من وسائل النقل إلا الحيوانات، ويجهلون شبكات الطرق، ولا وجود للطرق والشوارع والعربات والسيارات كذلك، ((مكان بسيط لإقامة الأفراد مبني بلا مخطط من دون أي تنظيم)) كتب ويلرس[20] الحاشية 20 غير موجودة، أرجح أنها هناأرجو التأكد. يستخدم نبع الماء مركزًا للقاء، للقيام بأعمال الغسل وتنظيف الأواني والحصول على الماء.

في الحقيقة، في الوقت الذي يتضح تأثير الإنسان في لبنان في كل مكان، كان الفلاح العلوي دومًا يقتنع بالقليل. فهو يستقر حيث يمكن له الاستقرار، ويستصلح الأرض الأقل وعورة أو تلك التي يسهل الدخول إليها. إضافة إلى ذلك، يجب أن تكون العين مدربة للتمييز بين ما هو مزروع وما هو غير ذلك. ففقر الأرض يفسر أيضًا تشتت القرى والمساكن التي يقل عدد سكانها عن 100 نسمة غالبًا. من وجهة النظر هذه، تعد القرداحة التي يتجاوز عدد سكانها 2000 نسمة؛ موطنًا ممتازًا، تشغل فيها عائلة الأسد منزلة مناسبة.

 

طائفة خاصة

على الرغم من ذلك كله، فإن العلوي رجل آخر، سواء أكان غنيًّا أم فقيرًا، وجيهًا أم حرفيًّا، شيخًا أم فلاحًا، فإن بدت حياته اليومية كما هي الحال في قرية سنية أو مسيحية في ظروف متشابهة، فهو ينفصل عن أبناء وطنه بواحدة من تلك الحدود غير المرئية، وهذه إحدى مميزات الشرق الأوسط. يقتنع -شعوريًا أو لاشعوريًا- بانتمائه إلى شعب منبوذ لأنه كان عرضة للاضطهاد منذ أمد بعيد، ولديه الشعور بموازاة ذلك -استنادًا إلى بعض المستشرقين في النصف الأول من القرن العشرين- بأنه موعود بمستقبل رائع، وبأنه بشكل من الأشكال منتقى (شعب مختار)، فإذا لم يكن ذلك على الأرض سيكون في السماء. ففي هذا المعنى، يأخذ الدين حقيقة أهمية أساسية في حياته، فالمزارات أو الأمكنة المقدسة التي يحج إليها كثيرة جدًا ولا تحصى. وبتعبير آخر، أخذت طقوس الطائفة بمرور الوقت طابعًا شعبيًا إلى أقصى حد. يرى دوسو الاختصاصي الكبير في العلويين في بداية القرن العشرين، أن دينهم الشعبي يلتقي مع أقدم الطقوس السامية بعبادتهم للحضور الإلهي المقدس غير المجسد وغير المشخص[21].

الأعياد العلوية معبرة أيضًا، حيث نجد الأعياد الشيعية الكبرى، من مثل عاشوراء ذكرى مقتل الحسين في كربلاء، وعاشوراء يجب عدم مطابقتها مع عاشوراء الشيعة لأن الكحول (العرق الممتاز) يحل محل جلد الذات [….] وثمة  أعياد مسيحية بمثل عيد الميلاد، عيد الإيبيفاني (عيد الغطاس أو عيد القديسة بارب)، إضافة إلى أعياد كردية أو فارسية، وأعياد زراعية بمثل عيد الورود في 21 نيسان. يجب أن ندرك أن الأمر يتعلق بسد الفراغ، حيث لا مكة لديهم ولا القدس ولا النجف مثل ما لدى السنة أو الشيعة. ويبقى الدخول في التدين ((وهو رمز يكشف بشكل أساسي الغلوّ الشيعي)) استنادًا إلى تعبير لويس ماسينيون[22]. هذا الدخول هو فقط من حظ النخب الصغيرة: المشايخ الذين يمتلكون سلطة قوية في أوساط الطائفة.

عند وصول الفرنسيين بعد الحرب العالمية الأولى، لم تكن المحاكم الدينية موجودة، لذا قررت سلطات الانتداب إيجادها على نموذج الإسلام السني، الشيء المدهش، هو عدم وجود متعلمين، فقام الموظفون الفرنسيون بجلب القضاة الشيعة من جنوب لبنان، قضاة غادروا بعد بضع سنوات في عقب تأهيل الدفعة الأولى من القضاة العلويين، وهي الخطوة الأولى في طريق التعاون في المستقبل بين نظام الأسد وحركة أمل الشيعية اللبنانية.

لن تكتمل هذه البانوراما إذا لم نتناول بنية الطائفة العلوية في الثلاثينيات من القرن العشرين. عندما يتحدث العلويون عن أنفسهم في تلك المرحلة، فهم يستخدمون مفهوم العشائر[23] جميعهم تقريبًا، ربما بهدف التعويض عن حياة يومية قاسية، يؤكدون انتماءهم إلى أكبر القبائل العربية القديمة. ولكن أصبح من المعروف عشق العرب للأنساب، فكثيرون اليوم يعلنون المزاعم نفسها، ويشعرون بالكبرياء بأصولهم التي تعود إلى النبي محمد أو على الأقل إلى أصحابه الأكثر إخلاصًا.

في الواقع، إذا كان من الصعب مراعاة الدقة حول أصل الجماعات الأربع التي ينتمي إليها تسعون في المئة من العلويين اليوم، فلا يوجد أي مجال للشك بأنهم عرب أيضًا، كما يمكن أن تكونه القبائل الكبرى الأخرى الأردنية أو العراقية أو الخليجية أو الليبية أو غيرها.

يسمون كلبية، وخياطين، وحدادين ومتاورة، وتشكل هذه الجماعات الأربع اليوم أهمية عددية متقاربة: بين 150000 و250000 نسمة، وتنقسم كل منها إلى عدد من الأفخاذ أو العشائر، حيث يتفاوت عددها تفاوتًا كبيرًا. يبلغ عدد بيت الخياط من جماعة (كونفدرالية) الخياطين أكثر من 100 ألف نسمة، في حين إن العراجنة من جماعة (كونفدرالية) المتاورة لا تصل إلى 5000. ينتمي حافظ الأسد بدوره إلى قبيلة الكراهيل من جماعة (كونفدرالية) الكلبية، ويصل عدد هذه العشيرة حاليًا حوالى 30000 شخصًا. إن تدقيق هذه المعلومات على درجة من الأهمية، إذ إنه من المتفق عليه، لأسباب غير معروفة، أن حافظ الأسد ينتمي إلى عشيرة النميطله من جماعة (كونفدرالية) المتاورة[24]. انطلاقًا من هذه البدايات، يرجح المؤرخون الأكثر مصداقية من مثل محمود فقش[25] أو حنا بطاطو[26] أنه ليس من قبيل المصادفة أن يكون الجنرالات علي دوبا رئيس الأجهزة السرية للجيوش البرية، وعلي أصلان، الرئيس المعاون لهيئة الأركان ورئيس مكتب العمليات الحربية، وعلي صالح، قائد القوى الجوية والصاروخية، ينتمون أيضًا إلى جماعة المتاورة، كما إن مستشار الرئيس ورئيس الاستخبارات العسكرية الجوية حتى نهاية 1986 الجنرال محمد الخولي هو أيضًا عضو في هذه ((العائلة)).

أخيرا، يذكر بطاطو أن عبد الحليم خدام نائب رئيس الجمهورية وأحد رجال الثقة لحافظ الأسد، وهو سني، تزوج عام 1954 امرأة من عائلة الحواش المرتبطة بعشيرة المتاورة.

يبدو من المضحك أيضًا القول إن حافظ الأسد أحاط نفسه بأعضاء من جماعته، والتأكيد على أن مفاتيح السلطة معظمها يمسك بها أعضاء من عشيرة النميطلة، في حين إن وزير الدفاع صديق قديم للرئيس ومجمل سيرته، هو مسلم سني، كذلك كان رئيس الأركان حكمت الشهابي، ورئيس الوزراء محمود الزعبي الذي خلف سنياً آخر هو عبد الرؤوف الكسم.

في الواقع، لا يأخذ مفهوم الانتماء القبلي أو العشائري أي أهمية، فإذا احتل كثير من العلويين المراكز الرئيسة والمسؤوليات الرفيعة، فهم ينتمون إلى الجماعات والعشائر العلوية جميعها. إضافة إلى ما سبق فإن يونس يونس، قائد الفرقة التاسعة المدرعة، وعلي حيدر قائد القوات الخاصة، هما من جماعة (كونفدرالية) الحدادين، وفيما بينهم يتهم العلويون علويي جبلة ومحيطها باحتكار السلطة.

ويؤكد هيثم مناع: ((نجد اليوم كثيرًا من الناس الفقراء، ومن المهاجرين الجدد (نحو الخليج)، ومن المعتقلين السياسيين)) ينتمون إلى الجماعات (الفدراليات) العلوية الأربع[27]. في المقابل، تشكل الزبائنية السياسية تقليدًا راسخًا في الجبال، وفي المجتمع العربي، وتؤثر تأثيرًا عميقًا. تخلص الأسد كذلك من منافسه الأساسي محمد عمران، بتصفيته جسديًا عام 1972، حيث إن بعض مؤيدي عمران مثل علي دوبا وعلي صالح -إذا لم يذكر غيرهما- يعدان اليوم من أقدم مؤيدي الأسد[28].

في الواقع، علاقات الأسد بطائفته الأصلية هي علاقات مصلحة. لأنه يكون من المستحيل على الأسد الاستمرار في قيادة سورية من دون دعم منطقته حيث ولد ووجد بالطبع أفضل مسانديه من بين أولئك الذين يعرفهم جيدًا. والتأكيد بالمقابل -كما لم تتوقف عن تكراره وسائل الإعلام الغربية والعربية أو المعارضة السورية- على أن الأسد مهووس بمصير الطائفة العلوية لدرجة أنه لا يحاكم إلا من وجهة نظر طائفية يكون غير معقول إطلاقًا. لا لأن طموح الرجل يتجاوز كثيرًا مثل تلك الرؤية الضيقة للعالم فقط، ولكن ممارسة مثل تلك السياسة تؤدي بالتأكيد إلى انفضاض كل التيارات السياسية السورية من حوله. ومن المحير، أن النتائج التي توصل إليها أثارت ضده جزءًا مهمًا من الطائفة العلوية الخائفة من التأثيرات السياسية في المستقبل لهذه الزبائنية المكشوفة أو ببساطة المعارضة التامة لممارسته السلطة لأسباب سياسية أو أيديولوجية، بمثل الغالبية الساحقة من الشعب السوري.

مع ذلك، استنادًا إلى المبدأ القائل بأن القبيلة المتحضرة تكون عمليًا بحكم المنتهية، فالتحالفات منذ أمد بعيد، لم تعد تحدث فقط، وتحدث الآن أقل فأقل استنادًا إلى علاقات الدم. في الواقع، في أيامنا العشائرية الشخصية المنظمة حول أشخاص أقوياء هي التي تفرض قانونها في الأرض العلوية. هذا بالضبط ما حدث مع عشيرة الأسد. في عام 1983، في وقت يعاني فيه الرئيس مرضًا خطيرًا، قام اثنان من   أخوته (رفعت وجميل)، بتأسيس حركة التحرير ((المرتضى))، وبدعوة الجماهير للالتحام ((بالقيادة الحكيمة الثورية لعائلة الأسد)). وقامت مجموعة ثانية بقيادة بعض الجنرالات بالسير في عملية مشابهة، ودعت الجماهير إلى التحرك لمصلحتهم ضباطًا علويين وغير علويين. عندما نهض من حالته المرضية، أنهى الأسد مبادرة أخويه، وأرسل ممثلي المجموعتين كلتيهما إلى الخارج لبعض الوقت. إذا كانت حرب الخلافة انتهت ظاهريًا، إلا أنها تركت آثارًا عميقة على واقع السلطة في سورية، هذه الآثار تبقى حاضرة كما سوف نرى بالتفصيل بعد قليل.

 

المرأة العلوية

إذا كانت الحياة اليومية للرجل العلوي خاوية في الثلاثينيات من القرن العشرين، فحياة المرأة في الطائفة تبعث على اليأس. فهي لا تعيش فقط في ظروف محزنة كغالبية الفلاحين العرب في تلك المرحلة، ولكنها أيضًا تعاني رفض العقيدة العلوية لروحها. نقل الرحالة الغربيون والعرب عنهن من بين ما نقلوا سمعة كارثية، وهي كثيرًا ما تكون بلا أساس. في الواقع على عكس السمعة المشؤومة التي تجد جذورها في الاحتقار التقليدي للفلاحين من قبل أبناء المدينة، في هذه المدة، كانت المناطق العلوية، من المناطق النادرة في العالم العربي التي لم تعرف إطلاقًا ظاهرة بائعات الهوى (الدعارة) كما لم تعرف المثلية الجنسية والأمراض الجنسية. ((بعيدًا عن رذائل المدينة، الشعب العلوي شعب قاس وصحيح)) كما يذكر أحد الموظفين الفرنسيين، ألبيرت جيرلان في عام 1931[29].

على الرغم من استثنائهن من الرذائل التي تنسب إليهن ظلمًا، فإن النساء العلويات لسن أقل إذعانًا –من غيرهن- لحياة قاسية جدًا: عمل زراعي من عمر التاسعة، خطبة مفروضة منذ الحادية عشرة –لا وجود للعزب عند العلويين– وأمومة مبكرة… إلخ.

يرى بعضهم في سياسة النظام الحالي نحو المرأة ردة فعل للرئيس الأسد ضد الموقف الخاص بالنصف الأضعف من الشعب السوري. ولا يبدو في الواقع أن الأسد لعب دورًا في تقدم قضية المرأة السورية، بل على العكس، فمن المحتمل أنه سهل بعض التراجع، حيث وقع في 31 كانون الأول 1975 القانون رقم 134 المتعلق بالأحوال الشخصية الذي يشكل تراجعًا مقارنة بالإجراءات المتخذة من قبل البعث، خصوصًا من قبل فريق جديد ما بين 1964 إلى 1970[30]. فمنذ ذلك الحين، يتوجب على المرأة، من جديد، أن تطلب موافقة زوجها لكي تعمل. كذلك في موضوع الإرث، فالإجراءات المتعلقة بها هي أقل بكثير من السابق.

 

حافظ الشاب

لا يعرف الكثير عن طفولة أو مراهقة حافظ الأسد، فالقليل الذي نعرفه، تعرض لرقابة مشددة، تمت كتابته بعناية من قبل لوسيان بيترلان رئيس جمعية الصداقة الفرنسية-العربية في كتابه ((حافظ الأسد، مسيرة مناضل))[31]. نوع من السيرة التي تهدف إلى تحسين صورة، تعرضت للاهتزاز لرجل غير معروف من قبل الرأي العام الفرنسي.

ولد حافظ عام 1930، وهو الابن الثالث لعلي الأسد، أخوه الأكبر أبو توفيق؛ من الزواج الأول، ولم يرغب أبدًا في الاقتراب من السياسة تابع زراعة حقوله، بمساعدة بعض العمال الزراعيين. مات بيات الابن الأول لناعسة بعمر 18 سنة، وتزوج من قبل علي الأسد زوجة ثانية، أما جميل ورفعت الأخوان الأصغر لحافظ، فهما معروفان جدًا، ومسارهما السياسي-العسكري غالبًا ما أثار فضول صحافة الحوادث المتفرقة. وكانت بهيجة آخر الأطفال، بنت جاءت لتكمل هذه العائلة قليلة العدد نسبيًا في المنطقة في تلك المرحلة.

بعد دراسته الابتدائية حتى سن العاشرة في مدرسة القرداحة الصغيرة ((لافتًا انتباه معلميه)) بذكائه الحاد وذاكرته القوية، تلقى الشاب أسد تلقى تشجيعًا قويًا لمتابعة دراسته في اللاذقية. ويقول لوسيان بيترلان الذي يعرفه جيدًا إنه في السادسة عرف الصغير حافظ عن ظهر قلب ربع سور القرآن الكريم[32]. لم يمنعه ذلك من المشاركة في أعمال الحقول، وإنجاز حصته من العمل كباقي الأخوة والأخوات. يغادر هذا ((العبقري)) القرداحة في مطلع الأربعينيات لللاستقرار في اللاذقية في غرفتين متواضعتين مستأجرتين. دخل ثانوية المدينة وتابع دراسة جيدة، ودرجاته بالفرنسية -بحسب بيترلان- كانت ممتازة، أفضل من درجاته بالعربية.

))في السنوات الأولى من المدرسة الثانوية، كنت جادًا ومنهمكًا في دراستي، ولكن كان ذلك أقل بكثير فيما بعد، إذ انشغلت تمامًا بالسياسة وبالحزب. كنا نتعلم الفرنسية سابقًا في الابتدائية، وكنا في مستوى جيد، ولكن لم تتح لنا إمكانية وضع هذه اللغة موضع التطبيق فيما بعد))[33].

على الرغم من ذلك، يستوجب هذا الإطراء الحذر، استنادًا إلى بحث دقيق قام به بعض الناس الذين لا يريدون له إلا الخير، فحافظ الأسد عند وصوله إلى السلطة، عمل على تغيير علاماته في الصفوف جميعها حتى البكالوريا، باستثناء الدرجات المتعلقة بالسلوك. ففي هذا الميدان، لم يحصل سوى على تقدير ((وسط)) مما لا يبشر بالخير، ولكن ذلك يتضمن جانبًا يصعب هضمه من دون أن يمتعض منه الرئيس.

يتحدث رفاقه في المدرسة بأنه في الواقع كان متوسط المستوى المدرسي، وكانت قوته الجسدية الاستثنائية لافتة أكثر من ذكائه وذاكرته، وتثير إعجابهم. كان طويلًا قوي البنية، شجاًعا في التظاهرات السياسية، لا يتردد خلالها في مواجهة الشرطة وضربهم، وكان يحمل سكينًا في جيبه، يستخدمه دائمًا وبانتظام استنادًا إلى شهادات رفاقه.

انتخب رئيسًا لاتحاد الطلبة في الثانوية، ابتعد عن اللاذقية حيث عرف بنشاطه السياسي، وأنهى البكالوريا في بانياس الساحلية جنوبي اللاذقية.

عند حصوله على الشهادة الثانوية، تردد بين دراسة الطب والتوجه نحو الجيش. ((ولأسباب عدة)) لا يوضحها، يتراجع عن دراسة الطب، ويتقدم بطلب ترشحه إلى الكلية العسكرية في حمص. بعد أربعين سنة من ذلك، يلاحظ أن القبول في الكلية العسكرية ليس ((سهلا بالنسبة لبعثي))، لكنه يدخلها على الرغم من كل ذلك، مدفوعًا على ما يبدو بمشكلات مادية، لا بل أكثر من ذلك، يحثه الثأر لضياع فلسطين.

في هذه المرحلة من بداية الخمسينيات، تعرف أسد على مصطفى طلاس، ابن فلاح سني، انتسب بدوره إلى الحزب من الساعات الأولى، وهو المخلص بين المخلصين، أصبح طلاس الوزير السوري للدفاع منذ بداية السبعينيات.

في الوقت الذي قام فيه عبد الناصر بالانقلاب على الملكية المصرية في تموز 1952، أنهى أسد وطلاس المدرسة العسكرية. وتقدما إلى مسابقة الكلية الجوية في حلب التي أُنشئت حديثًا، إلا أن طلاس شديد العصبية، يعود إلى حمص، ويتخصص في المدرعات، ويبدو أن أسد تكيف مع الوضع.

((في تلك المرحلة، اكتشفنا الطيران، لم يسبق لي الصعود إلى الطائرة من قبل. الساعات الأولى من الطيران خلف الطيار، كانت بالنسبة لي اكتشاف عالم مختلف. والشعور بأنك سيد طائرتك في السماء يعطي بعدًا جديدًا للإنسان)).

طار أولًا على طائرات سبيتفاير، وشيبمارك، وفيات55 و59 طائرات هيلوكبتر. ثم طار على فامبير وميتور أولى الطائرات النفاثة في أثناء دورة تدريبية في مصر. وخلال دراسته في حلب حصل في سنتين متتاليتين على جائزة الألعاب البهلوانية للطيران. تعلم الإنكليزية أيضًا بهدف الالتحاق بدورة تدريبية في بريطانيا، إلا أن ذلك لم يحدث في نهاية المطاف. وفي عام 1958، أمضى أحد عشر شهرًا في الاتحاد السوفياتي للمزيد من التدرب، وتعلم أيضًا قليلًا من الروسية. ومن اللافت للنظر، أنه على الرغم من نتائجه ((الممتازة)) في الفرنسية في المرحلة الثانوية، لا يبدو الأسد مرتاحًا في اللغات الأجنبية، فهو لم يعط أي مقابلة في لغة غير العربية والمناقشات الطويلة التي خاضها مع هنري كيسينجر جرت دومًا بمساعدة مترجم. وتوجب على كيسينجر أن يكتب على سبيل الممازحة أن الأسد أفاد من جلسات المحادثات المتلاحقة هذه لتحسين إنكليزيته: ((قلت له لمضايقته، إنه الزعيم العربي الوحيد الذي يتحدث الإنكليزية بلهجة ألمانية))[34].

شغف الأسد باللغة العربية، وقلقه ليفهم وليكون مفهومًا، ذلك كله يفسر امتناعه عن استخدام لغة أخرى، ربما كان طريقة لأخذ الوقت اللازم مقابل مفاوضيه أو لتأكيد دور بلده الباحث الدائم عن هويته. ناصر والسادات ليس لديهما هذه المشكلة، فهما ورثة واثقون لأقدم حضارات العالم، وكذلك عرفات نفسه، تقدم تقدمًا مدهشًا في لغة شكسبير وفي لغة فولتير إذ يفهمهما اليوم فهمًا تامًا تقريبًا.

عرف حافظ الأسد عرف طوال هذه المدة حياة مهنية عادية لضابط جيد مع بعض المضايقات من قبل رؤسائه بسبب آرائه السياسية، فكان ملازمًا أول في عام 1955، ونقيبًا في عام 1958.

تعيش سورية منذ الاستقلال وانسحاب آخر جندي فرنسي في عام 1946 حالًا من عدم الاستقرار السياسي المزمن. وبعد سنوات عدة من الحياة البرلمانية المضطربة، شهدت البلاد أول انقلاب عسكري، حيث تم الاستيلاء على السلطة، في 30 آذار 1949 من قبل العقيد حسني الزعيم، وسجن رئيس حزب البعث ميشيل عفلق. بعد خمس سنوات من النظام التسلطي أو العسكري الدكتاتوري، انتفض الشعب في شباط 1954، وتم تنظيم انتخابات حرة أدت إلى انتخاب أغلبية برلمانية مستقلة، في الوقت الذي ظهرت فيه تشكيلات سياسية جديدة، من بينها حزب البعث. تابع الضابط الطالب أسد تدريباته الممتعة في الطيران، ثم عاد إلى الأرض، لإتمام تربيته السياسية. يحمل الرجل نفورًا عميقًا نحو التقلب، وعدم الثبات لدى السياسيين، سواء كانوا من اليمين أم من اليسار، لأن ذلك من وجهة نظره، يعرقل إمكانات النمو، فالقاعدة الأولى في السياسة هي الاستمرارية.

 

دمشق: مكة السياسية والثقافية

يتميز غالبية السوريين بالنفور الشديد من أي ديكتاتورية عسكرية وبرفض أي تحالف مع الغرب. وبتعبير آخر ابتعدت دمشق عن القاهرة كما ابتعدت أيضًا عن بغداد؛ ابتعدت عن القاهرة لأن ناصر الذي لم يصبح بطل العالم العربي بعد –سيصبح كذلك في تموز 1956 مع تأميم قناة السويس– عد نوعًا من الدكتاتورية؛ إضافة إلى ذلك، لجأ الإخوان المسلمون الذين تعرضوا إلى ضربة قاسية في مصر إلى سورية، وأعطوا عن (الريس) صورة قاتمة.

أما الابتعاد عن بغداد فقد حدث لأن حكومة نوري السعيد العراقية تلعب بقوة بورقة بريطانيا العظمى، إذ اندمجت تمامًا في حلف بغداد الموجه، للتخفيف من النفوذ الأميركي المتصاعد في الشرق الأوسط، وتعمل على الإبقاء على القواعد البريطانية في العراق، حيث إن المعاهدة الأنجلو-عراقية توشك على الانتهاء.

ترقى حافظ الأسد الذي أنهى دراسته إلى رتبة ملازم، والتحق بالقاعدة الجوية في المزة بالقرب من دمشق. بدأ في هذه المرحلة التعاون العسكري السوفياتي-السوري تحت سلطة ((الملياردير الأحمر)) خالد العظم.

في مؤتمر باندونغ في ربيع 1955، أكدت سورية حيادها، بعد أن تمكنت من مقاومة طلب بالانضمام إلى قيادة عسكرية موحدة مع مصر.

في الوقت الذي يقود فيه حزب البعث والحزب الشيوعي حملة ضد الغرب، يتصاعد تأثيرهما ومنزلهما بسرعة، واستقبلت سورية في أراضيها المنفيين القادمين من أنحاء العالم العربي جميعها، حيث تم الاعتراف بالحريات العامة. في هذه المدة، كتبت (ثابته بيتران) -وهي واحدة من أفضل المتخصصين بالشأن السوري- ((أصبحت دمشق مكة السياسية والثقافية في العالم العربي))[35].

على الرغم من ذلك كله، وقف كبار المالكين للأرض، والعائلات الكبرى، متمثلين بأكبر من حجمهم بكثير في البرلمان، وقفوا في وجه النقابات، واستمروا في رفض مطالب العمال والفلاحين معظمها. في آب 1955 حدثت الانتخابات الرئاسية، وانتخب شكري القوتلي الذي قاد تقاربًا قويًا مع مصر، بسبب توجه ناصر نحو تشيكسلوفاكيا لشراء الأسلحة –رافضًا شروط الغرب– وكذلك بسبب رفض فرنسا بيع السلاح لسورية.

 

نحو قيام الجمهورية العربية المتحدة

بتأميم شركة قناة السويس في تموز 1956، تراجع تأثير الأنظمة المحسوبة على الغرب وعلى العراقيين تراجعًا قويًا في سورية لصالح جمال عبد الناصر الذي كسب شعبية عارمة من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي-الفارسي.

غير البعث الذي توخى الحذر لوقت طويل من العقيد المصري المشهور؛ رأيه تمامًا، على الأقل من الناحية الظاهرية، لأنه لا يستطيع الذهاب في مواجهة الشعبية العارمة التي حملها البكباشي[36].

شكل عام 1957 السنة الأخيرة، حيث كانت سورية تمثل كيانًا أصيلًا مع لبنان، البلد العربي الوحيد الذي عرف حياة ديمقراطية عادية تقريبًا، إلا أن رفض دمشق في بداية عام 1957 نظرية أيزنهاور التي تزعم تقديم الحماية الأميركية للبلدان المهددة من قبل ((الشيوعية الدولية))، أدى إلى قيام الأميركيين والبريطانيين بحملة قوية ضد سورية، أسهمت هذه الحملة في دق ناقوس الخطر بالنسبة للحياة الديمقراطية في هذا البلد. لم يتردد مراسل صحيفة نيويورك تايمز في الشرق الأوسط، كينيث لوف، بإعلان أن وكالة الاستخبارات الأميركية (CIA) تنشر إشاعات كاذبة[37]. وبدعم من العربية السعودية، وإلى حد ما من مصر التي كانت بحاجة ماسة للبنك الدولي، ولا يمكنها مواجهة واشنطن مباشرة، تمكن الأنجلوسكسون من شق فريق السلطة في دمشق الذي يجمع البعثيين وأعضاء من الحزب الوطني (يسار الوسط) وشخصيات تقدمية وبعض الشيوعيين.

كان هدف الأميركيين هو عزل الشيوعيين، تابعوا عملهم التخريبي، وطبقوا كذلك، إغراق السوق بالقمح في اليونان وفي إيطاليا أي لدى زبائن سورية التقليديين. حتى تلك المرحلة، كان يستخدم الطحين السوري في صناعة العجين الغذائي من قبل الإيطاليين. في هذه الأجواء المتأزمة، وفي كانون الأول عام 1957 قام وفد برلماني مصري عبر مروره من دمشق، بالطلب من الحكومتين عَقْدَ اتفاق ((اتحاد فدرالي)). في حين تنادي الدعاية القاهرية نداء الشارع السوري الهاتف ((وحدة وحدة يا جمال))، واجميعهم يطالبون بالوحدة الكاملة.

في 12 كانون الثاني 1958، ذهب إلى القاهرة وفد عسكري سوري يتضمن 14 ضابطًا من الرتب العليا، وطالب بتوحيد الجيشين. التحق بالوفد في العاصمة المصرية صلاح الدين البيطار، وهو من مؤسسي البعث ووزير الخارجية. لم يؤخذ رأي البرلمانيين والأحزاب والشعب السوري أيضًا في هذه المسألة المصيرية. اقتنع البعثيون في الواقع بأنهم سيشكلون روح الجمهورية العربية المتحدة المعلنة في 1 شباط 1958، وجوهرها، وهذا يعني عدم المعرفة الحقيقية بشخصية ناصر.

وعد (الريس) أمام قبر صلاح الدين في دمشق باتباع مَثَل صلاح الدين العظيم، وتحقيق الوحدة العربية الكاملة. من أجل الوصول إلى ذلك، بالنسبة لناصر لا تنقصه الوسائل. واستنادًا إلى الدستور المصري لعام 1956 حيث يعطيه السلطات جميعها، فهو يسمي -سيدًا مطلقًا- أعضاء الحكومة المركزية للجمهورية العربية المتحدة (ج ع م)، وكذلك أعضاء الحكومتين المحليتين في الإقليمين. لم يهتم كثيرًا بحساسية شركائه السوريين، إذ اكتفى بتوزيع بعض حقائب الشرف لشركائه الجدد: نائبين للرئيس ومنصب وزير دولة. وافقت الأحزاب السياسية جميعها في أقل من ستة أسابيع على حلّ نفسها، باستثناء الحزب الشيوعي.

اختفت تسع عشرة صحيفة من مجموع خمس وعشرين صحيفة سورية يومية بكل بساطة، في حين خضع ما تبقى من هذه الصحف إلى الرقابة المصرية المتشددة. كانت ردود الفعل المناهضة نادرة جدًا: خالد العظم الرجل السياسي الوحيد الذي رفض الوحدة مع مصر وتنازل فورًا عن أشكال النشاط السياسي كلها. كما استقال عفيف البزري قائد الجيش الأول من منصبه، احتجاجًا على التصفيات التي بدأها عامر، الشخصية المصرية الثانية، وتناولت الضباط السوريين التقدميين.

خلق الجهل بالأوضاع السورية، واستعلاء المصريين، واقتناعهم بأن قوانينهم وعاداتهم مناسبة تمامًا لسورية؛ مباشرة الشعور بالامتعاض، إلا أن سحر ناصر ما زال يعوض كثيرًا أخطاء مواطنيه.

إن إقامة الجمهورية العربية المتحدة تركت آثارًا مهمة في المنطقة كلها. في العربية السعودية، توجب على الملك سعود، نتيجة هذيانه وشكوكه ورعونته، التنازل عن العرش لأخيه فيصل الذي وصل لأن لديه علاقات جيدة مع عبد الناصر، لكن شهر العسل كان قصيرًا.

في لبنان، الأميركيون والمصريون يتفقون على تسوية مشكلة خلافة كميل شمعون القريب من بريطانيا الذي أراد الاستمرار في السلطة، بوصول الجنرال فؤاد شهاب، الذي حافظ بدقة على الحياد والتزم بتنمية البلاد على أسس صحيحة.

وفي العراق، وبصورة خاصة بعد انقلاب النظام الملكي في 14 تموز، تمكن عبد الكريم قاسم من أخذ السلطة، إلا أنه لم يكن حساسًا لسحر القاهرة، على غرار غالبية مواطنيه، ولا سيما أن ناصر عارض ضم الكويت من قبل بغداد. وضاعف قاسم في وقت سابق عروضه للسوريين، لحثهم على التخلص من الوصاية المصرية. لم يجد ناصر استجابة أخرى سوى مضاعفة هيمنته على الإقليم السوري ردًّا على هذا التحدي. وتم ربط الحكومة المحلية السورية مباشرة بالسلطة المركزية، كما أقيل رئيس الحكومة المحلية أكرم الحوراني من منصبه، واستدعي على وجه السرعة للإقامة في القاهرة وزيرًا للعدل.

تحولت دمشق الأبية في أشهر عدة إلى ضيعة كبرى من دون تأثير حقيقي، فقد غادر دبلوماسيو القوى الكبرى والمتوسطة ضفاف بردى للالتحاق بشواطئ النيل. كل شيء يتم تقريره -بدءًا من الآن- في القاهرة. انتهت الأوهام بالنسبة للبعثيين. ألقت الإخفاقات المتتابعة لحزب البعث ظلالها فيما بعد، وأصبح الرعيل الأول بسبب تنازله موضع تساؤل بنظر الشباب، باستثناء المتحمسين لناصر، الشباب الذين استنكروا قرار القادة بحل الحزب قبل ثمانية عشر شهرًا.

خرج ناصر عن هدوئه نتيجة بعض الممانعين الذين يدورون في حلقة مفرغة، وسمى عامر حاكمًا لسورية، وبدأ هذا الأخير العمل على إحياء الملكيات الكبرى، وغازل بصورة واضحة عالم الأعمال. كانت تلك النقطة التي أدت إلى أن يطفح الكيل؛ في الخريف استقال الوزراء البعثيون جميعهم من الحكومة المركزية. وانفجرت المواجهات في جامعة دمشق بين البعثيين والناصريين.

تحولت سيطرة عبد الناصر على سورية إلى دكتاتورية بوليسية، وأخذ فساد الضباط المصريين الموجودين في الإقليم السوري بعدًا قويًا: الاختلاس والابتزاز، وتهريب المخدرات وغيرها، كما أدى الجفاف الذي ضرب البلاد خلال السنوات الثلاث إلى زيادة خطورة الوضع، والإصلاح الزراعي الخجول الذي شرعت به السلطة المصرية بقي بلا تأثير، باستثناء بعض المناطق في الفرات وفي حوران التي بقيت بعد الانفصال وفية لناصر.

في 28 أيلول 1961، قامت مجموعة من الضباط السوريين الذين ضاقوا ذرعًا -كمواطنيهم معظمهم- بتمصير مجتمعهم، بالسيطرة على دمشق، وفشلت تمامًا محاولات الجيش المصري استعادة السيطرة على الأوضاع، أمام رفض الوحدات السورية الأخرى التعاون معه. ماتت الجمهورية العربية المتحدة، ولكن ما يبعث على الاستغراب أن ناصر خرج من دون أضرار نتيجة هذه المغامرة، حيث ألقيت مسؤولية الفشل على معاونيه.

 

حافظ الأسد في زمن الجمهورية العربية المتحدة

لا يُعرف الكثير عن تصرفات حافظ الأسد في هذه المرحلة المضطربة جدًا، ولعله مسار مهني عادي جدًا لضابط سوري شاب. في عام 1956، شارك للمرة الأولى في تمرد عسكري صغير، حيث ثار بعض رفاقه البعثيين والتقدميين لظنهم أنه تم إبعادهم بطريقة تعسفية. في الواقع، لم يفعلوا سوى الخضوع لأوامر أكرم الحوراني الذي لا يحب القوتلي؛ كلف الأسد مع ثلاثين رجلًا بالسيطرة على مطار المزة بالقرب من دمشق، ومنع الطيارين المقربين من النظام من استخدام الطائرات الموجودة في أرضه. انتهت المسألة بسرعة، بعد اتخاذ عقوبات إدارية ضد الأسد وزملائه ((لقد فهمنا، قال فيما بعد صديقه القديم مصطفى طلاس وزير الدفاع الحالي، أن المدنيين (في الحزب) زجوا بالعسكريين في مغامرة معدة من قبل الحوراني))[38]، درس لن ينساه الشاب الملازم الأول أسد أبدًا.

كان عام 1958 عامًا مهمًا بالنسبة إليه في المستويات جميعها، تزوج من أنيسة مخلوف، وأنجب خمسة أطفال؛ أربعة صبيان: باسل، وبشار، وماهر ومجد، وبنت واحدة سميت بشرى. وبوجه خاص، بعد دورة في الاتحاد السوفياتي استمرت عشرة أشهر، اختير مع حوالى 60 من رفاقه الضباط للذهاب إلى مصر. لم يعرف أسباب هذا الانتقال، إلا أن الأكثر احتمالًا هو رغبة عبد الناصر في كسب تعاطف البعثيين في الجيش، البعثيين الذين لم يأخذهم على محمل الجد، ولكنه يشك بهم، ويفضل وضعهم في متناول اليد في مصر.

كلف الأسد بمسؤولية مطار القاهرة العسكري على طريق الإسماعيلية، وكان ذلك باعث على الحزن بالنسبة لشاب طموح، فالأجواء ليست مريحة: ((نحن نشعر بالدونية، وبأننا في وضع أقل، ولم نعرف لماذا)) هذا ما قاله فيما بعد أحد الضباط السوريين المنفيين إلى وادي النيل. عندما تلاشى الإعجاب لدى هؤلاء الضباط؛ كبر الاعتقاد بأن عبد الناصر لا يستحق هذه الشعبية كلها ((ليس لديه حزب، كما يقولون، مثلما لدينا، وكذلك ليس لديه أيديولوجية، وتأهيل جنوده أقل من مستوى جنودنا)) وبتعبير آخر، ظهرت بسرعة مشكلات السلطة بين الطرفين.

مع ذلك، أدت الإقامة في مصر إلى زيادة شعبية الضباط البعثيين في المنفى، إلا أنها عززت شعورهم بأنهم يتامى، حرموا من حزبهم الذي تم حله في بداية الوحدة الكاملة. اقتنعوا بسرعة أن ناصر لن يحقق الوحدة العربية، لذا قرروا الدفاع عن حزبهم في الأحوال كلها، فهويتهم ذاتها من دونه  موضع تساؤل، وشكل الأكثر حراكًا من بينهم ((اللجنة العسكرية))[39]، كان من بين مؤسسيها ثلاثة علويين، هم محمد عمران، وصلاح جديد وحافظ الأسد، وكذلك إسماعيليان اثنان. وانضم ضباط آخرون، من مثل مصطفى طلاس السني إلى تلك اللجنة، فوصل مجموعهم إلى خمسة عشر، حيث سيلعب أغلبهم -من دون أن يعرفوا حينذاك- دورًا مهمًا في تاريخ بلادهم. تميزوا جميعهم بمعارضتهم في الوقت نفسه للمسؤولين في زمن الوحدة، وللآباء المؤسسين للبعث، وللضباط البعثيين الكبار المرتبطين بأكرم الحوراني أيضًا.

في الحالات جميعها، احتل الحزب والتجربة الناصرية الحيز الأساسي من أفكارهم، وكما يفصح أحد المراقبين للمشهد السوري على سبيل الفكاهة، أنه لم يجد أي من الضباط السوريين غير المتزوجين وقتًا ليتزوج امرأة في مصر.

قاد انفصال الوحدة النقيب أسد إلى معرفة السجن للمرة الأولى، حيث تم حبسه لمدة شهرين في معسكر أبو زعبل سيئ الذكر، بالقرب من القاهرة بعد إجراءات انتقامية اتخذتها السلطات المصرية. أطلق سراحه في الأيام الأولى عام 1961 ((في حقيقة الأمر 1962 لأن الانفصال وقع في 28 أيلول 1961 وبعد سجنه شهرين يجب أن يكون ذلك مع بداية 1962- المترجم))

عاد إلى سورية وشغل وظيفة ثانوية في قسم صغير في وزارة الاقتصاد، يبدو أن وظيفته الجديدة تركت له هامشًا واسعًا للمتعة، حيث وجد الوقت خلال بضعة أشهر في تحضير انقلاب ضد رئيس الدولة ناظم القدسي، وانتهت المحاولة بسرعة أمام رفض غالبية السوريين رؤية عودة العسكر إلى السلطة. تنازل الأسد بحذر شديد عن قيادة العملية إلى أصدقائه، وتمكن من الهرب إلى لبنان، حيث تم توقيفه في بيروت، وتسليمه إلى سورية، وسجن بضعة أشهر في سجن المزة. ((في السجن -كما يدون بعذوبة مصطفى طلاس- تمتع حافظ الأسد بمعنويات عالية، وبقناعة أن أفكاره ستنتصر في يوم من الأيام. أخرج من السجن كمدني، وكان واحدًا من الأوائل، تمكن من العمل لحساب ثورة 8 آذار 1963، مستفيدًا من التجربة المكتسبة عبر الإخفاقات والأزمات القاسية))[40]. الحاشية 40 غير موجودة أرجح أنها هنا

 

مرحلة الانفصال

طوال ثمانية عشر شهرًا بين 28 أيلول 1961 و8 آذار 1963، كانت المرحلة التي عرفت بمرحلة الانفصال، خيمت فيها على البلاد أجواء سياسية من الحريات النسبية، وذكرت هذه الأجواء بمرحلة أواسط الخمسينيات، وبدأ حزب البعث بتحضير نفسه بصورة أساسية للسيطرة على السلطة.

تم انتخاب ناظم القدسي انتخابًا ديمقراطيًّا في كانون الأول 1961، رئيسًا للجمهورية، ومعروف الدواليبي رئيسًا للحكومة، وأسرع أصدقاؤهم القدماء من حزب الشعب لإلغاء قوانين التأميم التي اتخذت في أثناء الوحدة، وإفراغ الإصلاح الزراعي من مضمونه. تشكل هذه التنازلات للبرجوازية الكبيرة ولكبار الاقطاعيين مالكي الأراضي، تشكل في الواقع أول غلطة كبيرة للحكام الجدد. كما يكشف إيتامار رابينوفيتش أن المفهوم القومي العربي والاشتراكية –على الرغم من غموضهما- أصبحا متلازمين لا ينفصلان في اللغة الدارجة هذه الأيام[41]. الحاشية 41 غير موجودة، وأرجح انها هنا

لا يخفي الضباط التقدميون في الجيش تحفظهم نحو زملائهم ((الرجعيين))، لازدياد الغضب الشعبي. في نيسان 1962، عقد مؤتمر عسكري في حمص لدراسة الوضع. كما سيدونه لاحقًا الجنرال زهر الدين قائد الجيش الذي لاحظ بأنه يوجد في المؤسسة العسكرية تيار ((يتضمن وحدات يقودها ضباط ليس لديهم سوى الكراهية والحقد نحو دمشق وسكانها))[42]. وهكذا إذًا نجد في أكثر من أي وقت مضى هذا التعارض المزمن بين المدن والأرياف، فلاحون/بورجوازيون مدينيون. والحالة ليست سوى في بدايتها.

في الوقت الذي تتراكم فيه التغييرات الحكومية، أصبح حزب البعث بمجموعه يستحيل حكمه تقريبًا، حيث تتعايش داخل الحزب، بصورة جيدة أو على الأرجح سيئة، تيارات عدة تتراوح بين الناصريين –الذين سيؤسسون فيما بعد حزب الاشتراكيين الوحدويين– حتى المناهضين للناصرية من مثل أكرم الحوراني، مرورًا ((بالمستقلين)) و((الماركسيين)). هذه المجموعات الأربع توجد في أوساط العسكريين كما في أوساط المدنيين من أعضاء الحزب. يتم حشد الأكثر نشاطًا من بين مناضلي البعث القدامى، المهتمين بإعطاء تشكيلهم نظرية علمية حقيقية، ومن بين قدماء الشيوعيين الذين لم يعد بإمكانهم أن يتحملوا ارتباط الحزب الشيوعي السوري بموسكو. تنتظر المجموعتان كلتاهما؛ الأولى كما الأخيرة، في الحالات جميعها، نهاية الاشتراكية المتورمة قليلًا للآباء المؤسسين.

تمكن ميشيل عفلق المحاصر من الجهات جميعها من إرجاء الحلول، بفضل نجاح الانقلاب الذي حدث في العراق في 8 شباط 1963. ساعد نجاح ((الأخوة العراقيين)) عفلق الذي أسهم فيه إسهامًا كبيرًا؛ على استعادة المبادرة. هذا النجاح أجبر أعضاء اللجنة العسكرية على إعادة النظر في خطتهم في اللحظة نفسه، وهم يستعدون لأخذ السلطة في سورية.

ومما يبعث على الاستغراب، في الوقت الذي أصبح شائعًا القول أن حزب البعث وصل إلى السلطة في 8 آذار 1963، إلا أن الانقلاب الذي حدث في هذا اليوم هو من فعل ضباط غير بعثيين. في مساء 8 آذار في الوقت الذي يعزز الجيش هيمنته على البلاد، يتحدث النقيب سليم حاطوم -وهو درزي- باسم مجلس قيادة الثورة، ويدعو عبر الراديو الوطني بعض الضباط الذين طردوا من الجيش إلى الالتحاق بصفوف القوات المسلّحة، وكان من بينهم النقيب حافظ الأسد.

وعلى الرغم من كونهم أقلية، يتمتع الضباط البعثيون بتنظيم مميز في إطار مجلس قيادة الثورة، إذ تمكنوا من توسعته، ليضم عشرة أعضاء إضافيين مدنيين ، ومن بينهم ثمة خمسة بعثيين. وأصبح لديهم ثمانية أصوات من عشرين، ويستندون إلى بعض ((المستقلين))، مما مكنهم من الحصول على رئاسة مجلس قيادة الثورة مع صلاح البيطار. وصل رفيقه القديم ميشيل عفلق إلى قمة المجلس الوطني الجديد. ولكن سيطرت اللجنة العسكرية الشهيرة بصورة خاصة على القطاع العسكري للحزب وحدها، وما زال البعثيون بعد ذلك التاريخ، وبعد مضي ثمانية وعشرين عامًا (في عام 1991) في السلطة.

خلال بضعة أسابيع، قام الضباط البعثيون، الذين أصبحوا السادة الحقيقيين للبلاد، باستبعاد منافسيهم الحقيقيين الوحيدين، أي استبعاد العسكر المخلصين لناصر، وبالتزامن مع ذلك، بدأ صلاح جديد بالصعود، وكلف بقيادة الشؤون العسكرية من خلال تسلمه مديرية شؤون الضباط، وهو منصب استراتيجي جدًّا.

طوال الصيف عام 1963، حدثت القطيعة التامة مع مصر الناصرية، ففي خطابه الذي ألقاه بمناسبة الذكرى السابعة لتأميم قناة السويس، دان ناصر الخصائص غير الدينية والملحدة لنظرية البعث، وذهب أحد أنصاره -الرئيس اليمني السلال- إلى طرح السؤال على العلن حول الاسم المسيحي -ميشيل عفلق-، مؤسس الحزب. واستجاب الإعلام البعثي بقوة للرد على هذه الهجمات البائسة[43].الحاشية 43 غير موجودة، أرجح أنها هنا

في الوقت الذي يزداد فيه عدد المنتسبين للبعث بسرعة، وينخفض مستوى النوعية لهؤلاء[44]، أظهر المؤتمر القومي السادس للبعث تغيرًا أيديولوجيًا مهمًا -نحن في تشرين الأول 1963- لايظهر المفهوم المركزي للوحدة العربية في هذه النظرية إلا بصورة ثانوية، في الوقت الذي تتقدم الأفكار الماركسية اللينينية شيئًا فشيئًا لتخترق مصطلحات الحزب وفكره. كان الهدف العميق هو تحديد المضمون الاجتماعي للوحدة العربية بوصفها حقيقة لا جدل فيها في الأحوال جميعها، وبكلمة أخرى، لن تتحقق الوحدة العربية بصورة جيدة إلا عبر الاشتراكية العلمية. كما طالب الأيديولوجيون الأربعة والأربعون الجدد بتأسيس المزارع الجماعية، وطوال صيف 1963، تم العمل على تأميم مطاحن حلب.

يشهد عفلق والبيطار في حال من الذهول حقيقة إعدام وليدهما، بالنسبة للمنظرين، حيث تأتي الطموحات والأفكار الاشتراكية قبل أي رأي، وأصبح ثقلهم طاغيًا، وتمكنوا من السيطرة التامة على أجهزة الدولة، حتى جاء حافظ الأسد في نهاية عام 1970 ووضع حدًا ((لمناوراتهم)). ظهر منذ 1963 تياران متمايزان في البعث، لكن بدا ذلك أكثر وضوحًا في عام 1964، الإصلاحيون المناوئون بقوة للشيوعية، ممثلون بالرعيل الأول؛ والآخرون، من أصول ريفية بوجه عام، أكثر تجاوبًا مع الأفكار الاشتراكية، وأقل دافعًا نحو الأيديولوجيات العربية التي يتعلق بها ((الكبار)). وتجدر الإشارة إلى أن أعضاء اللجنة العسكرية ينتمون إلى التيار الثاني، فمعظمهم من العلويين، ولكن هم أبعد ما يكونون عن تكوين جبهة مشتركة.

 

الهيمنة على السلطة

بعد استبعاد يمين الحزب، سيتخلص حافظ الأسد خلال سنوات عدة من عقائديي اليسار الذين ضاق بهم البعث ذرعًا، فالإصلاح الزراعي، والتأميم، والإجراءات الاجتماعية الأخرى لم تعد تمثل سوى اهتمام محدود. يتجه الأسد بقوة نحو السلطة، ويعمل بوجه خاص على تشكيل (زبائنية)، وشبكة من المخلصين له لتمكينه من المناورة بحنكة وإبعاد منافسيه جميعهم واحدًا تلو الآخر.

بدأ حافظ الأسد منذ عام 1963 ببناء سلطته الشخصية بوقاحة نادرة، بعد ارتداء ملابسه العسكرية بقليل. أمر الشاب الملازم الأول محمد الخولي الذي يعمل معه بوضع القاعدة اللازمة لتأسيس استخبارات القوى الجوية التي سيستخدمها في السبعينيات لإتمام سيطرته على السلطة، وتعزيز موقعه. ونلاحظ شيئًا استثنائيًّا ونادرًا فالأسد هو الرجل الوحيد في سورية الذي طور لنفسه جهازًا أمنيًا سريًا، لا من أجل الدولة. وبعد سنتين من ذلك، بنى أيضًا الميليشيا، التي اشتهرت باسم سرايا الدفاع وأدت إلى شهرة أخيه رفعت بعد عشر سنوات.

على الرغم من ذلك، إذا صدقنا رفيق دربه الدائم ووزير الدفاع الحالي مصطفى طلاس، كان حافظ الأسد يعرف جيدًا في تلك المرحلة أين يضع قدميه: ((يقول، في السياسة الخارجية لا يوجد حب أو كراهية للأبد، لكن توجد مصالح ثابتة فقط. استنادًا إلى هذه القاعدة، يتوجب علينا الدفاع عن مصالحنا والتعامل مع البلدان الأجنبية في ضوء دعمهم أو معارضتهم لمصالحنا القومية. يجب أن تكون سياستنا الخارجية في مأمن من الاهتزازات وتقلبات المزاج))[45].

في ذلك الوقت، لم يتجاوز حافظ الأسد الخامسة والثلاثين من العمر، فهم جيدًا أن المستقبل سيكون ليسار الحزب. لا يتردد هذا التكتيكي البارع البعيد قدر ما هو ممكن عن الأيديولوجيا، في التأكيد فيما بعد: ((لم يكن ممكنًا المراوغة وقتًا أطول مع هذا الفريق الذي يحمل تناقضات على هذه الدرجة من العمق في ما يتعلق بالنظرية الثورية)). في 23 شباط 1966 احتل كل من سليم حاطوم وعزت جديد دمشق، وسيطرا على محاور الطرق التي تقود إلى العاصمة السورية كلها، ودخلا مبنى التلفزيون. كما تم زج أمين الحافظ رئيس الجمهورية في السجن، في الوقت الذي أرغم مؤسس حزب البعث على مغادرة سورية إلى لبنان.

وبخلاف ما تردد، يبقى دور الأسد في هذا اليوم ((التاريخي)) ثانويًا، على الرغم من أن الرجل الذي سيصبح وزيرًا للدفاع تابع عن كثب هذا الانقلاب، وأسهم في وضع خطته. في تلك المرحلة كان لحافظ الأسد بصورة مؤكدة أهمية خاصة، ولكن الرجل الحقيقي القوي في النظام بلا منازع هو صلاح جديد.

جديد شخصية مثيرة، هذا الضابط العلوي الذي هزم من قبل الأسد في عام 1970، ما زال منذ ذلك الحين يتربع في زنازين منافسه، بعثي مخلص، ومقتنع بأن الاشتراكية هي الطريق الوحيد الذي يقود إلى الوحدة العربية، لم تتناوله الشكوك بالميل إلى الطائفية –أظهر في مناسبات عدة قلقه من ضيق أفق بعض رفاقه، وطائفيتهم أو مناطقيتهم-، أراد جديد بطريقة حادة محضة، وغير واقعية، سعادة الشعب. فهو خير ممثل لهذا الجيل من الضباط ببوصفه القادم من الريف أو من الجبال، يحذر من برجوازية المدن، كما يحذر من الطاعون، وبخاصة البرجوازية السنية، ولكن عقيدته المطلقة ورفاقه، أديا إلى نفور الغالبية العظمى من الشعب السوري، الذي يقاوم أشكال التعبئة والتعسف كلها.

تخلى الثوري النقي والمتشدد صلاح جديد في اليوم التالي للانقلاب -السابع عشر منذ الاستقلال- عن وظائفه في إطار الآلة العسكرية جميعها، على الرغم من أهميتها الاستراتيجية، ليصبح الأمين العام المساعد للقيادة القطرية لحزب البعث، لأن منصب الأمين العام في تلك المرحلة يعود لرئيس الدولة. منصب كذلك له أهمية استراتيجية. يمكن تفهم خطوته كبعثي ملتزم، لأنه يعتقد بأولوية الحزب على الجيش، على غرار الماركسيين-اللينينيين الذين أثروا فيه تأثيرًا قويًا. باختياره هذا الحل، وبالتأكيد له رجاله في الجيش أيضًا، فقد جديد سلفًا الشوط مقابل حافظ الأسد الذي لا يرى سوى توازن القوى، وهو يعمل منذ زمن طويل -كما رأينا- على كسب ولاء الضباط أكثر فأكثر، ويمكن للأسد حقًا الاعتماد عليهم وحدهم.

لا يوجد منافس للأسد في سورية في هذه اللعبة الصغيرة، ظهر ذلك بشكل فاقع في أثناء حرب 1967. في الوقت الذي انساق رفاقه معظمهم مع الدعاية المصرية، أو وقعوا بعينين مغمضتين في الفخاخ الكثيرة التي نصبها الإسرائيليون، فهم وزير الدفاع السوري منذ زمن طويل أن الجيوش العربية غير قادرة بعد على إلحاق الهزيمة بالجيش الإسرائيلي. لم يؤثر التنسيق العسكري بين القاهرة ودمشق، الذي بدأ في 4 تشرين الثاني 1966؛ في حسابات الرجل البارد. ومثله السوفييت ليست لديهم أوهام، إذ حاولوا بالوسائل كلها إيقاف السير نحو الحرب عند العرب.

عندما طلب عبد الناصر من قوات الأمم المتحدة الانسحاب من سيناء ومن قطاع غزة، ارتكب خطيئة لا تغتفر، على الرغم من أننا نعرف اليوم بأنه لم يكن لديه أي نية بإشعال الحرب، ولكن من الناحية السيكولوجية، كان التأثير مدمرًا في الرأي العام الغربي المقتنع بأنه ليس لدى العرب فكرة أخرى سوى تدمير الدولة اليهودية. حينذاك، كان ديغول الرجل السياسي الوحيد الذي فهم جيدًا حجم المأساة التي يتم التحضير لها، لذلك اقترح على القوى الكبرى الثلاث الأخرى منع الطرفين من الشروع بالحرب. إضافة إلى ذلك، عندما قرر انتقاد من يبدأ المواجهات، لم يرم فقط إلى المحافظة على السلام، ولكن رمى إلى تقديم مخرج مشرف للعرب أيضًا. لم يأبه الإسرائيليون بذلك، فالتقطوا الفرصة لتحقيق أحلامهم التوسعية القديمة.

كان تحليل الأسد متطابقًا تقريبًا، ولكنه ليس لديه السلطة كلها، وغير قادر على معارضة الجموح الجنوني الذي يحرك الجماهير العربية، لقد تخندق خلف قرارات الحكومة وهيئة الأركان، ومارس في الوقت نفسه الضغوط، لتجنب التضحية بالطيران السوري بلا جدوى. يأخذ عليه مناوئوه وأعداؤه -بغير وجه حق- حتى اليوم الهزيمة والتراجع الذي لم يكن من فعله وحده. يمكننا في الواقع التفكير بأن القادة السوريين باختيارهم الحذر أنقذوا الوضع، فمن الواضح في الحالات جميعها أن رحيل حافظ الأسد كان ممكنًا كغيره من المسؤولين السوريين، لو تحولت الهزيمة إلى انهيار كامل.

إلا أن الشعور المخجل بالهزيمة، بالنسبة لهذا الرجل ذي السبعة وثلاثين عاماً، لم يكن ممكنًا نسيانه أبدًا. فخلال بضع سنوات، كان دومًا على مسافة من رفاقه في المغامرة، كان يتحمل، دون اعتراض، الحذلقة السوقية والهذر. في الوقت الذي يتركهم يهذرون، يعمل على تعزيز قوة استخباراته وميليشياته، ويحيط نفسه برجال موضع ثقة، يزدادون شيئًا فشيئًا، ويعرف كيف يمكنه يومًا ما أن يعتمد عليهم. إن خسارة الجولان وهذيان العديد من المسؤولين الذي يعتبرهم خطرين ومغامرين دفعوا البلاد إلى حافة الهاوية. يجب عليه إذًا أن يأخذ على عاتقه حكم البلاد. لم يفعل ذلك عن طريق ديمقراطية الحزب[46]، كما أحب التأكيد بعد مرور عشرين سنة، ولكن بطريقة تافهة باستبعاد خصومه السياسيين ليضع أصدقاءه مكانهم.

كما يقول من دون مواربة رفيقه المخلص مصطفى طلاس الذي أصبح رئيسًا للأركان في شباط عام 1968، كان حافظ الأسد ((يدرك عقلية صلاح جديد في القيادة، وبسبب تصرفاته دفع سورية إلى الابتعاد عن حلفائها المصريين الذين بدؤوا يتوجّسون ريبة منا. كذلك الجيش يجب أن يكون مخلصًا لوزير الدفاع. لقد اتخذنا الإجراءات الضرورية بتطبيق المناورات التي تسمى الأرضي شوكي. وننقل كل يوم ضابطًا ولاؤه غير مؤكد. لا يمكن لصلاح جديد أن يتدخل لمصلحتهم في كل يوم. ولكن في يوم ما، تبين له بأنه لم يعد لديه عناصر موالية، فطلب تحكيم المؤتمر القومي))[47]. سابقًا، وقبل أن يكون آخر ضحايا حافظ الأسد، شاهد صلاح جديد استبعاد أصدقائه الدروز والإسماعيليين بأم عينه من دون أن يكون قادرًا على أن يفعل شيئًا. وهكذا اختفت الأقليات السورية التي كانت تحتل مواقع أساسية في الحزب وفي الجيش، لإخلاء المكان للطائفة العلوية وحدها، لتشهد فيما بينها تصفية الحسابات.

على الرغم من ذلك، يمثل جديد وأصدقاؤه في عام 1966 قوة توجّب على الأسد أن يحسب حسابها، فمشروعهم السياسي المستوحى من الماركسية، يعجب فئات واسعة من الطبقة العاملة ومن الجامعيين. وثمة فكرة جديد هي أن استعادة الأراضي المحتلة؛ فلسطين والجولان بعد حرب 1967، وكذلك تحقيق الوحدة العربية غير ممكن إلا إذا أصبح المجتمع السوري والمجتمعات العربية الأخرى مجتمعات اشتراكية حقًا.

بالنسبة لكثير من العسكريين الذين يتفاهمون جيدًا مع الأسد، أيديولوجيا المجموعة التي تحتل السلطة هي أيديولوجيا دخانية وهمية. يرى الأسد في ضوء رفضه التمييز بين أنظمة رجعية وأنظمة تقدمية؛ أن الدول العربية لن تتغلب على إسرائيل إلا إذا تعاونت في ذلك. وفي هذه المرحلة، يطالب بالتوازن الاستراتيجي مع الدولة اليهودية، فالجيش الشعبي الذي يتوجب عليه دمج الفدائيين الفلسطينيين به يجب ألا يتم اعتباره كما يفكر جديد، رأس الحربة في الثورة العربية، ولكن يجب ببساطة إلغاؤه. وبديلًا من ذلك، يجب تعزيز الجيش التقليدي وتوجيهه للتعاون مع الجيوش العربية الأخرى.

لم يظهر كل من جديد والأسد ثقة كبيرة بالفلسطينيين، بل أرادا دائما السيطرة عليهم، عن كثب. كان لدى جديد احترام مؤكد للقضية الفلسطينية، وقاده ذلك إلى عدم إدخال أي عسكري سوري على الإطلاق إلى مخيم فلسطيني، بينما لم يكن لدى الأسد هذا النوع من الهواجس.

بعد عودة البعث إلى السلطة في بغداد في تموز 1968، تدهورت العلاقات بين الرجلين. رفض البعثيون السوريين إعادة اللحمة مع الحزب الشقيق. وقاد الأسد -الأقلية- إلى الاستقالة من منصبه في القيادة القطرية. على الرغم من ذلك، فإن المدنيين البعثيين غير قادرين أن يطلبوا منه الاستقالة من منصبه وزيرًا للدفاع في الحكومة. أفاد الأسد بعزلهم تمامًا عن أنصارهم في الجيش، انطلاقًا من مبدأ أن دعم عسكري واحد يساوي ألف مدني، ونقل العسكريين غير الموالين جميعهم، خصوصًا عزت جديد شقيق صلاح وقائد اللواء 70 المهم جدًا على الصعيد الاستراتيجي. تتناقض هذه التنقلات تمامًا مع القواعد المتبعة، فبموجب هذه القواعد فإن القيادة القطرية وحدها المخولة بتقرير ذلك.

في 25 شباط عام 1969، بعد هجوم إسرائيلي على بعض القرى بالقرب من دمشق، احتلت مدرعات الأسد النقاط الاستراتيجية في العاصمة، وسيطر رجاله على إذاعتي دمشق وحلب، وكذلك على صحيفتي البعث والثورة، كما تم إطلاق سراح عدد من السجناء السياسيين، ناصريين، وبعثيين قدماء، وحورانيين. وبالتزامن مع ذلك أحكم سيطرته على المناطق العلوية (اللاذقية) حيث يوجد عدد كبير من أنصاره. ولكن الجنرال لم يذهب حتى النهاية في انقلابه على الرغم من نجاحه، إنما اكتفى بتسجيل نقاط في أثناء المؤتمر القطري الاستثنائي المنعقد في آذار 1969 الذي أرضاه في كثير من النقاط.

توقف الهجوم على الأنظمة العربية، ثم بدأ التعاون مع بعض القوى التقدمية في سورية، كما تم الشروع بالإعداد لسلطات تشريعية موقتة، وتشكيل حكومة جديدة موسعة تضم بعض الأحزاب اليسارية. وأخيرًا، جهد الأسد في طمأنة البورجوازية الدمشقية والتجار السنيين المعجبين أكثر فأكثر بالأيديولوجيا الإسلامية.

الحرب الأهلية في الأردن وموت عبد الناصر في أيلول 1970 وضع، مع ذلك، نهاية لهذه الازدواجية في السلطة. ساند الأسد مساندة شكلية قرار السلطات السورية بمساعدة الفدائيين الذين يتعرضون للطرد من قبل الملك حسين. ودفعه التهديد بتدخل الولايات المتحدة وإسرائيل إلى سحب المدرعات السورية من الأردن. ووجد نفسه معزولًا في الحزب. واتهم بأنّه تبنّى ((خطًا رجعيًا انهزاميًا))، وطرد من الحزب في 12 تشرين الثاني 1970 بقرار من القيادة القومية للبعث للأسباب الثلاثة الآتية التي تنطبق على صديقه مصطفى طلاس:

  • التخلي عن الأهداف الأساسية للحزب
  • التمرد ضد الحزب، وضد قرارات مؤتمراته وناهض التوجهات التي اعتمدها الحزب
  • أخطأ بكامل إرادته بحق الحزب، وبمعنوياته وبشرعيته[48].

رد الأسد مباشرة باحتلال مكاتب الحزب بقواته العسكرية، اعتقل في وقت سابق الضباط الذين ما يزالون مناهضين له جميعهم[49]. وسجن كثير من المدنيين أيضًا. ثم تحدث، بعد بضعة أيام، عن موقفه، باقتضاب، ينكر الأسد تعبير ((انقلاب)) ويتحدث عن تطور عادي في إطار الحزب))[50].

حالما وصل إلى السلطة، تلقى مساندة تامة من اتحاد الجمهوريات العربية حديث العهد الذي يجمع مصر وليبيا والسودان. وتنفس الشعب السوري الصعداء بعد أن تخلص من منظريه، ولكن ليس لوقت طويل.

 

 

([1]) Jacques Weuleresse, de l`Institut française de Damas, Le pays des Alaouites, (Tours, Arrault et Cie. 1940),p. 53.

 

([2]) F.M.areja, Islamologie, (Imprimerie catholique de Beyrouth:1963), p. 844
مدخل جيد إلى المذهب الشيعي بالرغم من تقادم المعطيات الرقمية

 

([3]) نقرأ باهتمام بالغ الأجزاء الأربعة من رواية بيبرس، من منشورات سندباد في باريس. في الحقيقة أسهم بيبرس في طرد الصليبيين المحتلين جزءًا كبيرًا من الساحل السوري، وأصبح بسرعة النموذج الأمثل للسلطان الذي يدافع عن الإسلام ضد الكفار، من صليبيين وعلويين وآخرين إسماعيليين.

([4]) ابن تيمية تقي الدين، فتوى في النصيرية. تمت الإشارة إليه من قبل ستانيسلاس غيار، شخصية بارزة من الحشاشين في زمن صلاح الدين.  Cite par Stanislas Guyard, Un grand maitre des Assassins au temps de Saladin, Paris, Journal asiatique, 1787.

 

([5]) هيثم مناع، إنتاج الإنسان، ( بيروت: شرق المتوسط، 1986)، ص 107-108.

([6]) Ibn Battuta, Voyages, t. 1, p. 177. Cite par Dessaud (René) in Histoire et religion des Nosayrites; Paris. 1900.

 

([7]) Ibidem,p.178.

 

([8]) Jacques Weuleresse, op.cit,p. 118.

 

([9]) Eugene Lockroy, Mission d`Ernest Renan en Phenicie, (Paris : Tour du Monde, 1863).

 

([10]) Jean de La Roche, Note sur notre occupation du territoire alaouite, (Paris, Archives francaises, 1931).

([11]) عبد الجابر الجابوري، الأحزاب والجمعيات السياسية  في سوريا، (بغداد: 1980).

 

([12]) هذا الجد نفسه الذي غير اسمه ليصبح الأسد، غير راض بكنيته ((الوحش)).

 

([13]) الأجزاء الماخوذة من هذه المذكرة المسجلة هنا هي ترجمة من العربية، وليست من النص الفرنسي.

 

([14]) Itamar Rabinovich, Syria under the Ba`ath 1963/1966, The Army/Party symbiosis, (Jerusalem: Israel University Press), 1972.

([15]) عبد الجابر جابوري، مرجع سابق ص 87.

 

([16]) Itamar Rabinovich, op.cit., p. 25.

([17]) انظر الملحق عن حزب البعث في نهاية الكتاب.

 

([18]) الخرائط الرسمية السورية لسوريا كلها تتضمن لواء إسكندرون.

 

([19]) ques Weuleresse, Le pays des Alaouites, op,cit.,p. 340.

([20]) Ibidem,p. 244 et sqq.

([21]) René Dessaud, op.cit., p. 30.

([22]) Louis Massignon, Encyclopédie de l`Islam, article sur les Nosayrites.

 

([23]) بصورة عامة تترجم   tribu      إلى قبيلة.

 

([24]) Haytham Manna, Middle Eastern Studies, tome 23. Avril 1987, p. 221.

يبدو أن هيثم مناع الذي أمضى أشهرًا عدة في البحث الميداني كان له الأسبقية في تصحيح الوضع. لا يمكننا إلا تأكيد أهمية قراءة منشوراته التي تحمل إضاءة أصيلة ودقيقة عن سوريا المعاصرة.

([25]) Mahmud A.Faksh, The Alawi community of Syria: a new dominant political force, in Middle Eastern Studies, 1983. P. 137.

([26]) Hanna Batatu. “Some observations on the social roots of Syria`s ruling military group and the causes for its dominance” in Middle East Journal, ete 1981, P. 331.

 

([27]) محادثة مع المؤلف.

([28]) Nomenklatura Syrienne: le who`s who du pouvoir en Syrie” in Les cahiers de `Orient, Paris, n4, 4e trimestre 1986.

باستثناء بعض الأخطاء، تشكل هذه الوثيقة مرجعا مهمًا. النومنكلاتورا تعني رجالات السلطة.

 

([29]) Jacques Weuleresse, Le pays des Alaouites, op,cit.,p. 72.

([30]) Rachid al Hijar, “quelques remarques a propos de la destruction de la société syrienne “, in Soual; no 3; hiver 82-83, p. 43

 

([31]) Lucien Bitterlin, Hafez al Assad, le parcours d`un combatant, (Paris, Editions du Jaguar: 1986).    تهدف إلى التعريف بالرئيس السوري وسياسته. على الرغم من إثارتها للسخرية والنقد بقوة في أوساط عدة، لكن يجب الاعتراف بان هذه السيرة الشخصية تقدم معلومات جديدة عن مرحلة الشباب لحافظ الأسد، وكذلك تلقي الضوء على بعض الأحداث التاريخية الحديثة في سورية.

 

([32]) Bitterlin (Lucien), op. cit. p. 18.  هذا التأكيد يثير الحيرة، فأطفال المدارس في سورية يبدؤون تعلم القرآن في عمر الثامنة.

([33]) Ibidem,p. 15.

 

.

 

([34]) Henry Kissinger, Les années orageuses, t.1,0 (Paris: Fayard, 1982), p. 960.

([35]) Tabitha Petran, Syria nation of the modern World, (London: Ernest Benn Ltd, 1972), p.111.

 

([36]) كلمة عربية من أصل تركي تعني عقيد.

([37]) Kenneth Love, Swez the twice-fought war, (New York, 1969), p. 653.

 

([38]) Lucien Bitterlin, op. cit. p. 44

([39]) لمزيد من التفصيل فيما يتعلق باللجنة العسكرية، انظر الملحقات.

 

([40]) Lucien Bitterlin, op. cit. p. 54.

([41]) Itamar Rabinovich, op.cit., p. 26 et sqq.

([42]) عبد الكريم زهر الدين، مذكراتي عن فترة الانفصال في سوريا، (بيروت: 1968)، ص 216 و 372.

 

([43]) Itamar Rabinovich, op.cit., p. 72.

لمعرفة إجابات القادة البعثيين للسلال وناصر، انظر نضال البعث الجزء 6 ص 186-194

([44])  بصورة أساسية منيف الرزاز وجورج طرابيشي وياسين حافظ، بدلا من مكافأتهم على جهودهم، تم دفعهم من قبل صلاح جديد إلى المنافي أو السجون.

 

([45]) Lucien Bitterlin, op. cit. pp. 64 et 65.

 

([46]) Ibidem, p.64.

([47]) Ibidem, p.65.

 

([48]) وثائق عربية، بيروت، 1970. ذكرت في الصحيفة اللبنانية الراية في 17/11/1970.

 

([49]) الأسد في الواقع لا ينسى شيئا. فهو مقتنع من خلال التجربة بأن الذي ينجح في البقاء من بين كل مناوئيه ينتهي بالضرورة بأن يكون معه الحق! نجده هنا يستخدم الوقت بعناية….

([50]) مقابلة مع التلفزيون الفرنسي، وردت في جريدة الثورة السورية، في 27/11/1970. فعلى سؤال: ((يتحدث الإعلام الدولي عن انقلاب حدث للتو في سورية، ما هو رأيكم؟)) يجيب الأسد: ((لا نستطيع أن نوافق ما تؤكده وسائل الاعلام الدولية، ما حدث في سورية هو تغيير طبيعي في حزبنا، وهذا يمكن أن يحدث في أي حزب أو حركة ثورية في العالم. وبإمكانكم التأكد بأنه لا يوجد أي إشارة للانقلاب، فلا نسمع ولا تسمعون إطلاق نار، ولا يوجد تحركات عسكرية ولا جنود خارج ثكناتهم.

 

ترجمة فايز القنطار

باحث سوري، من مواليد 1950، إجازة في الآداب – دبلوم التأهيل التربوي- دبلوم الدراسات العليا –جامعة دمشق 1975، دكتوراه الدولة – جامعة فرانش كومتيه – فرنسا 1987، عضو هيئة تدريس (1984-2013) في عدة جامعات: جامعة فرانش كومتيه (فرنسا)، جامعة دمشق (كلية التربية)، الجامعة العربية المفتوحة – الكويت، عضو مجلس عمادة البرامج الأكاديمية في التربية منذ 2008، له عديد من الكتب المنشورة، منها: (مدخل إلى علم النفس التربوي، بالمشاركة، مكتبة الفلاح: الكويت 2005)، (علم نفس النمو (المراهقة)، بالمشاركة، الجامعة العربية المفتوحة، الكويت 2003)، (سيكولوجية السلوك الغذائي، دار العلم، الكويت 2005)، (الأمومة: نمو العلاقة بين الطفل والأم، سلسلة عالم المعرفة عدد 166، 1992)، إضافة إلى العديد من الأبحاث الأكاديمية المنشورة في دوريات متخصصة باللغات العربية والفرنسية والإنكليزية .